هل تدخل ليبيا عام الحسم؟

معادلة السهل الممتنع

عرض عسكري في طرابلس يوليو الماضي (أ.ف.ب)
عرض عسكري في طرابلس يوليو الماضي (أ.ف.ب)
TT

هل تدخل ليبيا عام الحسم؟

عرض عسكري في طرابلس يوليو الماضي (أ.ف.ب)
عرض عسكري في طرابلس يوليو الماضي (أ.ف.ب)


استمر الصراع في ليبيا لأكثر من عقد من الزمان، وبقيت الأزمات على حالها رغم التوقيع على كثير من الاتفاقات التي قللت من المواجهات المسلحة، وأيقن الجميع أن الحل لن يكون عسكرياً، ولكنها لم توقف الانقسام السياسي والمناطقي.
حالة ليبيا تنطبق عليها الجملة الشهيرة «السهل الممتنع». فهو بلد للوهلة الأولى يبدو سهلاً من حيث تجانسه الاجتماعي، ولا يعرف انقساماً دينياً ولا مذهبياً ولا توجد فيه قبائل متحاربة (إنما متنافسة). صحيح أنه عرف تنوعاً بين أقاليمه ومناطقه، وأن دولته الوطنية لم تترسخ بعد، حيث أسهم النظام السابق في إضعافها وفي بناء «أدوات حكم» تدير البلاد بآلية ليست لها علاقة بتقاليد مؤسسات الدولة الوطنية، فكانت الكتائب محل الجيش الوطني، واللجان الثورية في مواجهة الإدارة والبيروقراطية، وكانت الجماهيرية في مواجهة مبادئ الجمهورية في النظم الحديثة.
كل ذلك جعل فرصة «السهل» الذي يعبر عنه تجانس المجتمع الليبي، لكي يكون معبراً لترويض صعوبات الانقسام «الممتنع» وخروج البلاد من أزماتها.

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة (المكتب الإعلامي للدبيبة)

والحقيقة أن الأزمة الليبية في جوهرها هي أزمة انقسام سياسي ومناطقي دعمته قوى إقليمية، وهذا الانقسام، سواء في الشرق أو الغرب، خلق أدوات إدارة وحكماً وشبكات مصالح طوال السنوات الماضية جعلت التخلي عنها أمراً ليس سهلاً، وهو شبيه بانقسامات كثيرة عرفتها تجارب عربية وأفريقية وعالمية تحول فيها هذا الانقسام من انقسام بين نخب سياسية إلى انقسام له قاعدة اجتماعية وشبكات مصالح، بحيث لم يعد الخلاف فقط بين قادة في بني غازي أو طرابلس أو مصراتة، إنما صار بين شبكات مصالح مستفيدة من هذا الانقسام.
وقد قابلها رأي عام شعبي عابر للمناطق يرفض هذا الانقسام ويعمل على تجاوزه ويطالب بتوحيد البلاد ولو بصورة فيدرالية بين أقاليمه الثلاثة، ويحتج على سوء الأحوال المعيشية في كل المناطق دون تمييز.

فتحي باشاغا رئيس حكومة «الاستقرار» (المكتب الإعلامي للحكومة)

اتفاقات كثيرة

لذا، علينا ألا نندهش من أن كثيراً من الاتفاقات التي وقع عليها فرقاء الساحة الليبية منذ اتفاق الصخيرات في المغرب في 2015، مروراً بتفاهمات برلين وباريس وإعلان القاهرة وغيرها، لم تنفذ على أرض الواقع، وأن أي اتفاقات مستقبلية لا تتضمن آلية للتنفيذ وتفاهماً محلياً ودولياً على «فرض التنفيذ» سيكون مسارها الفشل.
وحتى حكومة عبد الحميد الدبيبة التي انبثقت من ملتقى الحوار الليبي الذي تشكل برعاية أممية وضم ممثلين مختارين من مختلف المناطق والأطياف السياسية الليبية وقاموا في فبراير (شباط) 2021، بانتخاب رئيس حكومة ومجلس رئاسي، حل مكان حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايزالسراج، لم تستطع تغيير معادلة الانقسام في ليبيا، بل أصبحت جزءاً منه رغم الدعم الإقليمي والدولي غير المسبوق الذي نالته.
وقد عهد إلى الحكومة الحالية مهمة توحيد المؤسسات الليبية وإجراء انتخابات في 2022، ثم جرى تأجيلها رغم المطالبات الدولية والإقليمية والمحلية طوال العام الماضي بضرورة إجرائها، كما عجزت لأسباب كثيرة عن توحيد المؤسسات، واستمر الانقسام بين المناطق الليبية المختلفة وتعمق بعد أن كلف مجلس الدولة والبرلمان وزير الداخلية الأسبق ورجل مصراتة القوي فتحي باشاغا بتشكيل حكومة جديدة خلفاً لحكومة الدبيبة، وهو ما لم يعترف به الأخير مدعوماً بقوى مسلحة في طرابلس.

