قراءات «آية الله» تكشف الجانب المجهول منه

الرقابة تصادر الكثير من الأعمال التي يتمتع بقراءتها هو نفسه

علي خامنئي... من مثقف إلى سجان المثقفين
علي خامنئي... من مثقف إلى سجان المثقفين
TT

قراءات «آية الله» تكشف الجانب المجهول منه

علي خامنئي... من مثقف إلى سجان المثقفين
علي خامنئي... من مثقف إلى سجان المثقفين

حتى ساعة متأخرة من إحدى ليالي الشتاء، كنت أستلقي في فراشي دون التمكن من النوم، أفكّر في إيران، في الناس الذين لا يزالون يواصلون السيطرة على الشوارع، وهم يكافحون من أجل شيء من حقوقهم الإنسانية الأساسية، فيما يسمّي النظام هذه الثورة أعمال شغب. الأطباء والممرضون الذين تعاملوا مع إصابات المتظاهرين، يشهدون على أن قوات الأمن كانت تصوّب عن عمد على وجوه النساء وصدورهن والمناطق الحساسة. عن ذلك يقول أحد المختصين النفسانيين: أعتقد أن طبيعة مثل هذه الهجمات تهدف إلى تدمير الجمال. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد بدأ النظام، أيضاً، بتنفيذ الإعدامات بحق المتظاهرين. ثمّة صورة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لأم تقف مبتسمة بجوار ابنها في السجن، سريعاً ما ستنطفئ هذه الابتسامة، لم يخبرها أحد، عند زيارتها له في السجن بأنه سيُعدم، وقد تركته على أمل أن تلتقيه ثانيةً، بدلاً من ذلك تلقت مكالمة تُفيد بأنه شُنق وقد أُعطيت رقماً لقبره. مجيد رضا رهنورد، وهو اسم الابن، لم يتجاوز الثالثة والعشرين من العمر، وهو واحد من كثيرين حُكم عليهم بالموت في محاكمات صورية، بعد انتزاع الاعترافات منهم بالقوة، ورغم ذلك يواصل الناس تنظيم أنفسهم، بلا كلل.
وأنا مذبذبة بين نقيضين: اليأس والأمل. أقلّب صفحات الجرائد وأتنقل بين مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن أخبار من البلد الذي ولدت فيه، لينتهي بي المطاف إلى حساب آية الله علي خامنئي في تويتر. ماكينة دعايته هي التي تدير الحساب، وهو مدهش في كيفية مزج التغريدات بين الشعر والفلسفة مع محتوى آيديولوجي طاغٍ، وهو نفس الأسلوب الذي اعتاده في خطبه، وعدا عمّا تنحو إليه اللغة من كراهية، فهي أيضاً جميلة بشكل خطير. لقد أدرك خامنئي شيئاً أساسياً، وهو أن اللغة تمثّل القوة. أفكر بذلك وأنا أنظر إلى صوره، ويتملّكني الفضول، فقد طبع رجال الدين الشيعة جزءاً كبيراً من طفولتي. يعود خامنئي إلى وعيي، متدفقاً، مع أني لا أعرف شيئاً عنه، وأتساءل، هل يمكن استخدام الجمالي كأداة لتحليل دكتاتور مثقف، في محاولة للاقتراب منه؟ لقد ولدتُ عام 1981، أي بعد سنتين من عودة سلفه، آية الله الخميني من منفاه الطويل، إلى إيران التي أُبعد منها العام 1964، استقبلته الملايين في الشوارع، وقد أصبح الزعيم الجديد للبلاد. كانت الثورة الإسلامية تقترن بجمالية جديدة بقدر ما كانت تقترن بولادة آيديولوجية جديدة وكان ذلك يعني تجديد البلاد، على الأقل، بصرياً: الحجاب الإلزامي للفتيات والنساء، المساجد في كل زاوية، الجداريات الثورية، إضفاء الطابع الرومانسي على مفهوم الشهادة، من خلال الأغاني الجميلة والمثيرة التي تُبث عبر الإذاعة والتلفزيون، من بين أشياء أخرى. جميع الخدمات العامة والهيئات المملوكة للدولة صارت تخضع لسيطرة رجال الدين، وكان هؤلاء حاضرين في كل ركن. وجوه صارمة تراقبنا من رايات ضخمة تخفق فوق الطرق السريعة، والنظرات الحقودة المرسومة على واجهات المنازل كانت تحرسنا دون إذن. يجدر بالدين أن يكون وعداً بالدفء والأمل ، لكن في هذه الحالة لا يمنح سوى الشعور بالعقاب. كثيرون يعرفون أن الخميني قد أصدر قبل موته فتوى ضد الكاتب سلمان رشدي، حول ذلك نشر الكاتب دانييل كالدر في «الغارديان» مقالاً ذكر فيه كيف أن بغض الخميني لرشدي جعل منه الروائي الأشهر، ربما، خلال القرن العشرين. كالدر تحدث أيضاً عن كتابة الخميني للشعر، وما يمكن أن تنطوي عليه قصائده من مفاجآت، كما في السطرين التاليين:

