هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟

إنجاز علمي باهر لأغراض عسكرية ومدنية

هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟
TT

هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟

هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟

منذ إعلان وزيرة الطاقة الأميركية الشهر الماضي عن نجاح علماء في مختبرات «لورنس ليفرمور الوطنية» بولاية كاليفورنيا، التابعة للوزارة، في تحقيق إنجاز علمي فائق يمثل «اختراقاً كبيراً» في تكنولوجيا الاندماج النووي، ومعظم عناوين وسائل الإعلام تبشر - بشكل غير دقيق ومضلل أحياناً - بمستقبل من الطاقة النظيفة الوفيرة التي تنتجها محطات الطاقة النووية الاندماجية.
لكن ما هو هذا الإنجاز العلمي الباهر؟ وهل حقاً يمثل علامة فارقة في مسار تطوير تقنية الاندماج النووي؟ وهل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة وبأسعار معقولة قاب قوسين أو أدنى، بحيث تشكل مكوناً رئيسياً – إن لم يكن المكون الرئيسي - من مزيج الطاقة النظيفة الخالية من الكربون بحلول منتصف هذا القرن، وهو المتطلب الضروري لتحقيق أهداف اتفاق باريس المناخية؟

اندماج نووي
بدايةً، من المفيد العودة للوراء والتذكير بأن العلماء اكتشفوا قبل نحو قرن أن تفاعلات اندماج أنوية ذرات خفيفة مثل الهيدروجين مع بعضها بعضاً ينتج منها أنوية ذرات أثقل مثل الهيليوم، كما أن تفاعلات انشطار أنوية ذرات عناصر ثقيلة مثل نظير اليورانيوم ينتج منها أنوية ذرات عنصرين أخف. ويصاحب كلا النوعين من التفاعلات النووية إطلاق كميات هائلة من الطاقة تعادل نحو مليون ضعف ما يطلق أثناء حرق الكميات نفسها من الوقود الأحفوري. وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية تمكن العلماء والمهندسون من التحكم في تفاعلات الانشطار النووي، ونجحوا في تطوير تقنياتها في البداية لغرض تصميم وصنع القنابل النووية الانشطارية. وقد استخدمت أميركا اثنتين منها لتدمير مدينتي هيروشيما وناغازاكي؛ مما عجّل في استسلام اليابان وإنهاء الحرب. ثم نجحوا في تصميم وتشييد المئات من مفاعلات الانشطار النووي لتوليد الكهرباء.
بيد أن التحكم في تفاعلات الاندماج النووي كان أكثر صعوبة. وتلك التفاعلات هي المسؤولة عن ديمومة تشغيل الشمس والنجوم لبلايين السنين داخل المجرات الكثيرة في هذا الكون العظيم. وتمكن العلماء عام 1952 - رغم الصعوبات التي واجهتهم - من تصميم وصنع قنابل نووية حرارية (تعرف بالقنابل الهيدروجينية نسبة إلى وقودها) ذات قوة تفجيرية هائلة. لكن التحدي التكنولوجي غير المسبوق الذي ما فتئ يواجه العلماء والمهندسين منذ ذلك الحين هو كيفية تطويع هذه التفاعلات على سطح الأرض في مفاعلات يتم التحكم فيها بحيث يمكن تسخيرها في توليد الكهرباء أو الحرارة وبتكلفة زهيدة للمساعدة على تلبية احتياجات العالم من الطاقة النظيفة.
ورغم جهود آلاف العلماء في عشرات المختبرات حول العالم لنحو سبعة عقود وتخطي العديد من العتبات التكنولوجية بنجاح، لكن بعض «العقبات الرئيسية» لا تزال قائمة أمام الاندماج النووي. ولم تتمكن أي تقنية حتى الآن من إنتاج قدر أكبر من الطاقة اللازمة لتشغيل مثل هذه المفاعلات.
وهناك نهجان رئيسيان تم اللجوء إليهما لمواجهة تحدي الاندماج «الاندماج المغناطيسي»، باستخدام قفص من المجالات المغناطيسية القوية لحصر وقود الاندماج المكون من بلازما الهيدروجين ونظائره الساخنة لدرجات حرارة عالية جداً (لأكثر من مائة مليون درجة مئوية كما هي في قلب النجوم)؛ أو «اندماج الحبس بالقصور الذاتي»، باستخدام أشعة الليزر النبضية القوية أو حزم الجسيمات لضغط وتسخين كريات الوقود الصغيرة على الفور.
إن إنجاز الاندماج النووي الذي أعلنته وزارة الطاقة الأميركية مهم جداً من الناحيتين العلمية والتقنية، بل وباهر حقاً؛ ففي الخامس شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي نجح فريق علماء في مرفق الإشعال الوطني (NIF) بمختبر «ليفرمور» في إحداث ما يعرف «بالاشتعال» لأول مرة في العالم في تجربة اندماج خاضعة للتحكم؛ مما يعني أنه تم إنتاج طاقة من تفاعلات الاندماج النووي في الوقود أكثر من طاقة الليزر المستخدمة لإحداث الاشتعال وإطلاق التفاعلات الاندماجية ذاتياً إلى أن تتطاير وتتلاشى بقايا الوقود.

