أي بصمة سيتركها نتنياهو بين 13 رئيس حكومة على تاريخ إسرائيل؟

يحتاج إلى «خبطة ثقيلة» تحرره من وصمة الفساد

بنيامين نتنياهو في حملة قرب القدس قبل يومين من الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها وحزبه الليكود (غيتي)
بنيامين نتنياهو في حملة قرب القدس قبل يومين من الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها وحزبه الليكود (غيتي)
TT

أي بصمة سيتركها نتنياهو بين 13 رئيس حكومة على تاريخ إسرائيل؟

بنيامين نتنياهو في حملة قرب القدس قبل يومين من الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها وحزبه الليكود (غيتي)
بنيامين نتنياهو في حملة قرب القدس قبل يومين من الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها وحزبه الليكود (غيتي)

المستشارون المحيطون برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مشغولون كثيراً في البحث عن إجابة مقنعة لسؤال: ما هي البصمة التي سيتركها على التاريخ الإسرائيلي؟ فهو الذي غدا رئيس الحكومة لأطول مدة (15 سنة حتى الآن)، من مجموع 13 رئيس وزراء، دخل عامه الثالث والسبعين من العمر ويواجه محاكمة بثلاث لوائح اتهام بقضايا فساد صعبة. ويحتاج إلى «خبطة ثقيلة» تسجّل على اسمه وتحرره من وصمة الفساد.
وقد أقام نتنياهو حكومة يمينية صرف لأول مرة من دون حلفاء من الوسط اللبرالي، ذات أكثرية مضمونة (64 من مجموع 120 نائباً). ولكن هذه الأكثرية تجبره على اتخاذ قرارات وسن قوانين تتحكم به وتدفعه إلى جبهات يصطدم فيها مع حلفاء إسرائيل في الخارج وتفجر ضده غضباً جماهيرياً واسعاً.
فكيف يخوض نتنياهو هذه المواجهة. وهل ينجح في ترك بصمات تجعله قائداً تاريخياً لإسرائيل، أم تنهك قواه وتنهي حياته السياسية في السجن؟
منذ قيام إسرائيل عام 1948، اُنتُخب في إسرائيل 13 رئيس حكومة، حرص الغالبية منهم على ترك بصمة يتباهى بها أو يخجل بها، لكنها سُجلت على اسمه. بعضهم تركوا البصمة بسبب عمل قاموا به قبل الوصول إلى سدة الحكم العليا. فعلى سبيل المثال، كان ديفيد بن غوريون شاباً صغيراً عندما نظم تمرداً على مؤسس الحركة الصهيونية، ثيودور هرتسل، ورفض إقامة الدولة اليهودية في أوغندا وأصرّ على أن تقام في فلسطين.

الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات يخاطب (من اليسار) وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز، ووزير الخارجية الروسي فلاديمير كوزيريف، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ووزير الخارجية المصري عمرو موسى (خلف)، والرئيس المصري حسني مبارك  (غيتي)

شمعون بيرس لطالما تباهى بأنه كان صاحب مشروع تحويل إسرائيل إلى قوة نووية وبناء مفاعل ديمونة النووي. فعل ذلك عام 1958، عندما كان شاباً في الخامسة والثلاثين من العمر ويشغل منصب المدير العام لوزارة الدفاع. أما ليفي أشكول فكان أمين صندوق الحركة الصهيونية وفيما بعد وزيراً للمالية لمدة 11 سنة. وقبل قيام إسرائيل أخذ على عاتقه تزويد المستوطنات اليهودية بالماء، وقد تم تمويله بواسطة اتفاق مع الحكومة الألمانية النازية على السماح لليهود بأن يبيعوا أملاكهم وينقلوا المال إلى فلسطين وسجل على اسمه مشروع ضخ مياه الأنهر والجداول وتوزيعها كمياه شرب وري. واختتم حلمه بمشروع تحويل مجرى نهر الأردن وإقامة «مشروع المياه القطري» عندما كان رئيساً لشركة المياه «مكوروت».
أما أرئيل شارون فسجّل على اسمه اختراق ثغرة الدفرسوار واحتلال بقعة غربي قناة السويس ومحاصرة قوات الجيش الثالث المصري. وقد فعل ذلك بقرار فردي ضد إرادة قيادة الجيش عندما كان جنرالاً في جيش الاحتياط. ومناحم بيغن سجل على اسمه أنه كان قائد المعارضة اليمينية الذي بادر إلى الانضمام لحكومة ليفي أشكول عام 1967 وإقامة أول حكومة «وحدة وطنية». وقد فعل ذلك من دون اشتراط الحصول على منصب وصار نموذجاً للتواضع الذي لم يتسم به قادة سياسيون آخرون في ذلك العصر.
- حل الميليشيات اليهودية
منصب رئيس الحكومة يظل مختلفاً عن إنجازات آخرين في الدولة، وحتى عندما يكون في ملف إنجازاتهم شركاء آخرين، يظل الرصيد الأول لهم، سلباً أو إيجاباً. وفي جردة تاريخية تبدو أبرز بصمات رؤساء حكومات إسرائيل على النحو التالي:
ديفيد بن غوريون: مؤسس الدولة العبرية الذي دخل في نقاشات حادة مع عدد من رفاقه الذين لم يوافقوا على قرار التقسيم وحسم الأمر بتأييده. وفي رئاسته الحكومة سجلت على اسمه برامج ومشاريع عدة ترك فيها بصمات واضحة، أهمها قراره الصارم بحل جميع الميليشيات المسلحة للحركة الصهيونية وإقامة الجيش الإسرائيلي ليكون القوة العسكرية القانونية الوحيدة. وقد فرض هذا القرار بقوة السلاح وأغرق سفينة (ألطلينا) التي حملت أسلحة ومقاتلين من اليمين.

