رؤية «الديمقراطي» الأميركي... نجاحات خجولة... ومصاعب في الطريق

بايدن المرشح الأوفر حظاً لانتخابات 2024 ... قاد جهود العالم لمساعدة أوكرانيا وقتل الظواهري... وتبقى همسات القلق داخل حزبه

الجلسة الثالثة في الكونغرس للاستماع للشهادات حول أحداث «الكابيتول» في 16 يونيو (أ.ف.ب)
الجلسة الثالثة في الكونغرس للاستماع للشهادات حول أحداث «الكابيتول» في 16 يونيو (أ.ف.ب)
TT

رؤية «الديمقراطي» الأميركي... نجاحات خجولة... ومصاعب في الطريق

الجلسة الثالثة في الكونغرس للاستماع للشهادات حول أحداث «الكابيتول» في 16 يونيو (أ.ف.ب)
الجلسة الثالثة في الكونغرس للاستماع للشهادات حول أحداث «الكابيتول» في 16 يونيو (أ.ف.ب)


ثمة أسباب وجيهة لأن يشعر الديمقراطيون بالسعادة إزاء 2022، ففي الكونغرس وصناديق الانتخابات، عاين الديمقراطيون عاماً استثنائياً بامتياز. بقيادة الرئيس جو بايدن، مرر الكونغرس مشروع قانون للبنية التحتية بتكلفة تريليون دولار، وحزمة مالية بقيمة 750 مليار دولار لمكافحة التغييرات المناخية وتقليص تكلفة الأدوية التي لا تصرف إلا بوصفة طبيب للمواطنين من كبار السن، إضافة لإجراءات بتكلفة 52 مليار دولار لإحياء الصناعة الأميركية لأشباه الموصلات وأول قانون لسلامة الأسلحة منذ 30 عاماً.
دولياً، قاد الرئيس جو بايدن العالم في جهود معاونة أوكرانيا في التصدي للغزو الروسي، وقتل زعيم تنظيم «القاعدة»، أيمن الظواهري. ويبدو هذا سجلاً باهراً للرئيس بايدن وحزبه الذي لم يحظ إلا بأغلبية ضئيلة داخل مجلس النواب وأدنى أغلبية ممكنة داخل مجلس الشيوخ.
إلا أنه إذا اتخذنا من التاريخ مرشداً لنا، فإنه يخبرنا بأن حزب الرئيس يخسر - ويخسر كثيراً - داخل صناديق الانتخابات بعد مرور عامين من فترة ولايته، إلا أن هذا ليس ما حدث. بدلاً عن الفوز بـ30 أو 40 أو أكثر من مقاعد مجلس النواب، لم يستحوذ الجمهوريون سوى تسعة مقاعد فقط. داخل مجلس الشيوخ، قدم الديمقراطيون أداءً أفضل.
وبالنظر إلى مجمل هذه النتائج معاً، نجد أننا أمام حدث لم نسمع به من قبل. ويرى محللون أنه يقف خلف الأداء الانتخابي القوي للديمقراطيين، المعارضة الشعبية لقرار المحكمة العليا بإلغاء الحكم الصادر بقضية رو في مواجهة ويد، والذي كفل الحق في الإجهاض، بجانب المرشحين غير الأكفاء، والأقرب لكونهم مهرجين، الذين أيدهم دونالد ترمب.

أيمن الظواهري الذي قُتل بغارة أميركية (أرشيف رويترز)

