درعا: الغياب الحكومي تعوضه مبادرات التكافل الاجتماعي

سعر صرف جديد للدولار مقابل الليرة السورية يضاعف التضخم ويأكل رواتب الموظفين

موظفون سوريون أمام صراف أحد البنوك لتسلم رواتبهم الشهرية في محافظة درعا (الشرق الأوسط)
موظفون سوريون أمام صراف أحد البنوك لتسلم رواتبهم الشهرية في محافظة درعا (الشرق الأوسط)
TT

درعا: الغياب الحكومي تعوضه مبادرات التكافل الاجتماعي

موظفون سوريون أمام صراف أحد البنوك لتسلم رواتبهم الشهرية في محافظة درعا (الشرق الأوسط)
موظفون سوريون أمام صراف أحد البنوك لتسلم رواتبهم الشهرية في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

شكلت بلدات ومدن في محافظة درعا لجاناً محلية من الوجهاء والميسورين بهدف تحسين الواقع الخدمي في مناطقهم، جراء الغياب شبه الكامل للحكومة السورية، التي تبدو وكأنها أحد المضاربين في سوق الصرف وليست حكومة خدمات مسؤولة أمام مواطنيها.
قال أحد العاملين في المنظمات الإنسانية في درعا لـ«الشرق الأوسط»: «لا تكاد هذه الحكومة تقدم أي عمل في سبيل تحسين المرافق والخدمات العامة، وعلى الرغم من سيطرة الدولة على درعا منذ ما يقارب 5 سنوات، بقيت فاعليتها محدودة أمام متطلبات المجتمع الأهلي في المحافظة وخدماته. وبدلاً من ذلك، تكتفي بمراقبة المنظمات الإنسانية العاملة في المحافظة لتصل أحياناً إلى تعطيل عملها أو إلغائه، وذلك نتيجة البيروقراطية، التي تتسم بها وإدخال هذه المنظمات في دوامة الموافقات الأمنية ومناطق آمنة وغير آمنة والرشاوى المكتبية للحصول على حق العمل وتقديم خدمة معينة. هذا الواقع المزري وعدم قدرة الحكومة أحياناً وعدم رغبتها أحياناً أخرى في الجانب الخدمي دفع المجتمع المحلي إلى اجتراح بدائل تساعدهم على إحياء مدنهم وبلداتهم».
أحد القائمين على عمل جمعية خيرية في ريف درعا الشرقي، قال: «قامت عدة بلدات ومدن في محافظة درعا بتشكيل لجان محلية من الوجهاء والميسورين تقوم على طلبات مجتمعاتهم وتقييم المبالغ المطلوبة وتلقي الهبات والتبرعات من الأهالي، خاصة المغتربين، لتحسين الواقع الخدمي في مدنهم وبلداتهم. آخر هذه المبادرات تم في بلدة داعل، فقد استطاع المجتمع المحلي خلال 4 أيام جمع ما يفوق 750 مليون ليرة سورية، الهدف منها إنارة شوارع البلدة بالطاقة الشمسية وتركيب ألواح طاقة شمسية لآبار البلدة وإرواء سكانها وتشغيل مركز الهاتف الأرضي بالطاقة البديلة».
ولفت إلى أن المبادرة الأهلية في داعل هي واحدة من بين عشرات المبادرات في المحافظة، بعد أن وصل أهل درعا إلى يقين بأن الدولة غير راغبة أحياناً وغير قادرة في أحيان كثيرة على تقديم أي خدمة معيشية لمواطني المحافظة.
وقد لا يختلف الوضع في درعا كثيراً عن بقية المحافظات الخاضعة لسلطة النظام، التي لا تعاني من غياب خدمات الحكومة وحسب، بل أيضاً من تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين جراء انهيار الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، ما أدى إلى تآكل رواتب الموظفين.
وجرياً وراء السوق السوداء ومحاولة لاستقطاب «دولار» التحويلات الخارجية، أعلن المصرف المركزي السوري، الاثنين الماضي، في بيان: «خفض سعر الصرف الرسمي للعملة المحلية إلى 4522 ليرة سورية للدولار الواحد، في حين كان السعر الرسمي السابق 3015 ليرة سورية».