غولدا مائير في نيويورك نوفمبر 1969 (غيتي)  -  أرئيل شارون الجنرال الذي رأس الحكومة بين 2001 - 2005 (غيتي)

وسجل على اسم بن غوريون أيضاً الاتفاق الذي وقعه مع حكومة ألمانيا في العام 1952، وبموجبه تم دفع مليارات الماركات (وفيما بعد اليوروات) تعويضاً عن ممارسات النازية ضد اليهود. ودفعت بعض هذه الأموال مباشرة إلى الحكومة الإسرائيلية التي استخدمها بن غوريون لتمويل عمليات الهجرة الجماعية لليهود من دول الغرب والدول العربية. وقد تضاعف عدد اليهود في حينه من 650 ألفاً إلى 1.37 مليون نسمة. وشمل الاتفاق دفع رواتب شهرية من الحكومة الألمانية بشكل مباشر لمئات الوف المواطنين الإسرائيليين اليهود الناجين من المحرقة وما زالت تدفع حتى اليوم.
استقال بن غوريون عام 1953، ثم عاد إلى الحكم عام 1955 وبقي فيه حتى العام 1963 عندما أعلن اعتزاله. وحل محله لمدة سنتين موشيه شريت الذي كانت بصمته أنه «قائد ضعيف». ورغم أنه كان معتدلاً سياسياً تم توريطه في عمليات حربية بشعة في غزة والضفة الغربية. وسجلت على اسمه خطة فاشلة لدق الأسافين بين جمال عبد الناصر والولايات المتحدة الأميركية، فقد أرسلت المخابرات مجموعة جواسيس إلى مصر لتفجير مرافق أميركية. ولكن المخابرات المصرية كشفت الخطة واعتقلت العملاء وأعدمت عدداً منهم.
- ضم أراضٍ عربية
بعد شريت، اُنتُخب ليفي أشكول رئيساً للحكومة في العام 1963، وسجل على اسمه أنه ألغى الحكم العسكري عن المواطنين العرب (فلسطينيي 48)، وأنه شنّ حرب 1967 (التي لم يكن متحمساً لها، لكنه رضخ لضغوط الجنرالات، موشيه ديان وزير الدفاع، وإسحق رابين رئيس الأركان، وأرئيل شارون عضو رئاسة الأركان)، فاحتل سيناء المصرية والجولان السوري والضفة الغربية وقطاع غزة.
بعد وفاة أشكول عام 1969، انتخبت غولدا مئير كأول امرأة رئيسة حكومة. وسجلت على اسمها أنها أقرت «سياسة الاغتيالات للفلسطينيين» الذين خططوا ونفذوا الهجوم على الرياضيين الإسرائيليين في ميونيخ سنة 1972. وقد رفضت عروض الرئيس المصري أنو السادات لمفاوضات سلام، ووافقت على مشروع روجرز الأميركي للسلام، لكنها عملت كل ما في وسعها لإجهاض رغبة الأميركيين في تطوير تلك المبادرة. وقد أدت سياسة الرفض التي قادتها إلى اندلاع حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 التي اعتبرت في إسرائيل «فشلاً وفساداً». واضطرت إلى الاستقالة عام 1974 بعد مظاهرات ضخمة لليمين.
- اغتيال واعتراف بالفلسطينيين
حل إسحق رابين محل مئير، وسجل على اسمه قرار تحرير الرهائن من الطائرة الفرنسية التي اختطفها فلسطينيون إلى عينتيبه في اوغندا عام 1976. وقد كانت عملية عسكرية معقدة ومغامرة لكنها انتهت بنجاح رغم مقتل قائد القوات الإسرائيلية، يونتان نتنياهو (شقيق رئيس الحكومة الحالي). وقد وضعت إسرائيل في زمن رابين قواعد حماية مشددة في المطارات تحولت إلى نهج في جميع دول العالم.

الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في سبتمبر عام 1982 (غيتي)

