كأس العالم 1970... بطولة أكملت أسطورة بيليه

العروض التي قدمها «الجوهرة السوداء» في مونديال المكسيك جعلته معشوقاً للجماهير في جميع أنحاء العالم

بيليه محمولاً على الأعناق بعد التتويج بكأس العالم 1970 (أ.ب)
بيليه محمولاً على الأعناق بعد التتويج بكأس العالم 1970 (أ.ب)
TT

كأس العالم 1970... بطولة أكملت أسطورة بيليه

بيليه محمولاً على الأعناق بعد التتويج بكأس العالم 1970 (أ.ب)
بيليه محمولاً على الأعناق بعد التتويج بكأس العالم 1970 (أ.ب)

كرة القدم ليست مجرد لعبة، ولاعبو كرة القدم ليسوا مجرد لاعبين يمتعوننا بمهاراتهم وقدراتهم داخل المستطيل الأخضر. لقد كان بيليه مهاجما فذا، ولاعبا يتمتع بالرشاقة والابتكار والسرعة المذهلة والتوازن الاستثنائي، لكن لم يكن هذا هو السبب الذي جعل وفاته يوم الخميس الماضي تتسبب في هذا الشعور بالحزن العميق في جميع أنحاء العالم. ولم يكن السبب أيضا أن بيليه تُوج بكأس العالم ثلاث مرات، أو بكأس كوبا ليبرتادوريس مرتين، لكن السبب الحقيقي في ذلك هو ما يمثله الأسطورة البرازيلية للعالم بأسره.
ومع ذلك، قد يكون من المستحيل تحديد ما يمثله بيليه بالضبط، لأسباب ليس أقلها أنه بمجرد انتهاء مسيرته الكروية، أصبح يمثل كل شيء تقريبا بسبب قدراته الهائلة، فقد كان موجودا بشدة في جميع النواحي التجارية، وكان شخصا يمتلك مكانة كبيرة وكاريزما طاغية بالشكل الذي جعله قادرا على الترويج لأي شيء تقريبا، بدءا من بوما إلى بيبسي وصولا إلى الفياغرا، والماس المصنوع عن طريق تسخين شعره تحت ضغط شديد!
هذه الجودة العالية تعني أن بيليه كان يمثل تقريبا كل ما يريده أي شخص. بالنسبة لجيلي، الذي كان أصغر من أن يراه وهو يلعب، كان بيليه دائما هو المعيار الأساسي والاسم الذي يحدد العظمة في عالم كرة القدم. فحتى جدتك التي لم تشاهد أي مباراة كرة قدم في حياتها تعرف اسم «بيليه» جيدا! وإذا فعل أي تلميذ شيئا استثنائيا في حصة الألعاب الرياضية في فناء المدرسة، فإن أول اسم يوصف به هو «بيليه».

بيليه يحتفل بتسجيل هدف البرازيل الأول بمرمى إيطاليا بمونديال 1970 (أ.ب)

من المؤكد أن الاسم نفسه له مفعول السحر، فهل كنا سنحرص على ترديد اسم هذا اللاعب بنفس الطريقة لو ظل محتفظا باسمه الأصلي «إدسون»؟ من المؤكد أن اسم «بيليه» لا يُنسى، وقد يكون هذا الاسم مشتقا من اسم «بيلا»، وهو حارس مرمى كان بيليه يعشقه عندما كان طفلا. لكن اسم «بيليه» يبدو قريبا للغاية من الفعل «بلاي» باللغة الإنجليزية، والذي يعني «يلعب»، وهو ما جعله سهلا وجذابا لعشاق كرة القدم حتى قبل أن يبدأ اللاعب في إظهار قدراته الفذة للجميع داخل المستطيل الأخضر.
ربما يكون من المبالغة القول إن وفاته كانت تعني أيضا نهاية جزء مهم من براءة الطفولة، لأننا كنا نعتقد أن هذا اللاعب الأسطورة، الذي كان أول نجم عالمي حقا في كرة القدم، سيظل ثابتا ولن يرحل على الإطلاق. ربما كان بيليه في أفضل مستوياته على الإطلاق في مباراتي الذهاب والعودة لنهائي كأس كوبا ليبرتادوريس عام 1963، عندما قاد سانتوس للفوز على بوكا جونيورز بخمسة أهداف مقابل ثلاثة في مجموع مباراتي الذهاب والعودة. لكن عروضه التي لا تنسى حقا، والتي جعلته معشوقا للجماهير في جميع أنحاء العالم، كانت في كأس العالم عام 1970، وهي البطولة التي تحظى بمكانة أسطورية في الذاكرة الجمعية لعشاق كرة القدم.
لقد كان بيليه بحاجة إلى هذه البطولة لكي تكتمل أسطورته. في كأس العالم عام 1958، كان بيليه يبلغ من العمر 17 عاما وبدأ مشاركته في المونديال من المباراة الثالثة في دور المجموعات وسجل ستة أهداف خلال المباريات المتبقية من كأس العالم، بما في ذلك هدفان في المباراة النهائية. لقد كان لاعبا شابا ينتظره مستقبل حافل ويلعب بسهولة ويستمتع بما يقدمه داخل الملعب، لكن ديدي وفافا كانا النجمين الأبرز في «السيليساو». وفي مونديال 1962 أصيب في المباراة الثانية ولم يستكمل البطولة. لكن ساهم في فوز البرازيل بهاتين البطولتين، لكنه لم يكن النجم الأبرز لراقصي السامبا في أي منهما.
وفي عام 1966، أصبحت لقطاته الشهيرة وهو يخرج من ملعب «غوديسون بارك» محبطا بعد الهزيمة أولا من بلغاريا ثم من البرتغال والخروج من كأس العالم، رمزا للتحول الجديد الذي طرأ على عالم كرة القدم. فبعدما نجحت البرازيل في حصد لقب بطولتي 1958 و1962 بفضل المهارات الفردية للاعبين (مدعومة ببعض الخطط التكتيكية والدفاع بشكل جيد واللعب بأربعة لاعبين في الخط الخلفي)، فاز المنتخب الإنجليزي بمونديال 1966 بفضل اعتماده على القوة البدنية والتنظيم الكبير داخل الملعب، والضغط المتواصل على الفريق المنافس.

بيليه يرفع كأس العالم عام 1970 (د.ب.أ)

وكان مونديال المكسيك في عام 1970 أول بطولة لكأس العالم تبث عبر الأقمار الصناعية وبالألوان. وكان هناك شعور بالسحر والمتعة وأنت تشاهد القمصان الصفراء لراقصي السامبا وهي تتلألأ تحت أشعة الشمس المكسيكية. وبدا كل شيء حديثا بشكل مثير للإعجاب، وأطلق على الكرة التي لُعبت بها البطولة اسم «تيلستار» على اسم القمر الصناعي.
لكن من الناحية التكتيكية، يمكن وصف مونديال المكسيك بأنه كان بمثابة انتكاسة، فدرجة الحرارة العالية وارتفاع البلاد كثيرا عن مستوى سطح البحر كانا يعنيان أن اللاعبين غير قادرين على الركض بالشكل الذي تتطلبه طريقة الضغط العالي على حامل الكرة. وبالتالي، أصبحت الأفضلية لمنتخب البرازيل الذي كان يمتلك كوكبة من اللاعبين أصحاب المهارات الكبيرة، بما في ذلك خمسة لاعبين يجيدون اللعب كصناع لعب، وفي مقدمتهم الأسطورة بيليه. ويمكن القول إن كأس العالم 1970 كانت بطولة بيليه.
وبحلول عام 1974، خلف جواو هافيلانج ستانلي روس في رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) ودخلت كرة القدم عصرها التجاري. لقد أصبح هناك شعور بأنه قد تم التعامل بسذاجة مع مونديال 1970 من الناحية التجارية، وأنه لم يتم استغلال كل شيء لتحقيق أرباح، وهو الأمر الذي تغير تماما بعد ذلك، وأصبح هناك تركيز شديد على النواحي التجارية.
وكتب هيو ماكيلفاني في صحيفة «الأوبزرفر» عن أداء البرازيل أمام إيطاليا في نهائي 1970 بأنه يمثل «خلاصة كرة القدم البرازيلية، وجمالها وسعادتها. لم يكن من الصعب تصديق أنهم بهذا الأداء كانوا متحمسين لأن يقولوا شيئا عن اللعبة وعن أنفسهم أيضا». ومع ذلك، تم استغلال هذا التفوق البرازيلي - على الرغم من أن المنتخب البرازيلي نفسه ليس مسؤولا عن ذلك - لأغراض دعائية من قبل الرئيس البرازيلي الدكتاتور إميليو ميديسي.
لقد أصبح «مونديال المكسيك 1970» مرادفا لذلك النموذج المثالي لكرة القدم، ومع ذلك، كانت المكسيك في عام 1970 خاضعة لحكم الحزب الثوري المؤسساتي، الذي مارس التعذيب والقتل خارج نطاق القانون، وارتكب مذابح للطلاب المتظاهرين في عامي 1968 و1971، لكن تم تجاهل هذه الخلفية المظلمة إلى حد كبير، وتم التركيز بكل براءة على تغطية مباريات البطولة نفسها. وفي خضم هذه التناقضات، تحول بيليه، الذي يمكن وصفه بأنه أعظم لاعب ربما في أعظم كأس عالم عبر التاريخ، إلى علامة تجارية قوية أو لوحة إعلانات متنقلة، سواء للمنتجين، أو بشكل أقل للديكتاتوريات، حتى وإن لم يكن ذلك بإرادته.


مقالات ذات صلة

السعودية تتعادل مع السنغال سلبياً في «بروفة» أخيرة قبل المونديال

رياضة سعودية واصل الأخضر ظهوره المتوازن تحت قيادة اليوناني دونيس (المنتخب السعودي)

السعودية تتعادل مع السنغال سلبياً في «بروفة» أخيرة قبل المونديال

واصل المنتخب السعودي تقديم مؤشرات فنية إيجابية تحت قيادة مدربه اليوناني دونيس، بعدما خرج بتعادل سلبي أمام نظيره السنغالي.

سعد السبيعي (سان أنطونيو)
رياضة عالمية انتقادات واتهامات كبيرة يواجهها إنفانتينو قبل يوم من بدء المونديال (أ.ب)

أزمات تلاحق «فيفا» عشية «المونديال»

عشية انطلاق كأس العالم لكرة القدم لعام 2026، يجد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نفسه في مواجهة سلسلة من الأزمات والانتقادات التي ألقت بظلالها على البطولة.

سعد السبيعي (نيويورك)
رياضة عالمية رغم العلاقة الممتازة بين ترمب ورئيس فيفا إلا أن تصريحات الأخير لم تكن عملية (د.ب.أ)

جذور أزمة تأشيرات كأس العالم… هل دفع إنفانتينو ثمن تقاربه مع ترمب؟

.مع انطلاق كأس العالم 2026، لم تكن كرة القدم وحدها هي التي تصدرت العناوين

The Athletic (نيويورك)
رياضة عالمية رودي فولر المدير الرياضي للاتحاد الألماني لكرة القدم (رويترز)

فولر: منتخب ألمانيا متحمس للمونديال

قال رودي فولر، المدير الرياضي للاتحاد الألماني لكرة القدم، الثلاثاء، إن منتخب بلاده متحمس للغاية لخوض منافسات كأس العالم القادمة.

«الشرق الأوسط» (وينستون-سالم)
رياضة عالمية ميشيل بلاتيني رفع دعوى جنائية ضد إنفانتي رئيس فيفا (أ.ب)

من بلاتيني إلى أرتان... أزمات متلاحقة تضرب «فيفا» عشية انطلاق كأس العالم

تتجه الأنظار، الخميس، إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك مع انطلاق كأس العالم 2026، لكن البطولة التي يصفها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بأنها الأكبر في الت

سعد السبيعي (نيويورك) علي العمري (نيويورك)

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026
TT

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

تشهد كرة القدم المغربية في الآونة الأخيرة طفرة استراتيجية تتجاوز مجرد تحقيق الإنجازات الآنية، لتكشف عن عمق التخطيط الذي تبنته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عبر الاستثمار في الفئات السنية.

ولم يعد المنتخب المغربي الأول مجرد تجميع للنجوم الجاهزين من الدوريات الأوروبية، بل أضحى امتداداً طبيعياً لجيل ترعرع في المنتخبات الشابة ونال شرف التتويج الأفريقي والأولمبي.

هذا التحول التكتيكي والجيل الجديد الذي يتقدمه نجوم واعدون، يمنح الإدارة الفنية لـ«أسود الأطلس» دماءً جديدة متشبعة بروح الانتصارات القارية، وقادرة على حمل لواء المستقبل بعقلية احترافية نضجت مبكراً قبل بلوغ المونديال الحالي.

أسامة ترغالين والمايسترو الذي يضبط إيقاع المستقبل

يبرز أسامة ترغالين البالغ من العمر 24 ربيعاً بوصفه أحد أهم خريجي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم الذين شقوا طريقهم بنجاح نحو الملاعب الأوروبية عبر بوابة نادي لو هافر الفرنسي. ترغالين، الذي كان القائد الملهم ومنظم الإيقاع في وسط ميدان المنتخب المغربي لأقل من 23 عاماً، نجح في قيادة الأشبال للتتويج بلقب كأس أمم أفريقيا تحت 23 سنة ونيل الميدالية البرونزية التاريخية في أولمبياد باريس.

اللاعب المغربي أسامة ترغالين (فيسبوك)

يمنح هذا النجم الشاب خط وسط المنتخب الأول عمقاً تكتيكياً نادراً بفضل قدرته الفائقة على قراءة الملعب، وقطع الكرات، وتحويل اللعب من الدفاع إلى الهجوم بسلاسة بالغة، ما يجعله الخليفة الشرعي لركائز خط الوسط في المنظومة الوطنية.

زكرياء الواحدي وعنفوان الرواق الشامل في بلجيكا

يقدم زكرياء الواحدي صاحب الـ24 عاماً نموذجاً حياً للاعب العصري الشامل الذي يطوع طاقته البدنية لخدمة الواجب التكتيكي برفقة نادي جينك البلجيكي. الواحدي، الذي لفت الأنظار بشدة في المحافل القارية والأولمبية الأخيرة بفضل مستوياته الثابتة، يعد مكسباً كبيراً لأسود الأطلس نظراً لمرونته الشديدة في شغل مركزي الظهير والجناح على حد سواء.

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

إن إنجازاته المحلية في الدوري البلجيكي ومساهمته الفعالة في الصعود بالمنتخب الأولمبي إلى منصات التتويج، تمنح التشكيلة المغربية الحالية خياراً ديناميكياً سريعاً قادراً على صناعة الفارق في الأطراف واللعب تحت الضغط العالي الذي تفرضه مباريات المونديال.

ياسين جاسم والرهان الدفاعي الصاعد من الدوري الفرنسي

في الخط الخلفي، تبرز الموهبة الواعدة للمدافع ياسين جاسم البالغ من العمر 21 عاماً، كإحدى الأوراق التي تجسد سياسة ضخ الدماء الشابة ذات التكوين الصارم في الدوري الفرنسي.

الدولي المغربي ياسين جاسم (فيسبوك)

تمكن جاسم، من خلال تدرجه السريع وأدائه المنضبط، من إثبات جدارته كعنصر مستقبلي في الدفاع المغربي يعتمد على البناء الهادئ من الخلف والتفوق في الكرات الهوائية. ويمثل وجوده في المنظومة الوطنية امتداداً لجيل المدافعين المغاربة الذين يجمعون بين القوة البدنية والذكاء التكتيكي، ما يجعله خياراً استراتيجياً طويل الأمد قادراً على تعويض أصحاب الخبرة والحفاظ على صلابة الحصن الدفاعي المغربي.

عبد الحميد آيت بودلال والصلابة المتفجرة من رين الفرنسي

يعدّ عبد الحميد آيت بودلال البالغ من العمر 20 عاماً أحد ألمع الجواهر الدفاعية الصاعدة في أوروبا، حيث نجح نادي رين الفرنسي في خطف توقيعه للاستفادة من مؤهلاته البدنية والفنية الاستثنائية. آيت بودلال، الذي قاد دفاع المنتخب المغربي لفئة أقل من 17 عاماً بكفاءة منقطعة النظير في كأس العالم للناشئين وكأس أفريقيا، يمتلك شخصية قيادية تفوق عمره بكثير داخل المستطيل الأخضر.

الدولي المغربي عبد الحميد آيت بودلال (فيسبوك)

وتتجلى قيمته الفنية في قدرته العالية على التمركز الصحيح والتدخلات الأرضية الحاسمة، وهو ما يجعله ركيزة واعدة يعول عليها المغرب لبناء جدار دفاعي حديدي يضمن استمرارية التوهج العالمي لـ«أسود الأطلس» لسنوات طويلة قادمة.

هذا الجيل الجديد ليس مجرد أسماء عابرة في قائمة «أسود الأطلس»، بل هو تجسيد حي لـ«فلسفة الاستدامة» الكروية التي انتهجها المغرب طوال السنوات الماضية، فبين خبرة النضج التي يقدمها ترغالين والواحدي، وعنفوان الموهبة المتفجرة في أقدام جاسم وآيت بودلال، يملك المغرب ترسانة تكتيكية للمستقبل صُنعت في قوالب الإنجازات القارية والأولمبية. هؤلاء الشبان، الذين تدرجوا في الفئات السنية وتجرعوا مرارة المنافسة وعاشوا نشوة التتويج مبكراً، يحملون اليوم طموحات شعب يرفض التراجع عن القمة.


7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟
TT

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

منذ أن وطأت أقدام «أسود الأطلس» ملاعب كأس العالم لأول مرة في مكسيكو 1970 وحتى مشارف المونديال الحالي 2026، تعاقب على سدّة الإدارة الفنية للمنتخب المغربي سبعة مدربين حفروا أسماءهم في السجل المونديالي. تنوعت هذه المدارس الفنية بين الانضباط اليوغوسلافي، والواقعية البرازيلية، والأناقة الفرنسية، والعبقرية المحلية، لينتهي المطاف بـ«ثورة الحداثة» التكوينية المعاصرة.

مسيرة جنرالات الدكة الفنية الذين قادوا سفينة المغرب في رحلاتها السبع عبر تاريخ المونديال بدأت مع فيدينيتش.

بلاغوي فيدينيتش... مهندس الإطلالة التاريخية الأولى (المكسيك 1970)

مدرب المنتخب المغربي السابق بلاغوي فيدينيتش (إكس)

صاغ المدرب اليوغوسلافي الراحل بلاغوي فيدينيتش فصول الرواية المونديالية الأولى للمغرب، بعدما قاد جيل العمالقة للتأهل إلى نسخة المكسيك 1970. نقل فيدينيتش، المستند إلى إرث تكتيكي أوروبي صارم، عقلية الانضباط والالتزام البدني الشديد إلى اللاعب المغربي، فكانت النتيجة أداءً بطولياً بهر العالم، خصوصاً في الملحمة الشهيرة أمام ألمانيا الغربية التي تقدم فيها الأسود أولاً قبل الخسارة بصعوبة.

منح هذا الرجل الصافرة والكرة المغربية صكّ الاعتراف الدولي الأول، ممهداً الطريق لسطوع الموهبة الأفريقية عالمياً.

خوسيه فاريا... ملهم المعجزة المكسيكية الخالدة (المكسيك 1986)

خوسيه فاريا مدرب المنتخب المغربي السابق (فيسبوك)

في مونديال المكسيك 1986، قاد البرازيلي الداهية خوسيه المهدي فاريا ثورة كروية غير مسبوقة وضعت المغرب في صدارة المشهد العالمي. امتاز فاريا بقدرة عجيبة على المزج بين المهارة الفطرية للاعب المغربي والتنظيم الدفاعي المحكم بنكهة «السامبا» الواقعية، لينجح في صناعة التاريخ بوصفه أول منتخب أفريقي وعربي يتأهل إلى الدور الثاني من صدارة مجموعة حديدية ضمت إنجلترا، وبولندا، والبرتغال.

تحول فاريا إلى أسطورة في الوجدان المغربي بعدما أثبت أن التخطيط التكتيكي الدقيق قادر على قهر فوارق الإمكانيات التقليدية.

عبد الله بليندة... الشجاعة المحلية في بلاد العم سام (الولايات المتحدة 1994)

عبد الله بليندة مدرب المنتخب المغربي السابق (ويكيبيديا)

أوكلت الجامعة الملكية المغربية مهمة قيادة الأسود في مونديال أميركا 1994 إلى الإطار المغربي الراحل عبد الله بليندة، لتكون أول تجربة قيادة محلية خالصة في كأس العالم.

واجه بليندة ظروفاً معقّدة وضغوطاً جماهيرية بالغة، واعتمد على تشكيلة غلب عليها اللاعبون المحليون الممزوجون ببعض المحترفين، ورغم أن النتائج لم تسعفه بمغادرة دور المجموعات بعد ثلاث هزائم مريرة، فإن مسيرته جسّدت شجاعة الإطار الوطني في تحمّل المسؤولية بالمنعطفات الكبرى وصقل كبرياء الصافرة والتدريب المحلي.

هنري ميشال... الأناقة الفرنسية المكلومة بالدراما (فرنسا 1998)

هنري ميشال المدرب السابق لمنتخب المغرب (أ.ف.ب)

قاد الساحر الفرنسي الراحل هنري ميشال كتيبة الأسود في مونديال فرنسا 1998، مقدماً واحدة من أجمل النسخ الهجومية في تاريخ الكرة الوطنية. نجح ميشال في صياغة توليفة متجانسة اتسمت بالأناقة الفنية والتمريرات القصيرة الممتعة بقيادة مصطفى حجي وصلاح الدين بصير، مفرزاً انتصاراً تاريخياً على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة. غير أن الأقدار والدراما الكروية في مباراة النرويج والبرازيل حرمت جيله الفذ من تأهل مستحق للدور الثاني، لتبقى حقبة هنري ميشال مرادفة للمتعة الكروية الممزوجة بالدموع.

هيرفي رينارد... ثعلب الصلابة وعودة الروح (روسيا 2018)

رينارد انتهت مهمته مع المنتخب السعودي (أ.ف.ب)

بعد غياب دام عشرين عاماً عن المحفل العالمي، أعاد «الثعلب» الفرنسي هيرفي رينارد الروح إلى جسد المنتخب المغربي في مونديال روسيا 2018. اتسم تكتيك رينارد بالاندفاع البدني الهائل، والضغط العالي الخانق، والصلابة الدفاعية المستميتة التي أحرجت عمالقة القارة الأوروبية مثل إسبانيا والبرتغال. ورغم الخروج المبكر من الدور الأول بفعل تفاصيل صغيرة غاب عنها التوفيق، فإن رينارد أعاد الهيبة المفقودة إلى الشخصية الكروية المغربية وزرع في اللاعبين عقلية مقارعة الكبار دون مركب نقص.

وليد الركراكي... صانع الملحمة والمربع الذهبي الإعجازي (قطر 2022)

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (أ.ف.ب)

دخل الإطار المغربي وليد الركراكي سفر التاريخ العالمي من أوسع أبوابه في مونديال قطر 2022، محققاً إعجازاً كروياً ببلوغ المربع الذهبي واحتلال المركز الرابع عالمياً في سابقة تاريخية أفريقية وعربية. اعتمد الركراكي على واقعية براغماتية صارمة وتكتيك الكتل الدفاعية المتراصة (Low Block) مع الارتداد الهجومي الخاطف، مكسراً طموحات إسبانيا، والبرتغال، وبلجيكا. لم يصنع الركراكي مجداً كروياً فحسب، وإنما صاغ بعبارته الشهيرة «ديرو النية» ملحمة تلاحم وطني ألهمت الملايين حول العالم.

