هل فقدنا القدرة على القراءة العميقة؟

دراسات حديثة تعزو السبب إلى تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال الاجتماعي

كشفت دراسة فرنسية عن تقلص الوقت المخصص للقراءة مقابل اتساع المساحة المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي والإصدارات الإلكترونية
كشفت دراسة فرنسية عن تقلص الوقت المخصص للقراءة مقابل اتساع المساحة المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي والإصدارات الإلكترونية
TT

هل فقدنا القدرة على القراءة العميقة؟

كشفت دراسة فرنسية عن تقلص الوقت المخصص للقراءة مقابل اتساع المساحة المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي والإصدارات الإلكترونية
كشفت دراسة فرنسية عن تقلص الوقت المخصص للقراءة مقابل اتساع المساحة المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي والإصدارات الإلكترونية

«القراءة مفتاح العقول وغذاء الروح»، لكن يبدو مع الانفجار المعلوماتي، ووسائل الاتصال الاجتماعي، كما تشير الدراسات الحديثة، تراجعت القراءة بشكل مريع، ولا سيما القراءة العميقة.
آخر دراسة للمعهد الوطني الفرنسي للكتاب (سي إن إل) كشفت عن تقلّص الوقت المخصّص للقراءة؛ إذ أصبح لا يتعدى الثلاث ساعات أسبوعياً مقابل اتساع المساحة المخصّصة لوسائل التواصل الاجتماعي والإصدارات الإلكترونية، التي أصبحت تفوق الثلاث ساعات ونصف الساعة يومياً. وإن كانت مثل هذه النتائج متوقعة منذ دخولنا عصر التكنولوجيا الرقمية، فإن الجديد في الدراسات الجديدة هو الكشف عن ظاهرة تراجع «القراءة العميقة»، وهي فقد القدرة على القراءة المتواصلة البطيئة التي تعتمد في المقام الأول على التمعن في المعاني والكلمات المكتوبة. فحسب نفس الدراسة 47 في المائة من الفرنسيين أجابوا بأنهم عاجزون عن القراءة بطريقة متواصلة تفوق العشر دقائق، وهم غالباً ما يفعلون ذلك وهم يتنقلون بين قنوات التلفاز أو بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبعضهم يقرأ وهو يجيب عن الرسائل النصّية على الهواتف النقالة أو وهو يسمع الموسيقى.
هذه الظاهرة تناولتها صحيفة «سلات» في طبعتها الفرنسية في مقال بعنوان: «هل تشعر أنك أصبحت عاجزاً عن قراءة الكتب؟ إنها متلازمة شائعة». ويشرح المقال: «من الصعب التركيز في القراءة حين يكون سيل جارف من الرسائل الإلكترونية والفورية ومختلف شبكات التواصل على بعد نقرة واحدة... بمجرد أن تفتح صفحة ترى الإعلانات والروابط وكأنها تقفز في وجهك، الحضور المستمر لهذه المحفزّات يوقف نقل المعلومات بين الذاكرة الحسّية والذاكرة العاملة، ثم بين الذاكرة العاملة والذاكرة طويلة المدى». وهو ما أكده الخبراء الذين حذروا من انقراض ما يسمونه بـ«دماغ القراءة العميقة» إذا لم نتعلم الابتعاد عن ملهيات الشبكة العنكبوتية.