إنجاز علمي
لكن أهمية الإنجاز لا تتعلق إلا قليلاً بفرص توليد الكهرباء تجارياً من تقنية الاندماج النووي على نطاق واسع - بعكس ما هيأت لذلك معظم وسائل الإعلام. وللتدليل على ذلك يكفي التذكير بأن إحداث انفجار صغير واحد (أو ما يسمى «بالطلقة») في هذه التجربة تم باستخدام أقوى نظام ليزر في العالم، تبلغ مساحة منشأته أكبر من ثلاثة ملاعب لكرة القدم، حيث أسفر عن إنتاج طاقة اندماج أكثر قليلاً من طاقة الليزر الذي أصاب الهدف (تكفي لتسخين كوبين من الشاي تقريباً). وكان عائد الاندماج هذا أصغر بنحو 250 مرة من كمية الطاقة الكهربائية التي احتاج إليها نظام الليزر من أجل إشعال «الطلقة». وسيحتاج مفاعل الاندماج العملي القائم على هذا النهج إلى عائد اندماج أكثر 10 - 20 مرة لكل طلقة من الكهرباء الموردة إلى الليزر، وبالتالي 2500 - 5000 ضعف عائد تجربة «ليفرمور»، وسيحتاج إلى العمل بمعدل نحو 10 طلقات في الثانية – أي ما لا يقل عن مليون طلقة في اليوم، في حين يمكن لجهاز ليفرمور الحالي إدارة طلقتين في اليوم الواحد فقط.
للتعرف إذن على حقيقة الأهمية التي يمثلها هذا الإنجاز العلمي؛ ينبغي التمعن في قول وزيرة الطاقة الأميركية بحفل الإعلان – بما معناه - إن هذا الإنجاز العلمي يمثل تقدماً مهماً للولايات المتحدة في مجالي الدفاع والطاقة. وتقديم الوزيرة الإشارة إلى الدفاع قبل الطاقة لم يأت اعتباطاً. ويعضد ذلك أن كبار المسؤولين الحكوميين الموجودين إلى جانبها في الحفل كانوا من وزارة الدفاع وليسوا من مسؤولي وزارة الطاقة. على أن الطريقة التي قدم بها هذا الاختراق والتغطية الإعلامية التي تبعته حجبت إلى حد كبير، أو أخفت عن قصد، الأثر الرئيسي لهذا الإنجاز العلمي المتمثل فيما سيوفره من دعم لبرنامج الإشراف على مخزون الأسلحة النووية الحرارية التابع للإدارة الوطنية للأمن النووي بالولايات المتحدة. وبدلاً من ذلك، ركزت وسائل الإعلام - حتى بعض الجادة منها - على ما ذكرته الوزارة بأن هذا الإنجاز «سيوفر رؤى لا تقدر بثمن حول آفاق طاقة الاندماج النظيف، والتي من شأنها أن تغير قواعد اللعبة للجهود المبذولة لتحقيق هدف اقتصاد خال من الكربون -» رغم أن علاقته بإنتاج الطاقة بعيدة وعرضية فقط.
وما ذكرته الوزيرة في معرض حديثها، أن هذا الإنجاز يمثل خطوة تمكن من الوصول إلى مفاعلات الاندماج النووي تجارياً «خلال سنوات» كان مضللاً، إلا أن رئيسة المختبر التي حضرت المؤتمر الصحافي أوضحت، أن الإفادة منه في تطوير تقنية الاندماج النووي وصولاً إلى مفاعلات تجارية يحتاج إلى جهود كبيرة للتغلب على عقبات فنية ‏ستستغرق نحو عقدين.
