هل فقدنا القدرة على القراءة العميقة؟

دراسات حديثة تعزو السبب إلى تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال الاجتماعي

كشفت دراسة فرنسية عن تقلص الوقت المخصص للقراءة مقابل اتساع المساحة المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي والإصدارات الإلكترونية
كشفت دراسة فرنسية عن تقلص الوقت المخصص للقراءة مقابل اتساع المساحة المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي والإصدارات الإلكترونية
TT

هل فقدنا القدرة على القراءة العميقة؟

كشفت دراسة فرنسية عن تقلص الوقت المخصص للقراءة مقابل اتساع المساحة المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي والإصدارات الإلكترونية
كشفت دراسة فرنسية عن تقلص الوقت المخصص للقراءة مقابل اتساع المساحة المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي والإصدارات الإلكترونية

«القراءة مفتاح العقول وغذاء الروح»، لكن يبدو مع الانفجار المعلوماتي، ووسائل الاتصال الاجتماعي، كما تشير الدراسات الحديثة، تراجعت القراءة بشكل مريع، ولا سيما القراءة العميقة.
آخر دراسة للمعهد الوطني الفرنسي للكتاب (سي إن إل) كشفت عن تقلّص الوقت المخصّص للقراءة؛ إذ أصبح لا يتعدى الثلاث ساعات أسبوعياً مقابل اتساع المساحة المخصّصة لوسائل التواصل الاجتماعي والإصدارات الإلكترونية، التي أصبحت تفوق الثلاث ساعات ونصف الساعة يومياً. وإن كانت مثل هذه النتائج متوقعة منذ دخولنا عصر التكنولوجيا الرقمية، فإن الجديد في الدراسات الجديدة هو الكشف عن ظاهرة تراجع «القراءة العميقة»، وهي فقد القدرة على القراءة المتواصلة البطيئة التي تعتمد في المقام الأول على التمعن في المعاني والكلمات المكتوبة. فحسب نفس الدراسة 47 في المائة من الفرنسيين أجابوا بأنهم عاجزون عن القراءة بطريقة متواصلة تفوق العشر دقائق، وهم غالباً ما يفعلون ذلك وهم يتنقلون بين قنوات التلفاز أو بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبعضهم يقرأ وهو يجيب عن الرسائل النصّية على الهواتف النقالة أو وهو يسمع الموسيقى.
هذه الظاهرة تناولتها صحيفة «سلات» في طبعتها الفرنسية في مقال بعنوان: «هل تشعر أنك أصبحت عاجزاً عن قراءة الكتب؟ إنها متلازمة شائعة». ويشرح المقال: «من الصعب التركيز في القراءة حين يكون سيل جارف من الرسائل الإلكترونية والفورية ومختلف شبكات التواصل على بعد نقرة واحدة... بمجرد أن تفتح صفحة ترى الإعلانات والروابط وكأنها تقفز في وجهك، الحضور المستمر لهذه المحفزّات يوقف نقل المعلومات بين الذاكرة الحسّية والذاكرة العاملة، ثم بين الذاكرة العاملة والذاكرة طويلة المدى». وهو ما أكده الخبراء الذين حذروا من انقراض ما يسمونه بـ«دماغ القراءة العميقة» إذا لم نتعلم الابتعاد عن ملهيات الشبكة العنكبوتية.
كان الكاتب الأمريكي نيكولاس كار أول المثقفين الذين دقوا ناقوس الخطر في كتابه «ماذا فعل الإنترنت بعقولنا؟» (الذي وصل للقائمة القصيرة لجائزة البوليتزر) حين استهل كتابه بهذه العبارات: «ينتابني في الآونة الأخيرة شعور مزعج بأن أحداً ما يعبث بعقلي، أصبحت أجد صعوبة في قراءة الكتب، تركيزي يتشتّت بعد صفحة أو صفحتين... أشعر بالقلق وأبحث عن شيء آخر أفعله، أشعر أنني أقضي وقتي في إعادة عقلي المتأخر إلى النّص... أصبحت القراءة العميقة التي كانت تأتي بشكل طبيعي صراعاً يومياً». 
نفس الملاحظة سجلتها أستاذة الأدب في جامعة ديوك كاترين هايلس التي أعربت في كتابها «القراءة والتفكير في الأوساط الرقمية» عن قلقها من انتشار هذه الظاهرة التي باتت تهدد تطور البحوث والمعرفة، حيث كتبت عن تجربتها كأستاذة: «رغم كل محاولاتي لم أنجح في جعل طلابي يقرأون ولو حتى رواية قصيرة لفولكنر… حين أطلب منهم تقديم بحث عن كاتب ما أجدهم وقد استعانوا بجوجل للاطلاع على مقاطع من مؤلفاته؛ لأنهم ببساطة عاجزون عن قراءة كتاب من أوله إلى آخره...».
ونبهت النقابة الوطنية الفرنسية للنشر هي الأخرى إلى ما آل إليه وضع القراءة العميقة، مذكرة بفوائدها في التقرير الأخير الذي نشرته على موقعها: «للقراءة العميقة فضائل كثيرة: كتطوير التفكير الخطّي، والسرد المبني على منطق التتابع، وتطوير ذاكرة الحدث، كما أنها تعزز الانتباه والتركيز وتطوير الحّس النقدي للفرد».