كان الكاتب الأمريكي نيكولاس كار أول المثقفين الذين دقوا ناقوس الخطر في كتابه «ماذا فعل الإنترنت بعقولنا؟» (الذي وصل للقائمة القصيرة لجائزة البوليتزر) حين استهل كتابه بهذه العبارات: «ينتابني في الآونة الأخيرة شعور مزعج بأن أحداً ما يعبث بعقلي، أصبحت أجد صعوبة في قراءة الكتب، تركيزي يتشتّت بعد صفحة أو صفحتين... أشعر بالقلق وأبحث عن شيء آخر أفعله، أشعر أنني أقضي وقتي في إعادة عقلي المتأخر إلى النّص... أصبحت القراءة العميقة التي كانت تأتي بشكل طبيعي صراعاً يومياً». 
نفس الملاحظة سجلتها أستاذة الأدب في جامعة ديوك كاترين هايلس التي أعربت في كتابها «القراءة والتفكير في الأوساط الرقمية» عن قلقها من انتشار هذه الظاهرة التي باتت تهدد تطور البحوث والمعرفة، حيث كتبت عن تجربتها كأستاذة: «رغم كل محاولاتي لم أنجح في جعل طلابي يقرأون ولو حتى رواية قصيرة لفولكنر… حين أطلب منهم تقديم بحث عن كاتب ما أجدهم وقد استعانوا بجوجل للاطلاع على مقاطع من مؤلفاته؛ لأنهم ببساطة عاجزون عن قراءة كتاب من أوله إلى آخره...».
ونبهت النقابة الوطنية الفرنسية للنشر هي الأخرى إلى ما آل إليه وضع القراءة العميقة، مذكرة بفوائدها في التقرير الأخير الذي نشرته على موقعها: «للقراءة العميقة فضائل كثيرة: كتطوير التفكير الخطّي، والسرد المبني على منطق التتابع، وتطوير ذاكرة الحدث، كما أنها تعزز الانتباه والتركيز وتطوير الحّس النقدي للفرد».
كل هذه الشهادات تشير بأصابع الاتهام إلى الإنترنت كمسؤول عن تراجع الكلمة المكتوبة أمام الوسائل السمعية البصرية. فالتكنولوجيا غيرت أسلوب التلقي، حيث أصبح يُعرض علينا سيل جارف من المضامين التي تستدعي قراءة سريعة سطحية ومجزأة، وبينما زادت كمية هذه المضامين التي نتلقاها نقصت نوعيتها، وأصبحنا أكثر ميلاً للمعلومات الفاقعة مع الصور ورؤوس الأقلام والتعليقات السريعة... المعلومات صارت متوفرة بكثرة لكن التعمق فيها صار سطحياً. ما تبيّن أيضاً هو أن الظاهرة تطالنا لأننا نقرأ أكثر فأكثر على الشاشات ووسائل التكنولوجيا الحديثة مقابل إهمالنا للنسخ الورقية للكتب. وهو ما أكدته دراسة علمية للباحثة النرويجية آن مانجن التي طلبت من فريقين من القرّاء تلخيص قصة قصيرة، الفريق الأول من خلال كتاب ورقي، والثاني من خلال كتاب إلكتروني يسمح بالتنقل على الإنترنت، والنتيجة أن الأشخاص الذين قرأوا النص على الورق كانوا أكثر نجاحاً في تلخيص القصّة. نفس النتيجة وصلت إليها دراسة أمريكية أخرى أجريت على 170 ألف قارئ كشفت أن المطالعة من كتاب ورقي تُنشط مناطق الدماغ من الذاكرة والكلام والمعالجة البصرية، حيث إن الشكل وغلاف الكتاب والرائحة وعدد وسمك الصفحات كل ذلك يساعد دماغنا على دمج المعلومات التي تصل إليه والاحتفاظ بها بشكل أفضل بمرور الوقت، بينما ترتبط القصص والروايات التي تُقرأ على الشاشات بتجربة حسّية أقل تحديدا، وبالتالي سيتم معالجتها وحفظها بشكل أقل.