لقطة فيديو لحفتر متحدثاً في عرض عسكري

وقد تعمق الانقسام في الساحة الليبية ولم يعد أساساً بين طرفين (الشرق والغرب)، إنما أصبح بين أطراف ثلاثة؛ هم خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني والرجل القوي المسيطر على الشرق الليبي، وعبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة الانتقالية في طرابلس، وأخيراً فتحي باشاغا الذي نال دعم البرلمان والمجلس الأعلى للدولة، وهو مدعوم من قوى سياسية وعسكرية، كثير منها من مصراتة.
ورغم أن الانقسام الحادث بين أطراف الساحة الليبية ظل مدعوماً من قوى عسكرية وميليشيات مسلحة، بعضها أجنبي موجود على الأرض، فإن الجميع في داخل ليبيا وخارجها بات يعتبر أن «الانتخابات هي الحل»، ومعها الشعار القديم «توحيد المؤسسات»، وهما حلان أو مخرجان يدعمهما الجميع قولاً، وهو «السهل»، وبقيت آليات تنفيذهما وهو «الممتنع».
وقد تأجلت الانتخابات الليبية التي كان مزمعاً عقدها في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، وبدا واضحاً أن أزمة الانتخابات الليبية ليست أزمة إجراءات، إنما هي أزمة بنيوية أكثر عمقاً، تتعلق بتخوفات متبادلة بين أطراف الساحة الليبية من اليوم التالي لإعلان اسم الفائز بهذه الانتخابات.

جنود تابعون لحكومة الدبيبة في طرابلس مايو الماضي (أ.ب)

والحقيقة أن سؤال إجراء الانتخابات بات شعاراً مرفوعاً من مختلف فرقاء الساحة الليبية، كما أكد عليه أيضاً المبعوث الأممي الجديد لليبيا السنغالي عبد الله باثيلي، الذي طالب الجميع بضرورة الالتزام بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وضمان وجود سلطة تنفيذية واحدة، كما دعمت قوى إقليمية ودولية كبرى مؤثرة في الملف الليبي هذا التوجه، وهو يمثل في حد ذاته بيئة مؤاتية لإجراء الانتخابات، ولكنها تظل غير كافية.
والحقيقة أن الانتخابات الليبية تواجه تحدياً رئيسياً يتجاوز «الجوانب اللوجيستية» التي يتحدث فيها كثير من لجان مراقبة محلية ودولية وقضاة، وصناديق زجاجية وغيرها، ليصل إلى إيجاد صيغة للتفاهم على شخص أو أشخاص محل توافق بين الأطراف الليبية المختلفة، ولا يمثل نجاح أي منهم في الانتخابات تهديداً «وجودياً» لباقي الأطراف ويعترف بنجاحه المرشحون الخاسرون، وهو يتطلب توافقاً على المسار الانتخابي وآلية لفرض نتائجه.

جانب من جلسة عامة للمشاركين بمجموعة العمل الأمني المعنية بليبيا في تونس عقدت في وقت سابق هذا العام (السفارة الأميركية)

