رحيل أندريه ميكيل يغلق مرحلة كاملة من الاستشراق الفرنسي الرصين

جمع بين التبحر العلمي الأكاديمي والحساسية العاطفية المشتعلة

أندريه ميكيل
أندريه ميكيل
TT

رحيل أندريه ميكيل يغلق مرحلة كاملة من الاستشراق الفرنسي الرصين

أندريه ميكيل
أندريه ميكيل

بعد ريجيس بلاشير وجاك بيرك ومكسيم رودنسون وروجيه أرنالديز وسواهم، يأتي رحيل أندريه ميكيل لكي يغلق مرحلة كاملة من الاستشراق الفرنسي الأكاديمي الرصين. وربما كان يتمايز عنهم بخصوصية نادرة (ما عدا جاك بيرك)، وهي أنه كان أديباً شاعراً أيضاً، وليس فقط دارساً أكاديمياً رفيعاً. فقد كرس كتابين اثنين لمجنون ليلى! وهذا بحد ذاته كافٍ لتخليده والبرهنة على مدى عظمته وأهميته.
كل من يحب مجنون ليلى أحبه وأحترمه، وأكاد أقول أبجله تبجيلاً. المجنون عندي خط أحمر.
الكتاب الأول صدر عام 1984 على هيئة رواية بعنوان: «ليلى، آه يا عقلي!» وليس «ليلى آه يا جنوني!». ولكن هذه الرواية التي كتبها أندريه ميكيل عن واحد من أعظم شعرائنا ليست خيالية وهمية على الإطلاق. وإنما هي تستلهم بدقة الوثائق التاريخية والحكاية الواقعية لقيس بن الملوح كما وردت في كتب التراث العربي.
ومعلوم أن أشعار مجنون ليلى وقصته ومعاناته تكاد تصل إلى حد القداسة بالنسبة للآداب العربية. على الأقل هذا هو شعوري. وأنا أكاد أرتجف عند قراءتها. فهي من أنقى وأصفى ما صدر عن قرائح شعراء الأمة العربية. وربما كانت الأنقى والأصفى بإطلاق ليس فقط بالنسبة للآداب العربية وإنما العالمية أيضاً.
والواقع أن قصة مجنون ليلى تحولت إلى أسطورة عربية وعالمية في آن معاً. والدليل على ذلك أن أراغون استلهمها وكتب ديواناً على غرارها باسم: «مجنون إيلزا».
أما الكتاب الثاني، الذي كرسه أندريه ميكيل لقيس بن الملوح، فكان عبارة عن دراسة أكاديمية تدخل في دائرة الأدب المقارن بالمعنى الحرفي للكلمة. وهي بذلك تقدم لنا إضاءة جديدة عن إشكالية الحب الجارف المطلق. «فمن لا يقارن لا يعرف»، كما يقول المثل الصيني.
وقد صدرت عام 1996 تحت عنوان: «قصتان من قصص الحب والغرام: من مجنون ليلى إلى تريستان وحبيبته إيزولده»، التي خلدها ريتشارد فاغنر في إحدى أروع المعزوفات في تاريخ الأوبرا.
أندريه ميكيل يطرح أسئلة من النوع التالي: كيف يتجلى العشق في كلا الأدبين العربي والأوروبي؟ هل يعشقون بالطريقة نفسها مثلاً؟ كيف يتجلى الحب المطلق في الشرق والغرب؟ ما أوجه التشابه وأوجه الاختلاف بين أسطورة المجنون وأسطورة تريستان؟
لكي يجيب عن كل هذه الأسئلة نلاحظ أن أندريه ميكيل يجمع بين التبحر العلمي الأكاديمي الواسع من جهة، والحساسية العاطفية المشتعلة من جهة أخرى. بمعنى آخر فإن أندريه ميكيل لم يكن أستاذاً جامعياً فارغ الروح والقلب. لم يكن أكاديمياً صقيعياً. هذا ما أريد التوصل إليه. هذا ما أريد قوله. لا ينبغي على التخصص الجامعي أن ينحصر فقط بالتبحر العلمي البارد إلى حد الصقيع العاطفي. من هذه الناحية كان أندريه ميكيل يشبه غاستون باشلار إلى حد ما. كلاهما كان يكتب دراسات أكاديمية علمية رصينة من جهة، ثم يتفرغ بعدئذٍ للكتابة «الانفلاشية» الحرة من جهة أخرى. لقد جمعا بين العقل والقلب. لقد جمعا المجد المعرفي من كلا طرفيه. أما الكتابة الأكاديمية المحضة لدى أندريه ميكيل فقد تجسدت في أطروحته الضخمة التي نال عنها شهادة دكتوراه الدولة تحت عنوان: «الجغرافيا البشرية للعالم الإسلامي حتى أواسط القرن الحادي عشر الميلادي». وقد صدرت في أربعة أجزاء متلاحقة. كما تجلت في كتابه الكبير عن «الإسلام وحضارته» الذي نال عنه جائزة الأكاديمية الفرنسية. ولا ننسى كتابه القيم عن المأمون وإسلام الأنوار عام 2012.