يرى الباحث الفرنسي إيف سيتون أستاذ الأدب أن الإشكالية أكبر من وسائل التكنولوجيا الحديثة، حيث يكتب في مؤلفه «إيكولوجيا الانتباه» ما يلي: «صحيح أن التكنولوجيا مسؤولة جزئياً عن تراجع نسب القراءة فهي تجذبنا كما يجذبنا السُّكر، لكن هذا لا يعني أن علينا وقف الهواتف واللوحات الإلكترونية، لأن ما يمنعنا من الانغماس في قراءة الكتب بعمق هو محاولات جذب الانتباه التي نتعرض لها في كل لحظة... انتباهنا أصبح بمثابة سلعة نادرة تتنافس عليها الشركات من خلال المواقع والتطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات مما يخلق بيئة من الإلهاء الرقمي الدائم يصعب فيه التركيز...». إنه «التسارع» الاجتماعي والثقافي الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني المعاصر هرمورت روزا الذي يرى أن الإنسان المعاصر يعيش زمناً لاهثاً قلقاً متسارعاً تتجلّى انعكاساته في الثقافة وفي كل الميادين، فقد أصبحنا نميل بوضوح إلى تناول الطعام بشكل أسرع، والتواصل مع أفراد الأسرة بوتيرة أخفّ ممّا كان عليه أسلافنا. مشاهدة التلفاز، والمكالمات الهاتفيّة، والتواصل الاجتماعيّ، والمواصلات، والقيام بالأعمال الإداريّة والقراءة كلّها تحصل بسرعة متواترة بسبب التكنولوجيا التي تيسّرها.
منى أزوف الفيلسوفة والمؤرخة الفرنسية ترى أن ما أصبح يمنعنا عن القراءة هو صعوبة الحصول على الهدوء والانعزال، وحتى الضجر الذي أصبح نادراً، حيث تشرح في كتابها «في نصرة قضية الكتب» ما يلي: «حين نبدأ في القراءة ننقطع عن العالم الخارجي، بيد أن الإنسان المعاصر أصبح لا يحب هذا الشعور بأنه معزول عن محيطه...».
سنوات بعد صدور كتابه «ماذا فعل الإنترنت بعقولنا؟» لا يزال نيكولاس كار مقتنعا بأننا على بعد خطوات من زمن ما بعد القراءة، بل إنه يتنبأ باضمحلال القراءة العميقة التي ستصبح في ظرف السنوات القليلة المقبلة حكراً على النخبة فقط، وهو أيضا ما نقله الفيلسوف ماثيو كروفورد في كتابه «لماذا فقدنا العالم وكيف نستعيده؟»، حين تحدث عن سيناريو كارثي، تصبح فيه القراءة العميقة مقتصرة على قلة من الناس، ممثلاً مستقبلها بما يحدث في قاعات المطارات بين ضجيج مكبرات الصوت وشاشات الإعلانات والملهيات التكنولوجية التي تميز القاعات العامة، وبين الصالونات المخصصّة لرجال الأعمال والنخبة التي تسمح بالعمل والقراءة في هدوء وتركيز ولكن لقلّة من الناس. وسط هذه النظريات المتشائمة لا تزال بعض الأطراف تعمل جاهدة على زرع حب القراءة والكتاب، آملة في عودة قوية. جمعية «سكوت… إننا نقرأ» للمخرج أوليفيه دولاييه والأكاديمية دانيال سليناف أقنعت أكثر من ألف مؤسسة تعليمية فرنسية على تبني مراسيم متميزة تقتصر على التوقف يوميا عن كل نشاط تربوي، وتخصيص ربع ساعة للقراءة مهما كانت الظروف. في نفس الوقت سجلت الحكومة الفرنسية القراءة كـ«قضية وطنية» وشرعت في حملة توعية وطنية لتشجيع ممارستها، ولا سيما عند الصغار في المدارس ووسائل الإعلام المختلفة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