التنافس المقيد

والحقيقة أنه قبل خوض غمار الانتخابات الليبية لا بد من معرفة؛ هل لو تنافس خليفة حفتر وفتحي باشاغا وسيف الإسلام القذافي وعبد الحميد الدبيبة سيحترم الخاسرون نتيجة الانتخابات وسيقبل حفتر برئاسة سيف الإسلام أو الدبيبة أو العكس؟ الحقيقة أن الرهان على «تنافس مقيد» محددة شروطه وقواعده مسبقاً وضمانات لاحترام نتائجه، هو شرط أساسي لكي تكون الانتخابات أداة للتوافق وليس الانقسام.
والسؤال المطروح: هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات لوضع قواعد «التنافس المقيد» من أسماء مرشحين وقاعدة دستورية، وسيترك إرادة الناخبين الحرة تختار بين مرشحين يمكن أن يتعايشوا معاً؟ وهنا لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على السير في هذا الاتجاه، والسؤال الثاني يتعلق بآلية «الجبر»، أي هل سيمتلك المجتمع الدولي أدوات خشنة لفرض احترام نتيجة الانتخابات على الجميع؟ والحقيقة لا توجد أيضاً حتى اللحظة مؤشرات حاسمة لصالح هذا التوجه.
وبالتوازي مع مسألة «التنافس المقيد»، مطلوب أيضاً التوافق على القاعدة الدستورية التي ستجري على أساسها الانتخابات، فالدستور الليبي الصادر في 2016 وتضمن 12 باباً و220 مادة لم يترجم على أرض الواقع في نصوص ملزمة، حيث أعلن في اجتماع القاهرة الذي عقد في شهر مايو (أيار) الماضي، من أجل وضع قاعدة دستورية تجري على أساساها الانتخابات، وأعلن وقتها التوافق على 140 مادة أخذت من مواد الأبواب الأول والثاني والثالث والرابع من الدستور، وتركت بعض المواد القليلة جداً كما قيل وقتها «لمزيد من المراجعة والدراسة والتعديل».
ومنذ ذلك التاريخ، لم يتم التوافق على هذه المواد «القليلة جداً» لوضع قاعدة دستورية تجري على أساسها الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وحتى لو حدث هذا التوافق على الورق، فإن أزمة ليبيا ستبقى في إعمال النص الدستوري وفرض احترامه في الواقع.

قائد القوات التركية في ليبيا إلى جانب الدبيبة والحداد أثناء مناورات في أكتوبر الماضي (حكومة الوحدة)

إجراءات جراحية

والحقيقة أن هناك تخوفات لدى أطراف ليبية كثيرة من تبني النظام الرئاسي خوفاً من أن يتحول إلى نظام استبدادي يعيد النظام القديم، وهناك تيار يدعم النظام البرلماني الذي يقوم على مواءمات بين القوى والأحزاب السياسية ومدعوم من المجتمع الدولي، وهناك أفكار أيضاً لخلق نظام هجين كمخرج من الأزمة.
والواضح أن تجربة فشل النظام البرلماني الهجين في تونس، والصعوبات الكبيرة التي تواجهها بعد التحول نحو النظام الرئاسي جعل إجابة سؤال ما النظام السياسي الأمثل في ليبيا ليست سهلة، ويمكن القول إن المخرج لن يكون في النظام البرلماني الذي فشل في تونس، إنما في النظام الرئاسي مع وضع الضمانات المطلوبة لكي يصبح نظاماً رئاسياً ديمقراطياً وليس فردياً.
تبقى إشكالية تحقيق المطلب الذي رفع عقب انتخاب ملتقى الحوار الليبي للدبيبة وأعضاء المجلس الرئاسي الثلاثة؛ وهو توحيد مؤسسات الدولة قبل إجراء الانتخابات، خصوصاً المؤسسة الأمنية والعسكرية ووضع دستور جديد، وهو ما لم يحدث حتى الآن لأسباب لا تتحملها فقط الحكومة الحالية. وسيصبح مطلوباً إما العمل على توحيد المؤسسات عبر خطوات تدريجية مدروسة قبل إجراء أي انتخابات، وهو خيار ثبتت صعوبة تحقيقة، أو أن يجري توحيد المؤسسات في أعقاب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهو يتطلب أن يتمتع الرئيس المنتخب بحد أدنى من القبول «العابر للمناطق» بين الأجهزة والمؤسسات المنقسمة، حتى يستطيع أن يتخذ إجراءات جراحية من أجل توحيدها.
لن تخرج ليبيا من أزمتها المستمرة إلا بالتفاهم على اتفاق أو نص دستوري أو انتخابات؛ مع آلية لتنفيذه وفرض احترامه، وهو يتطلب أن يكون هذا الاتفاق واقعياً وقابلاً للتحقيق لا مليئاً بالأحلام والأمنيات الوردية، وأيضاً أن يمتلك «الرعاة» أدوات تنفيذه على أرض الواقع، وإلا سيصبح العام المقبل مثل الأعوام السابقة وسيدفع الشعب الليبي الطيب والصبور ثمن خطيئة الانقسام السياسي والعسكري.
- مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