ومع ذلك، فإن العام 2023 لن يكون صورة مكررة من 2022... على أدنى تقدير. اليوم، يسيطر الجمهوريون على مجلس النواب، الأمر الذي سيخلق بدوره اختلافاً هائلاً. وبسبب ذلك، سيفقد الديمقراطيون القدرة على تمرير مشروعات قوانين عبر الغرفة الأدنى من الكونغرس، في الوقت الذي سيطلق الجمهوريون لجانهم داخل مجلس النواب للتحقيق في كل شيء بدءاً من القضايا الخطيرة، مثل الانسحاب من أفغانستان والمهاجرين والمخدرات التي تجتاز الحدود الأميركية، وصولاً إلى نظريات المؤامرة المتعلقة بهانتر بايدن ولقاحات فيروس «كوفيد» وتقريباً أي شيء قد يطرأ على خاطرهم.
ورغم أن الديمقراطيين سيبقون مسيطرين على مجلس الشيوخ، فإن سيطرتهم هذه لا تقوم على أغلبية تحظى بهامش تجعلهم بمأمن من إجراءات التعطيل والمماطلة. وعليه، فإن تمرير التشريعات سيبقى أمراً صعباً ويتطلب التوصل إلى تسويات مع الجمهوريين.
في خضم كل ذلك، تبدو خيارات الديمقراطيين محدودة. وسيتعين عليهم تقليص أجندتهم والاستعداد للدفاع عن إدارة بايدن. ومع ذلك، تبقى ثمة أمور يمكن للديمقراطيين تحقيقها.
أولاً: تعززت بدرجة كبيرة قدرة الديمقراطيين على الموافقة على مرشحي الرئيس لمناصب بالسلطة التنفيذية والقضاء الاتحادي - وهي تعيينات تستمر مدى الحياة. ومع أن الديمقراطيين نجحوا في رفع أغلبيتهم داخل مجلس الشيوخ بمقعد واحد فقط، من 50 إلى 51، فإن هذا المقعد الواحد يحدث فارقاً كبيراً. داخل مجلس الشيوخ، يجري التقسيم بنسبة 50/50، ويجري تقسيم اللجان بنسبة 50/50 بين الديمقراطيين والجمهوريين، إلا أنه مع حصول الديمقراطيين الآن على أغلبية في كل لجنة من لجان المجلس، فإن هذا سيمكنهم من دفع مرشحي الرئيس بايدن بأنفسهم، ما يسرع العملية داخل مجلس الشيوخ المثقل عادة.
ثانياً: بالنظر إلى أن تمرير التشريعات عبر كونغرس منقسم على نفسه، سيكون أكثر صعوبة بشكل استثنائي، فإن اهتمام الديمقراطيين سيتجه نحو تحقيق أقصى استفادة من السلطات التنفيذية للرئيس بايدن. وسيسعى الديمقراطيون إلى العمل مع الرئيس ومختلف الإدارات الحكومية للتأكد من تنفيذ القوانين وإنفاق الأموال تبعاً لأولوياتهم المشتركة. وسيحاول الديمقراطيون عقد مقارنة بين نجاحاتهم التشريعية لعام 2022 التي سعوا في إطارها إلى استخدام سلطة الحكومة لمساعدة المواطنين وتنمية الاقتصاد، وجهود الجمهوريين عام 2023 لخفض الضرائب وتقليص حجم الحكومة.
في الواقع، ترددت أصداء هذا الجدال في الولايات المتحدة على امتداد عقود كثيرة، ومن المنتظر أن يعاود الظهور العام المقبل حول عدد من القضايا الرئيسية، بما في ذلك التغييرات المناخية، والرعاية الصحية، والنقل، والطاقة والتعليم.
ثالثاً: مثلما سيستخدم الجمهوريون لجان مجلس النواب للتحقيق في أجندة الرئيس بايدن وعائلته وأعضاء حكومته، سيسعى الديمقراطيون إلى إحياء سلطات التحقيق الخاصة بلجان مجلس الشيوخ، إلا أنه على عكس الجمهوريين بمجلس النواب، فإنه ليس أمامهم إدارة من الطرف الآخر تذيقهم الويل. وحتى لو اعتقد الديمقراطيون من داخل القاعدة الشعبية أنه يجب على الكونغرس السعي للكشف عن تجاوزات إدارة ترمب السابقة، من الواضح أن جمهور المواطنين سئم من النظر إلى الخلف. ولذلك، سيتعين على اللجان التي يقودها الديمقراطيون بمجلس الشيوخ اختيار معاركهم بعناية.
أخيراً: خلال العقد الماضي، ظلت صفوف الديمقراطيين موحدة نسبياً عندما كانوا يشكلون الأغلبية. وبالتأكيد كانت هناك انقسامات بين أقصى اليسار والمعتدلين، ومع ذلك فإنهم عادة ما وقفوا صفاً واحداً أمام القضايا الكبرى، حتى في ظل أغلبيتهم الضئيلة.