وسجل رابين على اسمه، أنه استقال من رئاسة الحكومة، لمجرد نشر خبر صحافي عن قيام زوجته بفتح حساب بنكي في الولايات المتحدة عندما كان سفيراً لإسرائيل في واشنطن، ففي حينه كان محظوراً على الإسرائيليين فتح حساب بنكي في الخارج. وقد أقام اليمين مظاهرات صاخبة ضده. وبعد استقالته، فاز اليمين بقيادة مناحم بيغن في الحكم.
ولكن رابين عاد لدورة ثانية عام 1992، وسجّل على اسمه اختراقاً في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وتوقيع اتفاقيات أوسلو، ثم اتفاق السلام مع الأردن. كما سجّل في تاريخه قرار تشكيل حكومة بالاعتماد على أصوات النواب العرب في الكنيست، من حزبي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بقيادة النائب توفيق زياد والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة. وبسبب هذه الانعطافة الحادة في السياسة الإسرائيلية، شنّ اليمين المعارض برئاسة نتنياهو حملة احتجاج ضخمة فاتهم رابين بالخيانة ورفع أتباعه صورا مفبركة له بلباس ضابط في الجيش النازي، لتنتهي هذه الحملة باغتيال رابين برصاص الطالب الجامعي اليميني، يغئال عمير.
- اتفاق سلام صادم
قاد مناحم بيغن، أول حكومة يمين في إسرائيل عندما فاز بالانتخابات عام 1977 وأثار فوزه فزعاً في الشارع الإسرائيلي. لكنه طمأن الجمهور باختياره أحد زعماء حزب العمل موشيه ديان وزيراً للخارجية، وتحالف مع حزب الوسط برئاسة يغئال يدين. وعندما خرج الرئيس المصري أنور السادات بمبادرته لزيارة إسرائيل، تجاوب معه ووقّع على اتفاق سلام صادم لرفاقه في اليمين، فقد انسحب من سيناء بالكامل وثبّت بذلك مبدأ الانسحاب الإسرائيلي إلى آخر شبر من حدود 1967 ومبدأ إزالة المستوطنات اليهودية من الأرض المصرية.
وتضمن الاتفاق اعترافاً بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. ومع أن بيغن أمر بشن غارات تسببت في دمار المفاعل النووي في العراق عام 1981، وشن حرب لبنان الأولى بغرض القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية 1982، فقد سجّل في اليمين الإسرائيلي كقائد مهزوم، وأنهى حياته السياسية في عزلة فرضها على نفسه وبقي فيها حتى وفاته.
في العام 2017، صدر كتاب لايرز تدمور بعنوان «لماذا أنت تصوّت لليمين لكنك تحصل على اليسار». يقول فيه، إن بيغن أضاع فرصة فرض عقيدة اليمين في الحكم، خصوصاً بمواجهة أجهزة القضاء واحترام الدولة العميقة. يذكر، أن تدمور هذا هو أحد المقربين من نتنياهو وأدار معركته الانتخابية عام 2019، وعندما يدخل نتنياهو في جدل مع أحد قادة الليكود حول سياسته اليمينية الجديدة المتطرفة، يسأله «هل قرات كتاب تدمور؟».
- مؤتمر مدريد
جاء بعد بيغن شمعون بيرس الذي أقام حكومة وحدة مع الليكود برئاسة إسحق شمير، في العام 1984، وتبادل كلاهما رئاسة الحكومة لسنتين. وتم خلال حكمهما جلب 5000 يهودي من إثيوبيا بعملية شبه عسكرية.
ولكن فترة الحكم انقطعت، عندما كشف شمير عن أن بيرس يدير من ورائه مفاوضات في لندن مع الملك حسين، حول سلام إسرائيلي – أردني - فلسطيني. وبقي شمير رئيساً للحكومة حتى العام 1992، وسجل على اسمه انفجار الانتفاضة الأولى للفلسطينيين، عام 1987، التي حاول قمعها سوية مع رابين.
كما سجل على اسمه استقبال مليون يهودي من دول الاتحاد السوفياتي المنهار، والمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام سنة 1991.
وفي الهجرة اليهودية الأخيرة قفزت إسرائيل درجات عدة إلى الأمام علمياً وتكنولوجياً واقتصادياً؛ إذ إن الهجرة حملت معها أدمغة علماء وأطباء كبار ومثقفين وفنانين وأدباء. وفي مؤتمر مدريد وضع الأساس الأول للاعتراف بحقوق الفلسطينيين. اشتهر شمير بتصريح تحول إلى بصمة وهوية؛ إذ قال «سنظل نفاوض حتى نهاية العمر». وفي الانتخابات التالية سقط وفاز بالحكم رابين.
- الانسحاب من غزة
بعد اغتيال رابين تولى رئاسة الحكومة شمعون بيرس لبضعة أشهر، ليفوز عليه نتنياهو ويقيم حكومته الأولى في 1996. وفيها تبنى اتفاقيات أوسلو ونفذ قسماً آخر منها (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، لكنه عاد وحكم عليها بالشلل. ولكن الجمهور الإسرائيلي أسقطه عن الحكم وانتخب إيهود باراك عام 1999، الذي كان أول إنجاز مهم له الانسحاب من لبنان بشكل أحادي الجانب. وسجل على اسمه أيضاً تصريحه بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد بينه وبين ياسر عرفات، أن «لا يوجد شريك فلسطيني لعملية السلام»، وهي كلمات تحولت إلى عقيدة في إسرائيل وبسببها يتواصل ويتفاقم الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.
ولكن باراك زاد الطين بلة، بأن أضاف إلى فشله قرار السماح لرئيس المعارضة أرئيل شارون أن يقوم بزيارة استفزازية لباحات الأقصى، فاشتعلت الانتفاضة الثانية. باراك دفع ثمناً لفشله فلم ينتخب رئيساً للحكومة بعد أن هزمه الجنرال شارون وكان معروفاً عنه أنه «قائد يميني متطرف وبلطجي». شارون أدار حرباً للتخلص من ياسر عرفات فحاصره في قطاع غزة برام الله. وانتهت هذه المعركة فعلاً بغياب عرفات. ولكن بعد عرفات، بدأ شارون يفتش عن حلول للصراع مع الفلسطينيين وتحدث عن ضرورة التخلص من الاحتلال الإسرائيلي. وقام بانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة بعد أن هدم 21 مستوطنة هناك. واشتهر شارون بمقولة سياسية مهمة لتفسير تغيير مواقفه هي «ما تراه من هنا من مقعد رئيس الحكومة، لا تراه من هناك (أي من مقعد المعارضة)». لكن شارون لم يستطع إكمال مهمته لأسباب صحية ورحل بموت سريري.
جاء إيهود أولمرت بعد شارون الذي ترك بصمات خاصة به لأتباعه؛ فقد أغار على المفاعل النووي في سوريا، وشن حرب لبنان الثانية، وتوصل إلى شبه اتفاق مع الرئيس السوري حول السلام بين البلدين، لكن الولايات المتحدة اعترضت فتم تجميد الاتفاق. ثم عرض مشروع سلام على الرئيس الفلسطيني محمود عباس على أساس «حل الدولتين». وعندها تفجرت قضية الفساد ضده اضطر إلى الاستقالة وحكم عليه بالسجن الفعلي وأمضى سنة ونصف السنة فيه.
- دخول العرب الحكومة
نتنياهو جاء بعد أولمرت في العام 2009 وبقي في الحكم حتى 2021، عند سقوط حكومته بفوز تحالف غير مسبوق في السياسة: فقد تحالف حزب يمينا الذي يعدّ أكثر يمينية من حزب نتنياهو، مع سبعة أحزاب من الوسط واليسار، بينها القائمة العربية الموحدة للحركة الإسلامية بقيادة النائب منصور عباس. ومع أن هذه الحكومة لم تترك بصمات خاصة، إلا أن منحها الأحزاب العربية شرعية في الشراكة في حكم إسرائيل كان علامة فارقة.
إلا أن التجربة لم تتكلل بالنجاح التام ولم يوافق عليها 66 في المائة من اليهود على اعتبار أن إسرائيل دولة يهودية ولا يجوز إشراك العرب في حكمها. وقد استغل نتنياهو هذه المسألة ليبني عليها دعايته الانتخابية وفاز في النهاية بالحكم من جديد. وأقام حكومة يمين صرف.
- سنوات نتنياهو العجاف
يمكن وصف سنوات حكم نتنياهو في السنوات ما بين 2009 - 2021 بـ«السنوات العجاف». فهو لم يدفع بأي خطوة جديدة للأمام يترك خلفه بصمة. وسجّل في تاريخه خوض معركة صدامية مع الإدارة الأميركية برئاسة باراك أوباما لأول مرة في تاريخ العلاقات بين البلدين الحليفين. وقد دار الخلاف حول معارضته الاتفاق النووي مع إيران. كما دخل نتنياهو في صدام مع قادة الجيش والمخابرات الإسرائيلية وانشغل في آخر ثلاث سنوات في التحقيقات معه حول قضايا الفساد. لكن حكمه شهد مرحلة ازدهار عندما تولى دونالد ترمب الرئاسة الأميركية وطرح صفقة القرن وتوصل إلى اتفاقيات إبراهيم للسلام مع الإمارات والبحرين اتسعت لتشمل السودان والمغرب. ومع أن اليمين المتطرف هاجمه على بند في السلام مع الإمارات تنازل بموجبه عن بند في الصفقة ينص على ضم 30 في المائة من الضفة الغربية، إلا أن اليمين لم يرَ بداً من الوقوف وراء نتنياهو للعودة إلى الحكم وهكذا فاز معه بالحكم من جديد.
والآن تقف محاكمته حجر عثرة في إدارته الحكم بشكل سليم. لذلك يكرس جل اهتمامه لإحداث انقلاب ضد جهاز القضاء كي يفلت من المحاكمة. وفي هذه الأثناء يفتش نتنياهو عن مسارات تجعله يترك بصمات في التاريخ الإسرائيلي تبرزه كقائد تاريخي. وهو يتطلع إلى جبهات عدة يمكنها أن توفر له هذا الحلم، أهمها «الموضوع الإيراني، وتوسيع اتفاقيات إبراهيم وإقامة الشرق الأوسط الجديد». في موضوع إيراني يطمح لأن يقضي على مشروعها النووي ومشروع الهيمنة على المنطقة ويدفع نحو إسقاط النظام. لكنه لأجل ذلك يحتاج إلى علاقات متينة مع الإدارة الأميركية، ولكي تكون كذلك عليه أن يحدث تغييراً في الوضع الفلسطيني، أو على الأقل أن يبقى على هذا الوضع كما هو من دون تدهور جديد. وهنا يصطدم مع حلفائه الذين كبّلوا يديه باتفاقيات توسيع الاستيطان وتسليم المتطرفين إدارة شؤون الفلسطينيين. ويصطدم أيضاً مع معارضة شعبية قوية تتنامى قوتها من أسبوع إلى آخر.
المعارضون لنتنياهو يرون أن جهوده ستكون أصعب من تفتيش عن إبرة في كومة قش هائلة الحجم. والمقربون من نتنياهو يرون أنه داهية سياسية سيتمكن من الإفلات من القيود واختراق الأطواق التي فرضها على نفسه، ويترك بصماته بالتالي على المجتمع الإسرائيلي «بل وأبعد من ذلك».