وقد كرست له فصلاً خاصاً في كتابي «من التنوير الأوروبي إلى التنوير العربي»، الذي سيصدر قريباً عن «دار المدى».
في كتابه هذا المعنون «محاورات بغداد» يعبر أندريه ميكيل عن إعجابه الشديد بالمأمون الذي يعتبره أعظم خليفة تنويري في تاريخ العرب والإسلام. يقول لنا البروفسور ميكيل ما فحواه: «لقد كان الخليفة المستنير المأمون يستقبل في مجالسه الخاصة كبار العلماء والفلاسفة والمثقفين ورجال الدين. ولم يكن يكتفي باستضافة كبار شيوخ الإسلام، وإنما كان يستضيف أيضاً كبار حاخامات اليهود ومطارنة المسيحيين».
وهذا الانفتاح على الأديان الأخرى قل نظيره في تاريخ الإسلام، بل إنه يبدو شبه مستحيل حتى اليوم ما عدا في السعودية والإمارات العربية المتحدة التي دشنت أخيراً «بيت العائلة الإبراهيمية» في أبوظبي كما هو معلوم.
هذا ما فعله المأمون في وقته قبل 1200 سنة بالضبط. عمَ كانوا يتحدثون في هذه المجالس العلمية التي يترأسها الخليفة شخصياً؟ عن موضوعات مهمة جداً وحساسة، كالعلاقة بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة، وأوجه الخلافات والتشابهات فيما بينها. وكانوا يناقشون مسألة السلطة وكيفية ممارستها. وكانوا يتحدثون عن قضايا التربية والتعليم، وعن كيفية تفسير النصوص المقدسة، وكانوا يناقشون أيضاً حتى مسألة الجنس، نعم الجنس!... إلخ.
كانت جلسات حوار من أعلى طراز. وهي تشهد على مدى انفتاح الثقافة العربية الإسلامية آنذاك على العالم الخارجي والثقافات الأخرى. وللأسف فإن هذا الانفتاح لم يعد له وجود بعد الدخول في عصر الانحطاط وإغلاق باب الاجتهاد والإبداع. في السنوات الأخيرة نشر البروفسور أندريه ميكيل بعض الكتب ذات الطابع الشخصي، إن لم نقل السيرة الذاتية. وهذا شيء طبيعي. فالإنسان عندما يقترب من الموت يحب أن يعود إلى الوراء لكي يسترجع خواطره أو ذكرياته. من بينها كتاب يتحدث عن لقطات الحياة اللافتة التي عاشها، وعن اللقاءات التي حصلت له مع بعض الشخصيات المهمة.
هناك لقطات عدة أو لحظات ممتعة مع ديغول، وغورباتشوف، وجاك بيرك، وجمال الدين بن شيخ، وبيير بورديو، وآخرين. ولكن هناك صفحة واحدة أو صفحة وربع الصفحة فقط تحت عنوان: «المجنون». والمقصود بالطبع «مجنون ليلى». وفيها يقول البروفسور أندريه ميكيل إن المجنون شاعر بدوي من الجزيرة العربية، عاش في القرن السابع الميلادي، وإن قصته تؤكد لنا الحقيقة التالية: «وهي أن الحب الكامل مستحيل، ووحده الحب المستحيل كامل». بمعنى أن الحب لكي يكون مثالياً مطلقاً ينبغي ألا يتحقق على هذه الأرض. بمعنى آخر أيضاً «لكي ينجح الحب ينبغي أن يفشل!». ويقول أندريه ميكيل إنه قرأ النصوص العربية القديمة التي تتحدث عن هذا الشخص، نصف الواقعي ونصف الأسطوري، الذي يدعى قيس بن الملوح. وقرأ حكاية غرامه المستحيل مع ابنة عمه ليلى. وهي الحكاية التي ولدت قصائد خالدة تتجاوز كل زمان ومكان. ثم انتهت القصة بالفشل الذريع؛ لأن عائلة ليلى رفضته، فراح يهيم على وجهه في البراري والقفار. وراح يبث لواعج حبه إلى الحيوانات المتوحشة، راح يبثها إلى الطبيعة والكرة الأرضية كلها. وفي أحد الأيام تصل امرأة عجوز تحمل رسالة له. ماذا تقول هذه الرسالة؟ لقد زوجوا ليلى بالقوة لشخص لا تحبه وقد هربت من البيت وهامت على وجهها في الصحراء، وهي الآن قريبة جداً منه. فهل يريد أن يراها؟ بالطبع كان المتوقع أن يركض فوراً للقائها ولكنه لم يفعل. لماذا؟ ماذا قال للعجوز؟ قال لها: «لا أريد أن أرى ليلى؛ لأن ذلك يشغلني عن التفكير بحب ليلى»!
شيء عجيب. شيء لا يكاد يصدق. وهذا يعني أن الحب وهم جبار يخترق القرون. إنه أحلى وهم في التاريخ وأعظم وهم. لا أعرف إذا كنت قد نجحت في شرح الفكرة؛ لأن الحب يستعصي على كل شرح، وخصوصاً إذا كان حباً مطلقاً جارفاً. ولكني متأكد أن الحب المطلق يستعصي على الوصال، بل ويقتله الوصال.
أخيراً، إليكم هذه النادرة التي تعبر عن مدى تواضع أندريه ميكيل وعلمه الجم. لم تتح لي الفرصة للتحدث معه إلا مرة واحدة. كان ذلك بعد وصولي إلى باريس بفترة قصيرة لتحضير شهادة الدكتوراه في النقد العربي الحديث. وكنت قد وجدت الأستاذ المشرف على أطروحتي في شخص البروفسور محمد أركون. ولكن مع ذلك تجرأت على الاقتراب من أندريه ميكيل أمام مبنى الكوليج دو فرانس وسألته إذا كان يقبل بالإشراف على أطروحتي، معبراً عن رغبتي في تغيير الأستاذ المشرف الذي وجدته. فنظر إلي باندهاش شديد، وقال لي بالحرف الواحد: «يا رجل لماذا تريد تغييره؟ أركون أهم مني». وانتهى الأمر عند هذا الحد.
كنت وقتها لا أزال مصاباً «بعقدة الخواجة» كما يقول إخواننا المصريون: أي الانبهار بكل ما هو أجنبي. ولم أكن قد حضرت بعد دروس أركون الشهيرة في السوربون، لكي أعرف مدى أهميته باعتباره مفكراً كبيراً، وخطيباً مصقعاً لا يشق له غبار.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دراسة جديدة تعزز فاعلية الليزك في تصحيح الإبصار