سرّ الأزواج الأكثر سعادة... ما الذي يفعلونه خلال أول دقيقتين بعد العودة إلى المنزل؟

شريك الحياة عادة ما يكون على دراية بما يمر به الطرف الآخر فعلياً أسبوعاً بعد آخر في العلاقات السعيدة (بيكسلز)
شريك الحياة عادة ما يكون على دراية بما يمر به الطرف الآخر فعلياً أسبوعاً بعد آخر في العلاقات السعيدة (بيكسلز)
TT

سرّ الأزواج الأكثر سعادة... ما الذي يفعلونه خلال أول دقيقتين بعد العودة إلى المنزل؟

شريك الحياة عادة ما يكون على دراية بما يمر به الطرف الآخر فعلياً أسبوعاً بعد آخر في العلاقات السعيدة (بيكسلز)
شريك الحياة عادة ما يكون على دراية بما يمر به الطرف الآخر فعلياً أسبوعاً بعد آخر في العلاقات السعيدة (بيكسلز)

هناك دقيقتان حاسمتان كل مساء يمكن للزوجين خلالهما إما تعزيز الروابط بينهما، وإما إضعافها دون قصد.

ومن واقع خبرته بوصفه عالماً نفسياً متخصصاً في دراسة العلاقات الزوجية، يرى مارك ترافيرس أن ما يميز الأزواج السعداء عن غيرهم ليس بالضرورة عدد الخلافات التي تنشأ بينهم، أو مقدار الوقت الذي يقضونه معاً، بل مدى اهتمام كل طرف بحياة الآخر وتفاعله الحقيقي مع تفاصيلها، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

ففي العلاقات السعيدة، يكون كل شريك على دراية بما يمر به الطرف الآخر فعلياً، أسبوعاً بعد آخر. أما في العلاقات غير السعيدة، فقد ينزلق الزوجان إلى ما يشبه «التعايش المتوازي»؛ إذ يتشاركان المنزل وجدول المواعيد، لكن من دون تواصل حقيقي يتجاوز هذه التفاصيل.

ويمكن بناء هذا الفارق أو فقدانه خلال لحظات قد تبدو عابرة أو غير مهمة، ويطلق عليها ترافيرس اسم «لحظات العودة» (reentry moments).

ماذا تعني عبارة «لحظات العودة»؟

هي الدقيقة أو الدقيقتان الأوليان اللتان يلتقي فيهما الشريكان مجدداً بعد مدة من الابتعاد المؤقت، سواء بعد يوم عمل، أو عطلة نهاية أسبوع أمضاها أحدهما مع الأصدقاء، أو رحلة عمل استمرت بضعة أيام.

وتؤدي هذه اللحظات 3 وظائف أساسية:

- مساعدة الشريك على الخروج من دوامة أفكاره الخاصة والعودة إلى اللحظة الراهنة.

- التعرف على الحالة العاطفية التي يمر بها الشريك.

- الاطلاع على مستجدات يومه، أو عطلته، أو أسبوعه.

ويضرب ترافيرس مثالاً على ذلك قائلاً: «لنفترض أن زوجتك أخبرتك في الصباح بأنها ستقدم عرضاً تقديمياً في عملها خلال ذلك اليوم. وعندما تعود إلى المنزل، تجدها جالسة كعادتها على الأريكة، وأمامها حاسوبها المحمول، فتسألها: (كيف سار العرض التقديمي؟)... فتتوقف عن الكتابة، وتضع الحاسوب جانباً على الطاولة، ثم تخبرك بأن أحداً لم يتفاعل مع عرضها، وأن الحاضرين اكتفوا بشكرها قبل الانتقال إلى موضوعات أخرى. وقد أمضت بقية فترة ما بعد الظهر تستعيد تفاصيل العرض في ذهنها، محاولة فهم ما الذي لم يسر على ما يرام».

ويتابع: «يساعد التواصل فور اللقاء على حماية الطرفين من سوء الفهم. فلو كانت زوجتك لا تزال منشغلة بالتفكير في ذلك العرض، وسألتها عما إذا كانت قد حجزت سيارة لرحلتكما، الأسبوع المقبل، فقد تبدو نبرة الانزعاج في ردها وكأنها موجهة إليك شخصياً. وربما ترد عليها بحدة، لتجدا نفسيكما وسط شجار بشأن حجز السيارة، بينما لا يهتم أي منكما بهذا الأمر فعلياً!».