افتح باب الحانة ودعنا نذهب هناك، ليلاً ونهاراً
لأني سئِمتُ من الجامع والدرس

لكن كم يبلغ هؤلاء الذي يعرفون أن خامنئي كرّس نفسه للعمل الفكري بطريقة ترسم حداً فاصلاً بينه وبين سلفه الخميني، بين رجل الدين القديم والجديد؟ كان خامنئي، قبل أن يصبح الزعيم القمعي لإيران، مدرساً للفلسفة الإسلامية، وعندما كان يعيش في مشهد، المدينة المقدسة المعروفة والتي أضحت مسرحاً لجرائم قتل متسلسلة استهدفت بائعات الهوى، كما عرّفنا على ذلك فيلم علي عباسي «عنكبوت مقدس»، شارك في نشاطات أدبية مع شعراء معروفين، وقام بمراجعات نقدية للقصائد وقراءتها بنفسه تحت الاسم المستعار «أمين». تتناول نصوص وخطب خامنئي، الفن، الصلوات اليومية، وكيف يجب أن يُفهم الدين، العدوان الثقافي والاستعمار، معرفة العدو، وضرورة العودة إلى القرآن.
يحكم خامنئي سيطرته على الرئاسة والقضاء والبرلمان ومجلس صيانة الدستور والقوات المسلحة، أي الشرطة والجيش والحرس الثوري. كما يفرض هيمنته على شرطة الآداب والباسيج (الميليشيا الإيرانية شبه العسكرية). أما قراءاته، فتشتمل على عدد كبير من الشعراء والكتاب الإيرانيين والعالميين، ومن بين هؤلاء أيضاً عدد من النساء المعاصرات. في صورة تعود إلى العام 2015، يظهر فيها خامنئي أصغر سناً مع كتاب مفتوح في حجره، يكتب معلقاً، في حسابه على تويتر: «غالباً ما تكون القراءة في مثل سني أقل فاعلية بكثير من القراءة في سن مبكرة. القراءة في سن مبكرة تدوم إلى الأبد». في نفس العام ينشر خامنئي تغريدة أُخرى مع صورة يظهر فيها وكتاب في يده، يخبر فيها الزعيم الديني البالغ حينها من العمر 75 عامًا أكثر من 100000 متابع أنه «غير مهتم بالسينما والفنون البصرية» لكن «فيما يتعلق بالشعر والروايات، فأنا لست مجرد قارئ عادي»، كما يكتب، مضيفاً: «تولستوي كاتب هائل»، أحِبّ أليكسي تولستوي، وهو كاتب رائع. حتى عام 1925 كان معادياً للثورة، ثم فهم الثورة، وعاد إلى الوطن ليكتب «درب الآلام».
كان كل من تولستوي وشولوخوف، كاتبين على وفاق مع النظام، تمّ الاعتراف بشولوخوف عالمياً وفاز بجائزة نوبل، بينما كان تولستوي في «الجانب الخطأ»، كان مناهضاً للبلاشفة، وهاجر ثم عاد. كان بارعاً جداً في إعطاء النظام ما يريد، وبذلك نجا من قمع ستالين، وقد استطاع التكيّف، ونصوصه كذلك. أصبح تولستوي لاحقاً فناناً سوفياتياً كبيراً، وروايته المعروفة «درب الآلام» تتناول ثورة أكتوبر والحرب الأهلية. وفي خضم الثورة في سانت بطرسبرغ، حيث يتم تدمير العالم القديم، يعرض الكاتب إلى تكيّف الشقيقتين (وهما شخصيتان في الرواية) مع الجديد. من هنا يُفهم، أيضاً، أن خامنئي الذي ساهم هو نفسه في تدمير المجتمع وإنشاء مجتمع جديد، يجد الكتاب جذاباً.