لذا؛ وبينما تمثل «تجربة ليفرمور» تقدماً حقيقياً، فإنها أقل بكثير من الأداء اللازم لمفاعل اندماج عملي. إضافة إلى ذلك، فإن فجوة الطاقة الهائلة المذكورة آنفاً لا تأخذ في الاعتبار مشكلات لم تحل بعد، مثل تلك المتعلقة بالأضرار الهيكلية الناجمة عن نيوترونات الاندماج، وتوليد وإعادة تدوير التريتيوم المشع بكفاءة وأمان.
وفي المقابل، فإن نظام الاندماج بالليزر الموجود حالياً في إحدى منشآت «مختبرات ليفرمور» مفيد جداً لوظيفة الدفاع الوطني الأقل لفتا للانتباه؛ ألا وهي دراسة فيزياء التفجيرات النووية الحرارية دون تفجير قنابل حقيقية. ومن المعروف أن تطوير الأسلحة (وخاصة النووية) يحتاج عادة إلى إجراء تجارب متعددة للتعرف على مدى فاعلية التصاميم أو التحسينات التي يدخلها المصممون، أو للتأكد من صلاحية وفعالية المخزون منها. ولأن إجراء التجارب على الأسلحة النووية أصبح محظوراً، وفقاً للقانون الأميركي منذ عام 1996 (ووفقاً لمعاهدة حظر التجارب الشاملة التي وقّعتها 196 دولة، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بعد)، فقد لجأ العلماء إلى اختبار مدى صلاحية وفاعلية مخزون الأسلحة النووية بعمليات محاكاة في نماذج رياضية معقدة باستخدام حواسيب فائقة السرعة. لكن مهما بلغت فاعلية تلك النماذج، فإنها تبقى أقل مما يمكن التحقق منه في تجربة عملية في الطبيعة. ومن هنا جاء اهتمام وزارة الدفاع الأميركية بإمكانية استخدام تقنية الاندماج النووي باستخدام الليزر لهذا الغرض. وقامت الوزارة بدعم وتمويل تطوير هذه التقنية الباهظة التكاليف عبر نحو ثلاثة عقود رغم أنها أقل واعدية للطاقة من تقنية النهج المغناطيسي للاندماج.
وفي الواقع تم الإعلان عن عدد من الاختراقات الفيزيائية والتكنولوجية المهمة في تجارب النهج المغناطيسي للاندماج في الأشهر الأخيرة، وهو النهج الذي لجأت إليه معظم الدول المتقدمة لكونه أقرب بكثير من نهج الاندماج بالليزر لتحقيق هدف توليد الكهرباء. ويجري حالياً تشييد المفاعل النمطي العالمي الذي تساهم فيه دول كثيرة منها الولايات المتحدة. ‏ومن المتوقع بناء مفاعل نمطي شبه تجاري باستخدام هذه التقنية في العقد المقبل. وهناك شركات خاصة أنشئت بهدف تطوير تصاميم متعددة لمفاعلات الاندماج النووي بنهجيها والاستفادة منها تجارياً، حيث حصلت هذه الشركات على تمويل بمليارات الدولارات من كبار المستثمرين وصناديق المخاطرة. وقد ينجح بعضها في إنتاج الكهرباء تجارياً قبل منتصف القرن، إلا أن العقبات الإضافية التي يجب التغلب عليها من أجل الوصول إلى مفاعل اندماج مغناطيسي عملي ما زالت هائلة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم
TT