ويضيف الاختصاصي النفسي: «هناك أيضاً فائدة على المدى البعيد؛ فعندما يدرك شريكك أن الدقائق الأولى من عودته إلى المنزل ستُقابَل بالاهتمام، بدلاً من إصدار الأحكام أو اللامبالاة، فلن يضطر إلى التفكير طويلاً فيما يستحق أن يشاركك به وما ينبغي أن يحتفظ به لنفسه، بل يمكنه ببساطة دخول المنزل وهو مطمئن إلى أنه وصل إلى مساحته الآمنة».

كيف تعيد التواصل مع شريك حياتك بعد مدة من الغياب؟

يتطلب تحقيق ذلك بصورة صحيحة الخروج عمداً من روتين السؤال المعتاد «كيف كان يومك؟»، وتجربة أسلوب مختلف يقوم على الخطوات التالية:

1. اطرح أسئلة محددة

عندما تسأل الطرف الآخر «كيف كان يومك؟»، فإنك تضعه أمام مهمة ليست سهلة؛ إذ تطلب منه اختصار 8 ساعات من الأحداث والتفاصيل في إجابة واحدة، وهو ما يفسر اقتصار الرد غالباً على كلمة واحدة.

وبدلاً من ذلك، اسأل عن أمر كنت تعلم مسبقاً أنه سيحدث خلال اليوم؛ فسؤال مثل: «هل قال مديرك شيئاً؟» يُظهر أنك تذكرت ما كان يشغل باله في اليوم السابق.

كما أن الإجابة عن هذا النوع من الأسئلة تكون أسهل وأكثر صدقاً؛ ما يمهّد الطريق لحوار أعمق وأكثر معنى.

2. تابع الحديث ولا تنتقل سريعاً إلى موضوع آخر

عندما يخبرك الشريك بشيء ما، احرص على مواصلة الحديث بشأنه، بدلاً من الانتقال مباشرة إلى موضوع مختلف.

فمن واقع خبرة ترافيرس، غالباً ما يكون طرح سؤال متابعة واحد أكثر فاعلية من توجيه أسئلة جديدة عدة.

3. أخبر الطرف الآخر عندما تشعر بالإنهاك

إذا لم تكن تملك طاقة كافية للتواصل في تلك اللحظة المهمة، فمن الأفضل التعبير عن ذلك بوضوح بدلاً من اللجوء إلى الصمت.

فقولك: «أرغب في سماع ما حدث، لكنني أحتاج فقط إلى 20 دقيقة من الراحة» يترك أثراً مختلفاً تماماً عن التزام الصمت.

4. احرص على تبادل الأدوار في الحديث

قد يجد الشريكان نفسيهما، من دون قصد، وقد اعتادا أدواراً ثابتة، بحيث يتولى أحدهما معظم الحديث، بينما يكتفي الآخر بالاستماع.

وغالباً ما يتحدد ذلك وفقاً لمن يمتلك طاقة أكبر في نهاية اليوم، لكن النتيجة قد تكون تراجع مشاركة الطرف المستمع لتفاصيل يومه تدريجياً، حتى تصبح تجاربه وأحداث يومه خارج نطاق الحديث بينهما.

5. حوّل الحديث إلى أفعال ملموسة

لا تكتسب هذه الخطوات قيمتها الحقيقية إلا عندما تثمر عن تصرفات ملموسة.

فإذا عرفت أن الطرف الآخر مرّ بأسبوع عصيب، ثم واصلت حياتك وكأن شيئاً لم يحدث، فلن يكون الحوار قد حقق فائدة لأي منكما.

وتكمن قيمة «لحظة إعادة التواصل» في أنها تمنحك دافعاً لاتخاذ خطوة عملية، سواء بإتاحة الفرصة لهذا الشخص للنوم مدة أطول في اليوم التالي، أو التخطيط لموعد خاص يجمعكما.

ومع مرور الوقت، يمكن لهذه الخطوات أن تساعد الأزواج على الحفاظ على التفاهم والانسجام بينهما، بدلاً من الاكتفاء بالعيش جنباً إلى جنب من دون تواصل حقيقي.


