ماكرون يخيّب آمال الجزائريين في ملف «تسوية الذاكرة»

الرئيس الفرنسي يقطع الطريق على طلب الصفح من الجزائر... ويستبعد «الاعتذار» عن جرائم الاستعمار

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس الماضي (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس الماضي (الرئاسة)
TT

ماكرون يخيّب آمال الجزائريين في ملف «تسوية الذاكرة»

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس الماضي (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس الماضي (الرئاسة)

للحوار الصحافي المطول (11 صفحة)، الذي أجراه الكاتب والصحافي الجزائري - الفرنسي مع الرئيس إيمانويل ماكرون، والذي نشرته مجلة «لو بوان» في عددها الأخير، قصة سردها داوود بالتفصيل، وبيَّن فيها تردد الرئيس الفرنسي، الذي سبق لداوود أن التقاه مرات عديدة، وكان أحد أعضاء الوفد الذي رافقه في زيارته الأخيرة للجزائر. والحقيقة أن الحوار ليس حديثاً صحافياً، بل هو «تأملات» ذات صبغة فلسفية تأتي أحياناً على مسائل سياسية. بَيْد أن العلاقات الفرنسية - الجزائرية احتلت حيزاً واسعاً من الحوار، وما اقتبسته وسائل الإعلام الفرنسي والجزائري تمحور حول طلب الصفح من الجزائر للجرائم، التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي الذي دام 132 عاماً، وللفظائع التي حصلت خلال حرب الاستقلال وحصول الجزائر عليه. وحتى اليوم، رفض كل الرؤساء الفرنسيين، سواء كانوا من اليمين أو اليسار، اجتياز هذه الخطوة التي يصر عليها الطرف الجزائري، الذي يتساءل لماذا لا تتردد فرنسا في الإقدام على طلب الصفح من جهات أخرى وترفض ذلك إزاء الجزائر؟
السؤال طرح على ماكرون، وكان جوابه أن الحديث عن العلاقة الفرنسية - الجزائرية من زاوية «طلب الصفح من عدمه» يستبطن «مخاطرة سياسية» يمكن أن تنعكس على صناديق الانتخاب. وما يلمح إليه ماكرون هو أن الفرنسيين ليسوا مستعدّين بعدُ للإقدام على خطوة طلب الغفران، خصوصاً أن اليمين واليمين المتطرف يرفضان بشكل قاطع أمراً كهذا، بل إن ثمة تياراً في فرنسا يندد بسلسلة الاعتذارات التي أقدم عليها ماكرون منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017. أما فيما يخص العلاقة مع الجزائر فقد سعى ماكرون إلى ما يسميه «مصالحة الذاكرات»، وأنشأ لجنة لاقتراح خطوات تذهب في هذا الاتجاه. وبالفعل فقد تضمّن التقرير 21 مقترحاً، لكن ليس بينها طلب الصفح، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الجزائريين ودفعهم لتقبُّله بفتور بالغ. وليس سراً أن العلاقات بين الطرفين متأرجحة على الدوام، ويكفي تصريح من هنا أو بادرة من هناك لتسوء الأمور بين الجانبين، كما حصل بعد تصريحات ماكرون التي انتقد فيها «نظام العسكر وريع الذاكرة»، وشكك في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي، لكن ذلك لم يَحُل دون عودة الدفء إليها، وهو ما برز مع زيارته للجزائر في شهر أغسطس (آب) الماضي.
ماكرون اعتبر، كما جاء في حديثه، أن طلب الصفح أو عدمه «لن يصلح شيئاً» بالنظر إلى مرحلة الاستعمار والحرب التي انتهت بها، وإذ ذكر أن طلب الاعتذار لم يكن موجوداً طيلة عقود، ذهب إلى اعتبار أن «أسوأ الحلول هو طلب الاعتذار؛ لأن كل طرف سيذهب، بعده، في طريقه ولن يكون الاعتراف الحقيقي بما حصل، بل تصفية حساب». وأردف قائلاً:
«يتعين أن نقوم بعكس ذلك... (بالتركيز) على عمل الذاكرة الذي يعني قبول أن هناك أموراً لا يمكن وصفها قد حصلت، كما لا يمكن اغتفارها». وخلص ماكرون إلى أنه «ليس لي أن أطلب الصفح، ليس هذا هو الموضوع؛ لأنه سيعني قطع كل العلاقات (مع الجزائر)... لن أطلبه».
كما ذكر ماكرون أنه طلب الصفح «الجماعي» من الحركيين «لأن الجمهورية الفرنسية قدمت لهم وعوداً، ثم حنثت بها في عدد من المرات»، وأنه طلب الصفح من عائلة (العالم الرياضي) موريس أودان، ومن عائلة المحامي علي بومنجل؛ «لأنه في كل مرة كانت هناك أخطاء قد ارتكبت، ولا سبيل للمجادلة بها». غير أن ماكرون يريد استكمال ما بدأ بخطوات إضافية، مثل فتح الأرشيف من الجانبين، وإلقاء الضوء على الجرائم التي حصلت أثناء الفترة الاستعمارية، وحول التجارب النووية الفرنسية، وإعادة فتح ملف المفقودين خلال الحرب، لكن الطريق إلى كل ذلك يمر، وفق الرئيس الفرنسي، من خلال تشكيل لجنة مؤرخين مشتركة.