كل هذه الشهادات تشير بأصابع الاتهام إلى الإنترنت كمسؤول عن تراجع الكلمة المكتوبة أمام الوسائل السمعية البصرية. فالتكنولوجيا غيرت أسلوب التلقي، حيث أصبح يُعرض علينا سيل جارف من المضامين التي تستدعي قراءة سريعة سطحية ومجزأة، وبينما زادت كمية هذه المضامين التي نتلقاها نقصت نوعيتها، وأصبحنا أكثر ميلاً للمعلومات الفاقعة مع الصور ورؤوس الأقلام والتعليقات السريعة... المعلومات صارت متوفرة بكثرة لكن التعمق فيها صار سطحياً. ما تبيّن أيضاً هو أن الظاهرة تطالنا لأننا نقرأ أكثر فأكثر على الشاشات ووسائل التكنولوجيا الحديثة مقابل إهمالنا للنسخ الورقية للكتب. وهو ما أكدته دراسة علمية للباحثة النرويجية آن مانجن التي طلبت من فريقين من القرّاء تلخيص قصة قصيرة، الفريق الأول من خلال كتاب ورقي، والثاني من خلال كتاب إلكتروني يسمح بالتنقل على الإنترنت، والنتيجة أن الأشخاص الذين قرأوا النص على الورق كانوا أكثر نجاحاً في تلخيص القصّة. نفس النتيجة وصلت إليها دراسة أمريكية أخرى أجريت على 170 ألف قارئ كشفت أن المطالعة من كتاب ورقي تُنشط مناطق الدماغ من الذاكرة والكلام والمعالجة البصرية، حيث إن الشكل وغلاف الكتاب والرائحة وعدد وسمك الصفحات كل ذلك يساعد دماغنا على دمج المعلومات التي تصل إليه والاحتفاظ بها بشكل أفضل بمرور الوقت، بينما ترتبط القصص والروايات التي تُقرأ على الشاشات بتجربة حسّية أقل تحديدا، وبالتالي سيتم معالجتها وحفظها بشكل أقل.
يرى الباحث الفرنسي إيف سيتون أستاذ الأدب أن الإشكالية أكبر من وسائل التكنولوجيا الحديثة، حيث يكتب في مؤلفه «إيكولوجيا الانتباه» ما يلي: «صحيح أن التكنولوجيا مسؤولة جزئياً عن تراجع نسب القراءة فهي تجذبنا كما يجذبنا السُّكر، لكن هذا لا يعني أن علينا وقف الهواتف واللوحات الإلكترونية، لأن ما يمنعنا من الانغماس في قراءة الكتب بعمق هو محاولات جذب الانتباه التي نتعرض لها في كل لحظة... انتباهنا أصبح بمثابة سلعة نادرة تتنافس عليها الشركات من خلال المواقع والتطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات مما يخلق بيئة من الإلهاء الرقمي الدائم يصعب فيه التركيز...». إنه «التسارع» الاجتماعي والثقافي الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني المعاصر هرمورت روزا الذي يرى أن الإنسان المعاصر يعيش زمناً لاهثاً قلقاً متسارعاً تتجلّى انعكاساته في الثقافة وفي كل الميادين، فقد أصبحنا نميل بوضوح إلى تناول الطعام بشكل أسرع، والتواصل مع أفراد الأسرة بوتيرة أخفّ ممّا كان عليه أسلافنا. مشاهدة التلفاز، والمكالمات الهاتفيّة، والتواصل الاجتماعيّ، والمواصلات، والقيام بالأعمال الإداريّة والقراءة كلّها تحصل بسرعة متواترة بسبب التكنولوجيا التي تيسّرها.
منى أزوف الفيلسوفة والمؤرخة الفرنسية ترى أن ما أصبح يمنعنا عن القراءة هو صعوبة الحصول على الهدوء والانعزال، وحتى الضجر الذي أصبح نادراً، حيث تشرح في كتابها «في نصرة قضية الكتب» ما يلي: «حين نبدأ في القراءة ننقطع عن العالم الخارجي، بيد أن الإنسان المعاصر أصبح لا يحب هذا الشعور بأنه معزول عن محيطه...».
سنوات بعد صدور كتابه «ماذا فعل الإنترنت بعقولنا؟» لا يزال نيكولاس كار مقتنعا بأننا على بعد خطوات من زمن ما بعد القراءة، بل إنه يتنبأ باضمحلال القراءة العميقة التي ستصبح في ظرف السنوات القليلة المقبلة حكراً على النخبة فقط، وهو أيضا ما نقله الفيلسوف ماثيو كروفورد في كتابه «لماذا فقدنا العالم وكيف نستعيده؟»، حين تحدث عن سيناريو كارثي، تصبح فيه القراءة العميقة مقتصرة على قلة من الناس، ممثلاً مستقبلها بما يحدث في قاعات المطارات بين ضجيج مكبرات الصوت وشاشات الإعلانات والملهيات التكنولوجية التي تميز القاعات العامة، وبين الصالونات المخصصّة لرجال الأعمال والنخبة التي تسمح بالعمل والقراءة في هدوء وتركيز ولكن لقلّة من الناس. وسط هذه النظريات المتشائمة لا تزال بعض الأطراف تعمل جاهدة على زرع حب القراءة والكتاب، آملة في عودة قوية. جمعية «سكوت… إننا نقرأ» للمخرج أوليفيه دولاييه والأكاديمية دانيال سليناف أقنعت أكثر من ألف مؤسسة تعليمية فرنسية على تبني مراسيم متميزة تقتصر على التوقف يوميا عن كل نشاط تربوي، وتخصيص ربع ساعة للقراءة مهما كانت الظروف. في نفس الوقت سجلت الحكومة الفرنسية القراءة كـ«قضية وطنية» وشرعت في حملة توعية وطنية لتشجيع ممارستها، ولا سيما عند الصغار في المدارس ووسائل الإعلام المختلفة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