بايدن وأوباما يشاركان في تجمع انتخابي بفيلادلفيا نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

على الطرف المقابل، ربما لا يكون هذا هو الحال مع الجمهوريين، فاليوم يتمتع تيار اليمين المتطرف داخل الحزب المصطبغ بصبغة ترمبية واضحة، ويضم عدداً أكبر من الأعضاء، بنفوذ أكبر داخل الحزب الجمهوري. وبذلك، سيواجه الرئيس الجمهوري المستقبلي لمجلس النواب صعوبة في حشد 218 صوتاً جمهورياً لتمرير مشروعات القوانين المرتبطة بالمخصصات الرئيسية أو رفع سقف الديون. ويعني ذلك أن رئيس المجلس كيفن مكارثي - أو من يفوز بهذا المنصب - سيضطر على الأرجح إلى اللجوء إلى الديمقراطيين لإبقاء الحكومة عاملة والبلد بعيداً عن هوة الإفلاس.
في المقابل، ستترقب قيادة الأقلية الديمقراطية الجديدة داخل مجلس النواب فرص استغلال هذا الانقسام الجمهوري، للضغط من أجل زيادة الإنفاق المحلي على الصحة والتعليم والبيئة. ولا ينبغي أن نتفاجأ إذا عاينا حالة انهيار أو اثنتين في صفوف الجمهوريين داخل مجلس النواب، ما قد يؤدي إلى إغلاق الحكومة، قبل تمرير مشروعات القوانين الرئيسية.

بيلوسي بين نواب حزبها أمام الكونغرس يوليو الماضي (أ.ف.ب)

ورغم أن الديمقراطيين والجمهوريين منقسمون بشدة في الداخل - خصوصاً فيما يتعلق بجهود الرئيس السابق ترمب الملتوية لإلغاء انتخابات 2020 ـ ظل الحزبان في كثير من الأحيان أكثر اتحاداً فيما يخص السياسة الخارجية. في الغالب، يدعم كلا الحزبين الجهود المبذولة لمساعدة أوكرانيا في مواجهة روسيا، ويتشاركان في مخاوف تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ويدعمان المظاهرات ويعترفان بالتحديات التي تطرحها الصين.
ومع هذا، تبقى هناك بالتأكيد بعض الاختلافات. يبدي بعض الجمهوريين من تيار اليمين من أصحاب التوجهات الترمبية، تعاطفاً مع روسيا بقيادة فلاديمير بوتين. وستبحث الزعامة الجمهورية داخل مجلسي الشيوخ والنواب عن طرق لتهدئتهم من خلال تعزيز الرقابة والحيل التشريعية التي ستجعلهم يبدون كأنهم يقاومون سياسة بايدن، بينما هم في واقع الأمر ليسوا كذلك.
فيما يتعلق بإيران، تراجعت حالياً الخلافات حول الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه الرئيس السابق باراك أوباما، لتفسح الطريق أمام دعم الحزبين للمتظاهرين الذين يواجهون النظام الإيراني، إلا أنه من المحتمل أن يجذب برنامج إيران النووي الموسع ومخزونها المتزايد من اليورانيوم المخصب الاهتمام الأميركي من جديد، لتشتعل الخلافات حول كيفية منع آيات الله من بناء سلاح نووي. وبينما يشعر كلا الحزبين بقلق متزايد حيال تهديدات الصين ضد تايوان وتوسع وجودها العسكري في بحر الصين الجنوبي، يتخذ الجمهوريون في الكونغرس موقفاً أكثر تشدداً بالتأكيد.
ولا يكتمل الحديث عن 2023 دون الحديث عن 2024 في أميركا، تبدأ الانتخابات التالية بمجرد انتهاء الانتخابات الأخيرة. وسيبدأ الطرفان عملية اختيار مرشحيهما الرئاسيين في العام المقبل.
على الجانب الديمقراطي، يعد الرئيس بايدن المرشح الأوفر حظاً، ويكاد يكون في حكم المؤكد أنه مرشح الحزب، إلا أنه يبلغ 80 عاماً وربما تتزايد همسات القلق عبر أرجاء الحزب. أما الجمهوريون، لا تزال الكفة تميل لصالح الرئيس السابق ترمب، لكن أصابه ضعف بالغ، جراء أداء حزبه الضعيف في انتخابات عام 2022 وقد يواجه اتهامات في العام المقبل لجهوده لإلغاء نتيجة انتخابات 2020، وحيازته واحتفاظه على نحو غير ملائم بوثائق سرية، ناهيك عن ممارساته التجارية، التي سبق أن أدينت شركته جنائياً بسببها. ورغم ذلك، يعتقد الكثيرون أن ترمب يمكن أن يفوز مرة أخرى بترشيح حزبه في ظل انقسام صفوف الجمهوريين، ليواجه الرئيس بايدن من جديد في الميدان الانتخابي.
لذا، اربط حزام الأمان واستعد، لأن 2023 سيكون عاماً سياسياً وعراً. ومن المحتمل أن نشهد معارك سياسية، ولائحة اتهام محتملة لرئيس سابق، وربما إغلاقاً حكومياً أو اثنين. احجز لي مقعداً واشترِ لي بعض الفشار. ودعونا نشاهد معاً.
* كبير الموظفين الديمقراطيين سابقاً في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب


مقالات ذات صلة

بايدن يطلق حملة جمع التبرعات وترمب ينهي القطيعة مع «سي إن إن»

الولايات المتحدة​ بايدن يطلق حملة جمع التبرعات وترمب ينهي القطيعة مع «سي إن إن»

بايدن يطلق حملة جمع التبرعات وترمب ينهي القطيعة مع «سي إن إن»

يتجه الرئيس الأميركي بايدن إلى مدينة نيويورك، الأسبوع المقبل، للمشاركة في حفل لجمع التبرعات لحملة إعادة انتخابه. ويستضيف الحفل المدير التنفيذي السابق لشركة «بلاكستون»، وتصل قيمة التذكرة إلى 25 ألف دولار للفرد الواحد. ويعدّ حفل جمع التبرعات الأول في خطط حملة بايدن بنيويورك، يعقبه حفل آخر يستضيفه جورج لوغوثيتيس، الرئيس التنفيذي لمجموعة «ليبرا غروب» العالمية، الذي دعم الرئيس الأسبق باراك أوباما، ويعدّ من المتبرعين المنتظمين للحزب الديمقراطي. ويتوقع مديرو حملة بايدن أن تدر تلك الحفلات ما يصل إلى 2.5 مليون دولار.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب يتعهد «سحق» بايدن انتخابياً

ترمب يتعهد «سحق» بايدن انتخابياً

تعهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، «سحق» الرئيس جو بايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فيما أدلى نائبه مايك بنس بشهادته في إطار تحقيق فيدرالي بشأن هجوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 على مبنى الكابيتول. وقال ترمب، الخميس، أمام حشد من نحو 1500 مناصر، «الاختيار في هذه الانتخابات هو بين القوة أو الضعف، والنجاح أو الفشل، والأمان أو الفوضى، والسلام أو الحرب، والازدهار أو الكارثة». وتابع: «نحن نعيش في كارثة.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب يتوعد بـ«سحق» بايدن في الانتخابات

ترمب يتوعد بـ«سحق» بايدن في الانتخابات

تعهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بـ«سحق» الرئيس جو بايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فيما أدلى نائبه مايك بنس، بشهادته أمام القضاء، في إطار تحقيق فيدرالي بشأن هجوم 2021 على مبنى الكابيتول. وقال ترمب، الخميس، أمام حشد من نحو 1500 مناصر: «الاختيار في هذه الانتخابات هو الآن بين القوة أو الضعف، والنجاح أو الفشل، والأمان أو الفوضى، والسلام أو الحرب، والازدهار أو الكارثة... نحن نعيش في كارثة.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تحديات أمام بايدن مع ترشحه المرتقب