مقالات ذات صلة

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

شؤون إقليمية غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

في اليوم الذي استأنف فيه المتظاهرون احتجاجهم على خطة الحكومة الإسرائيلية لتغيير منظومة الحكم والقضاء، بـ«يوم تشويش الحياة الرتيبة في الدولة»، فاجأ رئيس حزب «المعسكر الرسمي» وأقوى المرشحين لرئاسة الحكومة، بيني غانتس، الإسرائيليين، بإعلانه أنه يؤيد إبرام صفقة ادعاء تنهي محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتهم الفساد، من دون الدخول إلى السجن بشرط أن يتخلى عن الحكم. وقال غانتس في تصريحات صحافية خلال المظاهرات، إن نتنياهو يعيش في ضائقة بسبب هذه المحاكمة، ويستخدم كل ما لديه من قوة وحلفاء وأدوات حكم لكي يحارب القضاء ويهدم منظومة الحكم. فإذا نجا من المحاكمة وتم تحييده، سوف تسقط هذه الخطة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

سادَ هدوء حذِر قطاع غزة، صباح اليوم الأربعاء، بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، على أثر وفاة المعتقل خضر عدنان، أمس، مُضرباً عن الطعام في السجون الإسرائيلية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وكانت وسائل إعلام فلسطينية قد أفادت، فجر اليوم، بأنه جرى التوصل لاتفاق على وقف إطلاق النار بين فصائل فلسطينية والجانب الإسرائيلي، وأنه دخل حيز التنفيذ. وقالت وكالة «معاً» للأنباء إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة «مشروط بالتزام الاحتلال الإسرائيلي بعدم قصف أي مواقع أو أهداف في القطاع».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد مرور 75 عاماً على قيامها، أصبح اقتصاد إسرائيل واحداً من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم، وحقّقت شركاتها في مجالات مختلفة من بينها التكنولوجيا المتقدمة والزراعة وغيرها، نجاحاً هائلاً، ولكنها أيضاً توجد فيها فروقات اجتماعية صارخة. وتحتلّ إسرائيل التي توصف دائماً بأنها «دولة الشركات الناشئة» المركز الرابع عشر في تصنيف 2022 للبلدان وفقاً لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، متقدمةً على الاقتصادات الأوروبية الأربعة الأولى (ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا)، وفقاً لأرقام صادرة عن صندوق النقد الدولي. ولكن يقول جيل دارمون، رئيس منظمة «لاتيت» الإسرائيلية غير الربحية التي تسعى لمكافحة ا

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي، كيفين مكارثي، في تل أبيب، امتعاضه من تجاهل الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو وامتناعه عن دعوته للقيام بالزيارة التقليدية إلى واشنطن. وهدد قائلاً «إذا لم يدع نتنياهو إلى البيت الأبيض قريباً، فإنني سأدعوه إلى الكونغرس». وقال مكارثي، الذي يمثل الحزب الجمهوري، ويعدّ اليوم أحد أقوى الشخصيات في السياسة الأميركية «لا أعرف التوقيت الدقيق للزيارة، ولكن إذا حدث ذلك فسوف أدعوه للحضور ومقابلتي في مجلس النواب باحترام كبير. فأنا أرى في نتنياهو صديقاً عزيزاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

