ماكرون يخيّب آمال الجزائريين في ملف «تسوية الذاكرة»

الرئيس الفرنسي يقطع الطريق على طلب الصفح من الجزائر... ويستبعد «الاعتذار» عن جرائم الاستعمار

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس الماضي (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس الماضي (الرئاسة)
TT

ماكرون يخيّب آمال الجزائريين في ملف «تسوية الذاكرة»

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس الماضي (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس الماضي (الرئاسة)

للحوار الصحافي المطول (11 صفحة)، الذي أجراه الكاتب والصحافي الجزائري - الفرنسي مع الرئيس إيمانويل ماكرون، والذي نشرته مجلة «لو بوان» في عددها الأخير، قصة سردها داوود بالتفصيل، وبيَّن فيها تردد الرئيس الفرنسي، الذي سبق لداوود أن التقاه مرات عديدة، وكان أحد أعضاء الوفد الذي رافقه في زيارته الأخيرة للجزائر. والحقيقة أن الحوار ليس حديثاً صحافياً، بل هو «تأملات» ذات صبغة فلسفية تأتي أحياناً على مسائل سياسية. بَيْد أن العلاقات الفرنسية - الجزائرية احتلت حيزاً واسعاً من الحوار، وما اقتبسته وسائل الإعلام الفرنسي والجزائري تمحور حول طلب الصفح من الجزائر للجرائم، التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي الذي دام 132 عاماً، وللفظائع التي حصلت خلال حرب الاستقلال وحصول الجزائر عليه. وحتى اليوم، رفض كل الرؤساء الفرنسيين، سواء كانوا من اليمين أو اليسار، اجتياز هذه الخطوة التي يصر عليها الطرف الجزائري، الذي يتساءل لماذا لا تتردد فرنسا في الإقدام على طلب الصفح من جهات أخرى وترفض ذلك إزاء الجزائر؟
السؤال طرح على ماكرون، وكان جوابه أن الحديث عن العلاقة الفرنسية - الجزائرية من زاوية «طلب الصفح من عدمه» يستبطن «مخاطرة سياسية» يمكن أن تنعكس على صناديق الانتخاب. وما يلمح إليه ماكرون هو أن الفرنسيين ليسوا مستعدّين بعدُ للإقدام على خطوة طلب الغفران، خصوصاً أن اليمين واليمين المتطرف يرفضان بشكل قاطع أمراً كهذا، بل إن ثمة تياراً في فرنسا يندد بسلسلة الاعتذارات التي أقدم عليها ماكرون منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017. أما فيما يخص العلاقة مع الجزائر فقد سعى ماكرون إلى ما يسميه «مصالحة الذاكرات»، وأنشأ لجنة لاقتراح خطوات تذهب في هذا الاتجاه. وبالفعل فقد تضمّن التقرير 21 مقترحاً، لكن ليس بينها طلب الصفح، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الجزائريين ودفعهم لتقبُّله بفتور بالغ. وليس سراً أن العلاقات بين الطرفين متأرجحة على الدوام، ويكفي تصريح من هنا أو بادرة من هناك لتسوء الأمور بين الجانبين، كما حصل بعد تصريحات ماكرون التي انتقد فيها «نظام العسكر وريع الذاكرة»، وشكك في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي، لكن ذلك لم يَحُل دون عودة الدفء إليها، وهو ما برز مع زيارته للجزائر في شهر أغسطس (آب) الماضي.
ماكرون اعتبر، كما جاء في حديثه، أن طلب الصفح أو عدمه «لن يصلح شيئاً» بالنظر إلى مرحلة الاستعمار والحرب التي انتهت بها، وإذ ذكر أن طلب الاعتذار لم يكن موجوداً طيلة عقود، ذهب إلى اعتبار أن «أسوأ الحلول هو طلب الاعتذار؛ لأن كل طرف سيذهب، بعده، في طريقه ولن يكون الاعتراف الحقيقي بما حصل، بل تصفية حساب». وأردف قائلاً:
«يتعين أن نقوم بعكس ذلك... (بالتركيز) على عمل الذاكرة الذي يعني قبول أن هناك أموراً لا يمكن وصفها قد حصلت، كما لا يمكن اغتفارها». وخلص ماكرون إلى أنه «ليس لي أن أطلب الصفح، ليس هذا هو الموضوع؛ لأنه سيعني قطع كل العلاقات (مع الجزائر)... لن أطلبه».
كما ذكر ماكرون أنه طلب الصفح «الجماعي» من الحركيين «لأن الجمهورية الفرنسية قدمت لهم وعوداً، ثم حنثت بها في عدد من المرات»، وأنه طلب الصفح من عائلة (العالم الرياضي) موريس أودان، ومن عائلة المحامي علي بومنجل؛ «لأنه في كل مرة كانت هناك أخطاء قد ارتكبت، ولا سبيل للمجادلة بها». غير أن ماكرون يريد استكمال ما بدأ بخطوات إضافية، مثل فتح الأرشيف من الجانبين، وإلقاء الضوء على الجرائم التي حصلت أثناء الفترة الاستعمارية، وحول التجارب النووية الفرنسية، وإعادة فتح ملف المفقودين خلال الحرب، لكن الطريق إلى كل ذلك يمر، وفق الرئيس الفرنسي، من خلال تشكيل لجنة مؤرخين مشتركة.