جاكلين كيندي كانت تعشق هذا الطبق البحري... وطاهي البيت الأبيض سمّاه باسمها

جاكلين كييدي (موقع كيندي)
جاكلين كييدي (موقع كيندي)
TT

جاكلين كيندي كانت تعشق هذا الطبق البحري... وطاهي البيت الأبيض سمّاه باسمها

جاكلين كييدي (موقع كيندي)
جاكلين كييدي (موقع كيندي)

لم يكن المحار مجرد طبق مفضَّل لدى السيدة الأميركية الأولى السابقة جاكلين كيندي (لاحقاً أوناسيس)، بل كانت تعشقه إلى درجة دفعت طاهي البيت الأبيض آنذاك، رينيه فيردون، إلى ابتكار وصفة خاصة حملت اسمها، وفق تقرير نشره موقع «إيتينغ ويل».

طبق يحمل اسم جاكلين كيندي

يُعد المحار من الأطعمة الغنية بفيتامين «ب12» والحديد، ما يجعله خياراً غذائياً غنياً بالعناصر المفيدة، فضلاً عن تنوع طرق تحضيره، سواء أكان مقلياً أم مطهواً في صلصة ويُقدَّم مع المعكرونة.

وكانت جاكلين كيندي، التي تنحدر من أصول فرنسية، معروفة بحبها للمطبخ الفرنسي وذوقها الرفيع في الطعام. ويقول رينيه فيردون، الذي شغل منصب طاهي البيت الأبيض خلال إدارة الرئيس جون كيندي، في كتابه «The White House Chef Cookbook»، إن السيدة الأولى كانت تتمتع بثقافة واسعة وخبرة في السفر، ما جعلها تفضِّل الأطباق الفرنسية الكلاسيكية.