بدأت المواجهة المفتوحة في إسرائيل، بسبب خطة «التعديلات» القضائية لحكومة بنيامين نتنياهو، تأخذ طابع «شارع ضد شارع» بعد مظاهرة كبيرة نظمها اليمين، الخميس الماضي، دعماً لهذه الخطة، ما دفع المعارضة إلى إظهار عزمها الرد باحتجاجات واسعة النطاق مع برنامج عمل مستقبلي. وجاء في بيان لمعارضي التعديلات القضائية: «ابتداءً من يوم الأحد، مع انتهاء عطلة الكنيست، صوت واحد فقط يفصل إسرائيل عن أن تصبحَ ديكتاتورية قومية متطرفة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

ترمب يفاجئ العالم بـ«اتصالات» مع إيران

ترمب. (رويترز)
ترمب. (رويترز)
TT

ترمب يفاجئ العالم بـ«اتصالات» مع إيران

ترمب. (رويترز)
ترمب. (رويترز)

فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب العالم، أمس، بإعلانه إجراء «اتصالات» مع إيران، قائلاً إن بلاده مدّدت المهلة الممنوحة لإعادة فتح مضيق هرمز خمسة أيام، وستعلق خلال هذه الفترة الضربات التي كانت تهدد بها محطات الكهرباء الإيرانية.

وقال ترمب إن هذه الخطوة جاءت بعد محادثات «جيدة جداً ومثمرة» خلال اليومين الماضيين، مشيراً إلى أن الاتصالات ستستمر طوال الأسبوع. وأضاف أن المحادثات جرت عبر «شخصية رفيعة» داخل إيران ليست المرشد الجديد مجتبى خامنئي، وأن مبعوثه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر توليا هذه الاتصالات. وكشف عن «نقاط رئيسية» لاتفاق محتمل، بينها وقف التخصيب، والتخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب، وإعادة فتح مضيق هرمز.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مصادر مطلعة أن تركيا ومصر وباكستان نقلت رسائل بين الجانبين، وأن هناك وساطة إقليمية «مستمرة وتحرز تقدماً». كما قال مسؤول إيراني لـ«رويترز» إن واشنطن طلبت لقاء رئيس البرلمان محمد باقر قالیباف، من دون أن تحسم طهران موقفها.

وبينما قال قالیباف إن أي مفاوضات مع الولايات المتحدة «لم تجرِ»، معتبراً ما يُتداول «أخباراً مضللة» تستهدف التلاعب بالأسواق، لم يستبعد المتحدث باسم «الخارجية» الإيرانية، إسماعيل بقائي، إمكانية إجراء محادثات، مشيراً إلى أن رسائل أميركية وصلت عبر دول صديقة، لكن إيران لم تجرِ مفاوضات مع الولايات المتحدة منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي.


غموض حول الحصيلة الفعليّة لقتلى الحرب في إيران

أعمدة دخان تتصاعد فوق مدينة أصفهان الإيرانية بعد غارات جوية تعرّضت لها المدينة 14 مارس 2026 (أ.ف.ب)
أعمدة دخان تتصاعد فوق مدينة أصفهان الإيرانية بعد غارات جوية تعرّضت لها المدينة 14 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

غموض حول الحصيلة الفعليّة لقتلى الحرب في إيران

أعمدة دخان تتصاعد فوق مدينة أصفهان الإيرانية بعد غارات جوية تعرّضت لها المدينة 14 مارس 2026 (أ.ف.ب)
أعمدة دخان تتصاعد فوق مدينة أصفهان الإيرانية بعد غارات جوية تعرّضت لها المدينة 14 مارس 2026 (أ.ف.ب)

يلفّ غموض كبير العدد الفعلي للقتلى الذين سقطوا في إيران في ثلاثة أسابيع من الحرب، بغياب أي تحديثات رسمية، وفي ظل الانقطاع المتكرر لشبكة الإنترنت الذي يعوق عمل المنظمات الحقوقية الأجنبية الساعية لتوثيق حصيلة النزاع في البلاد.

ويعود آخر تقدير صادر عن وزارة الصحة الإيرانية لحصيلة الضحايا إلى 8 مارس (آذار)، اليوم التاسع من النزاع.

حينها، أعلنت الوزارة مقتل نحو 1200 مدني في غارات جوية أميركية وإسرائيلية في أنحاء البلاد.

لطالما اعتُبرت منظمات حقوق الإنسان الأجنبية من أكثر المصادر موثوقية للحصول على معلومات حول الحياة داخل إيران، حيث الرقابة صارمة للغاية.

لكن مع الانقطاع في الإنترنت والاتصالات الهاتفية، تجهد هذه المنظمات للوصول إلى شبكات معارفها على الأرض.

وتُقدّر وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، وهي منظمة غير حكومية تتخذ مقراً في الولايات المتحدة وأدت دوراً محورياً في توثيق القتلى خلال القمع العنيف للاحتجاجات المناهضة للحكومة في يناير (كانون الثاني)، أن 1407 مدنيين قُتلوا في النزاع، بينهم 214 طفلاً.

وقالت نائبة مدير «هرانا» سكايلر تومسون لوكالة الصحافة الفرنسية: «أعتقد أن هذا الحد الأدنى، الحد الأدنى المطلق، وذلك ببساطة لأننا لا نملك القدرة على الوجود في كل مكان في آن واحد وفهم حجم ما يحدث بشكل كامل».

وأضافت: «بالنظر إلى حجم الضربات وسرعة استهداف المواقع في جميع أنحاء البلاد، يستحيل توثيق الخسائر بالوتيرة نفسها».

لا يُقدّم الهلال الأحمر الإيراني تقديرات لعدد الضحايا، ولكن وفق أحدث إحصاءاته، أدت الحرب الدائرة منذ 28 فبراير (شباط) إلى تضرر 61 ألفاً و555 منزلاً، و19 ألف شركة، و275 مركزاً طبياً ونحو 500 مدرسة.