واعترف ماكرون أيضاً بأن الحديث عن العلاقات مع الجزائر «أمر صعب لأنه حميمي»، ولأنه يمس ما لا يقل عن عشرة ملايين شخص لهم علاقات مباشرة مع الجزائر، ولأن الحديث عن الجزائر «يعني الحديث عن فرنسا». والصعوبة الرئيسية في نظره، والتي يحاول التغلب عليها من أجل «تطبيع» هذه العلاقات، يمر عبر «العمل على الذاكرات المتناقضة»، وهي مهمة المؤرخين من الطرفين، وعبر مواصلة الخطوات التي أطلقها منذ أن أصبح رئيساً. لكن بالرغم من ذلك، ينظر ماكرون إلى المستقبل بتفاؤل، ويؤكد أن الرئيس عبد المجيد تبون «يتميز برغبة حقيقية في إطلاق مرحلة جديدة» من العلاقات بين البلدين، ويأمل أن تجري زيارة الدولة التي وعد بها خلال العام الحالي، كما رحّب ماكرون بإمكانية أن يقوم الرئيس الجزائري بتكريم رفات أقرباء للأمير عبد القادر الجزائري، الذي قاوم الاحتلال الفرنسي ونفي إلى قصر أمبواز بين عامي 1848 و1852، واعتبر أن ذلك سيشكل «لحظة جميلة وبادرة قوية»، وأكد أنه يتمنى أن تجري هذه الزيارة.
ولأن العلاقة مع الجزائر تشكل ضلعاً من علاقة ثلاثية تضم المغرب، الذي ينوي ماكرون القيام بزيارته في الأسابيع القليلة المقبلة، أعرب ماكرون عن أمله بأن «تصفو» العلاقات بين البلدين الجارين، مستبعداً أن تتدهور إلى حد نشوب نزاع مسلّح بينهما، علماً بأنه حتى اليوم لم تنجح الوساطات في التقريب بين الرباط والجزائر، اللتين قطعتا علاقاتهما الدبلوماسية منذ صيف العام الماضي.
اللافت أن الحوار الرئاسي لم تتبعه ردود فعل من الطبقة السياسية الفرنسية المنشغلة، هذه الأيام، بملف قانون التقاعد، الذي عرضت رئيسة الحكومة إليزابيت بورن تفاصيله، في العاشر من الشهر الحالي. وعلى أية حال، ووفق مصدر سياسي فرنسي، فإن غياب ردود الفعل يعني أنه لا جديد في كلام الرئيس الفرنسي، الذي بقي ضمن الخطوط، التي سبق أن رسمها لنفسه، وأن أهمية ما جاء على لسانه في المقابلة المذكورة تكمن في الشروح التي قدّمها.
أما في الجزائر، وبينما لم تصدر، أمس، عن الجهات الرسمية في الجزائر ردود أفعال صريحة على التصريحات المثيرة للرئيس ماكرون، إلا أنه يتوقع أن يثير هذا الموقف غضب السلطات وقطاعات واسعة من المجتمع، التي بنت تسوية «ملف آلام الذاكرة»، الذي يجري الاشتغال عليه مع فرنسا، على «قضية الاعتذار والتعبير عن الذنب».
وإذا كانت هذه التصريحات لم تُثِر على الفور رد فعل أية جهة حكومية بالجزائر، فالمتوقع أن تصدر، في الأيام المقبلة، هجومات وانتقادات حادة من عدة جهات غير حكومية، مثل «منظمة المجاهدين»، و«منظمة أبناء الشهداء»، و«منظمة أبناء المجاهدين»، والبرلمان والصحافة أيضاً. وغالباً ما تترك الحكومة «المجتمع المدني» يتولى التفاعل مع قضايا حساسة، بدلاً عنها لحسابات سياسية.
وكانت الرئاسة الجزائرية قد اختارت 5 باحثين جزائريين للاشتغال على «مهام الذاكرة»، في حين لم يعلن قصر الإليزيه أسماء نظرائهم. والهدف من المهمة التي كلّف بها الخبراء الجزائريون الإثبات بالوثاق والشهادات أن احتلال الجزائر كان «جريمة ضد الإنسانية»، تستوجب طلب الصفح والتعبير عن التوبة والندم، تتلوها خطوات أخرى كدفع تعويضات عن التجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر، مطلع ستينيات القرن الماضي، لكن بعد تصريحات ماكرون الجديدة، يتوقع مراقبون تعليق عمل اللجنة من الجانب الجزائري، في انتظار أن تأتي الأحداث بجديد.
وكان «كبير المؤرخين» في فرنسا، المتخصص في فترة استعمار الجزائر، بن جامين ستورا، قد قدم، مطلع 2020، تقريراً لماكرون يقترح فيه بعض المبادرات الجريئة التي قد ترضي الجزائر في موضوع الذاكرة. وبما أن التقرير لا يتضمن «الاعتذار والتوبة»، فقد رفضته الجزائر بشدة، واعتبرته «شأناً يخص الداخل الفرنسي».
وتنفيذاً لمضمونه، قام بخطوات في ملف الذاكرة، معترفاً بمسؤولية الجيش الفرنسي في مقتل عالِم الرياضيات موريس أودان، والمحامي الوطني علي بومنجل خلال «معركة الجزائر» عام 1957، ومندّداً بـ«جرائم لا مبرّر لها» ارتكبها الجيش الفرنسي خلال المذبحة التي تعرّض لها المتظاهرون الجزائريون في باريس في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.


