نادين الراسي في «ضوّي شموعن» تُشكلها عظمة القوة والوجع

إطلالة مكثفة بالرجاء والرسالة

الممثلة اللبنانية نادين الراسي
الممثلة اللبنانية نادين الراسي
TT

نادين الراسي في «ضوّي شموعن» تُشكلها عظمة القوة والوجع

الممثلة اللبنانية نادين الراسي
الممثلة اللبنانية نادين الراسي

يغيّر الألم الممثلة نادين الراسي. تطل بعد فاجعة رحيل الشقيق الفنان بنضج متوهّج. فجورج الراسي المتوفى بحادث سير على أوتوسترادات لبنان المظلمة، صقل روحها. بحلقة ميلادية عنوانها «ضوّي شموعن» (LBCI)، تُبيّن ما هو أصدق من المظاهر: الحقيقة الإنسانية.
يواسيها أحبّة في الطريق والسوبر ماركت وأينما يقتفون أثرها، فيمدّون داخلها المتعب بنور. تقول إنهم يمنحونها القوة وهي تشعر بهشاشة المُعذّبين بالفقد. «أشتاق لنفسي. لنادين»، ولعلها لم تعد إليها منذ مدة، حين ألحّ الهم وطرأ قلق من كل صوب. موت جورج يمد يداً تتحرك نحوها فتنتشلها.
تحضر للمرة الأولى بكامل نضجها. المشاكل لا تُبقي شيئاً على حاله، تتكاثر فيختل التوازن؛ تتراكم فتتوالى الانهيارات. في حالتها لم ترحم؛ منذ الطلاق والمسافة عن الأولاد، فالتخلي والخذلان والضربات القاضية، لكن جورج بفراقه يسدد صفعة تُسقط ستارة ثقيلة تُطبق على بصيرتها، فتنقشع الرؤية.
تُوتّرها الإطلالة بعد الخسارة، وتتساءل بأي كلام ستحاكي الناس. تخشى طغيان السوداوية، فتُرهق منتظريها ليلة العيد. تكمن في الداخل قوة خفية تسطع حين تتطلب المواقف النهوض الجبار. لم تكن تعلم بها، فيحلّ الموت المروع ويضخّها دفعة واحدة، لتهدأ بعد الغضب وتدرك العبرة من المصيبة.
تنظر إلى الكاميرا وخلفها أضواء شجرة الميلاد، لتُسدي نصيحة: «لا تضيعوا مزيداً من الوقت. من هم هنا اليوم قد يرحلون فجأة. الندم عندها قاسٍ جداً». تخبر عن حجم التعلق بالشاب الراحل، فالعائلة بأكملها تتكئ عليه، وحين غادر تهاووا جميعاً. يخطر لها الوالد وقد كبر بمزاحمة مباغِتة للسنوات، كأنها أمهلته زمناً دون الاقتراب منه، ثم هجمت. «صلّوا لعائلتي»، نداؤها ورجاؤها.