وأضاف فيردون أن المطبخ الفرنسي كان يهيمن على قوائم الطعام في البيت الأبيض خلال تلك الفترة، مشيراً إلى أن جاكلين كيندي كانت تفضل بشكل خاص أطباق المحار المطهو في مرق غني بالنكهات.

ما هو طبق «محار جاكلين»؟

ابتكر فيردون طبقاً أطلق عليه اسم «محار جاكلين (Clams Jacqueline)» تكريماً للسيدة الأولى، وهو وصفة بسيطة تعتمد على المحار مع مرق غني بالزبدة والأعشاب العطرية وطبقة مقرمشة من فتات الخبز.

وتتكون الوصفة، التي تكفي لـ8 أشخاص، من 4 دزائن من المحار، إضافة إلى الجرجير المفروم والسبانخ والبقدونس وعصير الليمون والزبدة والملح والفلفل وفتات الخبز.

طريقة التحضير

يُفتح المحار ويُرتب داخل صينية للخبز، ثم تُخلط جميع المكونات باستثناء فتات الخبز، ويُسكب الخليط فوق المحار بحيث يغطي كل قطعة.

بعد ذلك، يُرش فتات الخبز فوق المحار ويُخبز في فرن مُسخن مسبقاً إلى 200 درجة مئوية (400 درجة فهرنهايت) لمدة تقارب 10 دقائق، حتى يكتسب سطحه لوناً ذهبياً.

كيف يُقدَّم؟

يمكن تقديم «محار جاكلين» بوصفه مقبلات، أو طبقاً رئيسياً إلى جانب أطباق خفيفة ذات نكهة منعشة ومتوازنة، مثل سلطة القيصر أو المعكرونة بزيت الزيتون والثوم، مع خبز مقرمش للاستفادة من المرق الغني بالنكهات.


ماريلين نعمان... النجاح ليس مصادفة

الأغنيات الصادقة تجعل الآلاف يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم (الشرق الأوسط)
الأغنيات الصادقة تجعل الآلاف يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم (الشرق الأوسط)
TT

ماريلين نعمان... النجاح ليس مصادفة

الأغنيات الصادقة تجعل الآلاف يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم (الشرق الأوسط)
الأغنيات الصادقة تجعل الآلاف يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم (الشرق الأوسط)

حوَّل الديكور مسرحَ «الفوروم دو بيروت» إلى مسافة أليفة بين الفنانة وجمهورها منذ اللحظة الأولى. لم تُبنَ منصّة ضخمة تستعرض نجومية ماريلين نعمان، فقد اختارته أن يكون بيتاً. زوايا منزلية ودفء بصري وتفاصيل توحي بأنّ آلاف الحاضرين دخلوا إلى مساحة شخصية دعتهم إليها صاحبة الأمسية بنفسها. تنقّلت بين أرجاء هذا «البيت»، جلست على الكنبة واستقبلت ضيوفاً كرَّمتهم وكرَّموها، وخصَّصت عناصر الدفاع المدني بتحيّة تقدير، كأنها تؤمن بأنّ الاعتراف بالجهد يستحق المساحة نفسها التي تستحقها الأغنيات.

كأنّ ماريلين تعثر على كلّ واحد من الجمهور داخل أغنية (الشرق الأوسط)

انسجم اختيار ملابسها مع هذه الفكرة. ظهرت بجينز و«توب» بسيطَيْن، بالهيئة التي قد تعتمدها أيُّ شابة في يوم عادي لا يحتاج إلى كثير من التفكير. لم تبحث عن صورة النجمة المُتعالية على جمهورها ولم تُثقل حضورها بما يصرف الانتباه عن شخصيتها. كانت كما يعرفها الناس، قريبة وعفوية وواثقة، من دون أن تشعر بالحاجة إلى اختراع نسخة أخرى من نفسها.