قصر النظر أحد اضطرابات الرؤية الشائعة (جامعة هدرسفيلد)
قصر النظر أحد اضطرابات الرؤية الشائعة (جامعة هدرسفيلد)
TT

دراسة جديدة تعزز فاعلية الليزك في تصحيح الإبصار

قصر النظر أحد اضطرابات الرؤية الشائعة (جامعة هدرسفيلد)
قصر النظر أحد اضطرابات الرؤية الشائعة (جامعة هدرسفيلد)

توصلت مراجعة علمية دولية إلى أن جراحة الليزك قد تتفوق على العدسات اللاصقة من حيث رضا المرضى، وانخفاض معدلات المضاعفات لدى المصابين بقصر النظر، في حين لا تزال الأدلة غير حاسمة بشأن أي من الطريقتين تحقق تحسناً أكبر في جودة الحياة.

وأوضح باحثون، بقيادة جامعة فلسطين التقنية، أن الدراسة تقدم مقارنة مباشرة بين خيارين شائعين لتصحيح قصر النظر، ونُشرت نتائجها، الجمعة، في دورية «Eye & ENT Research». ويمكن تصحيح قصر النظر بوسائل مختلفة، أبرزها النظارات الطبية والعدسات اللاصقة، التي تساعد على إعادة توجيه الضوء بحيث يتركز على الشبكية. كما يمكن لبعض الإجراءات الجراحية، مثل الليزك، إعادة تشكيل القرنية لتصحيح قصر النظر، وتحسين وضوح الرؤية، بما قد يقلل الحاجة إلى ارتداء النظارات، أو استخدام العدسات اللاصقة.