ومن المثير للاهتمام أن النظام الإسلامي لم يعترض أبداً على هذا النوع من الكتب، على الرغم من أن مؤلفيها كانوا ماركسيين ملحدين، علناً. لقد تجاوز النظام ذلك، مفضلاً النظر إلى القيمة الثورية. ديكتاتور آخر كان مولعاً بالأدب الستاليني هو الجار العدو صدام حسين، الذي كان مثل خامنئي يعتقد، أيضاً أنه يمكنه التحدث مع الله، وأنه كلفه بقيادة العراق، وأن يجعل منه نموذجاً لبقية البلدان العربية، كي يصبح القائد العربي الوحيد في العصر الحديث، وبدوره أعجب صدام، أيضاً، بالأدب ذي الميول الستالينية، وهو ما كان يُرى في مكتبته. يُقال إنه قبل تولّيه زمام السلطة كان يقول للآخرين في حزب البعث: «انتظروا حتى أتولى أمر هذا البلد، وسأصنع منه دولة ستالينية». وقد اعتاد الناس الضحك، آنذاك، لكن تبيّن فيما بعد أنه ادّعاء جاد. يتحدى كل من صدام وخامنئي التفكير المعتاد والسائد عن القراءة، والتطلع إليها، كنشاط رحب. إن الترحال عبر عوالم وأزمنة وحيوات مختلفة يتيحها الأدب ويدعو إليها، من شأنه أن يُقنع القارئ دائماً بأن يكون أكثر وجدانيةً وتفهماً. والأدب لديه المقدرة على استدعاء شيء وجعله ممكناً، كالحرية والمساواة والديمقراطية، على أنه ليس خيراً أو شراً في حد ذاته، كما أن قراءة الكتب لا تقتصر على الأشرار أو الأخيار من الناس، فهي امتياز للجميع. هذه هي قوة الأدب! والأمر نفسه ينسحب على الفن، لكن الخطر هو أنه بمجرد أن يبدأ التفكير به كأداة، يمكن أن يتحول ببساطة إلى دعاية خالصة. تمتلك إيران تاريخاً ثقافياً غنياً، من أبي القاسم الفردوسي وملحمته الشعرية «الشاهنامة» (القرن الحادي عشر للميلاد)، إلى شروين حاجي بور، وأغنيته «براي»، هذه الأغنية التي ارتبطت بالثورة الحالية وحققت نجاحاً ساحقاً. و«براي»، بالفارسية، تعني «من أجل» وقد اعتمدت في كلماتها على الشعارات المرفوعة في الاحتجاجات (ملاحظة المترجم). وهكذا فإنّ الالتزام في الثقافة يتخطى حدود كل من الطبقية والأجيال، وهو قوة كبيرة لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار، الأمر الذي يشكّل تهديداً لخامنئي، لذا يحاول القضاء عليه، وهو مسؤول، في الأخير، عن نظام حيث الرقابة حاضرة فيه وتصادر الكثير من الأعمال التي يتمتع بها هو نفسه. ووفقاً لنادي القلم الدولي: «في الوقت الذي غرد فيه خامنئي عن الكتّاب الذين تضمهم مكتبته، كان أكثر من عشرين كاتباً يقبعون في السجون الإيرانية، كما يوجد عدد أكبر من ذلك في الحجز وهم معرضون لخطر الإعدام». من الواضح أن ديكتاتوراً مثقفاً، يمكنه قراءة جميع الروايات النسوية في العالم، والكتب المتعلقة بتعاسة المجتمع، ويقرأ دزينة من الكتّاب الوجوديين، وفي الوقت نفسه يعمد إلى محو وجود النساء والأطفال، الرجال والأقليات من على وجه الأرض، يكون قد اختار كلاً من القلم والسيف.
* سارة عبد اللهي، كاتبة وناقدة أدبية سويدية من أصل إيراني. والموضوع مترجم عن صحيفة «سفينسكا داغبلاديت» السويدية 31 ـ 12 ـ 2022