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

تُظهر بيانات جديدة أن طلاب الجامعات يُغيِّرون تخصصاتهم ومساراتهم المهنية، خوفاً من استبدال الذكاء الاصطناعي بهم. ومع تذبذب سوق العمل، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، يأمل طلاب الجيل الجديد ألا يتأثر مسارهم المهني القادم بالنمو المتزايد للذكاء الاصطناعي.

ويؤدي التطور السريع لسوق العمل إلى انعدام الأمن الوظيفي لدى أفراد هذا الجيل، كما كتب موسى جان فرانسوا*.

لقطة مصورة لنتائج الاستطلاع على موقع مؤسسة «لومينا»

استطلاع جديد

يُشير استطلاع رأي جديد أجرته مؤسسة «لومينا» بالتعاون مع مؤسسة «غالوب»، ونُشرت نتائجه مطلع شهر أبريل (نيسان) الحالي، إلى أن ما يقرب من نصف طلاب الجامعات الأميركية فكروا جدياً في تغيير تخصصاتهم أو مسار دراستهم، استجابة لتأثير الذكاء الاصطناعي المتزايد على سوق العمل.

واستناداً إلى نتائج استطلاع أُجري في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وشمل ما يقرب من 4 آلاف طالب، غيَّر 16 في المائة منهم فعلاً تخصصاتهم بسبب الذكاء الاصطناعي.

مخاوف الطلاب

وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن طلاب الجامعات الحاليين قد اعتادوا على الذكاء الاصطناعي نتيجة استخدامهم له في قاعات الدراسة، فإن البيانات تُظهر مخاوف لدى هذه الفئة العمرية.

ويُبين الاستطلاع مدى سرعة تأثير الذكاء الاصطناعي على التخطيط المهني. فقد ذكر 14 في المائة من طلاب الجامعات أنهم فكَّروا «كثيراً» في تغيير مجال دراستهم بسبب تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، بينما قال 33 في المائة آخرون إنهم فكروا «بشكل معقول».

تغيير الاختصاصات

وأفاد 60 في المائة من الطلاب الذكور بأنهم يفكرون في تغيير تخصصهم، مقارنة بـ38 في المائة من الطالبات. وترتفع هذه النسب بين دارسي التكنولوجيا (70 في المائة) والمجالات المهنية (71 في المائة)، متجاوزة طلاب إدارة الأعمال والعلوم الإنسانية (54 في المائة لكل منهما) والهندسة (52 في المائة).

استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي

كما أشار الاستطلاع إلى أن طلاب الجامعات الحاليين ما زالوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي رغم معارضة مؤسساتهم التعليمية؛ إذ أظهرت الدراسة أن 42 في المائة من الطلاب أفادوا بأن جامعاتهم تثبط توجهات استخدام الذكاء الاصطناعي في المقررات الدراسية، ومع ذلك لا يزال عدد كبير منهم يعتمد عليه: 15 في المائة يستخدمونه يومياً، و33 في المائة أسبوعياً، و12 في المائة شهرياً. حتى في الجامعات التي تحظر الذكاء الاصطناعي بشكل قاطع، أفاد 10 في المائة من الطلاب باستخدامه يومياً، و17 في المائة أسبوعياً.

مخاوف مستقبلية بشأن السوق

وصرحت كورتني براون، نائبة رئيس قسم التأثير والتخطيط في مؤسسة «لومينا»، لموقع «أكسيوس» في مقابلة، بأنها تخشى من تقصير المؤسسات التعليمية في تعليم الطلاب عن الذكاء الاصطناعي وتحيزاته. وقالت: «إنها (أي المؤسسات) لا تفهم من الذي قد يتضرر أو ينتفع (من تحولات الذكاء الاصطناعي)... وهذا هو الجانب الذي سيتضرر (الطلاب) منه أكثر من غيره».

التسريح بسبب الذكاء الاصطناعي

هذا وقد شهد قطاعا التكنولوجيا والأعمال موجة تسريح واسعة النطاق في السنوات الأخيرة. ووفقاً لموقع «تيك إنسايدر»، فإن نحو 20 في المائة من عمليات التسريح في عام 2026 كانت بسبب عمليات دمج أو استبدال أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وفي مارس (آذار) الماضي، سرَّحت شركة «ميتا» مئات الموظفين، مُعللة ذلك بإعادة الهيكلة، على الرغم من أن الشركة ستضيف أيضاً بنية تحتية جديدة للذكاء الاصطناعي.

دوافع الالتحاق بالجامعات

وحسب بيانات مؤسسة «غالوب»، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يؤثر على معدلات الالتحاق بالجامعات أيضاً؛ إذ أفاد نحو 14 في المائة من طلاب البكالوريوس و13 في المائة من طلاب الدبلوم، بأن الاستعداد للذكاء الاصطناعي والتقنيات ذات الصلة، كان سبباً رئيسياً لالتحاقهم بالجامعات، بينما أشارت نسبة 12 في المائة منهم إلى مخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على فرص العمل المستقبلية.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية
TT

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

أصبح الغش سهلاً للغاية الآن. فباستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، يستطيع أي شخص الحصول على وجبة تعويضية أو منتج بديل مجاناً. بل يمكنه حتى الحصول على أموال مجانية عن طريق الاحتيال على الحكومة نفسها. وكما اكتشف اختصاصيو الأشعة حديثاً، فإنه يمكن أيضاً خداع الأطباء وشركات التأمين باستخدام صور الأشعة السينية المولّدة بالذكاء الاصطناعي.

صعوبة تمييز أشعة «اكس» مزيفة

ووفقاً لدراسة جديدة نشرتها الجمعية الإشعاعية لأميركا الشمالية، فإن معظم الخبراء لا يستطيعون التمييز بين الكسور المزيفة والكسور الحقيقية. أصبح الاحتيال التأميني الذي لا يمكن كشفه على بُعد نقرة واحدة. هذه ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة متزايدة من عمليات الاحتيال السهلة والمجانية التي أصبحت ممكنة بفضل قوة الذكاء الاصطناعي.

دراسة علمية

أخضعت دراسة أجرتها الجمعية 17 طبيباً متخصصاً من ست دول مختلفة، بعضهم يمتلك خبرة ميدانية تصل إلى 40 عاماً، لاختبار بصري شمل 264 صورة أشعة سينية - نصفها صور حقيقية، والنصف الآخر صور اصطناعية تم إنشاؤها بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي مثل «تشات جي بي تي» ونموذج «رونت جين» RoentGen مفتوح المصدر من جامعة ستانفورد. وعندما لم يكن الأطباء على علم بوجود هذه الصور الاصطناعية، لم يتمكنوا من تحديد صور الأشعة السينية الاصطناعية بشكل صحيح إلا في 41 في المائة من الحالات.

نجاح محدود في كشف التزييف

وحتى بعد تلقيهم تحذيرات صريحة بوجود صور مزيفة ضمن المجموعة، ازداد متوسط ​​نسبة نجاحهم إلى 75 في المائة؛ إذ تراوحت النسبة بين 58 في المائة المتدنية و92 في المائة المقبولة. ولكنها نتيجة غير مثالية. وتشير الدراسة إلى أن عقوداً من سنوات الخبرة العملية للأطباء لم تُسهم بشكل كبير في كشف التزييف، على الرغم من أن أداء خبراء الجهاز العضلي الهيكلي كان أفضل قليلاً من زملائهم.

حتى النظم الذكية أخفقت في كشف التزييف

وما يزيد الأمر سوءاً، أن نماذج اللغة الضخمة المسؤولة عن ظهور هذه الخدعة الرقمية - بما في ذلك «جي بي تي 40» و«جي بي تي 5» و«جيمناي برو 2.5» و«مافريك» Maverick و«لاما 4» من «ميتا» - لم تكن أفضل حالاً كأدوات كشف آلية؛ إذ تراوحت معدلات دقتها بين 57 في المائة و85 في المائة.

ثغرة أمنية وطبية خطيرة

وأشار الدكتور ميكائيل توردجمان، المؤلف الرئيسي للدراسة، إلى أن «دراستنا تُظهر أن صور الأشعة السينية المزيفة بتقنية التزييف العميق واقعية لدرجة كافية لخداع اختصاصيي الأشعة، وهم أكثر المتخصصين تدريباً في مجال التصوير الطبي، حتى عندما كانوا على دراية بوجود صور مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي». وأضاف: «يُشكّل هذا ثغرة أمنية خطيرة للغاية للتقاضي الاحتيالي، على سبيل المثال، إذا كان من الصعب التمييز بين كسر مُختلق وكسر حقيقي. كما يُوجد خطر كبير على الأمن السيبراني إذا تمكن المتسللون من الوصول إلى شبكة المستشفى وحقن صور اصطناعية للتلاعب بتشخيصات المرضى أو إحداث فوضى سريرية واسعة النطاق من خلال تقويض الموثوقية الأساسية للسجل الطبي الرقمي».

صور دقيقة بشكل مفرط

حسب توردجمان، غالباً ما تبدو الصور الطبية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي مثاليةً للغاية، حيث تظهر العظام «ناعمةً بشكلٍ مفرط، والعمود الفقري مستقيماً بشكلٍ غير طبيعي، والرئتان متناظرتين بشكلٍ مفرط، وأنماط الأوعية الدموية متجانسةً بشكلٍ مفرط، والكسور تبدو نظيفةً ومتناسقةً بشكلٍ غير عادي، وغالباً ما تقتصر على جانب واحد من العظم».

لكن هذه مجرد مجموعة أدوات قديمة. فمثل مقاطع الفيديو المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، سيجعل الذكاء الاصطناعي هذه الأشعة السينية مثاليةً تماماً وغير قابلةٍ للكشف قريباً. هذه هي طبيعة الذكاء الاصطناعي المتطور باستمرار.

ولمكافحة ذلك؛ يطالب الخبراء بعلامات مائية غير مرئية وتوقيعات تشفيرية مرتبطة مباشرةً بالفني الذي التقط الصورة، تعمل فعلياً كختم رياضي للمصداقية يُثبت وجود جسم بشري بالفعل في الغرفة.

التزييف السطحي والصفقات المشبوهة

تُعدّ صور الأشعة السينية الاحتيالية مثالاً خطيراً على التلاعب بالحقائق الذي يحدث بالفعل. خذ على سبيل المثال انتشار التزييف السطحي، وهو عبارة عن أوهام رقمية سطحية مختلقة لا تتطلب سوى جهد ضئيل لتحقيق أقصى مقدار من الخداع المالي.

يستغل المستهلكون العاديون تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتغيير مظهر صور طلبات أطباق الطعام مثلاً وتحويلها أطباقاً «كارثية» غير شهية. بنقرة واحدة فقط؛ إذ مكّن التلاعب رقمياً بمظهر شطيرة البرغر أو قطعة الدجاج ليظهر وكأنه نيء؛ ما يخدع الخوارزميات وممثلي خدمة الزبائن للموافقة على استرداد الزبون أمواله فوراً.

خداع وتلاعب في كل المستويات

«هذا التوجه حقيقي ومتزايد»، كما صرّح ألبرتو بالومار، المتخصص في مكافحة الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، لصحيفة «إل كونفيدينسيال» الإسبانية. «يُتيح الذكاء الاصطناعي لأي شخص، حتى من لا يملك أي فكرة عن التكنولوجيا، إمكانية استغلال هذه الخدعة على جميع المستويات».

خدعة رقمية وأضرار بشرية

تقع الخسائر البشرية الجانبية في هذه الخدعة الرقمية على عاتق عمال توصيل الطعام. فعندما ينجح أحد الزبائن في تزييف وجبة تالفة أو غير مطهوة جيداً، يُعاقب السائق بمنحه تقييمات سيئة أو بتعطيل حسابه نهائياً.

من جهة أخرى، يستخدم بعض السائقين هذه التقنية أيضاً لتزييف عمليات توصيل يسرقونها ببساطة.

آثارٌ ورقيةٌ مزيفة لتسلّم التأمين... بملايين الدولارات

في غضون ذلك، يتحول وباء الاحتيال الصغير كارثةً اقتصادية كلية لقطاع التأمين العالمي، مُحوّلاً خدوش السيارات البسيطة وأعطال الهواتف الذكية التزاماتٍ مالية ضخمة على الشركات.

في الولايات المتحدة، «قد تتضمن 20 -30 في المائة من مطالبات التأمين الآن صوراً مُعدّلة، أو وثائق مُزوّرة، أو تقارير طبية مُزيّفة»، وفقاً لشركة «شيفت تكنولوجي»، وهي شركة تقنية تُقدّم وكلاء ذكاء اصطناعي لأتمتة المطالبات.

في المملكة المتحدة، أفادت شركة التأمين «أليانز» بزيادة نسبتها 300 في المائة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتعديل الوثائق والصور ومقاطع الفيديو في مطالبات العملاء بين عامي 2022 و2023. وتتوقع شركة «فيريسك» العالمية لتحليلات بيانات التأمين أن يزداد الوضع سوءاً: «واحد من كل ثلاثة مستهلكين قد يُفكّر في تعديل صورة أو وثيقة مطالبة تأمين رقمياً لتعزيز موقفه، وترتفع هذه النسبة إلى 55 في المائة بين جيل الشباب».

في إسبانيا، تُفيد شركة التأمين «أكسا» بأنها تُعالج ما يصل إلى 30 ألف وثيقة متعلقة بالمطالبات يومياً؛ ما يُصعّب اكتشاف التلاعب المُصطنع على نطاق واسع.