تلك الحقيقة التي تحرص على الاحتفاظ بها هي إحدى أبرز سمات تجربتها. فقد صنعت لنفسها هوية لا تُشبه المسارات الأكثر رواجاً في الأغنية اللبنانية، ولا تسير في اتجاه تجريبي مُغلَق على نخبة محدودة. اختارت منطقة خاصة بها، تعتمد أغنيات بسيطة في مفرداتها وعميقة في إحساسها، تؤدّيها كما لو أنها تعيشها لحظة غنائها. ماريلين نعمان تُغنّي بشخصيتها قبل أن تُغنّي بصوتها، فتبدو الأغنية امتداداً طبيعياً لها. لهذا يشعر المستمع بأنه يعرفها قبل أن يحفظ أغنياتها.

ليس كلّ جمهورٍ يبحث عن أغنية... أحياناً يبحث عن صوت يُشبهه (الشرق الأوسط)

استعادت صاحبة السطور خلال الحفل أمسية أخرى حضرَتْها لها في المكان نفسه قبل عامين. يومها كان الحضور الجماهيري لافتاً إلى درجة دفعت البعض إلى التعامُل معها على أنها ظاهرة صاعدة بلغت ذروتها بسرعة، مثل ظواهر كثيرة يشتعل بريقها ثم يخفت بإيقاع مُشابِه. بعد عامين، بدا المشهد مختلفاً. لم تكن ماريلين نعمان تُكرّر نجاحاً سابقاً، فقد كانت تبني مكانتها بثبات. تعرف أنّ النجومية قد تُغري صاحبها بالاعتقاد أنّ القمة مكان دائم، بينما الواقع أكثر صرامة من لحظات الانبهار. البقاء يحتاج إلى عمل متواصل ووعي بأنّ الجمهور لا يمنح ثقته مرة واحدة إلى الأبد. لذلك يبدو الاجتهاد جزءاً من مشروعها الفنّي، والتحرُّر من الغرور خياراً واعياً يحمي هذه التجربة من المصير الذي عرفته تجارب كثيرة سبقتها.

بدا لبنان أقلّ تعباً لأنّ أحداً اختار أن يُغنّي له (الشرق الأوسط)

هذا الوعي انعكس أيضاً في علاقتها بجمهورها. كان الصفّ الأمامي مكتظّاً بالواقفين، وخلفه جمهور جلس على المقاعد، فيما لفت الحضور الكبير للفتيات في أعمار الزهور. كثيرات يجدن في ماريلين صورة تُشبههنّ. شابّة لا تبذل جهداً لصناعة صورة مثالية عن نفسها إرضاءً للجميع. يجدن فيها عفوية لا تبدو مصنوعة، فينشأ ارتباط يتجاوز الإعجاب بالصوت إلى الإعجاب بشخصها.

الأغنية تصل إلى الجمهور ثم تعود إلى المسرح مُحمَّلة بالذكريات (الشرق الأوسط)

اختارت أن تُغنّي أكثر الأغنيات التي صنعت علاقتها بهذا الجمهور، فحضرت «نشاز»، و«أنا مين»، و«مش نفس الشي»، و«متل الغيمة»... وهي أعمال كرّستها صاحبةَ كلمات قريبة من الحياة اليومية، تحمل في بساطتها كثيراً من الشعور والمعنى. وفي المقابل، وسَّعت مساحة الأمسية بأغنيات أحبَّها الناس عبر سنوات طويلة، فغنَّت للبنان، وقدَّمت «حِلِف القمر» لجورج وسوف، واستعادت «بصباح الألف الثالث» التي تجاوزت نجاحها الفنّي لتصبح جزءاً من ذاكرة وجدانية ارتبطت بصوت كارول سماحة، ثم اتّجهت إلى الجنوب اللبناني مع «خلَّصوا الأغاني» لفيروز، بعدما قدَّمت «بيت من أحلى بيوت راس بيروت»؛ وهي من الأغنيات التي خرجت من إطار المسلسل الشهير لتصبح جزءاً من الوجدان اللبناني.