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
TT

«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)

كشفت دراسة أميركية عن أن جرعة واحدة من مادة «السيلوسيبين»، المركب النشط فيما يُعرف بـ«الفطر السحري»، قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين.

وأوضح الباحثون من جامعة جونز هوبكنز أن العلاج بـ«السيلوسيبين» إلى جانب العلاج السلوكي المعرفي يوفر نهجاً مختلفاً وأكثر فاعلية لمساعدة المدخنين على التخلص من إدمان التبغ، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «JAMA Network Open».

ويُعدُّ التدخين أحد أبرز أسباب تدهور الصحة حول العالم، إذ يتسبَّب في نحو 480 ألف حالة وفاة سنوياً في أميركا وحدها، ونحو 8 ملايين وفاة عالمياً. ورغم رغبة كثير من المدخنين في الإقلاع عن هذه العادة، فإن العلاجات المتاحة حالياً غالباً ما تفشل في تحقيق نتائج طويلة الأمد. وتشمل العلاجات التقليدية بدائل النيكوتين والأدوية المساعدة مثل فارينيكلين، إضافة إلى جلسات الإرشاد النفسي، إلا أن كثيرين يعودون للتدخين خلال 6 أشهر من بدء العلاج.

وتركز الدراسة السريرية على تقييم فعالية «السيلوسيبين»، وهو مركب مهلوس مستخلص من نوع من «الفطر السحري»، في دعم الإقلاع عن التدخين. ويجري حالياً اختبار المركب أيضاً لعلاج بعض اضطرابات الصحة العقلية، مثل الاكتئاب، ما يعكس الاهتمام المتزايد بفوائده على الصحة النفسية.

وشارك في التجربة 82 مدخناً بالغاً سبق لهم محاولة الإقلاع عن التدخين، وقُسّموا عشوائياً إلى مجموعتين، تلقَّت الأولى جرعةً واحدةً عالية من «السيلوسيبين» تحت إشراف طبي، بينما استخدمت المجموعة الثانية لصقات النيكوتين لمدة تتراوح بين 8 و10 أسابيع. وخضع جميع المشاركين لبرنامج علاج سلوكي معرفي استمرَّ لمدة 13 أسبوعاً لدعم عملية الإقلاع عن التدخين.

وبعد 6 أشهر من بدء التجربة، بقي 38 مشارِكاً في مجموعة السيلوسيبين و32 في مجموعة لصقات النيكوتين. وأظهرت النتائج أن 40.5 في المائة من المشاركين في مجموعة «السيلوسيبين» تمكَّنوا من الامتناع المستمر عن التدخين، مقابل 10 في المائة فقط في مجموعة اللصقات. كما بيّنت الفحوص البيوكيميائية أن 52.4 في المائة من المشاركين في المجموعة الأولى لم يدخنوا خلال الأسبوع السابق للفحص، مقارنة بـ25 في المائة فقط في مجموعة اللصقات.