وأوضح أرتورو لوبيز ليناريس، مدير قسم المطالبات في «أكسا» إسبانيا، أن «المشكلة الآن تكمن في سهولة القيام بذلك، وفي أن هذه الأدوات في متناول الجميع. يُمكنك أن تطلب من الذكاء الاصطناعي وضع خدش على سيارتك أو تعديل فاتورة إصلاح. من المستحيل اكتشاف ذلك بالعين المجردة؛ لذا أنت في حاجة أيضاً إلى استخدام التكنولوجيا لتحديده».

2 % من السكان يمارسون الغش

مع التسليم بأن نسبة مرتكبي الغش الرقمي لا تتجاوز 2 في المائة من السكان، إلا أن الأرقام لا ترحم. تكمن المشكلة في استحالة كشف هذه الجرائم. صحيح أنه يُمكن تحليل البيانات الوصفية للصور الرقمية - وهي عبارة عن سلاسل برمجية مخفية تعمل كبصمات رقمية تُسجّل الموقع الجغرافي ومواصفات الجهاز والوقت - ولكن نظراً لسهولة تزييف هذه البيانات؛ فقد زال هذا الحاجز.

التحقق من صحة البيانات

يرى البعض أن الدفاع الأمثل يعتمد على برامج تحليل الصور المتقدمة، ولكن كما أظهرت دراسة الأشعة السينية، فإن ذلك صعب أيضاً، وسيصبح مستحيلاً قريباً. ستتفوق أجيال الذكاء الاصطناعي القادمة على أي إجراءات مضادة في مجال الطب الشرعي الرقمي نطورها. إضافةً إلى ذلك، فإن تكلفة هذه الإجراءات، التي ستكون باهظة التنفيذ والتشغيل في مراكز البيانات، تُهدد فعلياً بقاء الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ولعل الآن، ومع بدء تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد، وعلى أرباح الشركات والحكومات، سيزداد الضغط بما يكفي للمطالبة بحلول إلزامية للتحقق من صحة البيانات، بما يعود بالنفع على الجميع.

* مجلة «فاست كومباني»


روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج

روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج
TT

روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج

روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج

في خطوة قد تعيد تشكيل مستقبل الطب الشخصي، كشفت دراسة علمية جديدة أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس عن أهمية التنوع العرقي في الأبحاث الجينية، موضحة كيف يمكن لهذا التنوع أن يكشف روابط غير مسبوقة بين الجينات وخطر الإصابة بالأمراض، بل وحتى كيفية استجابة المرضى للعلاج.

الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا الأميركية ونُشرت في مجلة «Cell» في27 مارس (آذار) 2026 اعتمدت على تحليل بيانات ما يقارب 94 ألف مشارك ضمن بنك حيوي يُعرف باسم «أطلس» ATLAS، وهو واحد من أكثر قواعد البيانات تنوعاً من حيث الخلفيات العرقية في العالم.

لماذا يُعد التنوع مهماً؟

لطالما اعتمدت الدراسات الجينية السابقة بشكل كبير على عينات من أصول أوروبية، ما حدّ من إمكانية تعميم نتائجها على بقية سكان العالم. لكن هذه الدراسة تقدم نموذجاً مختلفاً، حيث شملت مشاركين من خلفيات متعددة تعكس التنوع الكبير في مدينة لوس أنجليس.

وقال دانيال غيشويند الباحث الرئيس في الدراسة من قسم علم الوراثة البشرية في جامعة كاليفورنيا إن هذه ليست نتائج مختبرية محدودة، بل تعكس بيانات حقيقية من مرضى متنوعين، ما يجعلها قابلة للتطبيق على فئات طالما تم تجاهلها في الطب.

الجينات تحدد الاستجابة للعلاج

ومن أبرز نتائج الدراسة أن الجينات قد تؤثر بشكل واضح على مدى استجابة المرضى لأدوية إنقاص الوزن من فئة GLP - 1، وهي أدوية تحاكي هرموناً طبيعياً في الجسم يساعد على تنظيم الشهية، وسكر الدم. ومن أشهر هذه العلاجات دواء سيماغلوتايد Semaglutide المتوفر تحت أسماء تجارية، مثل أوزيمبيك Ozempic، وويغوفي Wegovy.