«صبيّ صغير» لجورج يمّين: طفولة لم تعرف أنّ الرصاص ليس لعبة

حمولة أكبر من عُمر السائق الغائب (الشرق الأوسط)
حمولة أكبر من عُمر السائق الغائب (الشرق الأوسط)
TT

«صبيّ صغير» لجورج يمّين: طفولة لم تعرف أنّ الرصاص ليس لعبة

حمولة أكبر من عُمر السائق الغائب (الشرق الأوسط)
حمولة أكبر من عُمر السائق الغائب (الشرق الأوسط)

في طفولة الفنان جورج يمّين، كان الرصاص شيئاً يُعثَر عليه أيضاً. قطعة مرميّة تستحق الانحناء لالتقاطها، وربما الاحتفاظ بها إذا كان شكلها غريباً بما يكفي. كان ذلك خلال الحرب اللبنانية، عندما تعلَّم أطفال كثيرون معرفة أشياء كان يُفتَرض أن تبقى خارج عالمهم. مضت السنوات وهدأت المعارك وسافر يمّين. بقيت تلك القطع تشغله، وما بدأ بحثاً عن أشكال مختلفة في الأرض صار بعد عقود بحثاً عمّا بقي من تلك الأرض في داخله.

في معرضه «صبيّ صغير» (Little Boy)، الذي استضافه غاليري «ضفاف» في بيروت، بتنظيم «غاليري تانيت»، يعود يمّين إلى الرصاص بعناية تكاد تكون حنونة. يختار المقذوفات التي شوَّهتها الاصطدامات وغيَّرت العوامل الطبيعية أشكالها. بعضها يُشبه منحوتات صغيرة، لكلّ منها نتوءاتها وانحناءاتها الخاصة. يُصوّرها من قُرب شديد، ويُضيئها كما تُضاء المجوهرات. هذه العناية تمنح أشياء ارتبطت بالأذى شيئاً من القيمة التي نمنحها للمقتنيات العزيزة. حتى إنّ تشوّهها يُصبح جزءاً من جمالها.

جورج يمّين يُصوّر ما عجزت السنوات عن محوه من ذاكرته (الشرق الأوسط)

في هذه الصور، يصعب فصل جاذبية القطعة عن العنف الذي أسهم في تشكيلها. فقد أضافت السنوات إلى المعدن ما لم يكن فيه، وأكملت الطبيعة تغيير ملامحه بعد انتهاء الحدث الذي أطلقه. تبدو الرصاصات كأنها قطع أثرية من تاريخ قريب، ما زال شهوده بيننا. وهذا ما يجعل النظر إليها شائكاً. فالمعدن احتفظ بأثر ما جرى له، فيما غابت عنه أسماء الذين جرى لهم شيء بسببه.

أشياء يعرفها الأطفال قبل أن يعرفوا أسماءها (الشرق الأوسط)

ظنَّ جورج يمّين أنّ اشتغاله على هذه الأشكال سيمنحه بعض السكينة. أن يضعها أمامه في الصور بعدما حملها سنوات في ذاكرته. لكنّ العنف الذي عاد إلى لبنان أعاد معه الانشغال بها. ثم شاهد تسجيلات لصغار يلهون بمُخلّفات الحرب ويضحكون. استوقفته الضحكات التي بدت بعيدة عن إدراك ما تحمله الأشياء بين أيديهم. فالطفل يتعلَّم اللعب بما يجده حوله، ويستطيع أن يبتكر متعته حتى في مكان أثقلته الأحداث. أما المُوجِع في هذه المَشاهد فهو مقدار ما يستطيع الإنسان أن يألفه قبل إدراكه أنه كان يستحق حياة مختلفة.

الرصاصة تعرف طريقها... و«سوبرمان» يتأخَّر (الشرق الأوسط)

أدخل يمّين ألعاب «ليغو» إلى مشروعه. شاحنات تنقل أغلفة الرصاص، ومجارف بلاستيكية تغوص في أكوامه، وقِطع بناء ملوّنة تنتشر حول الذخائر. يتعامل مع هذه العناصر كما لو أنها تنتمي إلى عالم منسجم. وثمة دعابة جافّة في المشهد، خصوصاً عندما تبدو الشاحنة مُنهمِكة بنقل حمولتها الثقيلة. تكاد الصورة تستدعي ابتسامة قبل أن يتذكّر المُشاهد ما تحمله تلك العربة.

