السينما العربية البديلة تبحث عن بديل

نجاحات محدودة ومستقبل غامض

المخرج الراحل نبيل المالح أحد وجوه السينما البديلة
المخرج الراحل نبيل المالح أحد وجوه السينما البديلة
TT

السينما العربية البديلة تبحث عن بديل

المخرج الراحل نبيل المالح أحد وجوه السينما البديلة
المخرج الراحل نبيل المالح أحد وجوه السينما البديلة

تعترض طريق السينما العربية مشاكل متعددة، نظراً لكونها تعتمد على نسبة محدودة من المشاهدين في بلدانها أو حتى خارج هذه البلدان. ليس كل السينما العربية في آنٍ معاً، فهناك نتائج أفلام أفضل من أخرى، ونجاحات أعلى قدراً من سواها، ومخرجون يصلون بسرعة وآخرون تتركهم الحياة المتسارعة وراءهم إما بعد نجاح واحد أو من دون أي نجاح.

مشهد من فيلم طارق صالح «ولد من الجنة»

على سبيل المثال فإن نجاح أفلام السعودية هيفاء المنصور «وجدة» واللبنانية نادين لبكي «كفرناحوم» والتونسية كوثر بن هنية «الرجل الذي باع ظله» لا يمكن نكرانها. كل واحدة من هؤلاء المخرجات قدّمت عملاً أبحر بعيداً في أركان الأرض عبر المهرجانات الدولية أولاً ثم عبر فتوحات تسويقية مثمرة. كذلك حال المخرج السوداني أمجد أبو العلا وفيلمه «ستموت في العشرين»، إذ انطلق على شاشة مهرجانات وغرف من الفرص التي أتبحث له سريعاً في صالات السينما حول العالم.
لكن الحال ليس كذلك بالنسبة لعدد أكبر من الأفلام العربية المنتجة خلال السنوات العشر الأخيرة على الأقل. ليس كذلك بالنسبة لفيلم مي المصري «3000 ليلة» أو لفيلم «آخر واحد فينا» لعلاء الدين سليم أو «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد أو «ساير الجنة» لسعيد سالمين المري و«غداء العيد» للوسيان بورجيلي أو «غزة مونامور» لطرزان وعرب ناصر.

«باب الوداع» فيلم فني هُضم حقه

من ناحية هو أمر صحيح إذا ما نظرنا إلى أن النجاح لا يمكن أن يُصيب كل الأفلام على نحو واحد أو متساوٍ، لكن من ناحية أخرى، فإن معظم النجاحات التي تحققت لأفلام تونسية ومغربية ولبنانية ومصرية في السنوات الأخيرة، كانت بفعل دعم أجنبي. هذا الدعم لا يشمل النسبة الأكبر من التمويل فقط، بل وضع اليد على تسويقه عالمياً وربطه بشبكة العروض في المناسبات الفنية كما في صالات العروض.

تكاتف
إنه وضع شائك بالنسبة لمن يرغب في تفكيكه لمعرفة حقيقته. هل تخدم هذه الأفلام السينما العربية بالمطلق أو تخدم طواقمها؟ هل هناك مردود معنوي أو مادي للدول العربية التي جاءت منها هذه الأفلام (ما نجح منها وما فشل) أو أن المردود محدود بمخرجي هذه الأفلام؟
السؤال الأهم هنا هو كيف لنا تصنيف هذه الأفلام إذا ما كانت تنطلق عربياً (كونها من مخرجين ومنتجين عرب ولو أن التمويل الأكبر غير عربي)؟ هل هي عربية فعلاً وأين تكمن في مسيرة كاملة أقدمت عليها السينما العربية منذ أواخر الستينات وخلال السبعينات عندما انتبه عدد من المخرجين والمنتجين والنقاد إلى ضرورة تأليف قاعدة جديدة للسينما العربية أطلق عليها اسم «السينما البديلة»؟ بالتالي، هل الأفلام المذكورة أعلاه بديلة؟ وإذا كانت، فبديلة لأي سينما أخرى؟