التصعيد الحوثي يستنزف الخدمات الصحية ويفاقم النزوح

آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)
آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)
TT

التصعيد الحوثي يستنزف الخدمات الصحية ويفاقم النزوح

آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)
آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)

تتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع اتساع رقعة التصعيد الحوثي، وارتفاع أعداد القتلى والجرحى إلى أكثر من خمسة آلاف منذ أغسطس (آب) الماضي، بالتزامن مع نزوح نحو 200 ألف شخص وتزايد الإصابات المشتبه بها بالكوليرا والحصبة.

وفي حين تحذر الأمم المتحدة من فجوات الرعاية ومخاطر الأوبئة، تواجه الخدمات الصحية صعوبات متنامية في الوصول إلى المصابين وتوفير الرعاية الطارئة، خصوصاً في مناطق المواجهات ومخيمات النازحين.

وتشير بيانات كتلة الصحة التابعة للأمم المتحدة إلى تسجيل 5166 ضحية منذ 6 أغسطس (آب) الماضي، بينهم 959 قتيلاً، فيما سجلت البيانات 685 ضحية جديدة خلال ستة أيام، بمتوسط 114 حالة يومياً، مقارنة بنحو 101 حالة يومياً خلال الفترة السابقة، في مؤشر على استمرار تصاعد الخسائر المرتبطة بالنزاع.