سيرين عبد النور تساند نادين الراسي في محنتها

كم يغيّر موت الأعزاء ويسلخ طبقات زائفة! نوع موت الأخ أنه يحفر بعنف. لا يُبقي خلية في الكينونة دون مسها بإزميل لا يعرف الرأفة. يحفر ندوباً عميقة. لكن من صميم هذه التجاويف، يترك فسحة للضوء، فترى الراحل في الأماكن، وتشعره.
يصر فريق البرنامج على تغيير عادة المتألمين من رحيل لم يجف تراب صاحبه، فيدعون إلى استبدال الأسود بالأبيض. يثقلها لون الحداد، ورغم صعوبة الاستجابة، تفعل. ليت السواد يعيد أحبة لما خلعه مشتاقون. لكنه يكثّف القساوة. نزعه لا يعني طي الوجع.
تطرق أبواباً تقلب حوادث السير على الطرقات اللبنانية حياة مَن بين جدرانها. هذه شقيقة خسرت أخاً بعمر الورد. تزورها والقهوة على النار تشبه حرقة تتقلب على جمرة. تذكران الشقيقين برجاء جميل. تدخل نادين الراسي المنازل لتمنح الملوعين قوة ويمنحونها زاوية أخرى للنظر إلى الفراق. يعدّلون فهمها لما يجري، وهو بعد حلول المصاب يكون فهماً غاضباً أعمى. اليوم، تدرك أنّ ما حدث هو خير رغم ضريبته. الرسالة من المأساة عظيمة. ذلك لإيمانها بأن جورج مات ليضع حداً للمقتلة على ذلك الأوتوستراد المخيف. حين تحدّثت إلى رجل مُقعد على كرسي متحرك منذ عام 1996. أدركت كم من الصعب تخيُّل جورج في مكانه. وحين التقت بشاب طرحه حادث دراجة نارية سنة ونصف سنة في الفراش، تأكدت أن الأخ رحل ليتجنب عذابات ربما لم يكن ليقوى على تحملها. تخرج من المنازل ممتنة لكون الموت أحياناً ليس أسوأ الاحتمالات.
تحت مزار سيدة لبنان في حريصا، تلتقي نادين الراسي بسيرين عبد النور، رفيقة المواساة. تمسكان أيدي بعضهما بعضاً، والدمع في عينَي الأخت المفجوعة لا يهدأ. نجمتان تتركان العابر جانباً وتعودان للجوهر، وهو الإنسانية رغم الخلاف. على لسان الراسي حكمة لا يبلغها البشر عادة إلا بعد كفٍّ مُدوٍّ: «كلّو رايح»، والحياة لا تستحق الحقد.
تُهوّن سيرين الحزن باحتضانها صديقتها والشد على يدها. تصغر المشاكل أمام المصائب، وتنشد القلوب الطيبة الغفران رغم الرواسب. المؤازرة في الشدّة وحدها ما يبقى. تتقربان رغم جفاء سابق وتفتحان صفحة جديدة للأخوّة. تفشي سيرين سراً: «جورج توسّط للصلح حين احتدم الخلاف. أرادنا معاً فتحققت أمنيته».
على الدمع أن يجد ما يلهو به، فلا ينشغل طوال الوقت بالتنزه على خدَي نادين الراسي. فليفعل شيئاً آخر، كالاستقالة من عينيها. تحملت حتى بلغ الصبر حده. تُحاط بالعائلة لكن إحساس اليُتم ظل يرافقها. «هي ظروف الحياة تحكم علي بالوحدة».
تتخلى عن هيبة الكاميرا والحذر مما ينبغي قوله ومن ضرورة تجنبه، فتكون نادين الإنسانة وأيضاً الأخت والأم. هذه السهرة ليست لنادين الفنانة التي تستحق عودة مُقدّرة تشغلها عن آلامها. تصارح مَن يشاهد أنها تتعطش للحب والقوة والكتف: «حين نزلت إلى الشوارع الثائرة، كنت قد سبقت المحتجين بمقاساة مطالبهم. عانيت الجوع وقلة المال. يكلّف الطلاق الكثير، وبلغت مرحلة أن الجميع، بمن فيهم الأرض والبلد والدولة والقضاء، ضدّي».
يمكن للقوة والوجع الالتحام في شخص والتحول إلى تفاصيله؛ في النطق، في السلوك والفكرة. وكل ما يخرج منه إلى العلن وما يحتفظ به بين أسراره. نادين الراسي تُشكلها الآلام، واليوم هي أقوى مما مضى. بثباتها وبلوغها التعقّل.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

خبراء أمميون ينددون بقصف إسرائيل للبنان ويصفونه بأنه «عدوان غير مشروع»

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

خبراء أمميون ينددون بقصف إسرائيل للبنان ويصفونه بأنه «عدوان غير مشروع»

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)

‌قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن خبراء ​المنظمة الدولية نددوا، الأربعاء، بقصف إسرائيل للبنان مطلع هذا الشهر، واصفين إياه بأنه «عدوان غير مشروع وحملة قصف عشوائي».

ونقل المجلس عن الخبراء ‌قولهم في ‌بيان: «هذا ​ليس ‌دفاعا ً⁠عن النفس، ​بل هو انتهاك ⁠صارخ لميثاق الأمم المتحدة، وتدمير متعمَّد لآفاق السلام، وإهانة للتعددية والنظام الدولي الذي تقره الأمم المتحدة».

وشنت ⁠إسرائيل أعنف غاراتها ‌على ‌لبنان منذ اندلاع ​الصراع ‌مع «حزب الله» الشهر ‌الماضي، مما أسفر عن مقتل أكثر من 250 شخصاً في الثامن من ‌أبريل (نيسان)، وذلك بعد أن استأنفت الجماعة ⁠المدعومة ⁠من إيران إطلاق هجمات صاروخية على شمال إسرائيل عقب إعلان اتفاق على وقف إطلاق النار لأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران.

ويقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن لبنان ​غير مشمول بهذا ​الاتفاق.


دمشق تحبط تهريب شحنة من 6 آلاف صاعق إلى لبنان

 العثور على نفق بريف حمص يمتد من القصير إلى لبنان عبر بلدة حوش السيد العلي الحدودية الأربعاء  (الإخبارية السورية)
العثور على نفق بريف حمص يمتد من القصير إلى لبنان عبر بلدة حوش السيد العلي الحدودية الأربعاء (الإخبارية السورية)
TT

دمشق تحبط تهريب شحنة من 6 آلاف صاعق إلى لبنان

 العثور على نفق بريف حمص يمتد من القصير إلى لبنان عبر بلدة حوش السيد العلي الحدودية الأربعاء  (الإخبارية السورية)
العثور على نفق بريف حمص يمتد من القصير إلى لبنان عبر بلدة حوش السيد العلي الحدودية الأربعاء (الإخبارية السورية)

أعلنت السلطات السورية تفكيك مخطط لتهريب شحنة كبيرة من الصواعق المستخدمة في العمليات العسكرية من منطقة النبك في القلمون بريف دمشق كانت في طريقها نحو الأراضي اللبنانية، وذلك تزامناً مع العثور على نفق يمتد إلى لبنان في بلدة حوش السيد العلي الحدودية في بلدة القصير بريف محافظة حمص الجنوبي وسط البلاد، وضبط مخازن أسلحة وذخائر معدة للتهريب بحسب وسائل الإعلام السورية، الأربعاء.

وقالت مديرية الأمن الداخلي، في منطقة النبك بريف دمشق، إنها نجحت في تفكيك مخطط لتهريب شحنة كبيرة من الصواعق المتفجرة المعدة لتصنيع العبوات الناسفة كانت في طريقها نحو الأراضي اللبنانية، مبينة أن العملية «نُفذت باحترافية عالية بعد مراقبة فنية وميدانية دقيقة مما حال دون وصول هذه المواد الخطيرة إلى وجهتها».

وأضافت، في بيان، الأربعاء، أن العملية أسفرت عن ضبط ما يقارب 6 آلاف صاعق، دون ذكر تفاصيل حول هوية المهربين أو الجهة المقصودة في لبنان.

جاء ذلك بالتزامن مع إعلان قوى الأمن الداخلي في حمص، وسط البلاد، العثور على نفق يمتد بين الأراضي السورية واللبنانية في بلدة حوش السيد علي الحدودية التابعة لمنطقة القصير بريف حمص الجنوبي، كما جرى ضبط مخازن أسلحة وذخائر معدة للتهريب، وفق ما أفادت به قناة «الإخبارية السورية» دون أي تفاصيل حول الجهة المسؤولة عن حفر النفق.

يشار إلى أن وزارة الدفاع السورية وفي إطار عملها على ضبط الحدود مع لبنان وتعزيز نشر قواتها هناك، عثرت على شبكة أنفاق في منطقة القصير مطلع الشهر الحالي، كانت تستخدم لتهريب المخدرات والسلاح، وأن «حزب الله» كان يستخدم هذه الأنفاق.

الصواعق التي أحبط الأمن السوري تهريبها إلى لبنان (الإخبارية السورية)

وتعد منطقة القصير من أهم مناطق نفوذ «حزب الله» في سوريا خلال سنوات الحرب من عام 2013 وحتى الإطاحة بنظام حليفه بشار الأسد. ومثّلت منطقة القصير بوابة خط الإمداد القادم من البوكمال على الحدود العراقية في محافظة دير الزور شرقاً مروراً بتدمر وحمص وصولاً إلى الحدود مع لبنان.

وبحسب تقارير إعلامية، تنتشر الأنفاق في منطقة القصير على الحدود إلى جانب الطرق والمعابر غير الشرعية التي يستخدمها أهالي المنطقة للتنقل بين البلدين، وتعد مصدر رزق للغالبية منهم، خاصة مع تردي الوضع الاقتصادي وانتشار الفقر والانفلات الأمني، الأمر الذي يجعل السيطرة على الحدود ومنع التهريب أمراً بالغ التعقيد والصعوبة.

هذا، ويأتي الإعلان عن إحباط عمليات تهريب أسلحة وإغلاق أنفاق على الحدود مع لبنان، في ظل مخاوف من انزلاق سوريا نحو الحرب عبر بوابة لبنان والمساعدة في نزع سلاح «حزب الله»، بتشجيع أميركي ـ إسرائيلي.

يشار إلى أن وزارة الداخلية السورية قالت في 11 أبريل (نيسان) الحالي، إن إدارة مكافحة الإرهاب بالتعاون مع قيادة الأمن الداخلي بريف دمشق أوقفت خمسة أشخاص ضمن خلية مرتبطة بـ«حزب الله»، في «عملية جاءت ثمرة متابعة أمنية دقيقة لتحركات مشبوهة داخل العاصمة»، حيث تم رصد امرأة ضمن خلية أثناء محاولتها تنفيذ عمل تخريبي عبر زرع عبوة ناسفة أمام منزل شخصية دينية في محيط الكنيسة المريمية بمنطقة باب توما. وقالت وسائل إعلام إن الشخصية المستهدفة هو الحاخام ميخائيل حوري.

دورية للجيش السوري على طول الحدود السورية - اللبنانية في منطقة القصير 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وسمحت وزارة الدفاع لمصوّر في «وكالة الصحافة الفرنسية»، مستهل أبريل الحالي، بتوثيق انتشار الجيش على الحدود لأول مرة منذ إرسال التعزيزات قبل نحو الشهر، على أنفاق عدة عابرة للحدود اكتشفها الجيش أخيراً.

وقال مسؤول النقاط الحدودية السورية - اللبنانية محمد حمود، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الجيش اكتشف «من خلال تمشيط المناطق الحدودية (...) شبكة أنفاق تصل بين البلدين كانت تُستخدم لتهريب السلاح والمخدرات». وأكد قيادي ميداني في الجيش السوري أن «حزب الله» استخدم هذه الأنفاق.

جنود من الجيش السوري يتفقدون نفقاً على الحدود السورية - اللبنانية بمنطقة القصير 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وقاتل «حزب الله» إلى جانب قوات الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد خلال سنوات النزاع الذي بدأ في عام 2011 بانتفاضة سلمية ضد الحكم، وتطوّر إلى معارك دامية. وشاهد مصوّر «وكالة الصحافة الفرنسية» 5 أنفاق على الأقل تمتدّ بين الجانبين، من بينها نفق يبدأ من قبو منزل عبر درجات أسمنتية تقود إلى ممرات ضيقة ومظلمة كانت تُستخدم للعبور.

في 28 مارس (آذار) الماضي، أعلنت السلطات السورية العثور على نفق قرب قرية غرب حمص يربط الأراضي السورية بلبنان، مشيرة إلى أن «ميليشيات لبنانية» كانت تستخدمه للتهريب قبل أن يغلقه الجيش.

كما سبق ذلك إعلان وزارة الداخلية، في فبراير (شباط) الماضي، تفكيك خلية مسؤولة عن هجمات استهدفت منطقة المزة في العاصمة دمشق، مشيرة إلى أن الأسلحة المستخدمة جاءت من «حزب الله»، الذي نفى أي تورط له في تلك الهجمات.


«حزب الله» يواجه تفاوض لبنان مع إسرائيل بتصعيد سياسي وعسكري

مشهد لدمار في بلدات جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مشهد لدمار في بلدات جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يواجه تفاوض لبنان مع إسرائيل بتصعيد سياسي وعسكري

مشهد لدمار في بلدات جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مشهد لدمار في بلدات جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يواجه «حزب الله» التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ضمن مقاربتين سياسية وعسكرية، تتمثل الأولى في التنكر للمفاوضات، ودعوة الدولة إلى «إعادة النظر في قرارها التفاوض مع إسرائيل»، ووصف الخطوة بأنها «ستزيد الشرخ بين اللبنانيين»، فيما كثف من إطلاقاته الصاروخية باتجاه إسرائيل، للإيحاء بأن الرد سيكون في الميدان.

سياسياً، قال عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب حسين فضل الله إن «السلطة في بيروت غير مؤهلة، وتتغلب فيها المصالح الفردية، وأحياناً الطائفية، على حساب الوطن». ورأى في مؤتمر صحافي من مجلس النواب أنها «تمعن في تقديم التنازلات للعدو، ودخلت مساراً خاطئاً يزيد الشرخ بين اللبنانيين»، وقال: «على السلطة اللبنانية أن تعيد النظر في حساباتها، وتعود إلى شعبها»، مشيراً إلى أن «السلطة هي من سحبت الجيش من الجنوب لتتركه فريسة للاحتلال، وتعطيه فرصاً مجانية».

وأضاف: «رغم تدمير العدو ملعب بنت جبيل، فإنه عجز عن التقاط صورة في داخله»، معتبراً أن «العدو حاول التعويض عن هزيمته بالميدان في مفاوضات واشنطن».

ودعا فضل الله الحكومة اللبنانية إلى «إعادة النظر في قرارها التفاوض مع إسرائيل، فهذه الخطوة ستزيد الشرخ بين اللبنانيين».

وجاء تصريح فضل الله غداة إعلان عضو المجلس السياسي في «حزب الله»، وفيق صفا، أن حزبه غير معني بالمفاوضات الجارية، وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «نحن غير مهتمين بنتائج المفاوضات إطلاقاً، ولا تعنينا»، مضيفاً: «لسنا ملزمين بما يتفقون عليه».

تصعيد ميداني

وحاول «حزب الله» تثبيت هذه القاعدة، عبر إطلاق نحو 40 صاروخاً باتجاه إسرائيل خلال ساعة فقط، وخصوصاً مستوطنات الشمال، فيما نشر مقطعاً مصوّراً يُظهر إطلاق صاروخ كروز باتجاه موقع عسكري في الجليل الأعلى، وقال إنه استهدف تجمعاً لجنود إسرائيليين في موقع «مسكاف عام». كما أعلن تنفيذ عمليات إضافية شملت إطلاق سرب من المسيّرات، ورشقات صاروخية على مواقع مختلفة.

معادلة التفاوض خارج الدولة

في قراءة لدلالات هذا التصعيد، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحزب يحاول في هذه المرحلة تثبيت معادلة واضحة لإسرائيل، مفادها بأنّه غير معني بأي مفاوضات تجرى عبر الدولة اللبنانية، بل يسعى إلى تكريس نفسه كطرف وحيد يمكن مخاطبته لوقف إطلاق النار، كما جرى في محطات سابقة».

وأوضح أنّ «الحزب لا يعترف عملياً بسلطة الدولة اللبنانية في هذا الملف، ولا بإمكانيتها التفاوضية مع إسرائيل، لا سيما فيما يتصل بالشق الأمني على الحدود الجنوبية»، معتبراً أنّ «هذه المقاربة تهدف أولاً إلى تكريس دوره كجهة قادرة على فرض شروط التفاوض، وثانياً إبقاء هذه الورقة بيد إيران لاستخدامها ضمن مسار تفاوضها الأوسع مع الولايات المتحدة».

علم إسرائيلي يرفرف بين أنقاض مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وربط قزح بين التصعيد والتوقيت، مشيراً إلى أنّ «العمليات العسكرية في الجنوب لا تزال مستمرة، والحزب لا يزال في حالة اشتباك ميداني مع الجيش الإسرائيلي»، لافتاً إلى أنّ «إطلاق نحو 40 صاروخاً صباح اليوم، بالتزامن مع إعادة فتح المدارس في المستوطنات الإسرائيلية، يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ يندرج في إطار تثبيت الحضور، وإيصال رسالة بأنّ الحرب لم تتوقف، وأنّ أي مسار تفاوضي في واشنطن لا يعني تلقائياً تهدئة على الجبهة اللبنانية».

وأضاف أنّ «الحزب يسعى إلى إعادة إنتاج نمط التفاوض غير المباشر الذي ساد في مراحل سابقة، كما في أعوام 1993 و1996 و2000، وصولاً إلى حرب 2006، حيث كانت قنوات التواصل تتم عبر وسطاء دوليين، من دون أن تكون الدولة اللبنانية الطرف الفعلي في إدارة هذا المسار»، معتبراً أنّ «هذا النهج انسحب أيضاً على محطات أحدث، من بينها ملف ترسيم الحدود البحرية، حيث جرى التفاهم عملياً ضمن معادلة فرضها الحزب، فيما كانت الدولة اللبنانية في موقع المتلقي، أو الطرف الذي يُستكمل عبره الإطار الرسمي للاتفاق».

رسائل سياسية بغطاء عسكري

من جهته، قدّم العميد المتقاعد ناجي ملاعب قراءة مختلفة في البعد العسكري، معتبراً أنّ التصعيد «لا يحمل قيمة عسكرية حاسمة بقدر ما يندرج في إطار إثبات الوجود السياسي، والعسكري»، موضحاً أنّ «إيران تعتمد، في منظومتها الصاروخية، على إطلاق موجات متعددة من الصواريخ أو المسيّرات لاستنزاف الدفاعات الجوية، بهدف تأمين وصول الصاروخ الباليستي الأساسي إلى هدفه، غير أنّ ما يجري حالياً لا يرقى إلى هذا المستوى من الفعالية».

وأضاف ملاعب أنّ «الجهد العسكري الذي يبذله (حزب الله) اليوم لا يغيّر في ميزان القوى، ولا يُلحق بإسرائيل سوى خسائر محدودة، في ظل جهوزية إسرائيلية شاملة، سواء على مستوى الدفاعات، أو البنى التحتية، بما في ذلك الملاجئ التي تؤمّن حماية للمدنيين»، مشيراً إلى أنّ «التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، يجعل من الصعب مواجهة هذا النوع من العمليات ميدانياً».

آليات مدرعة للجيش الإسرائيلي تتحرك على طريق بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وربط ملاعب التصعيد بسياق التفاوض، قائلاً إنّ «ما يحصل هو رسالة سياسية أكثر من كونه عملاً عسكرياً، هدفها القول إن قرار الحرب والسلم لا يزال بيد الحزب، وليس بيد الدولة اللبنانية»، لافتاً إلى أنّ «استمرار العمليات يأتي في إطار تثبيت معادلة: إذا استمرت إسرائيل في القتال، فنحن أيضاً مستمرون، لكن من دون جدوى عسكرية تُذكر».