واعترف ماكرون أيضاً بأن الحديث عن العلاقات مع الجزائر «أمر صعب لأنه حميمي»، ولأنه يمس ما لا يقل عن عشرة ملايين شخص لهم علاقات مباشرة مع الجزائر، ولأن الحديث عن الجزائر «يعني الحديث عن فرنسا». والصعوبة الرئيسية في نظره، والتي يحاول التغلب عليها من أجل «تطبيع» هذه العلاقات، يمر عبر «العمل على الذاكرات المتناقضة»، وهي مهمة المؤرخين من الطرفين، وعبر مواصلة الخطوات التي أطلقها منذ أن أصبح رئيساً. لكن بالرغم من ذلك، ينظر ماكرون إلى المستقبل بتفاؤل، ويؤكد أن الرئيس عبد المجيد تبون «يتميز برغبة حقيقية في إطلاق مرحلة جديدة» من العلاقات بين البلدين، ويأمل أن تجري زيارة الدولة التي وعد بها خلال العام الحالي، كما رحّب ماكرون بإمكانية أن يقوم الرئيس الجزائري بتكريم رفات أقرباء للأمير عبد القادر الجزائري، الذي قاوم الاحتلال الفرنسي ونفي إلى قصر أمبواز بين عامي 1848 و1852، واعتبر أن ذلك سيشكل «لحظة جميلة وبادرة قوية»، وأكد أنه يتمنى أن تجري هذه الزيارة.
ولأن العلاقة مع الجزائر تشكل ضلعاً من علاقة ثلاثية تضم المغرب، الذي ينوي ماكرون القيام بزيارته في الأسابيع القليلة المقبلة، أعرب ماكرون عن أمله بأن «تصفو» العلاقات بين البلدين الجارين، مستبعداً أن تتدهور إلى حد نشوب نزاع مسلّح بينهما، علماً بأنه حتى اليوم لم تنجح الوساطات في التقريب بين الرباط والجزائر، اللتين قطعتا علاقاتهما الدبلوماسية منذ صيف العام الماضي.
اللافت أن الحوار الرئاسي لم تتبعه ردود فعل من الطبقة السياسية الفرنسية المنشغلة، هذه الأيام، بملف قانون التقاعد، الذي عرضت رئيسة الحكومة إليزابيت بورن تفاصيله، في العاشر من الشهر الحالي. وعلى أية حال، ووفق مصدر سياسي فرنسي، فإن غياب ردود الفعل يعني أنه لا جديد في كلام الرئيس الفرنسي، الذي بقي ضمن الخطوط، التي سبق أن رسمها لنفسه، وأن أهمية ما جاء على لسانه في المقابلة المذكورة تكمن في الشروح التي قدّمها.
أما في الجزائر، وبينما لم تصدر، أمس، عن الجهات الرسمية في الجزائر ردود أفعال صريحة على التصريحات المثيرة للرئيس ماكرون، إلا أنه يتوقع أن يثير هذا الموقف غضب السلطات وقطاعات واسعة من المجتمع، التي بنت تسوية «ملف آلام الذاكرة»، الذي يجري الاشتغال عليه مع فرنسا، على «قضية الاعتذار والتعبير عن الذنب».
وإذا كانت هذه التصريحات لم تُثِر على الفور رد فعل أية جهة حكومية بالجزائر، فالمتوقع أن تصدر، في الأيام المقبلة، هجومات وانتقادات حادة من عدة جهات غير حكومية، مثل «منظمة المجاهدين»، و«منظمة أبناء الشهداء»، و«منظمة أبناء المجاهدين»، والبرلمان والصحافة أيضاً. وغالباً ما تترك الحكومة «المجتمع المدني» يتولى التفاعل مع قضايا حساسة، بدلاً عنها لحسابات سياسية.
وكانت الرئاسة الجزائرية قد اختارت 5 باحثين جزائريين للاشتغال على «مهام الذاكرة»، في حين لم يعلن قصر الإليزيه أسماء نظرائهم. والهدف من المهمة التي كلّف بها الخبراء الجزائريون الإثبات بالوثاق والشهادات أن احتلال الجزائر كان «جريمة ضد الإنسانية»، تستوجب طلب الصفح والتعبير عن التوبة والندم، تتلوها خطوات أخرى كدفع تعويضات عن التجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر، مطلع ستينيات القرن الماضي، لكن بعد تصريحات ماكرون الجديدة، يتوقع مراقبون تعليق عمل اللجنة من الجانب الجزائري، في انتظار أن تأتي الأحداث بجديد.
وكان «كبير المؤرخين» في فرنسا، المتخصص في فترة استعمار الجزائر، بن جامين ستورا، قد قدم، مطلع 2020، تقريراً لماكرون يقترح فيه بعض المبادرات الجريئة التي قد ترضي الجزائر في موضوع الذاكرة. وبما أن التقرير لا يتضمن «الاعتذار والتوبة»، فقد رفضته الجزائر بشدة، واعتبرته «شأناً يخص الداخل الفرنسي».
وتنفيذاً لمضمونه، قام بخطوات في ملف الذاكرة، معترفاً بمسؤولية الجيش الفرنسي في مقتل عالِم الرياضيات موريس أودان، والمحامي الوطني علي بومنجل خلال «معركة الجزائر» عام 1957، ومندّداً بـ«جرائم لا مبرّر لها» ارتكبها الجيش الفرنسي خلال المذبحة التي تعرّض لها المتظاهرون الجزائريون في باريس في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