وتمكّن صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» المتمركزون في طهران من تأكيد تضرّر العديد من المباني المدنية جراء الضربات، بما فيها مبانٍ سكنية سُوّيت بالأرض جراء عصف الانفجارات، ولكن ليس في خارج المدينة. ولا يُسمح للصحافيين بالتنقل داخل البلاد من دون تصريح رسمي.

مشاكل الاتصال

يتزايد التشكيك في الأرقام الإيرانية الرسمية لدى منظمات حقوق الإنسان، لا سيما بعد القمع العنيف لاحتجاجات يناير.

رغم اعتراف إيران بمقتل نحو 3 آلاف شخص في هذه الاحتجاجات، معظمهم من قوات الأمن، فإن تقديرات باحثين ونشطاء مقيمين في الخارج تحدثت عن أعداد أكبر بكثير من القتلى، تراوح بين 7 آلاف و35 ألف شخص.

وقالت أويار شيخي من منظمة «هينغاو» الحقوقية التي تتخذ مقراً في النرويج، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن لإيران «تاريخاً في الامتناع عن نشر البيانات أو جمعها».

وتتمثل المشكلة الرئيسية التي تواجه «هينغاو» وغيرها من المنظمات الساعية إلى توفير بديل موثوق للبيانات الرسمية غير المكتملة، في الانقطاع شبه التام للإنترنت في إيران منذ بدء الحرب.

وأضافت شيخي: «الاتصال (بالإنترنت) أسوأ من أي وقت مضى، لذا من الصعب للغاية الحصول على بيانات دقيقة حول عدد القتلى، والمعلومات التي نحصل عليها محدودة للغاية».

وأكدت أن السلطات الإيرانية قد تعتقل الأشخاص الذين يرسلون معلومات إلى الخارج، وأن إجراء مكالمات هاتفية بإيران من الخارج يكاد يكون مستحيلاً.

مدرسة ميناب

تُعدّ الغارة الجوية التي استهدفت مدرسة ابتدائية في ميناب وأسفرت عن مقتل 165 شخصاً على الأقل، أكبر خسارة في صفوف المدنيين في الحرب حتى الآن، وفق الأرقام الرسمية.

وحسب النتائج الأولية لتحقيق عسكري أميركي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد أصاب صاروخ أميركي من نوع «توماهوك» المدرسة في اليوم الأول من العمليات القتالية، نتيجة خطأ في تحديد الهدف.

كما وثّقت منظمة «هينغاو» غارة جوية على مطحنة دقيق في مدينة نقدة في غرب البلاد في 7 مارس، أسفرت عن مقتل 11 عاملاً وإصابة 21 آخرين.

وفي أنحاء أخرى من الشرق الأوسط، أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن الغارات الإسرائيلية أسفرت عن مقتل 1029 شخصاً، بينما قُتل 16 مدنياً جراء هجمات إيرانية في إسرائيل، و17 مدنياً آخرين في دول الخليج، وفق السلطات المحلية وفرق الإنقاذ.


قبل الهجوم على إيران… نتنياهو ضغط على ترمب لقتل خامنئي

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

قبل الهجوم على إيران… نتنياهو ضغط على ترمب لقتل خامنئي

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

قبل أقل من 48 ساعة من بدء الضربة الأميركية - الإسرائيلية على إيران، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هاتفياً مع الرئيس دونالد ترمب بشأن مبررات شن حرب معقدة وبعيدة المدى من النوع الذي كان ترمب قد خاض حملته الانتخابية على أساس معارضته في السابق.

وأفادت «رويترز» نقلاً عن مصادر مطلعة أن كل من ترمب ونتنياهو كانا يعلمان، من إحاطات استخباراتية في وقت سابق من الأسبوع، أن المرشد علي خامنئي ومعاونيه الرئيسيين سيجتمعون قريباً في مجمعه في طهران، ما يجعلهم عرضة لـ«ضربة قطع رأس»؛ أي هجوم يستهدف كبار قادة الدولة، وهو أسلوب يستخدمه الإسرائيليون كثيراً، لكنه أقل حضوراً تقليدياً في العقيدة الأميركية.

وأشارت معلومات استخباراتية جديدة إلى أن الاجتماع قُدّم إلى صباح السبت بدلاً من مساء السبت، وفقاً لثلاثة أشخاص أُحيطوا علماً بالمكالمة. ولم يسبق أن كُشف عن هذه المكالمة.

وقال هؤلاء إن نتنياهو، الذي كان مصمماً على المضي في عملية ظل يدفع باتجاهها لعقود، جادل بأنه قد لا تتاح فرصة أفضل لقتل خامنئي والانتقام من محاولات إيرانية سابقة لاغتيال ترمب. وشملت تلك المحاولات مخطط قتل مأجور قيل إن إيران دبرته في 2024، حين كان ترمب مرشحاً.

وكانت وزارة العدل قد اتهمت رجلاً باكستانياً بمحاولة تجنيد أشخاص داخل الولايات المتحدة للمشاركة في الخطة، التي قيل إنها جاءت رداً على قتل واشنطن قائد «الحرس الثوري» قاسم سليماني.

وقالت المصادر، التي تحدثت شريطة عدم كشف هوياتها لمناقشة مداولات داخلية حساسة، إنه بحلول وقت تلك المكالمة، كان ترمب قد وافق بالفعل على فكرة تنفيذ الولايات المتحدة عملية عسكرية ضد إيران، لكنه لم يكن قد حسم بعد متى أو تحت أي ظروف ستنخرط الولايات المتحدة.

وكان الجيش الأميركي قد عزز وجوده في المنطقة لأسابيع، ما دفع كثيرين داخل الإدارة إلى الاستنتاج بأن المسألة لم تعد ما إذا كان الرئيس سيمضي قدماً، بل متى سيفعل ذلك. وكان أحد التواريخ المحتملة، قبل ذلك بأيام قليلة، قد أُلغي بسبب سوء الأحوال الجوية.