الوضع كان مختلفاً في ذلك الفترة
السينما المصرية كانت ما زالت تشغل عروض صالات السينما في أرجاء الدول العربية. من بيروت إلى تونس، ومن العراق إلى المغرب كانت السينما المصرية ما زالت مصدر الترفيه الأول في السينما العربية ولا ينافسها إلا الأفلام الأميركية في بعض هذه الدول. هذا كله كان جزءاً من النجاح الكبير للسينما المصرية، وفي المقابل جزء كبير آخر داخل مصر ذاتها.
إزاء نجاح أفلام من نوع «قلوب العذارى» و«بنت من البنات» و«حبي الأول والأخير» و«سقطت في بحر العسل» و«أبي فوق الشجرة» ومئات سواها تشابهها في عناصر الترفيه (بصرف النظر عما تبلغه أو لا تبلغه من الجودة). التفت بعض المخرجين الشبّان العرب باحثين عن وضع يتكاتفون فيه لطرح سينما تنتمي إلى المخرج وليس إلى المنتج وشروطه. التقت المصالح المشتركة صوب الدفع بسينما المؤلف إلى الأمام.
نواة هذا الوضع المستجد كان عدداً متنوّعاً من المخرجين العرب بينهم الفلسطيني غالب شعث «الظلال في الجانب الآخر» والمصري علي عبد الخالق «أغنية على الممر» واللبناني رهان علوية «كفر قاسم» والتونسي رضا الباهي «شمس الضباع» والمغربي سهيل بن بركة «ألف يد ويد» والسوري نبيل المالح «السيد التقدمي» والعراقي قاسم حول «الحارس» وعدد كبير آخر من الذين اجتمعوا تحت هذه الراية وأعلنوها ثم مضوا بها لبضع سنين.
كان الراحل برهان علوية على حق عندما أعلن أن السينما البديلة تحتاج لموزّع بديل يرغب في ترويجها وتوظيفها لإيصالها إلى العدد الكافي من الجمهور الباحث عن الاختلاف. هذا لم يكن متوفراً آنذاك ولم تنبرِ الشركات الغربية للاهتمام إلا على نحو محدود شمل الأفلام الأولى لسهيل بن بركة ورضا الباهي، والثاني بعد ذلك خط طريقه منفصلاً عن السينما البديلة لكن من دون تنازلات فنية، وهذا على عكس ما ذهب إليه المخرج علي عبد الخالق لاحقاً مقدماً على مجموعة من الأفلام التجارية التي كان انطلق عكسها.