حصار الحوثيين يضع مستشفيات تعز أمام خطر التوقف

سيارة إسعاف في مدينة تعز تعرضت لقصف حوثي بمن فيها من المرضى (أ.ف.ب)
سيارة إسعاف في مدينة تعز تعرضت لقصف حوثي بمن فيها من المرضى (أ.ف.ب)
TT

حصار الحوثيين يضع مستشفيات تعز أمام خطر التوقف

سيارة إسعاف في مدينة تعز تعرضت لقصف حوثي بمن فيها من المرضى (أ.ف.ب)
سيارة إسعاف في مدينة تعز تعرضت لقصف حوثي بمن فيها من المرضى (أ.ف.ب)

تواجه المستشفيات في محافظة تعز اليمنية خطر تعطل مزيد من الخدمات الطبية المنقذة للحياة، مع دخول الحصار الذي تفرضه الميليشيات الحوثية أسبوعه الثالث، وسط نقص حاد في الوقود والأكسجين والأدوية والمستلزمات الطبية، وتراجع المخزونات إلى مستويات خطرة، وفق منظمة الصحة العالمية.

وأكد المكتب الإقليمي للمنظمة في إقليم شرق المتوسط أن 42 مرفقاً صحياً في تعز أبلغت عن نقص حاد في الإمدادات، في وقت يحتاج فيه أكثر من 1110 مرضى مصابين بالفشل الكلوي إلى جلسات غسيل الكلى يومياً، بينما يتلقى 192 مريضاً الرعاية في وحدات العناية المركزة، ويوجد 154 من حديثي الولادة في الحضَّانات.

وحذَّرت المنظمة من أن عدم تعويض النقص في الإمدادات على وجه السرعة يهدد بتعطيل خدمات جراحة الطوارئ وغسيل الكلى والعناية المركزة ورعاية الأمهات وحديثي الولادة، وهي خدمات تعتمد عليها حياة آلاف المرضى.

وتحتاج المستشفيات وسيارات الإسعاف في المحافظة إلى أكثر من 156 ألف لتر من الوقود شهرياً لمواصلة العمل. ولا يقتصر تأثير نقص الوقود على تشغيل المرافق الصحية، بل يمتد إلى إنتاج الأكسجين الطبي، ونقل الحالات الطارئة، وتشغيل أنظمة التبريد اللازمة لحفظ اللقاحات.