إنقاذ طاقم سفينة جنحت قرب مجرى قناة السويس

أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)
أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)
TT

إنقاذ طاقم سفينة جنحت قرب مجرى قناة السويس

أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)
أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)

قالت هيئة قناة السويس المصرية، الأربعاء، إن وحدات الإنقاذ التابعة لها، نجحت في إنقاذ جميع أفراد طاقم سفينة البضائع «FENER»، والاستجابة الفورية لطلب استغاثة ربان السفينة، بعد جنوح السفينة واتجاهها نحو الغرق خلال وجودها خارج المجرى الملاحي للقناة بمنطقة الانتظار الغربية شمال مدينة بورسعيد، على مسافة 5 أميال غرب المدخل الشمالي لقناة السويس بالبحر المتوسط.

وبحسب «الهيئة» يبلغ طول السفينة 122 متراً وغاطسها 3.5 متر بحمولة 4 آلاف طن قادمة من تركيا.

وجاء الحادث في وقت تواصل هيئة قناة السويس جهودها لإقناع السفن بالعودة إلى استخدام الممر الملاحي بعد تأثره بالأوضاع الإقليمية. وشهدت حركة الملاحة بالقناة، الثلاثاء، «عبور 35 سفينة من الاتجاهين بإجمالي حمولات صافية قدرها 1.6 مليون طن»، وفق «الهيئة».

وأكد رئيس هيئة قناة السويس، الفريق أسامة ربيع، الأربعاء، أنه فور تلقي مكتب تحركات ميناء بورسعيد ومركز مراقبة الملاحة الرئيسي البلاغ من ربان السفينة، مساء الثلاثاء، تم تجهيز قاطرتين والدفع بثلاث قطع بحرية من طراز بحّار للقيام بإخلاء جميع أفراد طاقم السفينة وعددهم 12 فرداً، وتأمين السفينة خلال عملية إنقاذ الطاقم، لافتاً إلى أن «جميع أفراد الطاقم بحالة صحية جيدة، وتم توفير خدمات الرعاية الصحية اللازمة لأحد أفراد الطاقم المصاب بخلع في الكتف».

وفرت إدارة الخدمات بهيئة قناة السويس خدمات الإسعاف (الهيئة)

وقال مستشار النقل البحري وخبير اقتصاديات النقل بمصر، الدكتور أحمد الشامي، إن «ما حدث للسفينة عطل، تعاملت معه هيئة قناة السويس كإجراء طبيعي رغم أنه خارج المجرى الملاحي، لكنه دور من أدوار (الهيئة) من أجل أمان الملاحة في القناة». وتحدث عن «التعامل السريع من (الهيئة) التي تمتلك إدارات متعددة مع بلاغ قبطان السفينة».

وأكد الشامي لـ«الشرق الأوسط» أن «المجرى الملاحي لقناة السويس لم يتأثر»، كما أشار إلى أنه «حتى لو حدث أي عطل في المجرى، فـ(الهيئة) تستطيع التعامل الفوري معه بسبب ميزة ازدواجية القناة».

ولفت ربيع في إفادة، الأربعاء، إلى أنه «تم التعامل السريع مع متطلبات موقف السفينة الطارئ، حيث تولت إدارة التحركات بالهيئة الدفع الفوري بالوحدات البحرية اللازمة للتوجه لإخلاء الطاقم، فيما قامت إدارة الخدمات بالهيئة بتوفير خدمات الإسعاف، فضلاً عن تولي أقسام الأمن والعلاقات العامة القيام بالتنسيق مع الجهات المعنية وتوفير الخدمات اللوجيستية، ثم نقل الطاقم بناءً على طلبهم للإقامة بأحد الفنادق».

وأشار إلى أن «لجنة إدارة الأزمات بالهيئة» تتابع على مدار الساعة تطورات الموقف الطارئ ورفع درجة الجاهزية لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع السفينة، موضحاً أن «قناة السويس استحدثت مجموعة من الخدمات الملاحية واللوجيستية الجديدة لملاءمة احتياجات العملاء في الظروف الاعتيادية والطارئة، وأبرزها خدمات الإسعاف البحري وتبديل الأطقم البحرية».