ظَهَر التأثُّر على وجهها طوال الأمسية. شكرت الحاضرين مرّات وقالت لهم إنها تحبّهم. ولم تبدُ هذه العبارة جزءاً من خطاب محفوظ يُقال في نهاية الحفلات. انعكست في تفاصيل التحضير الذي احترم جمهوراً حَضَر قبل ساعات من بدء العرض، وفي رغبتها في تقديم أمسية تليق بهذا الانتظار. وعندما وصلت إلى نهاية الحفل، خصَّصت وقتاً طويلاً لذكر أسماء الذين شاركوا في صناعة هذه الليلة، اسماً بعد آخر، وكأنها تُعيد توزيع الضوء على كلّ مَن عمل خلف الكواليس، اعترافاً بأنّ نجاح الحفل ثمرة جهد جماعي لا يُختزل بشخص يقف تحت الأضواء.

كان الجمهور يقترب منها وكانت هي تقترب أكثر من حقيقتها (الشرق الأوسط)

ولأنها أرادت هذه الليلة أن تحمل ما يتجاوز استِعادة الأغنيات المعروفة، قدَّمت مفاجأة للجمهور بكشف مقطع من أغنيتها المُرتَقبة مع الفنان مروان خوري. أطلَّ خوري على الشاشة الكبيرة، مازحها طالباً منها ألا تكشف الأغنية كاملة، وداعَبَ الجمهور داعياً إياه إلى الاحتفاظ بالسرّ. بدا هذا التعاون امتداداً طبيعياً لمسار تسعى ماريلين نعمان إلى ترسيخه يقوم على الاختيارات المدروسة وبناء تجربة تتقدَّم بخطوات ثابتة، من دون استعجال ومن دون الركون إلى نجاح تحقَّق في محطّة سابقة.

تركت الجمهور يعثر على نفسه في صوتها (الشرق الأوسط)

ربحت ماريلين نعمان في تلك الليلة ما هو أبعد من تصفيق طويل. ربحت الدليل الأصعب على أنّ الجمهور لا يعود مرّتين إلا لمَن يجد عنده ما يستحق العودة. فالفنان يبقى قريباً من جمهوره كلّما حافظ على الإنسان الذي كانه قبل أن تصنعه الشهرة.


اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟

اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟
TT

اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟

اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟

لطالما ارتبط اللعب في أذهاننا بالأطفال، باعتباره وسيلة للتعلم والتطور خلال سنوات النمو الأولى، لكن الأبحاث العلمية تشير إلى أن هذه الحاجة لا تختفي عند البلوغ.

فاللعب قد يكون عنصراً مهماً في حياة الكبار أيضاً، إذ يساعد على تخفيف التوتر وتعزيز الصحة النفسية والاجتماعية. فما الذي يجعل اللعب حاجة بيولوجية تستمر معنا طوال العمر؟

ويشرح تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، لماذا يحتاج البالغون إلى اللعب، وكيف يمكن لهذه الأنشطة التي تبدو ترفيهية أن تسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز التواصل وبناء المرونة النفسية.

لماذا يختفي اللعب من حياة البالغين؟

يرتبط الاعتقاد بأن اللعب مخصص للأطفال بفكرة أن الحاجة إليه تختفي فجأة عندما «ننضج» أو نبلغ سن 18 عاماً. لكن المثير للاهتمام أن الأدلة العلمية تشير إلى عكس ذلك؛ فالحاجة إلى اللعب لا تختفي في مرحلة البلوغ.

يظهر لعب البالغين في أشكال متعددة، مثل ألعاب الطاولة، وألعاب الفيديو، والرياضات، وبرامج المسابقات، وغرف الهروب الترفيهية، وغيرها. لكن طريقة ممارسة الكبار للعب تبدو أكثر تقييداً بسبب التوقعات الاجتماعية.

فالبالغون يُتوقع منهم أن يتصرفوا بطريقة مسؤولة ومنتجة وعقلانية، بينما يُنظر إلى اللعب أحياناً على أنه يتعارض مع هذه الصفات. لذلك، يميل كثيرون إلى إخفاء جانبهم المرح أو تقديم مبررات مقبولة اجتماعياً لأنشطتهم الترفيهية.

فمثلاً، قد يقول شخص إنه يبني نموذج قطار مع طفله باعتباره «وقتاً عائلياً مميزاً»، بدلاً من الاعتراف بأنه يستمتع ببساطة باللعب بالقطارات.

اللعب لا يُعرّف بالنشاط... بل بالشعور بالمتعة

لا يزال تعريف اللعب موضع نقاش في الأبحاث العلمية. فالبعض ينظر إليه باعتباره مجموعة من السلوكيات، مثل الألعاب أو الأنشطة الجسدية المرحة.