نازحون في محافظة تعز يعيشون تحت تفاقم الأزمة الإنسانية (إعلام محلي)

ونقلت المنظمة عن وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية تأكيدها أن الوضع لا يزال بالغ الخطورة، مشيرة إلى أن الانقطاعات المتكررة في شبكات الاتصالات عاقت جهود الحصول على معلومات محدثة عن حجم النقص ومدى تعطل الخدمات. وتعمل المنظمة مع السلطات الصحية للتحقق من مخزونات الوقود المتبقية، وتقييم احتياجات المستشفيات.

النزوح ونقص المياه

في الجانب الإنساني، أفاد المكتب الإقليمي بأن أكثر من 256 ألف شخص نزحوا في أنحاء اليمن خلال المدة الممتدة من الأول من أغسطس (آب) إلى 19 أكتوبر (تشرين الأول)، مع بروز تعز منطقة رئيسية للنزوح منها وإليها.

ويفاقم نقص الوقود المخاطر الصحية خارج المستشفيات أيضاً؛ إذ يؤدي إلى تعطيل ضخ المياه وخدمات الصرف الصحي؛ ما يزيد احتمالات انتشار الكوليرا وأمراض الإسهال بين الأسر النازحة.

ورغم تراجع حالات الكوليرا المشتبه فيها خلال الأسابيع الأخيرة، حذَّرت المنظمة من أن تراجع القدرة على الوصول إلى المرافق الصحية قد يؤثر في رصد الحالات والإبلاغ عنها في تعز.

مسارات بديلة

بموازاة ذلك، تعمل الجهات الإنسانية على تأمين مسارات بديلة لإيصال المساعدات والإمدادات الطبية. وتمكَّن أحد الشركاء الوطنيين في المجموعة الصحية من إيصال أدوية أساسية للطوارئ إلى مستشفى الثورة، رغم القيود المفروضة على الوصول.

كما تتعاون المنظمة مع السلطات الصحية وشركائها لتوسيع الخدمات الطارئة، بما يشمل تقديم دعم مخطط له إلى 10 مراكز لعلاج الإسهال في 5 محافظات متضررة، بينها تعز، وإرسال فرق طبية متنقلة إضافية، وإنشاء نقاط صحية ثابتة لتحسين وصول النازحين إلى الرعاية.

مستشفيات تعز تواجه نقصاً حاداً في الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية (إعلام محلي)

وأكدت المنظمة أنها خزنت في عدن أدوية أساسية ومحاليل وريدية وإمدادات طبية ومستلزمات للمياه والصرف الصحي والنظافة، تمهيداً لإيصالها إلى المناطق المتضررة من النزاع.

ودعت إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى تعز بصورة فورية وآمنة ومستدامة، عبر جميع المسارات المتاحة، وتوفير تمويل عاجل لتعويض النقص في الإمدادات الحيوية.

وحذَّرت المنظمة من أن استمرار القيود سيزيد تعطل الخدمات الأساسية، خصوصاً جراحة الطوارئ وغسيل الكلى والعناية المركزة ورعاية الأمهات وحديثي الولادة.


الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
TT

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)

في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية وتتقلص فرص العمل في مناطق سيطرة الحوثيين باليمن، تكثف الجماعة شراء الدراجات النارية من الأسواق في صنعاء ومدن أخرى، لتوزيعها على عناصرها في جبهات القتال؛ ما يرفع أسعارها ويزيد صعوبة اقتنائها أمام الشباب الذين يعتمدون عليها مصدراً للدخل.

وكشفت مصادر مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، عن تخصيص الحوثيين أموالاً لشراء مئات الدراجات النارية خلال الأسبوعين الماضيين، في صنعاء وعمران والحديدة وذمار وإب؛ لاستخدامها في العمليات العسكرية.

وأوضحت المصادر أن زيادة الطلب أسهمت في ارتفاع الأسعار وتقليص المعروض؛ ما أضعف قدرة المواطنين، خصوصاً العمال والشباب محدودي الدخل، على شرائها لتأمين احتياجات أسرهم.

وحسب المصادر، جاء هذا التوجه بعد إخفاق الجماعة في استقطاب عدد من مالكي الدراجات وسائقيها في صنعاء ومدن أخرى للانضمام إلى صفوفها؛ ما دفعها إلى شرائها مباشرة من الأسواق وتوزيعها على عناصرها لاستخدامها في الجبهات.