ورفع سعر الصرف للدولار جاء، حسب بيان المركزي، للحوالات الخارجية والبدل العسكري. إذ جرى رفع سعر صرف الدولار لمعاملات البدل العسكري من 2800 ليرة سورية ليبلغ 4500 ليرة سورية.
ويصدر المصرف المركزي السوري عادة عدة نشرات لسعر الصرف، منها ما هو مخصص للحوالات الخارجية، وآخر لدفع البدل العسكري، وثالث للمستوردين والتجار.
الليرة السورية، خلال الأعوام السابقة، تعرضت لهزات عنيفة تحت تأثير الواقع الاقتصادي المزري الذي وصلت إليه البلاد، ما دفع المصرف المركزي إلى رفع سعر صرف الدولار أمام الليرة، في محاولة منه للاقتراب من السوق السوداء والتأثير عليه.
يقول خبير اقتصادي سوري في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: «إن صرف دولار السوق السوداء أكثر قوة من (المركزي)، فهو المعتمد والمستخدم في جميع الأنشطة الاقتصادية، حتى داخل مناطق سيطرة النظام، والفجوة بينه وبين السعر الرسمي (الصادر عن المصرف المركزي) كبيرة. إذ ارتفع في الأسابيع الماضية ليبلغ حاجز 7000 ليرة سورية، قبل أن يعود للانخفاض، ويستقر عند 6500 ليرة. هذا الفارق الكبير يدفع أصحاب الحوالات المالية القادمة من خارج البلاد إلى التوجه إلى مكاتب صرافة تتبع السوق السوداء للحصول على القيمة الحقيقية للمبالغ المحولة إليهم».
القرار الأخير، وفقاً للمصدر، يهدف إلى امتصاص الكتلة النقدية الكبيرة للعملة الصعبة القادمة إلى المصرف المركزي والناتجة عن دفع المكلفين بخدمة العلم في خارج البلاد لبدلات الخدمة العسكرية بشرائحهم المختلفة، حيث يلجأ أولياء أمورهم إلى شراء الدولار أو اليورو وإيداعه لدى المصارف السورية المختلفة، ما يرفد الخزينة الرسمية بالعملات الصعبة. حتى بعد هذا القرار، يبقى الفارق كبيراً بين سعر صرف السوق السوداء والسعر الرسمي، ما يدفع أصحاب الحوالات الخارجية للاعتماد على قنوات تحويل في السوق السوداء لتلافي الخسارة الكبيرة لكتلتهم المالية في حال تم عن طريق القنوات الرسمية للتحويل.
الجدير بالذكر أن تأثير هذا القرار على حياة السوريين ومعيشتهم، وفقاً لقول الخبير الاقتصادي، سيكون سلباً، فـ«انخفاض الليرة الرسمية سيتبعه دون شك انخفاض في قيمتها في السوق الموازية، ومن المعروف أن أسعار السلع والبضائع تتحدد من خلال قيمة الدولار في السوق السوداء، وليست الرسمية».
وبحسب الخبير، فإن «كل ما يقدمه القرار هو صورة جديدة لحجم التضخم الحاصل في الاقتصاد المحلي الذي وصل إلى ما نسبته 500 في المئة، إضافة إلى معرفة أوضح للتخبط الحكومي، في ظل عجزها التام عن ضبط أسعار الأسواق والسيطرة على تكاليف معيشة السوريين، الذي يتضح أكثر وأكثر في الرواتب والأجور لموظفيها، التي بلغت بسعر صرف السوق 20 إلى 40 دولاراً في الشهر».
الوضع الحالي اختصره لنا تاجر من محافظة درعا بالقول: «لا يهمني سعر الدولار في المصرف المركزي، ما يهمني في تجارتي هو سعره الحقيقي في السوق السوداء، فأنا أشتري بضاعتي وأبيعها وفقاً لسعر الدولار بالسوق السوداء، وليس وفق سعره الرسمي. لا أحد من التجار يلتفت إلى سعره في المصرف المركزي، فالأمر ليس مهماً، وليس له تأثير إيجابي للعمل التجاري، إنما هو محاولة استقطاب المصرف المركزي للعملة الأجنبية من التحويلات الخارجية والبدلات النقدية للخدمة العسكرية».


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.