تحديات أمام بايدن مع ترشحه المرتقب

وسط التوقعات بأن يعلن الرئيس الأميركي جو بايدن، اليوم، ترشحَه لولاية ثانية، تزداد التحديات التي تواجهه بين الناخبين الديمقراطيين الذين دعموه في سباق عام 2020. ويخطط مساعدو بايدن لنشر فيديو اليوم لإعلان خوض بايدن السباق رسمياً، وهو التاريخ نفسه الذي أعلن فيه بايدن ترشحه في 2019.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ انتخابات الرئاسة الأميركية 2024: مَن المرشحون المعلَنون والمحتمَلون؟

انتخابات الرئاسة الأميركية 2024: مَن المرشحون المعلَنون والمحتمَلون؟

بعدما أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن (الثلاثاء)، ترشّحه للانتخابات الرئاسية في 2024، فيما يلي قائمة المرشّحين الآخرين، المعلنين منهم كما المحتملين، الذين قد يعترضون طريق الرئيس الديمقراطي في سباقه للاحتفاظ بمقعد البيت الأبيض. * دونالد ترمب: هل ستشهد الولايات المتحدة إعادة تشكّل للسباق الرئاسي في 2020؟ رغم نص الاتّهام التاريخي الموجه إليه، تتخطى حظوظ الرئيس السابق الجمهوري دونالد ترمب بالفوز حظوظ المرشحين الجمهوريين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقرير: كيف استخدم جيفري إبستين جائزة «نوبل للسلام» لجذب شخصيات مرموقة

صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز)
صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز)
TT

تقرير: كيف استخدم جيفري إبستين جائزة «نوبل للسلام» لجذب شخصيات مرموقة

صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز)
صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز)

أظهرت ملفات الملياردير الأميركي الراحل المدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين، التي اطلعت عليها وكالة «أسوشييتد برس»، أنه كان يبالغ مراراً في إبراز علاقاته بالرئيس السابق للجنة جائزة نوبل للسلام، وذلك في دعواته ومحادثاته مع شخصيات بارزة مثل رجل الأعمال البريطاني ريتشارد برانسون، ووزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز، وبيل غيتس، وستيف بانون الحليف البارز للرئيس دونالد ترمب.

وورد اسم توربيورن ياغلاند، الذي ترأس اللجنة النرويجية لجائزة نوبل بين عامي 2009 و2015، مئات المرات ضمن ملايين الوثائق المتعلقة بإبستين، التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية الشهر الماضي.

ومنذ نشر الملفات، جرى اتهام ياغلاند (75 عاماً) في النرويج بـ«الفساد الجسيم» على خلفية تحقيق استند إلى معلومات وردت في تلك الوثائق، حسب وحدة مكافحة الجرائم الاقتصادية بالشرطة النرويجية (أوكوكريم).

ورغم عدم وجود أدلة في الوثائق التي تم الاطلاع عليها حتى الآن على الضغط المباشر من أجل الفوز بجائزة نوبل للسلام، فإن إبستين كان يبرز مراراً استضافة ياغلاند في منازله في نيويورك وباريس خلال العقد الثاني من الألفية.

وفي سبتمبر (أيلول) 2018 إبان الولاية الأولى لترمب، وفي إشارة واضحة إلى اهتمامه بالجائزة، تبادل إبستين رسائل نصية متنوعة مع بانون، كتب في إحداها: «سينفجر رأس دونالد إذا علم أنك أصبحت الآن صديقاً للرجل الذي سيحدد يوم الاثنين الفائز بجائزة نوبل للسلام».

وأضاف: «قلت له إنه في العام المقبل يجب أن تكون أنت (الفائز بجائزة نوبل للسلام) عندما نسوي الأمر مع الصين»، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وفي عام 2012، كتب إبستين إلى وزير الخزانة الأميركي الأسبق ورئيس جامعة هارفارد السابق لاري سامرز بشأن ياغلاند، قائلاً: «رئيس جائزة نوبل للسلام معي، إذا كنت مهتماً».