الدراجات النارية تشكّل مصدر عيش لعشرات آلاف اليمنيين (فيسبوك)

وربطت المصادر تكثيف عمليات الشراء بتعرض تعزيزات الجماعة ومركباتها لضربات جوية خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب النقص الحاد في إمدادات الوقود. وقالت إن الدراجات توفر وسيلة للتحرك عبر الشعاب ومجاري السيول والمسالك الوعرة التي يصعب على الآليات العسكرية الثقيلة اجتيازها، وتُستخدم في نقل المقاتلين والإمدادات إلى الجبهات وإخلاء القتلى والجرحى.

ولم يكن استخدام الدراجات النارية في العمليات القتالية جديداً على الجماعة؛ إذ اعتمدت عليها خلال سنوات الحرب الماضية في عدد من الجبهات، مستفيدة من صغر حجمها وسهولة حركتها. وتشير المصادر إلى استمرار استخدامها في جبهات تعز والضالع والساحل الغربي، مع سعي الحوثيين إلى توفير أعداد إضافية منها لتعزيز تحركاتهم العسكرية.

منافسة جديدة

تضع هذه التحركات الحوثية السكان أمام منافسة جديدة على وسيلة تُعدّ بالنسبة إلى كثيرين أداة للعمل ومصدراً محدود التكلفة لكسب الرزق، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتتزايد الأعباء المعيشية.

ويقول مواطنون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن الدراجات النارية لا تمثل مجرد وسيلة مواصلات، بل رأسمال لمشروعات صغيرة ومصدراً مباشراً للدخل، سواء عبر توصيل الطلبات أو نقل البضائع أو التنقل إلى مواقع العمل. وأشاروا إلى أن ارتفاع أسعارها يهدد بحرمان مزيد من الشباب والعمال من فرص العمل التي تعتمد على امتلاكها.

وفي السياق، أفاد مالك معرض لبيع الدراجات النارية في جنوب صنعاء بأن مشرفين حوثيين اشتروا خلال الأسبوعين الماضيين العشرات من الدراجات من معرضه.

يمنيون في إحدى أسواق صنعاء على متن دراجاتهم النارية (الشرق الأوسط)

وقال مالك المعرض، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسعار الدراجات تتراوح بين 280 ألفاً و500 ألف ريال يمني للدراجة الواحدة، تبعاً لموديلها ومواصفاتها (سعر الدولار الذي تفرضه الجماعة يبلغ نحو 530 ريالاً). وأضاف أن الإقبال على الشراء ارتفع خلال الأيام الأخيرة بالتزامن مع تكثيف عمليات التزويد الموجهة إلى الجبهات.

وأشار إلى أن زيادة الطلب انعكست على الأسعار، وأضعفت قدرة المواطنين، خصوصاً الشباب محدودي الدخل، على اقتناء الدراجات والعمل عليها لتوفير احتياجات أسرهم، في وقت بات فيه تأمين رأس المال اللازم لبدء مشروع صغير يفوق قدرة كثيرين.


تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
TT

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة إلى للمحافظة المُحاصَرة من قبل الميليشيات الحوثية، ومن المتوقع أن تتم هذه العملية خلال الأيام القليلة المقبلة.

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

وقال نايف البكري، وزير الشباب والرياضة اليمني، رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن اللجنة تبذل كل مساعيها مع الشركاء الدوليِّين لنجدة المُحاصَرين في مدينة تعز، لافتاً إلى أن القافلة الجاري تجهيزها تشمل المشتقات النفطية والأدوية والاحتياجات الأساسية، إلى جانب تسيير قوافل إغاثية إلى عدد من المحافظات والمناطق المتضررة من هجمات الحوثيِّين.

وشدَّد على أن أكثر ما يزعج الميليشيات، ما يقدِّمه أبناء المدينة من نموذج فريد في الصمود والوفاء للوطن، مشيداً بمواقف أبنائها من الرجال والشباب والنساء، وما أظهروه من تضحيات في مواجهة الحصار والهجمات الحوثية، إذ شاهد العالم صوراً مشرفة لنساء تعز، إحداهن تحمل ابنها الشهيد، وأخرى تشتري السلاح للمقاومة، وهي صور تعكس حجم الوفاء والصمود اللذين تقدِّمهما هذه المدينة دفاعاً عن الدين والوطن.