وتبرز محافظة تعز (جنوب غرب) باعتبارها إحدى أكثر الجبهات دموية خلال الفترة الأخيرة، إذ ارتفع متوسط الضحايا اليومي فيها من ثماني حالات إلى 109 خلال أسبوع، بالتزامن مع انتقال القتال إلى مدينة تعز. كما وردت تقارير أولية عن سقوط ضحايا في حضرموت والجوف، بينما لا تزال محافظتا لحج ومأرب تواجهان مستويات مرتفعة من العنف والخسائر.

أطفال في مخيم للنازحين بالقرب من عدن شردهم الحوثيون مع عائلاتهم (رويترز)

وفي موازاة الخسائر البشرية، تتسع حركة النزوح وتزداد الضغوط على المجتمعات المضيفة، فيما تواجه الفرق الطبية صعوبات في الوصول إلى الجرحى، وسط نقص في نقاط تثبيت الإصابات والإمدادات العلاجية، وتراجع القدرة على الاستجابة للاحتياجات الصحية المتزايدة.

وتواجه الفرق الطبية العاملة قرب خطوط المواجهة تحدياً حاسماً يتمثل في صعوبة الوصول السريع إلى المصابين. ويؤدي نقص نقاط تثبيت الإصابات بالقرب من جبهات القتال إلى إهدار ما يُعرف بـ«الساعة الذهبية»، وهي الفترة الحرجة التي يمكن خلالها تقديم التدخلات الطبية العاجلة وزيادة فرص إنقاذ حياة المصاب.

وتعد نقاط تثبيت الإصابات من المستوى الأول إحدى أبرز الثغرات في الاستجابة الصحية الحالية. فمن أصل 20 نقطة مخططاً لها، لا تزال ست نقاط من دون دعم من الشركاء، ما يحد من قدرة النظام الصحي على تثبيت حالات الإصابة ونقل المرضى إلى غرف العمليات خلال الساعة الأولى من الإصابة.

صعوبات في تقديم الخدمات الطبية على خطوط المواجهة مع الحوثيين (إعلام محلي)

وتزداد صعوبة رصد الأوضاع الإنسانية بفعل انقطاع الاتصالات والمخاطر الأمنية، وفق البيانات المتاحة، التي يرجح العاملون في المجال الإنساني أنها لا تعكس الحجم الكامل للخسائر الفعلية. كما يواجه التحقق من التقارير المتعلقة بالهجمات على مرافق الرعاية الصحية صعوبات كبيرة في ظل استمرار القتال.

نزوح وأوبئة

لا تقتصر تداعيات التصعيد الحوثي على القتلى والجرحى، إذ تشير البيانات إلى نزوح نحو 200 ألف شخص، بينهم 29.519 أسرة في عشر محافظات، بزيادة قدرها 8 في المائة خلال خمسة أيام فقط.

وسُجل نحو ثلثي الزيادة الأخيرة في أعداد النازحين بمحافظة لحج، بما يعكس حجم الضغوط التي يفرضها استمرار القتال على السكان المحليين والمجتمعات المضيفة، التي تواجه احتياجات متزايدة في مجالات الإيواء والخدمات الأساسية والرعاية الصحية.

مخيمات نزوح في اليمن تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة (إعلام محلي)

وامتدت حركة النزوح بصورة أكبر إلى المحافظات الشرقية، بما فيها حضرموت والمهرة وشبوة. ويحصي التقرير الموحد 454 أسرة نازحة في هذه المحافظات، مقارنة بـ201 أسرة في 23 سبتمبر (أيلول).

وفي حضرموت، أفاد مركز المكلا بوجود 429 أسرة إضافية في منطقة العبر بوادي حضرموت، لم تُدرج بعد ضمن التقرير الموحد، ما يرجح أن تكون الأعداد الفعلية للنازحين أعلى من الأرقام المعلنة.

وعلى صعيد النزوح عبر الحدود، أفادت البيانات بأن أكثر من 3600 شخص عبروا إلى جيبوتي، في تطور يعكس امتداد التداعيات الإنسانية للنزاع إلى خارج اليمن.

في ظل اتساع النزوح وتدهور الظروف المعيشية والصحية، تزداد المخاوف من انتشار الأوبئة، مع ارتفاع حالات الكوليرا والحصبة واتساع فجوات التحصين، إلى جانب تسجيل معدلات مقلقة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال النازحين.