وشملت المراجعة نتائج 4 دراسات ضمت 2141 مشاركاً، بينهم 1275 استخدموا الليزك، و866 استخدموا العدسات اللاصقة. وكان تحسُّن جودة الحياة النتيجة الرئيسية التي ركزت عليها المراجعة، إلى جانب رضا المرضى ومشكلات جفاف العين. وأظهرت النتائج أن الليزك حقق تحسناً متوسطاً في جودة الحياة، إلا أن النتائج اختلفت بين الدراسات، ويرجع جزء من هذا التباين إلى استخدام أدوات مختلفة لقياس جودة الحياة. وعند استبعاد إحدى الدراسات التي اقتصرت على النساء، أصبحت النتائج أكثر اتساقاً، وأظهرت أفضلية الليزك.

وكان الفارق أكثر وضوحاً في مستوى رضا المرضى؛ إذ بلغت نسبة الرضا 88 في المائة بين الخاضعين لليزك، مقارنة بـ54 في المائة بين مستخدمي العدسات اللاصقة، كما أظهرت النتائج أن 97 في المائة من الأشخاص الذين كانوا يستخدمون العدسات اللاصقة، ثم خضعوا لليزك فضلوا الجراحة بعد التحول إليها؛ ما يعكس ارتفاع مستوى تقبل المرضى لليزك مقارنة بالعدسات اللاصقة.

ومن ناحية أخرى، سجلت مجموعة الليزك معدلات أقل من المضاعفات، تراوحت بين 6.7 و9.5 في المائة، مقارنة بنحو 19.9 في المائة لدى مستخدمي العدسات اللاصقة. لكن الليزك ارتبط بارتفاع ملحوظ في معدلات جفاف العين الحاد خلال الفترة الأولى بعد الجراحة، إذ تراوحت النسبة بين 50 و58 في المائة. وفي المقابل، كان جفاف العين المزمن أكثر شيوعاً لدى مستخدمي العدسات اللاصقة، وصل إلى نحو 71 في المائة.

وبوجه عام، تشير نتائج المراجعة إلى تفوق الليزك على العدسات اللاصقة من حيث رضا المرضى، وانخفاض معدلات المضاعفات، كما أن الغالبية العظمى من مستخدمي العدسات الذين تحولوا إلى الليزك فضّلوا الجراحة. ومع ذلك، شدد الباحثون على أنه لا يمكن اعتبار الليزك الخيار الأفضل لجميع المرضى، خصوصاً أن نتائج جودة الحياة لم تكن متسقة بدرجة كافية بين الدراسات. وأكد الفريق أن اختيار وسيلة تصحيح قصر النظر ينبغي أن يستند إلى تقييم طبي شامل للعين، مع إيلاء اهتمام خاص لحالة سطح العين، ووجود أعراض جفاف العين أو أي مشكلات أخرى.

تجدر الإشارة إلى أنّ قصر النظر يعد أحد اضطرابات الرؤية الشائعة، إذ يجعل الأجسام البعيدة تبدو غير واضحة أو ضبابية، بينما تكون رؤية الأجسام القريبة أوضح نسبياً. ويحدث غالباً عندما تكون العين أطول من المعتاد، أو عندما تكون القرنية شديدة الانحناء؛ ما يؤدي إلى تركّز أشعة الضوء أمام الشبكية بدلاً من تركّزها عليها مباشرة.


مكاديميا أستراليا البرية... جينات نادرة لمواجهة المناخ والأمراض

المكاديميا... نبات أسترالي محلي تحوَّل إلى غذاء تجاري عالمي (شاترستوك)
المكاديميا... نبات أسترالي محلي تحوَّل إلى غذاء تجاري عالمي (شاترستوك)
TT

مكاديميا أستراليا البرية... جينات نادرة لمواجهة المناخ والأمراض

المكاديميا... نبات أسترالي محلي تحوَّل إلى غذاء تجاري عالمي (شاترستوك)
المكاديميا... نبات أسترالي محلي تحوَّل إلى غذاء تجاري عالمي (شاترستوك)

رغم زراعتها بأعداد هائلة لأغراض تجارية، تظل المكاديميا محصولاً هشاً ومعرضاً للخطر. وتسعى مجموعة من الباحثين الأستراليين المهتمين بالمكسرات البرية إلى تغيير ذلك، وفق «الغارديان» البريطانية.