ويختلف تأثير «السيلوسيبين» عن العلاجات التقليدية للإدمان، إذ لا يستهدف مستقبلات النيكوتين مباشرة في الدماغ. ويعتقد الباحثون أنه يعمل عبر تغيير طريقة تفكير الشخص وإدراكه لذاته، ما يساعد على كسر أنماط السلوك الإدماني وتعزيز المرونة النفسية. وتشير النتائج إلى أن جرعة واحدة فقط قد تحقق تأثيراً طويل الأمد، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى استخدام أدوية يومية أو طويلة المدى.

ولم تُسجل آثار جانبية خطيرة خلال الدراسة، لكن بعض المشاركين أبلغوا عن أعراض خفيفة، مثل ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وصداع، وغثيان.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوةً مهمةً نحو تسريع تطوير العلاجات النفسية المعتمدة على المواد المخدرة لعلاج اضطرابات تعاطي المواد، بما في ذلك إدمان التبغ، مع التأكيد على ضرورة إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوعاً لتحديد أفضل طرق العلاج وتكلفته وإمكانية تطبيقه على نطاق واسع.


عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
TT

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)

أعادت فرنسا إلى ساحل العاج طبلاً مقدّساً من نوع «الطبول الناطقة» كان قد نُهب إبّان الحقبة الاستعمارية، وذلك بعد أكثر من قرن على إخراجه من البلاد.

وكانت القوات الاستعمارية الفرنسية قد استولت على الطبل عام 1916، قبل أن يُنقل إلى فرنسا عام 1929، حيث عُرض بدايةً في «متحف تروكاديرو»، ثم انتقل لاحقاً إلى متحف «كيه برانلي» في باريس، ليظلَّ هناك عقوداً بكونه أحد المعروضات المرتبطة بتاريخ الحقبة الاستعمارية.

ويُعرف هذا الطبل باسم «ديدجي أيوكويه» (Panther Lion)، وقد استقبله لدى عودته أفراد من جماعة «إيبرييه» التي تعود ملكيته الأصلية إليها. ويبلغ طول الطبل أكثر من 3 أمتار، ويزن نحو 430 كيلوغراماً، وهو منحوت من خشب شجرة «الإيروكو».

قطعة من ذاكرة أفريقيا تعود إلى أرضها (رويترز)

وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعٍ فرنسية أوسع لإعادة القطع الثقافية الأفريقية إلى بلدانها الأصلية، وهي عملية بدأت عام 2017.

ووصل الطبل إلى أبيدجان على طائرة استُؤجرت لنقله، غير أنه بقي داخل صندوق خشبي كبير وُضعت عليه علامة «قابل للكسر». وكانت مجموعة من الراقصين التقليديين وعدد من الزعماء المحلّيين في مطار أبيدجان الدولي لاستقباله.

وقالت وزيرة الثقافة في ساحل العاج، فرنسواز رمارك، لـ«بي بي سي»، إنّ عودة الطبل تمثّل «يوماً تاريخياً مشحوناً بالمشاعر»، مضيفة أنّ البلاد «تعيش لحظة إنصاف واستعادة للذاكرة تعلن أخيراً عودة طبل (ديدجي أيوكويه) إلى موطنه الأصلي».

ومن جانبه، أوضح مدير متحف الحضارات في أبيدجان، فرانسيس تاغرو، أنّ الطبل سيُعرض «في موقع يليق بقيمته في قلب المتحف الوطني». وأضاف: «نشعر بسعادة غامرة وفخر عميق باستعادة هذا الطبل المقدّس؛ لما يمثّله من رمزية كبيرة بالنسبة إلينا، ولما سيتركه من أثر في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الشابة».

ويُعدّ «الطبل الناطق» أحد أبرز رموز التراث لدى جماعة «إيبرييه»؛ إذ كان يُستخدم تقليدياً للتحذير من الأخطار، وحشد الناس في زمن الحرب، وكذلك لدعوة القرى إلى المناسبات والاحتفالات. وتتركز هذه الجماعة في مدينة أبيدجان، كبرى مدن ساحل العاج.