لقطة فيديو نشرها الجيش الإسرائيلي أمس تظهر لحظة استهداف مقر خامنئي (أ.ف.ب)... وفي الإطار صورة للمرشد الإيراني (د.ب.أ)

وقالت «رويترز» إنها لم تتمكن من تحديد مدى تأثير حجج نتنياهو على ترمب وهو يدرس إصدار أوامر الضربة، لكن المكالمة مثلت المرافعة الختامية التي قدمها نتنياهو إلى نظيره الأميركي.

وقالت المصادر الثلاثة المطلعة على المكالمة إنها تعتقد أن هذه المكالمة - إلى جانب المعلومات الاستخباراتية التي أظهرت أن نافذة قتل المرشد الإيراني توشك أن تُغلق - شكلت عاملاً محفزاً لقرار ترمب النهائي في 27 فبراير (شباط) بإصدار أوامر للجيش بالمضي في عملية «إيبيك فيوري».

وجادل نتنياهو بأن ترمب يمكن أن يصنع التاريخ بالمساعدة على القضاء على قيادة إيرانية طالما عاداها الغرب وكثير من الإيرانيين أيضاً.

وأضاف أن الإيرانيين قد ينزلون حتى إلى الشوارع، ويطيحون بالنظام الثيوقراطي الذي يحكم البلاد منذ عام 1979، والذي ظل، حسب رأيه، مصدراً رئيسياً للإرهاب العالمي وعدم الاستقرار منذ ذلك الحين.

وسقطت القنابل الأولى صباح السبت 28 فبراير. وأعلن ترمب في ذلك المساء أن خامنئي قد قُتل.

ورداً على طلب للتعليق، لم تتناول المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي مباشرة المكالمة بين ترمب ونتنياهو، لكنها قالت لـ«رويترز» إن العملية العسكرية صُممت من أجل «تدمير قدرة النظام الإيراني على إنتاج الصواريخ الباليستية وتشغيلها، والقضاء على بحرية النظام الإيراني، وإنهاء قدرته على تسليح الوكلاء، وضمان ألا تتمكن إيران أبداً من امتلاك سلاح نووي».

ولم يرد مكتب نتنياهو ولا ممثل إيران لدى الأمم المتحدة على طلبات التعليق.

وكان نتنياهو قد رفض، في مؤتمر صحافي يوم الخميس، بوصفها «أخباراً كاذبة»، المزاعمَ القائلة إن إسرائيل «دفعت الولايات المتحدة بطريقة ما إلى الدخول في صراع مع إيران»، مضيفاً: «هل يعتقد أحد فعلاً أن في وسع أيّ أحد أن يملي على الرئيس ترمب ما الذي ينبغي أن يفعله؟ هيا».

وكان ترمب قد قال علناً إن قرار توجيه الضربة كان قراره وحده.

ولا تشير رواية «رويترز»، المستندة إلى مسؤولين وآخرين مقربين من الزعيمين تحدث معظمهم شريطة عدم كشف هوياتهم نظراً لحساسية المداولات الداخلية، إلى أن نتنياهو أجبر ترمب على الذهاب إلى الحرب.

لكنها تُظهر أن نتنياهو كان مدافعاً فعالاً عن هذا الخيار، وأن طريقة عرضه للقرار - بما في ذلك فرصة قتل قائد إيراني يُزعم أنه أشرف على جهود لقتل ترمب - كانت مقنعة للرئيس الأميركي.

وكان وزير الدفاع بيت هيغسيث قد لمح في أوائل مارس (آذار) إلى أن الثأر كان، على الأقل، أحد دوافع العملية، حين قال للصحافيين: «إيران حاولت قتل الرئيس ترمب، والرئيس ترمب هو من كانت له الضحكة الأخيرة».

هجوم يونيو استهدف مواقع نووية وصاروخية

خاض ترمب حملته الانتخابية في 2024 على أساس سياسة «أميركا أولاً» الخارجية التي اتبعتها إدارته الأولى، وقال علناً إنه يريد تجنب الحرب مع إيران، مفضلاً التعامل مع طهران دبلوماسياً.

لكن مع فشل المناقشات حول البرنامج النووي الإيراني في إنتاج اتفاق في الربيع الماضي، بدأ ترمب يفكر في توجيه ضربة، وفقاً لثلاثة أشخاص مطلعين على مداولات البيت الأبيض.

صورة تظهر الضربات على منطقة باستور التي تضم مقر المرشد وديوان الرئاسة ومجلس الأمن القومي فجر الجمعة 6 مارس الجاري (شبكات التواصل)

وجاء هجوم أول في يونيو (حزيران)، عندما قصفت إسرائيل المنشآت النووية الإيرانية ومواقع الصواريخ وقتلت عدداً من القادة الإيرانيين. ثم انضمت القوات الأميركية لاحقاً إلى الهجوم، وعندما انتهت تلك العملية المشتركة بعد 12 يوماً، تفاخر ترمب علناً بالنجاح، قائلاً إن الولايات المتحدة «دمرت بالكامل» المنشآت النووية الإيرانية.

ومع ذلك، عادت المحادثات بعد أشهر بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول شن هجوم جوي ثانٍ يهدف إلى ضرب مواقع صاروخية إضافية ومنع إيران من امتلاك القدرة على بناء سلاح نووي.

وكان الإسرائيليون يريدون أيضاً قتل خامنئي، الخصم الجيوسياسي القديم واللدود الذي أطلق مراراً صواريخ على إسرائيل ودعم قوى وكيلة مدججة بالسلاح تحيط بالدولة. وشمل ذلك حركة «حماس» التي شنت هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 المباغت من غزة، و«حزب الله» في لبنان.

وقال وزير الدفاع إسرائيل كاتس للقناة «12» الإسرائيلية في 5 مارس، إن الإسرائيليين بدأوا التخطيط لهجومهم على إيران على أساس أنهم سيتصرفون وحدهم. لكن، خلال زيارة قام بها نتنياهو إلى منتجع مارالاغو الخاص بترمب في فلوريدا في ديسمبر (كانون الأول)، أبلغ نتنياهو ترمب بأنه غير راضٍ تماماً عن نتائج العملية المشتركة في يونيو، وفقاً لشخصين مطلعين على العلاقة بين الزعيمين تحدثا شريطة عدم كشف هويتيهما.