في ألعاب البناء متعة أن يصنع الطفل شيئاً ثم يُفكّكه، ويُجرّب أشكالاً أخرى كلّما شاء. لكنّ وجود الرصاص بين المكعّبات يُغيّر نظرتنا إلى هذا اللعب. فخارج الصورة، هناك بيوت هُدِمت وأشخاص رحلوا، وأشياء كثيرة تعجز أيّ محاولة للبناء عن إعادتها كما كانت.

تبدو مكعّبات «ليغو» والذخائر، في بعض الصور، وقد صوَّرها يمّين من الأعلى، أشبه بأحياء صغيرة أو خرائط لمدن تبدَّلت معالمها. وفي هذه النظرة إلى المكان صدى لتجربته في تصوير قلعة الشقيف في جنوب لبنان، بحجارتها التي مرَّت عليها حروب كثيرة، وتركت كلّ منها شيئاً وراءها. وفي عمل آخر، يظهر «سوبرمان» ضبابياً خلف رصاصة مشوَّهة تحتلّ مقدّمة الصورة. ثمة سخرية حزينة في هذا الاختيار. فالبطل الذي آمن الأطفال بقدرته على إنقاذ الجميع يتوارى خلف رصاصة ملتوية تستأثر بكلّ الانتباه. ومن الصعب ألّا نفكّر هنا بأطفال الحرب الذين عرفوا «سوبرمان» على الشاشة، وعرفوا الرصاص من قرب.

معرض يجعل العين تبتسم قبل أن تنتبه إلى ما تراه (الشرق الأوسط)

يتكرَّر الرصاص في صور يمّين، ويتغيَّر شكله وحضوره بين الألعاب الملوَّنة. وقد تتراءى بعض الصور متشابهة، لكنها تكشف أيضاً عن تعلُّق الفنان بهذه القِطع التي جمعها في طفولته، وظلّت تشغله لسنوات قبل أن يجد نفسه يعود إليها كلّما تجدَّد العنف في لبنان.

يبقى الطفل غائباً عن صور الفنان، مع أنّ كلّ شيء فيها يوحي بوجوده. نكاد نتخيّله جالساً على الأرض، يختار ألعابه ويملأ شاحناته بما وجده حوله. وقد تكون هذه أكثر صور الطفولة مرارةً التي يقدّمها المعرض. صورة طفل يحتاج إلى قليل من الخيال ليلعب، بينما يحتاج العالم إلى كثير من العقل كي يكفَّ عن تزويده بالرصاص.


تقدُّم استعدادات باكستان للمشاركة في «إكسبو 2030 الرياض»

باكستان ستعمل على تطوير جناحها في «إكسبو 2030 الرياض» ضمن منطقة الثقافة (واس)
باكستان ستعمل على تطوير جناحها في «إكسبو 2030 الرياض» ضمن منطقة الثقافة (واس)
TT

تقدُّم استعدادات باكستان للمشاركة في «إكسبو 2030 الرياض»

باكستان ستعمل على تطوير جناحها في «إكسبو 2030 الرياض» ضمن منطقة الثقافة (واس)
باكستان ستعمل على تطوير جناحها في «إكسبو 2030 الرياض» ضمن منطقة الثقافة (واس)

انتقلت باكستان إلى مرحلة متقدمة من استعداداتها وتحضيراتها لمعرض «إكسبو 2030 الرياض»، بعد توقيعها عقد مشاركتها رسمياً فيه، لتبدأ بتطوير جناحها وبرامجها والتجارب التي ستقدمها لملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم، في خطوة جديدة تعكس الزخم المتواصل للمشاركة الدولية.