وكرَّس إيان مكوناشي، أحد رواد صناعة المكاديميا في أستراليا، جانباً كبيراً من حياته لهذه المكسرات. وفي طفولته بمدينة بريزبن خلال أربعينات القرن الماضي، كان يتسلق الأسوار ليسرقها من حدائق منازل الجيران، ثم يكسر قشرتها الصلبة بمطرقة.

واليوم، وقد بلغ التسعين، تشمل إنجازاته تطوير شجرة حققت عوائد بلغت مليوني دولار لصالح «صندوق الحفاظ على المكاديميا»، الذي يسعى إلى حماية هذا النبات النامي في الغابات المطيرة.

وتُقدَّر قيمة صناعة المكاديميا عالمياً بملياري دولار؛ إذ تُزرع بكميات صناعية في المناطق شبه المدارية بهاواي والأميركتين وأفريقيا وآسيا. وقال مكوناشي: «إنها أجود مكسرات العالم، ورمز أسترالي، ونباتنا المحلي الوحيد الذي تحول إلى غذاء تجاري».

درس مكوناشي الكيمياء الصناعية وإدارة الأعمال، ثم أمضى 35 عاماً في شركات تعمل في صناعة المكاديميا وتطوير بساتينها.

وتنمو في كوينزلاند شجرة من نوع المكاديميا متكاملة الأوراق، أظهرت الاختبارات الجينية أنها السلف الأصلي لنحو 70 في المائة من أشجار المكاديميا المزروعة تجارياً حول العالم. وهناك ثلاثة أنواع أخرى؛ تُزرع المكاديميا رباعية الأوراق تجارياً، بينما تُعد المكاديميا ثلاثية الأوراق والمكاديميا اليانسنّية بريتين وشديدتي الندرة، وثمارُهما تكاد تكون غير صالحة للأكل.

وبدأت زراعة المكاديميا تجارياً في هاواي خلال عشرينات القرن الماضي، في حين لم تبدأ أستراليا إنتاجها التجاري إلا في الستينات. ويرى مكوناشي أن مرور جيلين أو ثلاثة فقط على انتقالها من البرية إلى الزراعة «مدة قصيرة للغاية في عالم البستنة»، ولذلك لا تزال إمكانات أشجارها البرية غير معروفة.

وتنتمي الأنواع الأربعة إلى منطقة محدودة من الغابات المطيرة شبه المدارية في جنوب شرقي كوينزلاند وشمال نيو ساوث ويلز. وقد تكون الأشجار البرية مفتاح إنتاج جيل جديد قادر على مقاومة تغير المناخ والأمراض، بفضل إمكاناتها الجينية.

لكن أكثر من 80 في المائة من الموائل التي تطورت فيها هذه الأشجار على مدى 120 مليون عام اختفى، ولم يتبقَّ منها سوى أجزاء متناثرة. وتواجه المكاديميا اليانسنّية خطراً شديداً بالانقراض؛ إذ يمكن أن يقضي عليها حريق واحد في الأدغال. لذلك تبقى مواقع أشجارها سرية لحمايتها. ورغم أن ثمارها شديدة المرارة، فإن قدرتها على التحمل قد تجعلها أداة مهمة في مواجهة التغيرات المناخية، فيما أُدرجت الأنواع الثلاثة الأخرى ضمن الأنواع المهددة أو المعرضة للخطر.

وأمضى مكوناشي عقوداً في البحث عن أشجار المكاديميا البرية وتوثيقها في موائلها الطبيعية، برفقة راسل بينيت، أحد أبناء شعب كابي كابي وحراس الأرض وشيوخها. ومع ذلك، لم يحصل الأستراليون من السكان الأصليين إلا على قدر ضئيل للغاية من العوائد المالية الناجمة عن الشعبية العالمية التي حققتها هذه المكسرات.


اختبار جديد يحدد مؤشرات ألزهايمر بدقة عالية

الاختبار الجديد يساعد في تحديد السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر (جامعة واشنطن في سانت لويس)
الاختبار الجديد يساعد في تحديد السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر (جامعة واشنطن في سانت لويس)
TT

اختبار جديد يحدد مؤشرات ألزهايمر بدقة عالية

الاختبار الجديد يساعد في تحديد السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر (جامعة واشنطن في سانت لويس)
الاختبار الجديد يساعد في تحديد السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر (جامعة واشنطن في سانت لويس)

أجازت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) تسويق اختبار دم مبتكر للمساعدة في تقييم الإصابة بمرض ألزهايمر، بعدما أظهرت الدراسات قدرته على الكشف عن مؤشرات مرتبطة بالمرض بدقة تتجاوز 90 في المائة.