«زلزال إبستين» يواصل إرباك الحكومة الأميركية

صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
TT

«زلزال إبستين» يواصل إرباك الحكومة الأميركية

صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)

«ملفات إبستين» نبع لا ينضب من الفضائح، أغرق الداخل الأميركي، وأربك العالم بسيل هائل من الأسماء والمعلومات والرسائل التي كشفت النقاب عن شبكة واسعة النطاق حبكها الرجل الذي قضى في سجنه في عام 2019. شبكة أشرك فيها أسماء كثيرة متعددة الأقطاب والانتماءات، بالتعاون مع شريكته غيلان ماكسويل التي تقبع في السجن حالياً آملة بعفو رئاسي كشرط لشهادتها. ملفات سحبت رئيساً أميركياً سابقاً، هو بيل كلينتون، إلى مقعد الشاهد في الكونغرس في سابقة غير معهودة في التاريخ الأميركي.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، كيف تحوّل ملف إبستين من قضية جنائية إلى زلزال سياسي هزّ المؤسسة الأميركية، وطبيعة علاقاته بمراكز النفوذ والمال والسياسة والثقافة.

هجمات سياسية

ألقت قضية إبستين بظلالها على أعمال الكونغرس، وأظهرت عمق الانقسامات في ملف لا ينبغي أن يكون مُسيَّساً نظراً لتورط أطراف من الحزبين فيه. وهذا ما تحدثت عنه الصحافية الاستقصائية بيف ترنر، التي استشهدت بجلسة استماع لوزيرة العدل بام بوندي أمام الكونغرس على مدى 6 ساعات، وقد اتّسمت بأجواء مشحونة للغاية.

ضحايا إبستين يقفن وراء وزيرة العدل بام بوندي في جلسة استماع في الكونغرس يوم 11 فبراير 2026 (أ.ب)

وانتقدت ترنر بوندي خصوصاً فيما يتعلق بتجاهلها ضحايا إبستين وعائلاتهم الموجودين في الجلسة، فقالت: «عندما رفع الضحايا وراءها أيديهم للإشارة إلى أن إدارة ترمب لم تتحدث معهم، كان من الجيد أن تستدير على الأقل لتراهم، وتُقرّ بوجودهم. لقد كانت في وضع دفاعي للغاية. وأعتقد أنها أخطأت في تقدير الموقف. ربما يجب أن تصدر بياناً لتشرح سبب عدم قيامها بذلك. صدمتني رؤية أن هؤلاء النساء لم يتم الاستماع إليهن. الأشخاص الذين تعرضوا للأذى بهذه الطريقة، في رأيي، يجب أن يُستمع إليهم».

ويعرب المؤرخ السياسي مات دالاك، وهو بروفسور الإدارة السياسية، عن دهشته من تحوّل القضية إلى مسألة سياسية في الولايات المتحدة، مشيراً إلى استغلال الديمقراطيين لها واستخدامها سلاحاً. ويتساءل: «أين كان الديمقراطيون خلال سنوات حكم (جو) بايدن؟ أين كانوا خلال ولاية ترمب الأولى فيما يتعلق بهذه القضية؟». لكنه يستدرك قائلاً إن «الجمهوريين ليسوا أبرياء كذلك؛ فمدير (إف بي آي) الحالي كاش باتيل، ودونالد ترمب، وبام بوندي هم الذين روجوا لنظريات المؤامرة حول قضية إبستين. والآن يبدو أنهم كانوا غير أكفاء، وفاسدين إلى حد ما. ويبدو أنهم يحاولون التستر على الأمر بالقول إنه لا يوجد شيء آخر يمكن رؤيته هنا. الأمر فوضوي للغاية. أعتقد أنه أمر قبيح للغاية»، منتقداً «تجاهل الضحايا».