المدنيون يدفعون ثمن التصعيد الحوثي في عدد من المحافظات (إعلام محلي)

وأظهرت بيانات الترصد ارتفاع الحالات المشتبه بإصابتها بالكوليرا إلى 647 حالة خلال الأسبوع التاسع والثلاثين، مقارنة بـ217 حالة في الأسبوع السادس والثلاثين، أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف خلال ثلاثة أسابيع.

وتتزامن زيادة الإصابات بالكوليرا مع انتشار الحصبة، في ظل اتساع فجوة المناعة بفعل النزوح والاكتظاظ في مناطق تجمع الأسر المتضررة، وهو ما يزيد المخاطر الصحية على الأطفال، خصوصاً الذين يعانون من سوء التغذية.

سوء التغذية

في مؤشر آخر على تدهور الظروف الصحية والمعيشية، كشفت عمليات الفحص التي أجرتها الفرق الطبية المتنقلة التابعة للهيئة الطبية الدولية عن معدلات مرتفعة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال النازحين.

فارون من التصعيد الحوثي في محافظة تعز (إعلام محلي)

ومن بين 54 طفلاً نازحاً دون سن الخامسة خضعوا للفحص، تبين أن تسعة أطفال يعانون من سوء تغذية حاد شديد، و29 طفلاً من سوء تغذية حاد متوسط، بما يعكس حجم الاحتياجات الغذائية والعلاجية لدى الفئات الأكثر ضعفاً.

وتزداد المخاوف مع نفاد مخزون الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام في خمس منشآت صحية على الأقل، ونفاد مخزون الأغذية التكميلية في ثلاث منشآت، ما يهدد قدرة المرافق على تقديم العلاج للأطفال الأكثر عرضة للمضاعفات.


تأمين «كهبوب» وتقدم «الوازعية» يعززان مكاسب «فجر اليمن»

قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
TT

تأمين «كهبوب» وتقدم «الوازعية» يعززان مكاسب «فجر اليمن»

قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها الرابع مع اتجاه القوات الحكومية إلى تثبيت مكاسبها في الساحل الغربي وتعزيز مواقعها في المناطق المطلة على مضيق باب المندب، بالتوازي مع استمرار التقدم في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، فيما تتواصل المواجهات مع الجماعة الحوثية في ريف تعز الجنوبي والجبهات المحيطة بمدينة تعز.

وفي حين أكدت القوات المسلحة اليمنية تحييد أكثر من 1800 عنصر حوثي خلال الساعات الماضية تشير إحصائيات الجيش إلى أن خسائر الحوثيين البشرية تناهز 10 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوعين جراء الضربات الجوية والبرية في مختلف الجبهات.

وأحكمت قوات «درع الوطن» وألوية العمالقة والقوات المشتركة في الساعات الماضية، وفق الإعلام العسكري اليمني، سيطرتها على جبهة كهبوب، في تطور يعزز موقع القوات الحكومية في المرتفعات المشرفة على باب المندب، ويمنحها قدرة أكبر على تأمين هذا المحور الاستراتيجي، ضمن العمليات المتواصلة في الساحل الغربي.

وتزامن ذلك مع استمرار القوات الحكومية في التوغل داخل مديرية الوازعية إلى الشمال، حيث أسفرت المعارك عن السيطرة على مرتفعات حيوية وقطع خطوط إمداد للحوثيين باتجاه جبهات الساحل الغربي، في وقت وثقت فيه القوات الحكومية تقدماً ميدانياً في أكثر من محور بالمديرية.

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال تقدمها في الساحل الغربي القريب من باب المندب (إ.ب.أ)

وفي مديرية ذوباب، واصلت قوات العمالقة الجنوبية تثبيت مواقعها والسيطرة على مناطق واسعة، بينما تصدت لهجوم حوثي على مواقعها في قطاع المطار، واستولت على آليات عسكرية استخدمتها الجماعة في الهجوم، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية.

وتسعى القوات الحكومية، من خلال هذه التحركات، إلى تأمين المناطق المحررة في الساحل الغربي وعزل ما تبقى من عناصر الجماعة الحوثية في محيط باب المندب، قبل التقدم نحو المخا، بالتزامن مع الضغط على خطوط إمداد الجماعة ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها في المناطق القريبة من المضيق.