وأظهرت النتائج أن فعالية هذه الأدوية تختلف بين الأفراد تبعاً لخلفياتهم الجينية، وترتبط بشكل خاص بمستوى الخطر الجيني للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. كما تم تحديد ارتباط جيني جديد بين استجابة المرضى للعلاج وجين يُعرف باسم PTPRU، وهو اكتشاف قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة في المستقبل.

اكتشافات جديدة للأمراض

ولم تقتصر نتائج الدراسة على الأدوية فقط، بل امتدت لتشمل فهماً أعمق لمخاطر الأمراض. فقد تمكن الباحثون من تحديد روابط جينية جديدة لم تكن معروفة سابقاً، خاصة عند تحليل «المتغيرات الجينية النادرة» Rare genetic variants.

على سبيل المثال، تم ربط جين ANKZF1 بمرض الأوعية الدموية الطرفية لدى أشخاص من أصول أفريقية. كما وُجدت علاقة بين جين EPG5 ومستويات الدهون في الدم لدى أفراد من أصول يهودية أشكنازية.

كما أظهرت الدراسة أن بعض المجموعات السكانية، مثل المتحدرين من أصول مكسيكية، أو من أميركا الجنوبية، قد يكونون أكثر عرضة لآثار جانبية معينة للعلاج الهرموني.

نحو طب أكثر دقة

واحدة من الأدوات المهمة التي تناولتها الدراسة هي ما يُعرف بـ«درجات الخطورة الجينية» Polygenic Risk Scores، وهي مؤشرات تُحسب بناءً على مئات أو آلاف المتغيرات الجينية لتقدير احتمالية الإصابة بأمراض مثل السكري، وأمراض القلب، والسرطان.

وأظهرت النتائج أن هذه الأداة قد تكون قريبة من الاستخدام السريري، حيث تم تحديد آلاف الأشخاص المعرضين لخطر مرتفع للإصابة بأمراض شائعة، مثل السكري من النوع الأول.

لكن الباحثين يؤكدون أن هناك حاجة لمزيد من الدراسات قبل اعتماد هذه النتائج بشكل واسع في الأنظمة الصحية.

قاعدة بيانات تعكس الواقع

في خطوة تعيد تشكيل مشهد البحث الطبي يبرز بنك «أطلس» الحيوي كنموذج استثنائي يدمج البيانات الجينية مع السجلات الصحية الإلكترونية، وليوفّر منصة فريدة لدراسة التفاعل بين الجينات والصحة في بيئة واقعية بعيداً عن حدود المختبرات التقليدية.

ويؤكد الباحث روني هاس من قسم علم الوراثة البشرية في جامعة كاليفورنيا، والمعد الرئيس للدراسة، أن كثيراً من الأبحاث السابقة كانت تفتقر إلى التنوع السكاني الكافي، بينما يأتي «أطلس» ليعكس تركيبة مجتمع حقيقي متعدّد الأعراق، ما يمنح النتائج العلمية قوّة، وواقعيةً استثنائية.

ويستوعب البنك الحيوي التنوع الهائل لمقاطعة لوس أنجليس التي تضم 9.6 مليون نسمة، حيث يغطي المشاركون خمس مجموعات قارية رئيسة، و36 مجموعة فرعية دقيقة، من بينهم أرمن، ويهود أشكناز، وفلبينيون، ومكسيكيون أميركيون، ويهود إيرانيون. وهذا المزيج الفريد يتيح للباحثين إجراء مقارنات دقيقة للتأثيرات الجينية على الصحة داخل نظام صحي واحد، مما يحدّ من الاختلافات في طرق الرعاية التي غالباً ما تعقّد الدراسات الممتدّة على مؤسسات متعددة.

مستقبل الطب الشخصي

وتشير هذه النتائج إلى تحول كبير في كيفية فهم الأمراض، وعلاجها. فبدلاً من الاعتماد على نهج موحد للجميع، يقترب الطب من مرحلة يمكن فيها تصميم العلاج وفقاً للتركيبة الجينية لكل فرد.

كما تؤكد الدراسة أن دمج البيانات الجينية مع السجلات الطبية في أنظمة صحية كبيرة ومتنوعة يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض، وتطوير استراتيجيات علاجية أكثر دقة، وفعالية.

ومع استمرار توسع هذه الأبحاث يبدو أن مستقبل الطب لن يعتمد فقط على تشخيص المرض، بل على فهم «الخريطة الجينية» لكل مريض، وهو ما قد يغير قواعد اللعبة في الرعاية الصحية حول العالم.