وكانت باريس قد سلَّمت الطبل رسمياً في 20 فبراير (شباط) الماضي، بعد أن أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً خاصاً يجيز إعادته. ويمثّل «الطبل الناطق» أول قطعة ضمن قائمة تضم 148 عملاً فنياً وثقافياً تسعى ساحل العاج إلى استعادتها من فرنسا ودول أخرى.

وسبق لفرنسا أن أعادت بعض كنوز مملكة أبومي الملكية إلى بنين، كما أعادت سيفاً تاريخياً إلى السنغال. ويأتي ذلك في ظل تزايد مطالب الدول التي خضعت للاستعمار باسترداد تراثها الثقافي؛ إذ اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي في 29 يناير (كانون الثاني) الماضي قانوناً إطارياً يهدف إلى تسهيل إعادة القطع العائدة إلى الحقبة الاستعمارية من المجموعات الوطنية الفرنسية، على أن يُطرح مشروع القانون قريباً للنقاش في الجمعية الوطنية الفرنسية.


مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
TT

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)

أعلنت الحكومة البريطانية عن خطّة جريئة للتوقّف تدريجياً عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي؛ إذ تقرَّر -على سبيل المثال- وقف الاختبارات الخاصة بحساسية الجلد على الحيوان بحلول هذا العام، ووقف بعض البحوث على الكلاب في 2030؛ حيث تنص السياسة الجديدة على أنّ عصر استخدام الحيوان في العلوم قد انقضى باستثناء بعض الحالات الخاصة.

وذكرت «وكالة الأنباء الألمانية» أنّ دولاً أخرى في العالم اتخذت إجراءات مماثلة؛ إذ أزاحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي الستار عن خطّة لجعل التجارب على الحيوانات هي «الاستثناء وليست القاعدة» في مجال اختبارات سلامة الأدوية في غضون 3 إلى 5 سنوات. وفي الشهر عينه، طرحت معاهد الصحة الوطنية الأميركية مبادرة لتقليل استخدام حيوانات التجارب في البحوث التي تموّلها. وفي العام الحالي، تعتزم المفوضية الأوروبية نشر خريطة طريق لإنهاء الاختبارات على الحيوانات في مجال تقييم سلامة الكيميائيات.

وقد عزَّزت المخاوف الأخلاقية والشواغل بشأن سلامة الحيوان من الجهود للتصدّي لاستخدام الحيوانات في التجارب العلمية، كما تسارعت في الوقت الحالي وتيرة التوصل إلى تقنيات علمية حديثة تُغني عن حيوانات التجارب.

ومن بين مناهج البحث الجديدة ما يعرف باسم «أعضاء على رقائق»، وهي أنسجة مجسَّمة تُزرع على رقائق إلكترونية وتُخضَع لاختبارات علمية مختلفة.

وكشفت دراسة إحصائية أجرتها منظمة «بحوث خالية من تجارب الحيوان» في بريطانيا أنّ عدد الرسائل العلمية التي نُشرت في مجال علوم الطبّ الحيوي عن طريق هذه التقنية الجديدة فيما يخص 7 أمراض مختلفة ارتفع من نحو 25 ألف رسالة علمية إلى نحو 100 ألف رسالة بين 2006 و2022.

وتضخّ الصين أيضاً استثمارات ضخمة في هذا المجال؛ إذ أطلقت عام 2024 «منظومة مضاهاة الأعضاء البشرية المريضة»، وهي مشروع مخصَّص لتطوير مناهج بحث بديلة تُغني عن استخدام حيوانات التجارب، بقيمة 2640 مليون يوان (382 مليون دولار).

ويقول مؤيّدو هذه الفكرة إنّ مناهج البحث البديلة قد تكون أفضل من الحيوان في محاكاة الطبيعة البيولوجية للإنسان، والتنبُّؤ بشكل أفضل بمدى سلامة الأدوية الجديدة وفاعليتها؛ إذ كثيراً ما تُصنع الرقائق الإلكترونية بواسطة خلايا بشرية حقيقية مع تصميم النماذج الحوسبية الخاصة بها بواسطة بيانات بشرية.