نظرة أحادية
معظم الإنتاجات البديلة حينها كانت محلية الصنع. بعيدة عن المؤسسات العامّة منها أو الخاصّة. كما من المهم أنها كانت كذلك بعيدة عن طموحات مخرجين رموا شباكهم نحو الجمهور العالمي مثل مارون بغدادي ويوسف شاهين، ونجحوا في الانتقال إلى تلك الجبهة وأسسوا لطموحات عدد كبير من المخرجين العرب لدخول الأسواق العالمية.
لكن شروط الدخول اختلفت في الثمانينات والتسعينات واختلفت أكثر فيما بعد.
حسب أكثر من مخرج حالي ممتنع عن مزاولة العمل بشروط التوزيع الجديدة هناك سيطرة شبه كاملة لشركات الإنتاج الأجنبية على المخرج العربي الراغب في مساعدة تلك الشركات على تمويل فيلمه. لا يمكن، مثلاً، طرح القضية الفلسطينية على أساس ظالم ومظلوم (إلا إذا كان الإنتاج إسرائيلياً كما الحال مع أفلام المخرج آفي مغربي)، ولا يهم الحديث عن مجتمع متقدّم بذاته، بل لا بد من تصوير عالم يعيش، في بعض أركانه. على الأقل، تخلّفاً واضحاً سواء أكان سببه الأول سياسي مثل «ولد من الجنّة» لطارق صالح الذي تم تقديمه في العام الماضي ضمن مسابقة مهرجان «كان»، أو هلوسات شعبية ناتجة عن دين وتقاليد «ريش» لعمر الزهيري، مهرجان «كان»، 2021.
وحين معالجة قضايا محض سياسية، فإن تحليلها ليس مطلوباً. المطلوب هو الانحياز وتقديم صورة أحادية من منظور السياسات الغربية حيال ذلك الوضع.
في مثل هذا الوضع، فإن المعيار الفني الصارم الذي كان المصدر الأول لقبول فيلم في المهرجانات الغربية، أصبح عنصراً ثانياً أو ثانوياً. لا أحد يأبه كثيراً إذا ما كان المخرج متأثراً ببرغمن أو بغودار أو بتاركوفسكي أو أنطونيوني. ما هو مهم أن تكون عناصر الإنتاج المتوفرة كافية لصياغة عمل يحمل رسالة انتقادية تُصوّب سهامها، غالباً، للشرق وليس للغرب.
المشكلة، بالتالي، ليس مستوى التنفيذ، بل ما يستطيع الفيلم العربي بيعه في السوق الأجنبية، تماماً كأي سلعة تجارية. «بايشا» لمُنيا مدوّر (الجزائر)، «باريسية» لدانيال عربيد (لبنان) و«كفرناحوم» لنادين لبكي وغيرها وفّرت للمشاهدين في الغرب نماذج سلبية من الحياة في العالم العربي، لكن بينما «باب الوداع» لكريم حنفي و«هواجس الممثل المنفرد بنفسه» لحميد بن عمرة و«بغداد خارج بغداد» لقاسم حول، كانت من تلك الأفلام التي حرصت على أن تكون ذاتية وصادقة في منهج تعاملها مع الواقع أو مع التاريخ.
«باب الوداع» لكريم حنفي (قبل ثماني سنوات) كان من بين تلك الأفلام المصرية التي راوحت مكانها لأنها لم تتسلّح بعناصر غربية. البطولة هي للبصريات. لتلك فإن المَشاهد شكّـلت جيّـداً. للكاميرا، محمولة حيناً وثابتة في أحيانٍ أكثر، وهي تؤطّـر الجميع وتضفي ظلالها المستنتج من التصوير بالأبيض والأسود.
والحكاية ليست رواية بحبكات تقليدية باتت متوقعة ضمن سياق ما هو منتشر من أفلام عربية توزّع أوروبياً. هي حكاية ثلاثة أجيال، كل بمعزل عن الآخر (غالباً) ولكل مساحته الزمنية تشمل الآخر كحب وذكرى حانية. تواصل أجيال يتم بالموسيقى والصورة، وذلك النوع الرقيق من التعامل مع الشخصيات.
لكن المطلوب من المخرجين العرب ليس التفاني في صياغة فيلم فني، بل تعريض وضع اجتماعي للنقد وتوفير ما يسمّيه المخرج حميد بن عمرة بـ«أفلام الشاورما والغبار» للعين الغربية.

اندثار
النقد في السينما مطلوب، لكن حتى يكون صادقاً عليه أن يُعاين وينطلق من ناقد محلّي لوضع محلّي وصولاً لعين محلّية. عدا ذلك، فإن الناتج لا يُفيد.
نظرت السينما البديلة لأوضاع الحياة الاجتماعية والسياسية في تلك الفترة نظرة عميقة، ولو اختلط على بعض أركانها الفصل بين النيّات والنتائج فجاءت بعض أعمالها خطابية ومباشرة. تلك النظرة وجدت جمهوراً محلياً واهتماماً واسعاً بين المقبلين على مهرجانات السينما في تلك الآونة (قرطاج، دمشق، بيروت، بغداد، القاهرة).
ولمزيد من إيضاح أسباب وجودها حقيقة أنها، في الوقت الذي نادت بسينما مغايرة لتلك التجارية السائدة، فإنها وُلدت من بطن تلك السينما. بكلمات أخرى، لولا أفلام حسن الإمام وحلمي رفلة وحسام الدين مصطفى وسواهم من الذين سادت أفلامهم (بمعاييرها ومواضيعها المختلفة) الأسواق العربية، لما كان هناك داعٍ لسينما تريد قلب الطاولة على تلك الجماهيرية
اندثار السينما البديلة (وجماعة السينما الجديدة في القاهرة) لم يكن إلا لاختلاف وجهات النظر وإدراك البعض أن العمل الجماعي لن يمكن له أن يحقق المنشود. هذا ما يفسّر نجاح البعض (محمد خان، رضا الباهي، خيري بشارة، مارون بغدادي... إلخ) في نجاحات فردية من دون خيانة الرغبة في توفير بطانة فنية ضرورية.
الوضع حالياً هو أن الاتجاهات الفردية منقسمة على نفسها بين أفلام تصل إلى الغرب وأفلام لا تصل مطلقاً كون السوق العربية (كمجموع) أضعف من أن تلبّي النسبة المطلوبة من النجاح التجاري لتمكين هذه السينما من التطوّر، اعتماداً على أسواق الداخل وليس أسواق الخارج.


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز