المواجهات الحدودية الهندية ـ الصينية... من إرث الماضي إلى طموحات المستقبل

تحركها أسباب داخلية وخارجية من بينها الأوضاع الاقتصادية وحسابات واشنطن الاستراتيجية

لقطة من الاشتباك الحدودي الأخير في تاوانغ (أ.ف.ب)
لقطة من الاشتباك الحدودي الأخير في تاوانغ (أ.ف.ب)
TT

المواجهات الحدودية الهندية ـ الصينية... من إرث الماضي إلى طموحات المستقبل

لقطة من الاشتباك الحدودي الأخير في تاوانغ (أ.ف.ب)
لقطة من الاشتباك الحدودي الأخير في تاوانغ (أ.ف.ب)

انهار، مطلع ديسمبر (كانون الأول) المنصرم، الهدوء المشوب بالتوتر طوال عام 2022، على جانبي «خط السيطرة الفعلية» الحدودي بين الهند الصين. هذا الخط يمثل الحدود الفعلية بين العملاقين العالميين، وعنده اندلعت صدامات بين الجانبين داخل منطقة يانغتسي، قرب تاوانغ، في ولاية أروناتشال براديش الهندية، القطاع الشرقي من هذه الحدود المتنازع حولها، مع ادعاء الصين بأحقيتها في السيطرة على هذه المنطقة، باعتبارها جزءاً من جنوب إقليم التيبت. هذه المرة اشتبك جنود الجانبين بالعصي والحجارة، نظراً لالتزام الجانبين بتجنب استخدام الأسلحة النارية خلال المواجهات (تبعاً لما نصت عليه اتفاقيتا 1996 و2005). لكن الحادث أثار ذكريات الصدامات الدموية التي وقعت بوادي غالوان، في منطقة لاداخ؛ حيث سقط 20 قتيلاً من العسكريين الهنود، بينما لم تكشف الصين عن عدد قتلاها العسكريين حتى الآن.
دفعت صدامات وادي غالوان الحدودية بين الجانبين الهندي والصيني نيودلهي إلى تعزيز القوات الهندية في المنطقة بمقدار نحو 5000 جندي في المنطقة غير المأهولة من لاداخ، شمال غربي جبال الهيمالايا، في حين تمركز عدد مكافئ من الجنود الصينيين على بعد بضعة أميال. ورغم دخول المؤسستين العسكريتين في جولات حوار من وقت لآخر، ذكر رئيس هيئة أركان الجيش الهندي، مانجو باندي، في تصريح أدلى به حديثاً، أن الصين قلصت قواتها عند «خط السيطرة الفعلية». وادعى باندي أن أعمال تشييد البنية التحتية الصينية على طول الخط «مستمرة دونما هوادة» ـ الأمر الذي أكدته صور مستقلة التقطتها أقمار صناعية، وكذلك أحدث تقرير صدر عن وزارة الدفاع الأميركية بخصوص الصين. ثم تابع أن الوضع «مستقر، لكن من المتعذر التنبؤ بمستجداته». هذا بينما يشدد وزير الشؤون الخارجية الهندي، إس جايشانكار، عبر منصات مختلفة على أن العلاقات مع الصين لا يمكن أن تصبح طبيعية دون إقرار السلام على جانبي الحدود.

أسباب الصدامات

تتشارك الهند والصين حدوداً لم ترسّم كلياً، تمتد لمسافة 3500 كيلومتر، ولذا شكلت باستمرار سبباً في الصراع. وهي تضم مساحات جبلية نائية على نحو غير عادي، ظلت فيها نقاط اشتعال، بالذات، في لاداخ وأروناتشال براديش شرقاً. وفي حين تدعي الهند أحقيتها بالسيطرة على نحو 45.000 كيلومتر مربع في أكساي تشين بالقطاع الغربي من الحدود - الذي احتلته الصين في حرب عام 1962. تدعي الصين أحقيتها بالسيادة على نحو 90.000 كيلومتر مربع، في القطاع الشرقي، على نحو يكافئ تقريباً ولاية أروناتشال براديش.
الصحافي براكاش ناندا يشير إلى أن تاوانغ لطالما شكلت منطقة تحمل أهمية سياسية كبيرة للصين، بفضل روابطها التاريخية والثقافية والاقتصادية القوية بالتيبت. ثم إنها مسقط رأس الدالاي لاما السادس، وكذلك تضم ثاني أكبر دير للبوذية التيبتية على مستوى العالم، هو «غلادين نامغي لهاستي». ولذا، تعدّ تاوانغ محجاً مهماً لأتباع بوذية التيبت. وكان الدالاي لاما الرابع عشر قد فر إلى تاوانغ من التيبت ولجأ إلى الهند عام 1959. وأمضى بعض الأيام في الدير القائم هناك. وراهناً تخضع هذه المنطقة لكامل السيطرة الهندية.
أما بالنسبة للصين، فإن السيطرة على تاوانغ ترتبط بشرعية سيطرتها على إقليم التيبت. وإذا وجد الدالاي لاما خليفة له داخل تاوانغ، فإنه سيتمتع بذلك بالسلطة الروحية والشرعية اللازمتين لممارسة قدر كبير من النفوذ داخل الإقليم الذاتي الحكم. وحقاً، تقدمت الصين باعتراضات دبلوماسية متكررة ضد زيارات الدالاي لاما وعدد من القيادات الأخرى هناك، مع أنها متقطعة، ورفضت منح المقيمين تأشيرات منتظمة تمكنهم من السفر للصين.
الهند، طبعاً، ترفض ذاك، وتنظر إلى أروناتشال براديش باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الهندية، بجانب أنها تنطوي على أهمية استراتيجية كبرى لجهود الدفاع عن شمال شرقي الهند. وهي تعمد بالفعل إلى تعزيز بنيتها التحتية في وجه الصين. ويأتي ذلك عبر إنجاز أنفاق كافية لضمان استمرار الاتصال بالمناطق الحدودية الحيوية في ظل مختلف أحوال الطقس، إضافة إلى بناء طرق وجسور جديدة وقواعد أمامية للهيلوكوبترات ومواقع ذخائر حصينة تحت الأرض.

الجانب الجيوسياسي للصراع

تأتي المناوشات الأخيرة بين البلدين بمثابة مفاجأة في هذا التوقيت، بعد اجتماعات «قمة مجموعة العشرين» في جزيرة بالي الإندونيسية، خلال نوفمبر (تشرين الثاني)، وفيها تحدث الزعيم الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، أخيراً، وإن كان لفترة وجيزة، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2020.
وبعد القمة، بدا أن الهند تتطلع الآن قدماً نحو 2023. حينما ستستضيف حشدين دوليين كبيرين تشارك بهما الصين. هما «قمة مجموعة العشرين» المقبلة و«قمة منظمة شنغهاي للتعاون». وفي هذا الصدد، عبر البريغادير (العميد) المتقاعد راهول بهونسلي، الذي يتولى إدارة موقع «سيكيورتي ريسكس إيجا» المعني بالتحليلات الأمنية، عن اعتقاده أن «الدافع وراء سعي الجيش الصيني اختلاق أزمة جديدة على طول الحدود المتنازع عليها، على الشرق هذه المرة، يبدو الرغبة في زيادة نقاط المواجهة وإبقاء قضية الحدود الهندية - الصينية حية، في وقت ينشغل العالم بمحاولة التغلب على عدة أزمات ناجمة عن الحرب بأوكرانيا». وشرح بهونسلي أنه «بخلاف المصالح الصينية الواضحة في أروناتشال براديش، ينبغي التنبه إلى 3 تطورات كبرى أخرى من أجل فهم الإطار الجيوسياسي، هي...
أولاً؛ انعقد مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر (تشرين الأول)، وأصبحت لشي جينبينغ اليوم اليد العليا بالبلاد، بعدما نجح في تعزيز قبضته على الحزب والمؤسسة العسكرية والحكومة، ويشعر اليوم بثقة أكبر إزاء استعراض القوة خارجياً.
ثانياً؛ منذ (قمة مجموعة العشرين) في بالي خلال نوفمبر، تحاول الولايات المتحدة والصين التعاون مجدداً وإدارة الخلافات بينهما. وبذا وجدت الصين ورئيسها نفسيهما في موقف أقوى بكثير.
ثالثاً؛ في أول ديسمبر (كانون الأول)، تقلدت الهند رئاسة (مجموعة العشرين)، وتخطط حكومتها للاحتفال بقمتها المقبلة، والاجتماعات المرتبطة بها كحدث يسلط الضوء على صعودها على الساحة العالمية.
في هذا الإطار - والكلام للبريغادير بهونسلي - يجب فهم الرسائل السياسية المحورية الثلاث خلف الصدامات الحدودية مع الهند. ومن خلال فتح قطاع جديد في وضع حدودي متأزم بالفعل، تؤكد الصين على أن بإمكانها تكرار مثل هذه الأفعال على طول الحدود الممتدة لأكثر عن 3000 كيلومتر، متى شاءت. ولدى الصين الاستعداد السياسي والقدرة العسكرية اللازمة للإقدام على مثل هذه الإجراءات القوية».

الاستجابة الصينية

من جهتها، قلّلت بكين من شأن الحادث بأكمله، فقال وانغ ونبين، الناطق باسم الخارجية الصينية: «إن الجانبين أبقيا على اتصالات سلسة بخصوص القضايا المتعلقة بالحدود عبر القنوات الدبلوماسية والعسكرية». بل أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي جاهزية بلاده للعمل مع نيودلهي بخصوص القضايا المتعلقة بالحدود. وهذا، مع أن الميغور جنرال المتقاعد إس بي سينها، الخبير المعني بقضايا الدفاع، شكك في التغيير المفاجئ في موقف الصين من الهند. وقال إن ثمة خطباً ما في بكين، مضيفاً: «إنها حيلة ذكية للغاية من جانب الصين. تؤمن الصين بسياسات التوسع وتريد أن تصبح القوة العالمية الأولى... ولقد استولت الصين على أراضينا منذ عام 1962، رغم أنها عجزت عن الاستيلاء على شبر واحد من أرضنا بعد عام 2014. لماذا تتحدث الصين على هذا النحو؟ هذا يدل على أن ثمة خطأ ما على الجانب الصيني في الوقت الحاضر». ثم استطرد قائلاً: «الوضع على وشك التحول إلى تمرّد داخل الصين... إذ يعاني الاقتصاد من ركود كامل، وتسيطر على جنود الجيش حالة من الخوف الشديد، وسببت سياسة الطفل الواحدة صدمة نفسية للجنود. كل هذه العوامل أدت إلى دفع بكين للكلام عن السلام، علينا ألا نتأثر ونقع في هذا الفخ. لا يجوز أن نصدقها، بل يجب مواصلة ممارسة ضغوط عليها».

أهمية دور واشنطن... والتحديات الكبرى للتوتر

في هذه الأثناء، فإن تزايد الحشود العسكرية وتفاقم التوتر الحدودي يزيد من أهمية واشنطن في حسابات نيودلهي الاستراتيجية للتصدي لسياسات بكين. ورداً على الاشتباكات الأخيرة، قال بات رايدر، السكرتير الصحافي للبنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية)، خلال مؤتمر صحافي: «إنها تعكس اتجاهاً متزايداً من قبل الصين لتأكيد نفسها وممارسة استفزازات موجهة نحو حلفاء الولايات المتحدة وشركائنا في منطقة المحيطين الهادئ والهندي. نحن مستمرون بثبات في التزامنا نحو ضمان أمن شركائنا». كذلك صرّح نيد برايس، الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، بأن «الهند بالفعل شريك استراتيجي مهم للولايات المتحدة على الصعيد الثنائي وداخل (مجموعة كواد) الرباعية وعدد من المنتديات الأخرى المتعددة الأطراف. إننا نرفض بشدة أي محاولات أحادية الجانب لتعزيز مطالبات تتعلق بأحقية السيادة على مناطق بعينها عن طريق التوغل، سواء العسكري أو المدني، عبر الحدود عند خط السيطرة الفعلي القائم». وتجدر الإشارة هنا إلى أن «قانون إقرار الدفاع الوطني» الصادر حديثاً، الذي وافق عليه مجلس الشيوخ الأميركي، يهدف إلى تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة والهند من خلال توجيه وزارتي الدفاع والخارجية لمتابعة بناء تعاون أوسع وأكبر مع الهند فيما يتعلق بالتكنولوجيا الناشئة والجهود المشتركة للبحث والتطوير بمجال الدفاع.
وفي نيودلهي، يرى الصحافي ناندا أن «الصين ترغب في وجود هند ضعيفة عسكرياً تبقى بعيدة عن الولايات المتحدة تحت مسمى الاستقلال الاستراتيجي. وفي المقابل، من التعاون الدفاعي الثنائي إلى التعاون المتعدد الأطراف في إطار شراكة (كواد)، تقدم نيو دلهي يد العون لواشنطن في استراتيجيتها بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ لاحتواء الصين، وأصبحت شريكاً محورياً لواشنطن بهذا الأمر». ويضيف؛ من ثم «زاد موقف بكين العدائي تجاه الهند من أهمية العامل الأميركي، وباتت نيودلهي الآن أكثر استعداداً لتلقي دعم واشنطن بهدف تحقيق التوازن في مواجهة بكين. الأمر الذي اتضح في التسامح الذي أظهرته نيودلهي تجاه الوجود الأميركي في مناطق تجاورها مباشرة». وحقاً، منذ إقرار نيو دلهي إلى حد كبير رؤية المحيطين الهندي والهادئ في توجهها الاستراتيجي، ظهر العداء الصيني في تشكيل تكوينات جيوسياسية في جنوب آسيا. وللعلم، انضمت الهند إلى القوات البحرية التابعة لدول مجموعة «كواد» في مناورة «مالابار» البحرية المتقدمة في بحر اليابان، نوفمبر 2022. كذلك نفذ الجيشان الهندي والأميركي مناورات عسكرية في أولي بولاية أوتارخند الهندية، على بعد نحو 100 كيلومتر من «خط السيطرة الفعلية»، وهو ما اعتبره الصينيون تجاوزاً للخط الأحمر الدبلوماسي والعسكري. وثمة أمثلة أخرى على تحفظ بكين على مساعي نيو دلهي لتعزيز علاقاتها مع واشنطن.
في سياق متصل، يعتبر فيجاي جوخال، السفير الهندي السابق في بكين، والمعني بالشؤون الصينية، إن الهند والصين تنتقلان إلى «عقد من الشكوك واللا يقين». وهنا يشير إلى الأوضاع العالمية السياسية والاقتصادية الغامضة. وهو يرى أن المعادلة عام 2020 قد لا تكون هي ذاتها عام 2030، في ظل استمرار النمو في الهند والتباطؤ في نمو الصين. الأمر الذي يوجب على الهند «التحلي باليقظة والحذر عسكرياً واقتصادياً». على جانب آخر، ثمة حركة في اتجاه واحد للبضائع بين البلدين، وتضخم العجز التجاري إلى مستويات غير مقبولة بلغت 70 مليار دولار. وكلما طلبت نيو دلهي من بكين معالجة الأمر، دأبت الأخيرة على طرح مبررات مختلفة. وهنا يرى جوخال «ضرورة أن يعي الصينيون أن هذا العجز التجاري غير المستدام لم يعد مجرد قضية تجارية أو مرتبطة بالسوق، بل أصبح قضية سياسية». ويضيف: «نحن بحاجة إلى الاعتراف بأن فكرة منطقة المحيطين الهندي والهادئ تعكس رؤية هندية فريدة تضرب بجذورها في تاريخنا. ومع توسع اقتصاد الهند، بدأنا في النظر من جديد إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ باعتبارها امتداداً طبيعياً لجوارنا. إن إيحاء الصينيين بأن هذه مؤامرة أميركية يشارك فيها الهنود، يشكل إهانة للذكاء الهندي، ومن المهم أن يدرك الجانب الصيني أن للهند مصلحة قوية في السلام والهدوء والأمن والاستقرار بالمنطقة».
وختاماً، يلاحظ جوخال أن الحشود الصينية على طول «خط السيطرة الفعلية» طرحت تحدياً أمام المؤسسة الدبلوماسية والأمنية الهندية لتكريس مزيد من الوقت والموارد لإدارة الحدود والعلاقات مع الصين، وأنه «من المحتمل أن تجبر الأزمة مع الصين، المسؤولين الهنود على إعادة التفكير في خطط التحديث العسكري بالبلاد. وفي مواجهة التحديات المتزايدة على الأرض، سيتعين على الهند إعادة تقييم هدف تعزيز قوتها البحرية في المحيط الهندي، للتصدي للغزوات المتزايدة من جانب البحرية الصينية. وفيما يخص إجراءات (عرض القوة) وإبرازها، فإن بكين تبعث من خلال ذلك رسالة، مفادها أنه إذا كانت الهند، أكبر جاراتها والقوة الآسيوية الكبرى، يمكن أن تتعرض للتهديد بهذه الطريقة، ينبغي إذاً أن يدرك جيرانها الأضعف الآخرون الرسالة، وبالتالي، احترام حساسيات الصين، والإحجام عن دعم تايوان».

مختصر الاشتباكات العسكرية الأخيرة بين الهند والصين
- اشتباك وادي غالوان (2020): سقط ما يصل إلى 20 قتيلاً في صفوف الجنود الهنود وعدد لم يفصح عنه في صفوف الجنود الصينيين لدى وقوع اشتباكات في يونيو (حزيران) 2020 بوادي غالوان في منطقة لاداخ.
- اشتباك دوكلام (2017): اندلع الصدام عند بناء طريق قرب هضبة دوكلام، وهي منطقة تدعي كل من الصين وبوتان أحقيتهما في السيطرة عليها. ولقد قاومت القوات الهندية التحركات الصينية، خاصة أن المنطقة قريبة من طريق سريع هندي. واستمرت الاشتباكات لمدة 72 يوماً.
- اشتباك برتس (2015): اشتعلت المواجهة بين الجانبين في برتس بسهول ديسبانغ، شمال لاداخ، عام 2015، واستمرت لمدة أسبوع.
- اشتباك تشومار (2014): استمرت المواجهة لمدة 16 يوماً، وبدأت عشية زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ الأولى للهند، وكانت مصدر حرج كبير.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

العالم زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

أدلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمزيد من التصريحات بشأن مكالمة هاتفية جرت أخيراً مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، في أول محادثة مباشرة بين الزعيمين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال زيلينسكي في كييف، الجمعة، بعد يومين من الاتصال الهاتفي، إنه خلال المكالمة، تحدث هو وشي عن سلامة الأراضي الأوكرانية ووحدتها «بما في ذلك شبه جزيرة القرم (التي ضمتها روسيا على البحر الأسود)» وميثاق الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

تبرأت الصين، اليوم (الجمعة)، من اتهامات وجهها خبراء من الأمم المتحدة بإجبارها مئات الآلاف من التيبتيين على الالتحاق ببرامج «للتدريب المهني» تهدد هويتهم، ويمكن أن تؤدي إلى العمل القسري. وقال خبراء في بيان (الخميس)، إن «مئات الآلاف من التيبتيين تم تحويلهم من حياتهم الريفية التقليدية إلى وظائف تتطلب مهارات منخفضة وذات أجر منخفض منذ عام 2015، في إطار برنامج وُصف بأنه طوعي، لكن مشاركتهم قسرية». واكدت بكين أن «التيبت تتمتع بالاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والوحدة العرقية وموحّدة دينياً ويعيش الناس (هناك) ويعملون في سلام». وأضافت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، أن «المخاوف المز

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

وافق البرلمان الياباني (دايت)، اليوم (الجمعة)، على اتفاقيتين للتعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا، ما يمهّد الطريق أمام سريان مفعولهما بمجرد أن تستكمل كانبيرا ولندن إجراءات الموافقة عليهما، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وفي مسعى مستتر للتصدي للصعود العسكري للصين وموقفها العدائي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، سوف تجعل الاتفاقيتان لندن وكانبيرا أول وثاني شريكين لطوكيو في اتفاق الوصول المتبادل، بحسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء. ووافق مجلس المستشارين الياباني (مجلس الشيوخ) على الاتفاقيتين التي تحدد قواعد نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات بعدما أعطى مجلس النواب الضوء الأخضر لها في وقت سابق العام

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

أثار كتاب التاريخ لتلاميذ المدارس الصينيين الذي يذكر استجابة البلاد لوباء «كورونا» لأول مرة نقاشاً على الإنترنت، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). يتساءل البعض عما إذا كان الوصف ضمن الكتاب الذي يتناول محاربة البلاد للفيروس صحيحاً وموضوعياً. أعلن قادة الحزب الشيوعي الصيني «انتصاراً حاسماً» على الفيروس في وقت سابق من هذا العام. كما اتُهمت الدولة بعدم الشفافية في مشاركة بيانات فيروس «كورونا». بدأ مقطع فيديو قصير يُظهر فقرة من كتاب التاريخ المدرسي لطلاب الصف الثامن على «دويين»، النسخة المحلية الصينية من «تيك توك»، ينتشر منذ يوم الأربعاء. تم تحميله بواسطة مستخدم يبدو أنه مدرس تاريخ، ويوضح

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.