النائب الجمهوري أمام لائحة ضحايا إبستين في 11 فبراير 2026 (رويترز)

واستضاف «تقرير واشنطن» الصحافية الاستقصائية فيكي وارد ومنتجة وثائقي «مطاردة غيلان». لدى وارد تاريخ طويل يتعلق بتغطية هذه الملفات؛ إذ واجهت ما وصفته بـ«تهديد شخصي من إبستين» عندما سعت للتحقيق في ممارساته في عام 2003، كما تقول. وتحدّثت وارد عن إبستين «الذي كان شخصية غامضة في ذلك الوقت»، فقالت إن «كل ما كان معروفاً عنه هو أنه فجأة، ومن دون سابق إنذار، حصل على مبلغ ضخم من المال، واشترى به أكبر منزل في نيويورك، في مانهاتن، واشترى جزيرة خاصة، وحصل على مزرعة ضخمة في نيو مكسيكو. في مرحلة ما، اشترى أيضاً شقة كبيرة في باريس، لكن لم يكن أحد يعرف من أين جاءت هذه الأموال، وكان شخصاً منعزلاً. لكن في خريف عام 2002، ظهر اسمه في صحيفة (نيويورك بوست)؛ لأنه سافر على متن طائرته مع بيل كلينتون، ومجموعة من المشاهير الأميركيين الآخرين إلى أفريقيا في مهمة خيرية. ودفع هذا العنوان رئيس تحرير مجلة (فانيتي فير) لتكليفي بالتحقيق في أمر هذا الرجل».

لكن وارد قالت إنه «بعد كشف التحقيق عن اسم ضحيتين لإبستين، ضغط الأخير على رئيس التحرير لشطبهما من المقال»، كما ذكرت أنها اضطرت للتعاقد مع شركة حماية أمنية بعد «تهديدات من إبستين».

من جهته، أعرب البروفسور دالاك عن دهشته لتمكّن إبستين من الإفلات من العقاب لسنوات طويلة، رغم وجود تقارير وتحقيقات بشأنه منذ عام 2002، ويرى أن هذا سبب أساسي في ظهور نظريات حوله، بينها عمله لصالح أجهزة استخبارات.

علاقات استخباراتية؟

أظهرت الوثائق الجديدة التي نشرتها وزارة العدل، بداية هذا الشهر، دلائل على علاقة إبستين مع مسؤولين روس، على رأسهم السفير الروسي السابق لدى الأمم المتحدة، وتواصل متكرّر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، بالإضافة إلى رسائل متبادلة مع مدير «سي آي إيه» السابق ويليام بيرنز قبل تسلُّمه منصبه؛ ما طرح أسئلة حول علاقاة إبستين المتشعّبة، وما إذا كان يعمل مُخبراً لأحد أجهزة الاستخبارات.

صورة لإبستين في الوثائق الجديدة (أ.ف.ب)

وتقول وارد إنها كثيراً ما اعتقدت أن إبستين «كان وكالة تجسس مؤلفة من رجل واحد يعمل بشكل فعال لنفسه». وأضافت أن «هذه الملفات أظهرت أن شبكته العالمية كانت أكثر اتساعاً مما كنت أعتقد، وأنه كان قادراً على (...) الحصول على معلومات سرية». وأعطت مثالاً على ذلك علاقاته مع السفير البريطاني في واشنطن بيتر ماندلسن، الذي استقال جراء الفضيحة، فقالت: «يُزعم أنه سلّم إبستين معلومات حساسة، كان بإمكانه استخدامها لصالحه. ويبدو أنه كان يمرر أيضاً معلومات من ماندلسن إلى مصادره في أعلى المستويات في جي بي مورغان».

من الأمور البارزة كذلك في الوثائق الجديدة، شريط فيديو يثير احتمال دخول شخص إلى زنزانة إبستين ليلة وفاته، على خلاف الرواية الرسمية، ما عزّز نظريات المؤامرة بأن إبستين «قُتل» ولم ينتحر. وعن ذلك، تقول ترنر: «هناك الكثير من الناس على هذا الكوكب الذين أرادوا موت هذا الرجل. وبعد هذه الوثائق الجديدة، نعلم الآن عدد الأشخاص الذين كانوا يرغبون في التزامه الصمت». وتساءلت ترنر عن سبب فقدان لقطات الكاميرا من زنزانة إبستين ليلة وفاته، وتضيف: «ليس لديَّ أي دليل على أنه قُتل، لكنني أعتقد أيضاً أن نرجسياً مثل جيفري إبستين ليس من النوع الذي ينهي حياته بنفسه. إن رجلاً مثله كان على الأرجح يجلس في تلك الزنزانة متفائلاً بأن شخصاً ما سيأتي في وقت ما ويخرجه؛ لأن لديه الكثير من المعلومات عن الكثير من الناس».