هيئة قناة السويس أكدت أن جميع أفراد طاقم السفينة بحالة صحية جيدة (الهيئة)

كما أكد ربيع «جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة، من خلال منظومة متكاملة تضم كفاءات ملاحية وخبرات متراكمة في أعمال الإنقاذ البحري ووحدات بحرية متخصصة في أعمال الإنقاذ البحري والتأمين الملاحي ومكافحة التلوث».

وحول احتمالية غرق السفينة، يرى الشامي أن «ذلك يتوقف على حالة السفينة»، لكنه استبعد حصول ذلك، موضحاً أن «قبطان السفينة عندما شعر بالأزمة تحرك إلى منطقة الانتظار لشحط السفينة». ويفسر الشامي بأن «منطقة الشحط تعني أن أعماقها ضعيفة، لذا لن تنحدر السفينة لأعماق كبيرة، ويسهل التعامل معها»، مضيفاً: «واضح أن القبطان يعرف حجم المشكلة قبل حدوثها فتوجه لمنطقة الشحط».

وأفاد رئيس هيئة قناة السويس، الثلاثاء، بأن «السفينة كانت قادمة من تركيا لتحميل شحنة من الملح بميناء شرق بورسعيد، وبعد مغادرة السفينة للميناء ونتيجة لسوء الأحوال الجوية، طلب ربان السفينة الانتظار في منطقة المخطاف ببورسعيد لحين تحسن الأحوال الجوية». لكنه أضاف أن «فريق الإنقاذ البحري التابع للهيئة تلقى إخطاراً من السفينة بوجود فتحة بأحد العنابر، أسفرت عن دخول المياه لبدن السفينة، وكإجراء احترازي قام ربان السفينة بالتحرك جنوب منطقة الانتظار لشحط السفينة، خوفاً من غرقها، وذلك قبل وصول فريق الإنقاذ البحري».


«تصنيف ترمب» يضاعف الضغوط على «إخوان مصر»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

«تصنيف ترمب» يضاعف الضغوط على «إخوان مصر»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

صنّفت واشنطن، جماعة الإخوان المسلمين بمصر رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، بعد أكثر من 12 عاماً من حظرها في مصر، عقب سقوط حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي إلى الجماعة.

ويرى خبراء أن هذا التصنيف يضاعف الضغوط على الجماعة، ويحرمها من الروافد المالية والغطاء القانوني، ويزيد من قرارات تجفيف التمويل والملاحقة، و«يغلق تماماً باب المصالحة»، بين الحكومة والجماعة، الذي يثار منذ سنوات.

تصنيف أميركي

وأعلنت وزارتا الخزانة والخارجية الأميركيتان، الثلاثاء، عن هذه الإجراءات ضد فروع جماعة «الإخوان المسلمين» في لبنان والأردن ومصر، وقالتا إنها تشكل خطراً على الولايات المتحدة ومصالحها.

والخطوة الأميركية بدأت منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حين أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي بدأ دراسة إجراءات تصنيف بعض فروع الإخوان «منظمات إرهابية أجنبية».

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان» بوصفها «جماعة إرهابية» منذ عام 2013؛ في عودة لعقود من تلك المواجهات، ويقبع معظم قيادات الإخوان، وفي مقدمهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت بمصر بعد رحيل الجماعة عن السلطة في العام نفسه. وهناك آخرون من أعضاء الجماعة هاربون في الخارج ومطلوبون للقضاء المصري، ويديرون حالياً التنظيم وسط انقسامات حادة.

ويرى خبير الأمن الإقليمي، اللواء محمد عبد الواحد، أن مصر كانت سبّاقة في تصنيف الجماعة بالإرهاب منذ سنوات، إلا أن قرار ترمب «ينهي فكرة المظلومية التي ترددها الجماعة، ويشجع القاهرة على مطالبة واشنطن بالضغط وتوسيع حظر الجماعة في بلدان أخرى، وتشديد إجراءات تجفيف التمويل والملاحقة في مصر»، مشيراً إلى «خطوات جريئة» اتخذتها مصر، وخصوصاً قانون مكافحة الإرهاب، لعبت دوراً حاسماً في مواجهة الجماعة.

ووفق المحلل في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، فإن قرار ترمب يحمل صدى كبيراً لما أقدمت عليه مصر منذ سنوات بحظر الجماعة ونعتها بـ«الإرهابية»، ويؤكد القرار نجاح الرؤية المصرية ومسارها تجاه تلك الجماعة، بما يعزز من خطوات الملاحقة وتجفيف التمويل بصورة أكبر وهذه المرة بدعم أميركي، وينهي باب المصالحة مطلقاً مع التنظيم.

ورحبت القاهرة بإعلان إدارة ترمب تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر «كياناً إرهابياً عالمياً»، وعَدّت القرار «خطوة فارقة تعكس خطورة الجماعة وآيديولوجيتها المتطرفة، وما تمثله من تهديد مباشر للأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين».

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الثلاثاء، إن «القاهرة تُثمّن الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترمب في مكافحة الإرهاب الدولي والتصدي للتنظيمات الإرهابية، بما يتوافق مع الموقف المصري الثابت تجاه (جماعة الإخوان)».

في المقابل، رفضت الجماعة في بيان، الثلاثاء، التصنيف الأميركي وقالت إنها ستطعن عليه.

ورأى اللواء محمد عبد الواحد أن «الجماعة تتلاشى فوق السياسة الأميركية التي ارتأت الآن أن تساند دولاً بالمنطقة، ولكن قد تتغير تلك السياسات لاحقاً، خاصة أن واشنطن تستخدم تلك الجماعات باعتبارها أداة لتخريب المنطقة»، بحسب رأيه.

ويعتقد فرغلي، من جهته، أن الجماعة «ستزداد كموناً ولن تحرّك أي خطط فوضى ضد مصر، خشية الملاحقات المنتظرة التي تلاقي هذه المرة شرعية دولية أكبر»، مشيراً إلى أن تحركات الجماعة للطعن لن تغيّر من واقع الأمر شيئاً «فهي محظورة بمصر ومنبوذة أميركياً».


كيف استقبل الليبيون تكليف الصلابي مستشاراً للمصالحة الوطنية؟

المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)
المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)
TT

كيف استقبل الليبيون تكليف الصلابي مستشاراً للمصالحة الوطنية؟

المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)
المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)

أثار قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي تكليف الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي الصلابي، مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية، موجة جدل واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية الليبية، عكست عمق الانقسام القائم حول مسار المصالحة وشخصياتها، في بلد يعاني انسداداً سياسياً مزمناً.

وجاء الجدل في ضوء خلفية الصلابي الفكرية والسياسية؛ إذ يُعد من الشخصيات المحسوبة على تيار جماعة «الإخوان المسلمين»، كما أن اسمه مدرج منذ يونيو (حزيران) 2017 على قوائم الإرهاب الصادرة عن السعودية ومصر والإمارات والبحرين، ضمن قائمة شملت 59 شخصية و12 كياناً، دون صدور قرار لاحق برفع اسمه منها.

ولم يصدر تعليق رسمي من الصلابي على قرار تعيينه عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، في حين أعاد شقيقه أسامة الصلابي نشر القرار، الثلاثاء، معلقاً: «نسأل الله لك العون والتوفيق والسداد». كما تداولت وسائل إعلام محلية صورة ضوئية للقرار موقعاً من المنفي بتاريخ 30 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، دون صدور نفي رسمي من المجلس الرئاسي.

انتقادات حادة

وقُوبل القرار بانتقادات حادة من أطراف سياسية وإعلامية عدّته «استفزازياً»، واعتبرته امتداداً لما وصفوه بـ«صفقات سياسية» تجري في غرب البلاد، محذرين من أن اختيار شخصية ذات خلفية إسلامية مثيرة للجدل قد يكرّس الانقسام بدلاً من ردمه.

وذهبت منصات إعلامية قريبة من مجلس النواب إلى وصف الخطوة بأنها «أحادية الجانب»، محذّرة من تداعياتها على العلاقة المتوترة أصلاً بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب في بنغازي، ومثيرة تساؤلات حول صلاحيات الرئاسي في إجراء تعيينات بهذا الثقل السياسي خلال مرحلة انسداد دستوري.