صورة من قمر «إيرباص» تظهر آثار الهجوم على مقر المرشد الإيراني علي خامنئي السبت (أ.ب)

وأضاف الشخصان أن ترمب أبدى انفتاحاً على حملة قصف جديدة، لكنه أراد أيضاً تجربة جولة جديدة من المحادثات الدبلوماسية.

وقال عدد من المسؤولين والدبلوماسيين الأميركيين والإسرائيليين إن حدثين دفعا ترمب نحو مهاجمة إيران مرة أخرى.

فالعملية الأميركية في 3 يناير (كانون الثاني) للقبض على رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في كاراكاس - التي لم تسفر عن مقتل أي أميركيين وأزاحت من السلطة خصماً قديماً للولايات المتحدة - أظهرت أن العمليات العسكرية الطموحة قد تكون لها تبعات جانبية محدودة على القوات الأميركية.

وفي وقت لاحق من الشهر نفسه، اندلعت احتجاجات ضخمة مناهضة للحكومة في إيران، ورد عليها «الحرس الثوري» بعنف شديد أدى إلى مقتل الآلاف. وتعهد ترمب بمساعدة المحتجين، لكنه لم يفعل شيئاً علناً على الفور.

غير أن التعاون، في السر، تصاعد بين الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط (سنتكوم)، مع وضع خطط عسكرية مشتركة خلال اجتماعات سرية، حسب مسؤولَين إسرائيليَّين تحدثا شريطة عدم كشف هويتيهما.

وبعد ذلك بوقت قصير، وخلال زيارة قام بها نتنياهو إلى واشنطن في فبراير، أطلع الزعيم الإسرائيلي ترمب على تنامي البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني، مشيراً إلى مواقع محددة تبعث على القلق. كما عرض عليه مخاطر هذا البرنامج، بما في ذلك خطر أن تمتلك إيران في نهاية المطاف القدرة على ضرب الأراضي الأميركية، وفقاً لثلاثة أشخاص مطلعين على تلك المحادثات الخاصة.

ولم يرد البيت الأبيض على الأسئلة المتعلقة باجتماعي ترمب مع نتنياهو في ديسمبر وفبراير.

فرصة ترمب لصناعة التاريخ

بحلول أواخر فبراير، كان كثير من المسؤولين الأميركيين والدبلوماسيين الإقليميين يعتبرون أن شن هجوم أميركي على إيران بات أمراً مرجحاً جداً، رغم أن التفاصيل ظلت غير واضحة، حسب مسؤولين أميركيين آخرين، ومسؤول إسرائيلي، ومسؤولين إضافيين مطلعين على الأمر.

وتلقى ترمب إحاطات من مسؤولين في البنتاغون والاستخبارات بشأن المكاسب المحتملة من هجوم ناجح، بما في ذلك إلحاق دمار شديد بالبرنامج الصاروخي الإيراني، حسب شخصين مطلعين على تلك الإحاطات.

وقبل المكالمة بين نتنياهو وترمب، أبلغ وزير الخارجية ماركو روبيو مجموعة صغيرة من كبار قادة الكونغرس في 24 فبراير أن إسرائيل ستهاجم إيران على الأرجح، سواء شاركت الولايات المتحدة أم لا، وأن إيران سترد على الأرجح بضرب أهداف أميركية، وفقاً لثلاثة أشخاص أُحيطوا علماً بذلك الاجتماع.

وكان وراء تحذير روبيو تقييم من مسؤولين استخباراتيين أميركيين خلص إلى أن هجوماً من هذا النوع سيستفز بالفعل ضربات مضادة من إيران ضد منشآت دبلوماسية وعسكرية أميركية، وضد حلفاء واشنطن الخليجيين، حسب ثلاثة مصادر مطلعة على تقارير الاستخبارات الأميركية.

وثبتت صحة هذا التوقع. فقد أدت الضربات إلى هجمات إيرانية مضادة على أصول عسكرية أميركية، وإلى مقتل أكثر من 2300 مدني إيراني وما لا يقل عن 13 عسكرياً أميركياً، وهجمات على حلفاء واشنطن الخليجيين، وإغلاق أحد أهم طرق الشحن في العالم، وقفزة تاريخية في أسعار النفط بدأ المستهلكون يشعرون بها في الولايات المتحدة وخارجها.

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من مقاتلات قبل تنفيذها غارات جوية في إيران أمس

وكان ترمب قد أُبلغ أيضاً بأن هناك احتمالاً، حتى لو كان ضئيلاً، بأن يؤدي قتل كبار قادة إيران إلى ظهور حكومة في طهران أكثر استعداداً للتفاوض مع واشنطن، حسب شخصين آخرين مطلعين على إحاطة روبيو.

وقال الأشخاص المطلعون على المكالمة إن احتمال تغيير النظام كان إحدى حجج نتنياهو خلال الاتصال الذي سبق مباشرة إصدار ترمب الأوامر النهائية بمهاجمة إيران.

لكن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لم تكن تتبنى هذا الرأي؛ إذ كانت قد قدرت في الأسابيع السابقة أن خامنئي سيُستبدل على الأرجح بمتشدد داخلي إذا قُتل، كما ذكرت «رويترز» من قبل. ولم ترد تعليقات من وكالة الاستخبارات المركزية.

ودعا ترمب مراراً إلى انتفاضة بعد مقتل خامنئي. ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع وغرق المنطقة في النزاع، ما زال «الحرس الثوري» الإيراني يجوب شوارع البلاد. وما زال ملايين الإيرانيين يلزمون منازلهم.

وقد سُمي مجتبى خامنئي، نجل خامنئي، الذي يُعتبر أكثر تشدداً وعداءً لأميركا من والده، مرشداً أعلى جديداً لإيران.