ويقول خبير الهندسة الحيوية في معهد «وايس» للبحوث في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأميركية، دونالد إنغبر، لموقع «ساينتفيك أميركان» المعني بالبحوث العلمية، إنّ التحوّل إلى التقنيات البديلة هو خطوة «مستحقّة منذ مدّة طويلة».

يُذكر أنّ جهود إيجاد بديل للاختبارات على الحيوان، وتنقيحها، والحدّ منها في مجال البحث العلمي تتواصل منذ عقود، وقد تراجع استخدام الحيوانات في مجال التجارب بالفعل في بعض الدول.

وتشير البيانات في بريطانيا إلى أنّ عدد التجارب العلمية التي أجريت على الحيوان تراجع من 14.4 مليون تجربة في 2015 إلى 2.64 مليون تجربة في عام 2024، كما انخفض إجمالي عدد الحيوانات التي استخدمت في التجارب في الاتحاد الأوروبي والنرويج بنسبة 5 في المائة بين 2018 و2022.

وخلال العقد الماضي، طوَّر العلماء نماذج مصغَّرة من الأعضاء البشرية يمكن استخدامها لدراسة بعض الأمراض، مثل السرطان والاضطرابات الوراثية، واستخدموها في ابتكار أدوية جديدة والتأكد من سلامتها.

وعام 2021، ابتكر فريق علمي نموذجاً مصغَّراً من الكبد البشري، واستخدموه لاختبار 238 من الأدوية التي تُستخدم لعلاج أمراض الكبد المختلفة. وتُعدّ النماذج الحوسبية من الخيارات المطروحة بديلاً عن تجارب الحيوان. وعام 2021 أيضًا طوَّر فريق بحثي نموذجاً حوسبياً لاختبار حساسية الجلد تجاه مركبات كيميائية معيّنة.

وتُعدّ هذه النوعية من الاختبارات بمثابة إجراءات قياسية للتيقن من سلامة عدد من المنتجات الصناعية والمنزلية، وكانت عادة ما تتطلَّب استخدام حيوانات التجارب في هذا الغرض.

وبنى الفريق البحثي نموذجاً حوسبياً باستخدام بيانات تخصّ 430 مادة اختُبِرت على البشر وفئران التجارب في وقت سابق، وتبيَّن من هذه التجربة أنّ هذا النموذج يمكنه التعرُّف بدقة على المواد الكيميائية. وقد صادقت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية العام الماضي على استخدام النماذج الحوسبية لاختبار حساسية الجلد تجاه المركبات الكيميائية.

ويأمل الباحثون أيضاً في إمكان توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال البحوث العلمية بدلاً من حيوانات التجارب؛ إذ تعمل جهات رقابية عدّة -مثل هيئة الدواء الأوروبية وإدارة الغذاء والدواء الأميركية- على دمج آليات الذكاء الاصطناعي في مجال دراسة وتقييم سلامة الأدوية والمواد الكيميائية.

ويؤكد الباحثون أنّ بعض الاختبارات التي تُجرى على الحيوان ستظلّ ضرورية في المستقبل المنظور. ويقول الباحث روبن لوفيل بادج، المتخصّص في مجال علوم الأحياء في معهد «فرنسيس كريك» بلندن، إنه «من الصعب دراسة الأنظمة البيولوجية المتكاملة التي تحتوي على شبكة من الأوعية الدموية والأعصاب، أو أنظمة التجارب، أو شيخوخة الأنسجة، بواسطة نماذج مصغرة أو أنسجة على رقائق إلكترونية».

وتضيف سارة بايلي، المتخصّصة في علم الأدوية العصبية بجامعة باث في بريطانيا، أنه من المستحيل أيضاً دراسة السلوكيات البشرية والأنشطة الإدراكية عن طريق نموذج حوسبي. وأضافت لموقع «ساينتفيك أميركان» أنه عندما يتعلَّق الأمر بدراسة تعقيدات علوم الأحياء، فإننا سنظلّ بحاجة لاستخدام الحيوانات في مجال العلوم الأساسية لبعض الوقت في المستقبل».