محمد وهبي... رهان الحداثة وعصر «المهاجم الشبح» (المونديال الحالي 2026)

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (أ.ف.ب)

يتولى الإطار الوطني الشاب محمد وهبي دفة القيادة الفنية لأسود الأطلس في النسخة الحالية لنهائيات كأس العالم 2026، حاملاً على عاتقه إرثاً ثقيلاً وتطلعات جماهيرية بلغت عنان السماء. وهبي، الذي عُيّن في مارس (آذار) 2026 مستنداً إلى نجاحه الباهر بالفوز بكأس العالم للشباب تحت 20 عاماً، يمثل تيار الحداثة التكتيكية القائم على الاستحواذ والضغط العكسي والاعتماد على خطة «المهاجم الشبح». يقود وهبي جيل المستقبل في المونديال الحالي برهان استراتيجي يسعى لتتويج مسار البناء الكروي ونقل المغرب من حذر الدفاع إلى جرأة الريادة العالمية.

Your Premium trial has ended


«ثورة التشبيب» المغاربية... كيف تضبط لغة الأرقام بوصلة طموح الأسود والمحاربين والنسور؟

المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
TT

«ثورة التشبيب» المغاربية... كيف تضبط لغة الأرقام بوصلة طموح الأسود والمحاربين والنسور؟

المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)

تفرض كرة القدم في شمال أفريقيا واقعاً تكتيكياً جديداً على مسرح مونديال 2026، حيث نجحت المدارس المغاربية الثلاث (المغرب وتونس والجزائر) في إعادة صياغة هويتها الفنية عبر الاستثمار الصارم في «عنصر الشباب»

.

ويتصدر المنتخب المغربي هذا التحول الطموح باحتلاله المرتبة الرابعة عالمياً كأصغر المنتخبات معدلاً للأعمار بـ«26.4 سنة»، يليه نسور قرطاج في المركز الخامس بـ«26.6 سنة»، بينما يستقر محاربو الصحراء في المرتبة التاسعة بمتوسط يبلغ «26.9 سنة».

لم تعد اللياقة البدنية والسرعة مجرد عوامل مكملة في الخطط الكروية المعاصرة، بل تحولت إلى الركيزة الأولى التي تُبنى عليها منظومات الضغط العالي والتحول السريع. ومن هذا المنطلق، تدخل المنتخبات المغاربية الثلاثة منافسات المونديال الحالي، وهي مسلحة بأقوى توازن رقمي في تاريخها الحديث.

هذه «الثورة الصامتة» في خفض معدلات الأعمار لم تأتِ كإجراء اضطراري، بل تعكس توجهاً مدروساً يهدف إلى كسر نمطية الاعتماد على الحرس القديم، وضخّ دماء شابة قادرة على تلبية المتطلبات البدنية القاسية التي تفرضها الملاعب الأميركية الشمالية بمساحاتها الشاسعة وتقلباتها المناخية.

الحيوية المغربية... هندسة الاستدامة وبناء الجيل الثالث

يُثبت المنتخب المغربي، بتموقعه رابعاً في قائمة أصغر منتخبات المونديال بمتوسط أعمار يناهز 26.4 سنة، أن طفرة الإنجازات السابقة كانت مجرد نقطة انطلاق لخط استراتيجي مستدام. ولا يقتصر تميز هذه القائمة على الأرقام فحسب، بل يمتد إلى نوعية الخيارات التكتيكية، حيث يقود هذا التحول جيل يافع، يتصدره الموهوب أيوب بوعدي أحد أصغر اللاعبين في البطولة بأكملها، إلى جانب ثنائي كريستال بالاس وسندرلاند، شادي رياض وشمس الدين الطالبي. هذا العمق البشري الشاب يمنح الإدارة الفنية مرونة استثنائية لتطبيق أسلوب تكتيكي هجومي وديناميكي، يرتكز على تضييق المساحات وحرمان المنافسين من الكرة، دون الخشية من الإجهاد البدني المبكر.