وأوضح باحثون من كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس أن الاختبار قد يوفر وسيلة أبسط وأقل تدخلاً من بعض طرق التشخيص التقليدية، وفق ما نشرته الجامعة على موقعها الإلكتروني، الجمعة. ويُعرف الاختبار باسم «PrecivityAD2»، وطورته شركة ناشئة انبثقت عن جامعة واشنطن، اعتماداً على تقنيات طورتها فرق بحثية في كلية الطب بالجامعة. ويهدف إلى المساعدة في تحديد وجود لويحات الأميلويد في الدماغ، وهي إحدى السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر، لدى فئات محددة من المرضى.

ويعتمد الاختبار على مطياف الكتلة عالي الدقة لقياس 4 مؤشرات حيوية مرتبطة بالمرض، هي شكلان من بروتين الأميلويد «Aβ42» و«Aβ40»، إضافة إلى شكلين من بروتين تاو هما «p-tau217» والتاو الكلي. ويساعد الجمع بين هذه المؤشرات في تقدير احتمال وجود أمراض الأميلويد في الدماغ، وهي تغيرات قد تظهر قبل سنوات من المراحل المتقدمة للمرض.

وأظهرت دراسات سابقة أن الاختبار يستطيع الكشف عن أمراض الأميلويد المرتبطة بألزهايمر بدقة تتجاوز 90 في المائة، كما أظهر أداءً مماثلاً لبعض طرق التشخيص الأكثر تدخلاً، مثل تحليل السائل الدماغي الشوكي وتصوير الدماغ للكشف عن لويحات الأميلويد. وفي دراسة للتحقق من أداء الاختبار شملت 192 شخصاً يعانون ضعفاً إدراكياً، بلغت دقته الإجمالية نحو 91 في المائة، فيما وصلت حساسيته إلى 90 في المائة ونوعيته إلى 92 في المائة، ما يعني قدرته على اكتشاف معظم الحالات التي لديها مؤشرات للمرض، واستبعاد معظم الأشخاص الذين لا توجد لديهم هذه المؤشرات. كما أظهرت دراسة أكبر شملت 1213 شخصاً أن الاختبار حقق دقة تقارب 90 في المائة لدى المرضى الذين خضعوا للتقييم في عيادات الذاكرة أو الرعاية الأولية.

ووفق الباحثين، تكمن أهمية الاختبار في إمكانية الحصول على معلومات عن التغيرات المرتبطة بألزهايمر من خلال عينة دم واحدة، بدل اللجوء مباشرة إلى إجراءات أكثر تدخلاً أو تعقيداً. فعلى سبيل المثال، يتطلب تحليل السائل الدماغي الشوكي إجراء بزل قطني، فيما تعتمد بعض فحوص تصوير الدماغ المتخصصة على تقنيات مكلفة وغير متاحة على نطاق واسع. وقد تساعد هذه الاختبارات في المستقبل على تسريع عملية التقييم، وتحديد المرضى الذين يحتاجون إلى فحوص أكثر تخصصاً، فضلاً عن دعم الأطباء في اتخاذ قرارات أدق بشأن المتابعة والعلاج.

ومع ذلك، يشير الفريق إلى أن الاختبار الجديد لا يُستخدم بمفرده لتشخيص ألزهايمر، ولا تعني النتيجة الإيجابية بالضرورة إصابة الشخص بالخرف؛ فالاختبار يساعد على الكشف عن أمراض الأميلويد المرتبطة بألزهايمر، ويجب تفسير نتائجه إلى جانب أعراض المريض وتاريخه الطبي والفحص السريري ونتائج الاختبارات الأخرى.

يشار إلى أن ألزهايمر مرض تنكسي عصبي تدريجي يصيب الدماغ، ويُعد السبب الأكثر شيوعاً للخرف. ويؤدي مع مرور الوقت إلى تراجع الذاكرة والتفكير والقدرة على أداء المهام اليومية، ويرتبط بتراكم بروتينات غير طبيعية في الدماغ، أبرزها لويحات الأميلويد وتشابكات بروتين تاو. وتزداد أهمية اكتشافه مبكراً مع ظهور علاجات يمكن أن تبطئ تطور المرض لدى بعض المرضى.