لكننا جميعاً اختبرنا مواقف اضطررنا فيها إلى «اللعب» بشيء لا نستمتع به؛ مثل لعبة ورق أو لعبة فيديو أو تمثيل أدوار، لكنها جعلتنا نشعر بالملل أو الانزعاج أو التوتر.

وهذا يشير إلى أن اللعب لا يمكن تعريفه فقط من خلال نوع النشاط، بل من خلال الشعور بالمتعة الذي يرافق المشاركة فيه.

فاللعب قد يكون فردياً أو جماعياً، بسيطاً أو معقداً، في العالم الواقعي أو عبر الإنترنت. والعنصر الأهم هو المتعة والفرح الناتجان عن ممارسة النشاط نفسه.

الحيوانات أيضاً تحب اللعب

يبدو أن اللعب مرتبط بدافع بيولوجي موجود لدى الأطفال والبالغين والحيوانات على حد سواء.

وقد أمضى عالم الأعصاب جاك بانكسيب حياته في دراسة الدوافع والمشاعر، وكان تركيزه الأساسي على الحيوانات. وخلال أبحاثه، اكتشف غريزة اللعب تقريباً بالصدفة.

لاحظ بانكسيب أن الفئران التي كان يدرسها في المختبر بدت مستمتعة عندما كان يداعبها أو يدغدغها. وكانت تعود مراراً للحصول على هذا التفاعل، وكأنها تجد فيه مكافأة، كما كانت تصدر أصواتاً عالية تشبه الضحك.

ورغم أن البعض قد يعتبر ذلك إسقاطاً لمشاعر بشرية على الحيوانات، رأى بانكسيب أن الأدلة كانت واضحة: الفئران كانت تستمتع باللعب.

وأظهرت تجاربه أن سلوك اللعب تحركه مناطق عميقة في الدماغ تُعرف أحياناً باسم «الدماغ البدائي»، وهي مناطق قديمة مسؤولة عن الدوافع والغرائز الأساسية.

كما وجد أن الفئران التي حُرمت من اللعب أظهرت لاحقاً رغبة متزايدة في اللعب عندما أُتيحت لها الفرصة، وأن الحرمان الطويل من اللعب أدى إلى مشكلات لاحقة، خصوصاً في مهاراتها الاجتماعية.

اللعب حاجة أساسية مثل الطعام والأمان

الدوافع البيولوجية ليست أموراً اختيارية، ولا تختفي مع التقدم في العمر. فهي تمثل احتياجات أساسية تحفّز السلوك، مثل الحاجة إلى الطعام أو الأمان أو التحفيز.

وعندما لا تتم تلبية هذه الاحتياجات، تزداد الرغبة فيها. وهذا ما يفسر استمرار البالغين في اللعب حتى عندما يشعرون بالحاجة إلى إخفاء هذا السلوك أو تبريره.

فاللعب لا يعود بالنفع على الأطفال فقط؛ إذ يساعد البالغين أيضاً في توليد مشاعر إيجابية، وتقليل التوتر، وتعزيز مشاعر القبول والثقة مع الآخرين.

ومع مرور الوقت، يمكن أن يساعد اللعب في بناء الموارد المعرفية والجسدية والاجتماعية التي نحتاج إليها ليس فقط للبقاء، بل للازدهار في حياتنا.

لا تتخلَّ عن اللعب بسبب «النضج»

إذا كنت تشعر بالراحة تجاه اللعب، فقد تكون هذه الأبحاث بمثابة تذكير بأن من حقك تخصيص وقت لأنشطة تمنحك الفرح؛ ليس مجرد السعادة العابرة، بل المتعة العميقة التي تجعلك منغمساً بالكامل في اللحظة.

أما إذا كنت تشعر بعدم الارتياح تجاه اللعب، أو تعتقد أنك تهمل مسؤولياتك ودورك بصفتك شخصاً بالغاً، فقد تكون تفوّت فرصة تلبية حاجة بيولوجية أساسية، والاستفادة من النمو الذي يمكن أن يأتي من اللعب.

فاللعب ليس للأطفال فقط. جرّب أن تجد نشاطاً يمنحك السعادة، لا لسبب آخر سوى أنك تستمتع به.