وفي غرب البلاد، ظهرت أصوات متحفظة على القرار؛ إذ عبّر سالم كرواد، أحد أعيان مدينة مصراتة، عن استيائه، مطالباً المنفي بالتراجع عنه، معتبراً أنه «يضعف جهود المصالحة ويقوض مصداقيتها، ويزيد من حدة الانقسام والتوتر بين الليبيين».

وعلى مستوى التفاعل الشعبي، ركز نشطاء مستقلون على ما وصفوه بـ«التناقض» في تكليف شخصية تقيم خارج ليبيا، بإدارة ملف مصالحة داخلية معقدة، متسائلين عن مصير «قانون المصالحة» الذي لا يزال متعثراً داخل المؤسسات التشريعية.

متطلبات المصالحة

وفي هذا السياق، قال الكاتب الصحافي الليبي عيسى عبد القيوم إن «نجاح أي مشروع للمصالحة يتطلب شخصيات محايدة ومقبولة من جميع الأطراف»، معتبراً، في منشور عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أن «اختيار الصلابي يفتقر إلى هذا الشرط، كونه طرفاً في النزاع وخصماً لتيارات عدة، ما قد يزيد من تعثر مسار المصالحة».

كما أثار توقيت القرار تساؤلات إضافية، خاصة مع تزامنه مع تصنيف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ثلاثة فروع لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر والأردن ولبنان، «منظماتٍ إرهابية». وذهب الناشط الليبي خالد درنة إلى تفسير الخطوة باعتبارها «محاولة استباقية لدمج شخصيات خاضعة لعقوبات في هياكل رسمية، بما يسهل تحركاتها تحت غطاء العمل الحكومي».

في المقابل، دافع مؤيدون عن القرار، معتبرين أن الصلابي يمتلك خبرة سابقة في ملفات المصالحة، مستشهدين بدوره في «مراجعات سجن بوسليم» خلال العقد الأول من الألفية، وقدرته - بحسب رأيهم - على مخاطبة التيارات الإسلامية والمجموعات المسلحة بلغة دينية مؤثرة. واعتبر الباحث الليبي علي سليم أن الصلابي «اسم وزان في المشهد الديني والاجتماعي، ويتمتع بعلاقات واسعة داخل ليبيا وخارجها، وله حضور مؤثر في أكثر من ساحة».

ويعود حضور الصلابي في المشهد الليبي إلى عقود؛ إذ وُلد في مدينة بنغازي عام 1963، واعتُقل في مطلع شبابه خلال عهد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وقضى نحو ثماني سنوات في السجن. ولاحقاً، لعب دور وسيطٍ فيما عُرف بـ«المراجعات الفكرية» للجماعة الإسلامية المقاتلة، بالتنسيق مع سيف الإسلام القذافي، وأسهم في الإفراج عن مئات السجناء مقابل إعلان نبذ العنف، وهو الدور الذي أكسبه حضوراً سياسياً واسعاً.

ومع اندلاع ثورة فبراير (شباط) 2011، برز الصلابي كأحد الوجوه الداعمة للحراك، قبل أن ينصرف في السنوات الأخيرة إلى نشاط دعوي عبر منصاته الرقمية، نادراً ما يتناول فيه الشأن السياسي الليبي.

اختبار جديد

ويأتي تعيين الصلابي بعد أسبوع من إطلاق المنفي «الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية» في السابع من الشهر الحالي، إلى جانب الإعلان عن تأسيس «المجلس الأعلى للسلم والمصالحة الوطنية»، واعتماد يوم توقيع الميثاق يوماً وطنياً للمصالحة، في محاولة لإيجاد إطار مرجعي لمعالجة آثار الصراع وإعادة بناء الثقة بين الليبيين.

ورغم أن ملف المصالحة الوطنية يخضع رسمياً لاختصاص المجلس الرئاسي منذ اتفاق جنيف عام 2021، فإن هذا المسار لم يحقق تقدماً ملموساً، وسط استمرار الانقسام السياسي، وتراجع نتائج المؤتمرات واللقاءات التحضيرية التي عُقدت برعاية الاتحاد الأفريقي خلال السنوات الماضية.

وبين معارض يعد الصلابي «طرفاً إشكالياً»، ومؤيد يرى فيه «وسيطاً محتملاً»، يبقى قرار تعيينه اختباراً جديداً لمدى قدرة المؤسسات الليبية على إدارة ملف المصالحة، بعيداً عن التجاذبات والانقسامات الحادة.