ضغوط في ريف تعز

في المقابل، دفعت الجماعة الحوثية بتحركات هجومية في ريف تعز الغربي والجنوبي، خصوصاً في محاور جبل حبشي والأقروض وجبل هان، في محاولة للضغط على مواقع القوات الحكومية بالتزامن مع التطورات المتسارعة في الساحل الغربي.

وخاضت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية معارك عنيفة في جبل حبشي والأقروض، كما تصدت لهجمات حوثية في محيط جبل هان غربي مدينة تعز، فيما نفذت وحدات القوة الصاروخية ضربات مركزة استهدفت مواقع وتحصينات حوثية في منطقة الكدحة.

صور وزَّعها الحوثيون على عناصرهم في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه المواجهات في وقت تحاول فيه القوات الحكومية الحفاظ على المبادرة الميدانية التي فرضتها عملية «فجر اليمن»، ومنع الجماعة الحوثية من نقل ثقل عملياتها إلى المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية من تعز، أو إعادة فتح خطوط إمداد باتجاه الساحل.

وبالتوازي مع المعارك البرية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 2103 عمليات استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العميد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات أسفرت عن تحييد 1860 من عناصر الجماعة وتدمير مئات المعدات والعتاد والمواقع العسكرية، مشيراً إلى أن الاستهداف شمل تحركات الحوثيين وتحصيناتهم وخطوط إمدادهم ومواقعهم العسكرية.

تعبئة سياسية وعسكرية

وفي عدن حيث العاصمة المؤقتة اليمنية، عكست التحركات الرسمية اتجاهاً نحو رفع الجاهزية العسكرية والسياسية بالتوازي مع استمرار العملية. وشدد نائب رئيس هيئة الأركان العامة، اللواء الركن أحمد البصر، سرعة استكمال إجراءات التعبئة العامة وتجهيز الألوية والوحدات العسكرية وفق الخطط المعتمدة، ورفع مستوى الجاهزية والانضباط والتنسيق بين مختلف التشكيلات.

عنصران من القوات الحكومية اليمنية بعد السيطرة على مواقع للحوثيين في جبهة الساحل الغربي (إ.ب.أ)

وأكد البصر، خلال اجتماع للجنة المكلفة بتنفيذ توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن خطة التعبئة العامة، ضرورة استكمال الاحتياجات البشرية والتدريبية واللوجستية للوحدات، بما يمكّنها من أداء مهامها، مع التشديد على المتابعة المستمرة وتسريع إجراءات التجهيز.

وعلى المستوى السياسي، وضع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية أمام مستجدات الأوضاع الميدانية والسياسية، مؤكداً أن إطلاق عملية «فجر اليمن» يمثل مرحلة جديدة في مسار استعادة مؤسسات الدولة واستكمال تحرير الأراضي اليمنية وصولاً إلى العاصمة صنعاء.

وشدد رئيس مجلس القيادة، خلال اللقاء، على أن المعركة لا تقتصر على القوات المسلحة، داعياً إلى جبهة سياسية وشعبية وإعلامية متماسكة تساند مؤسسات الدولة، وترفع معنويات المواطنين والمقاتلين، وتواجه المعلومات المضللة.

تقديرات الجيش اليمني تشير إلى خسارة الحوثيين نحو 10 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوعين (رويترز)

وأكد العليمي أن العمليات العسكرية قد تشهد تقدماً في جبهة وتعقيدات مؤقتة في أخرى، لكن اتجاه الدولة وأهدافها لن تتغير، وقال إن عملية «فجر اليمن» ماضية نحو أهدافها، وأن القوات المسلحة والأمن والمقاومة الشعبية ستواصل أداء واجبها حتى استعادة مؤسسات الدولة واستكمال تحرير البلاد.

وفي رسالة سياسية موازية، جدد العليمي إشادته بالدعم السعودي لمجلس القيادة والحكومة والشعب اليمني، وبإسناد المملكة للقوات الحكومية في معركة استعادة مؤسسات الدولة والأمن والاستقرار.