وتعكس مشاركة باكستان في هذا الحدث العالمي المرتقب، الذي تستضيفه الرياض عام 2030، عمق العلاقات التاريخية التي تجمعها بالسعودية، كما تستند إلى حضورها الراسخ الممتد لنحو 7 عقود في معرض إكسبو الدولي، بما يعكس التزامها المستمر بالمشاركة فيه بوصفه منصة للتعاون الدولي وتعزيز التواصل بين ثقافات وشعوب العالم.

وحصد جناح باكستان الجائزة البرونزية في «إكسبو 2025 أوساكا» تقديراً لتصميمه المتميز، وستعمل خلال المرحلة المقبلة على تطوير جناحها في منطقة الثقافة ضمن «إكسبو 2030 الرياض»، لتقدم من خلاله مشاركة مميزة تعكس ثراء إرثها وإبداعاتها، وتطلعاتها للمستقبل.

ووقّع عقد المشاركة أحمد فاروق سفير باكستان لدى السعودية والمفوض العام لجناحها، والمهندس طلال المري الرئيس التنفيذي لـ«إكسبو 2030 الرياض».

من جانبه، قال السفير فاروق إن مشاركة باكستان «ستشكّل منصةً متميزةً لاستعراض إرث بلادنا العريق في مجالات الثقافة والتجارة والسياحة»، مضيفاً أن «باكستان تتمتع بإمكانات واعدة وفرص واسعة في مجالي التجارة والاستثمار».

وأكد أن علاقة باكستان الوثيقة مع دول منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما السعودية، ستُسهم في تعزيز روابطها مع الدول الشقيقة، متطلعاً إلى العمل عن كثب مع منظمي «إكسبو 2030 الرياض» لضمان مشاركة ناجحة ومؤثرة تحقق الأثر المنشود.

باكستان تبدأ تطوير جناحها وبرامجها وتجارب لزوار «إكسبو 2030 الرياض» من مختلف أنحاء العالم (واس)

بدوره، رحّب المهندس طلال المري بانضمام باكستان إلى «قائمة متنامية من الدول التي وقّعت رسميّاً عقود مشاركتها في (إكسبو 2030 الرياض)، بما يعكس التقدم المتواصل في استعدادات الدول المشاركة، وانتقالها إلى مرحلة جديدة من استعداداتها».

وأضاف المري: «في ظل العلاقات الراسخة والممتدة التي تجمع بلدينا، تكتسب مشاركة باكستان أهمية خاصة، ونتطلع للعمل عن كثب مع فريقها، وإلى رؤية الإبداعات التي تجسّد إرثها الثقافي العريق وتطلعاتها للمستقبل، بما يسهم في إثراء التجربة العالمية التي ستحتضنها الرياض في عام 2030».

ويأتي توقيع باكستان عقد مشاركتها في وقت تتسارع فيه التحضيرات والاستعدادات لـ«إكسبو 2030 الرياض» عبر مختلف المسارات؛ إذ تأكد أكثر من 185 مشاركة رسمية في الحدث، فيما تمضي الدول في تطوير أجنحتها وبرامجها استعداداً للعام 2030.

وبالتوازي مع ذلك، تشهد أعمال التنفيذ في موقع «إكسبو 2030 الرياض» تقدماً متسارعاً مع استمرار أعمال البنية التحتية وبدء تشكّل ملامح عدد من المرافق والأصول الرئيسية في المقر الذي يمتد على مساحة 6 ملايين متر مربع.

وسيُقام «إكسبو 2030 الرياض» تحت شعار «رؤية للمستقبل»، ليوفر منصة عالمية تتيح للدول استعراض إنجازاتها وطموحاتها، واستكشاف حلول للتحديات المشتركة، وفتح آفاق جديدة وإمكانات واعدة للمستقبل.

ومن خلال مناطقه الرئيسية الخمس؛ التقنية، والكوكب، والإنسان، والثقافة، والتعاون، سيدعو «إكسبو 2030 الرياض» المشاركين والزوار إلى استكشاف الأفكار والرؤى التي ستسهم في رسم ملامح العقود المقبلة.