نايف البكري وزير الشباب والرياضة اليمني رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة

عن آلية وصول المساعدات قال البكري، إن لجنة الإسناد على تواصل مستمر مع محافظ تعز، وتبحث عن منافذ وطرق تتيح إدخال الإمكانات والمساعدات المتاحة إلى المحافظة، بما فيها المشتقات النفطية والأدوية وغيرهما من الاحتياجات الإنسانية، مشيراً إلى أن هناك تواصلاً وتباحثاً مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتلعب دوراً في إدخال هذه المساعدات، ولا تزال الجهود مستمرة لتأمين وصولها.

وكشف الوزير البكري، عن أن محافظة حضرموت سترسل كميات من المساعدات المُقدَّمة من أبنائها إلى تعز، كما وجَّهت لجنة الإسناد رسائل إلى «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تطلب فيها مزيداً من الدعم للمحافظة، خصوصاً أن المركز يقدم كثيراً من البرامج والدعم المتواصل للمحافظات اليمينة كافة.

ولفت البكري إلى أن اليمن يشهد حراكاً مجتمعياً واسعاً لمساندة المتضررين من الحرب، خصوصاً مع نزوح أكثر من 200 ألف أسرة، مشيداً بالتضامن بين أبناء المحافظات اليمنية في إيواء النازحين وتوفير احتياجاتهم، مؤكداً أن الحكومة والسلطات المحلية تضطلع بمسؤولياتها تجاه الأسر النازحة، بالتوازي مع الجهود المجتمعية والمبادرات الإنسانية التي تنفِّذها لجنة الإسناد.

وحول دعم باقي المحافظات، أكد البكري، أن اللجنة نفَّذت بالتعاون مع السلطة المحلية في عدن، حملة إغاثية لأبناء مناطق الصبيحة والمضاربة ورأس العارة، خصوصاً الأسر التي تعرَّضت مناطقها للاستهداف بالصواريخ والهجمات الحوثية، مشيراً إلى تسيير قافلة إغاثية قبل يومين، إلى جانب التحضير لقوافل أخرى بالتنسيق مع محافظ لحج، لدعم المتضررين في مديرية المضاربة والمناطق المجاورة.

تشتد الأزمة الإنسانية في تعز مع تضييق الخناق الحوثي على المدينة (إعلام محلي)

وأضاف أن جهود الإسناد تشمل محافظة الضالع، بالتنسيق مع محافظها، لتقديم المساعدات للأسر المتضررة في مناطق مريس وقعطبة وجبهات القتال، موضحاً أن من أدوار اللجنة الطابع المجتمعي والإنساني، وتركز على دعم الأسر والمحافظات التي تعاني تداعيات الحرب والهجمات الحوثية.

وتابع: «اللجنة توسِّع خطط عمليات الإسناد خلال الأيام المقبلة، لتشمل المديريات الواقعة باتجاه الساحل الغربي، وفي مقدمتها موزع والوازعية والمخا، التي تشهد موجات نزوح كبيرة نتيجة العمليات العسكرية والهجمات الحوثية، كما يشمل هذا الدعم مخيمات النازحين في محافظتَي عدن ولحج، بالتنسيق مع المنظمات الدولية والجهات الحكومية المعنية بشؤون النازحين».

«وفي محافظة شبوة، تعمل لجنة الإسناد على ترتيب قوافل إغاثية لدعم المديريات التي تشهد مواجهات عسكرية»، وفقاً للبكري الذي أشار إلى أن «العمل جارٍ لتحضير وتسيير قافلة من محافظة المهرة إلى محافظة الجوف، إلى جانب استمرار الدعم المُقدَّم من عدد من المحافظات إلى جبهات مأرب»، مشدداً على أن كل أبناء اليمن بمَن فيهم النازحون يشاركون في معركة «فجر اليمن» ويلتحقون بمختلف الجبهات.

وتحدَّث البكري عن الدعم السعودي، قائلاً: «إن المملكة العربية السعودية تضطلع بدور مهم في دعم اليمن بشكل عام»، مثمناً جهود القوات المشتركة و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» في إيصال المساعدات إلى المتضررين، مؤكداً على أهمية المساعدات كافة التي وصلت إلى محافظة عدن بدعم من القوات المشتركة والمركز، ودورها في مساندة الأسر المتضررة والتخفيف من تداعيات الحرب.