المنتخب التونسي لكرة القدم (إ.ب.أ)

التوازن التونسي... ذكاء الانتقال وبناء الهوية الجديدة

في المرتبة الخامسة عالمياً، يحل ّالمنتخب التونسي بمعدل أعمار ناضج ومبشر يبلغ 26.6 سنة، وهو رقم يعكس نجاح الكرة التونسية في تدبير المرحلة الانتقالية الحرجة دون السقوط في فخ الهزات الفنية.

وقد نجح «نسور قرطاج» في صهر المواهب الشابة الصاعدة في الملاعب الأوروبية، مثل إسماعيل الغربي ومعتز النفاتي، داخل قالب تكتيكي يتسم بالانضباط الدفاعي التقليدي. هذه الجرأة في منح الثقة للشبان تُوازنها خبرة ميدانية هادئة لبعض ركائز الفريق المخضرمين، ما يمنح المنتخب التونسي القدرة على تسيير ريتم المباريات بذكاء عالٍ، والتحول من التكتل الدفاعي المنضبط إلى المرتدات الخاطفة بأقل عدد من التمريرات.

الثورة الجزائرية الهادئة... عقلية بيتكوفيتش وتغيير الجلد

المنتخب الجزائري لكرة القدم (أسوشييتد برس)

أما المنتخب الجزائري، الذي يستقر في المرتبة التاسعة عالمياً بمتوسط أعمار يبلغ 26.9 سنة، فيعيش مرحلة «إعادة ابتكار» حقيقية تحت قيادة السويسري فلاديمير بيتكوفيتش. فقد أظهرت الاختيارات الفنية الأخيرة شجاعة واضحة في التخلي عن الأسماء التي استهلكت طاقتها الدولية، لصالح جيل جديد يفيض حيوية بقيادة إبراهيم مازة وياسين تيطراوي. وتكمن قوة التركيبة التكتيكية لـ«محاربي الصحراء» في أن هذا الاندفاع الشبابي الشرس في خطوط الوسط والهجوم، يحتمي بـ«مظلة خبرة» يقودها القائد رياض محرز وعيسى ماندي، ما يقي الفريق مغبة الاندفاع غير المحسوب أمام المنتخبات الكبرى التي تجيد استغلال حماس الشبان.

صراع الأجيال في المونديال... نفَس الشبان في مواجهة حكمة العجائز

تكتسب هذه الأرقام المغاربية قيمتها الحقيقية عند وضعها في مقارنة مباشرة مع بقية المدارس المونديالية، ففي الوقت الذي تتصدر فيه ساحل العاج والإكوادور القائمة كأصغر الفرق، تعاني قوى تقليدية في البطولة من معضلة «الشيخوخة الكروية» بتجاوز متوسط أعمار لاعبيها حاجز الثلاثين عاماً.

وسيكون هذا التباين العمري بمثابة الورقة الرابحة للمنتخبات العربية في دور المجموعات، إذ إن التفوق في معدل اللياقة، والقدرة على مواصلة العطاء بنفس الكثافة طوال الدقائق التسعين، سيكونان العامل الحاسم لكسر طموح الفرق المعتمدة على الخبرة الميدانية الصرفة، وتحويل أحلام الجماهير المغاربية إلى واقع ملموس على المستطيل الأخضر.

إليك ترتيب المنتخبات الـ10 الأصغر سناً في مونديال 2026:

1- ساحل العاج (الأصغر سناً في المونديال بمتوسط 25.35 سنة)

2- الإكوادور (بمتوسط 25.58 سنة)

3- البوسنة والهرسك (بمتوسط 25.92 سنة)

4- المغرب

(بمتوسط 26.40 سنة)

5- تونس

(بمتوسط 26.60 سنة)

6- إسبانيا (بمتوسط 26.65 سنة)

7- النرويج (بمتوسط 26.72 سنة)

8- جنوب أفريقيا (بمتوسط 26.80 سنة)

9- الجزائر

(بمتوسط 26.90 سنة)

10- كندا

/ الولايات المتحدة (بمتوسط 26.95 سنة)