وترفض الحكومة الأميركية هذه الادّعاءات، كما تؤكّد الوثائق الطبية وشهادة وفاة إبستين انتحاره.

علاقات متشعّبة

لم يقتصر نفوذ إبستين على السياسيين فحسب، بل امتد ليطول جامعات أميركية مرموقة، على رأسها هارفارد، إضافةً إلى مراكز أبحاث، حيث ضخّ مبالغ طائلة على شكل تبرعات استُخدمت لتلميع صورته. ويقول البروفسور دالاك إن هذه العلاقات سببها أموال التبرعات الطائلة التي قدمها إبستين للجامعات، مضيفاً أن «المال له تأثير كبير في الولايات المتحدة. له تأثير في الجامعات. له تأثير في كل مكان تقريباً. وما نراه حقاً هو أحد جوانب النظام الرأسمالي السيئة. إن النظام الرأسمالي يفعل الكثير من الأشياء العظيمة، لكنه قبيح في زوايا أخرى؛ فهو يمنح قوة استثنائية للمشاهير والأثرياء».

وأعطى دالاك دليلاً على ذلك عبر مقارنة قضية إبستين بقضية هارفي واينستين، المنتج السينمائي السابق، فيضيف: » لديك شخص غني للغاية، وقوي للغاية، يسيء استخدام تلك القوة، ويرتكب جرائم ضد النساء والفتيات القاصرات؛ لأن التوقع كان: أنني مشهور وغني، يمكنني الإفلات من العقاب. لن يحاسبني أحد».

غيلان ماكسويل «الصامتة»

مع التداعيات المستمرة لملفات ابستين، تتوجه الأنظار إلى شريكته غيلان ماسكويل التي تقبع في السجن في حكم مدته 20 عاماً. وقد اشترطت ماكسويل عفواً رئاسياً عنها مقابل إفراجها عن معلومات متعلقة بإبستين.

غيلان ماكسويل في سجنها ببروكلين في 4 يوليو 2020 (رويترز)

وتستبعد ترنر أن يصدر ترمب عفواً عنها، مشيرة إلى أن أي قرار من هذا النوع سيكون بمثابة «اعتراف بالذنب منه بأنه متورط بطريقة ما في هذه القضية». وأضافت: «لا أعتقد أن ترمب سيقدم لها أي تنازلات. ومن ثم، ما الذي سيحفزها على قول الحقيقة؟ ستتمسك بصمتها؛ لأن هذا كل ما لديها»، لكن دالاك يرى أنه من الصعب حسم ما سيقوم به ترمب «الذي يحب لفت الانتباه من خلال تصرفاته».


جرعة تهديد أميركية عالية تسبق مفاوضات جنيف مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في احتفال بقاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية ساوث كارولينا (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في احتفال بقاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية ساوث كارولينا (إ.ب.أ)
TT

جرعة تهديد أميركية عالية تسبق مفاوضات جنيف مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في احتفال بقاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية ساوث كارولينا (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في احتفال بقاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية ساوث كارولينا (إ.ب.أ)

بينما يُفترض أن تفتح جولة ثانية من الاتصالات الأميركية - الإيرانية في جنيف، الثلاثاء المقبل، نافذةً دبلوماسية جديدة، جاءت تصريحات الرئيس دونالد ترمب عن أن «تغيير النظام» في إيران قد يكون «أفضل شيء يمكن أن يحدث» لتقلب منسوب الرسائل الأميركية رأساً على عقب، بجرعة تهديد عالية من منطق «اتفاق نووي موسّع» إلى خطاب يلامس جوهر الشرعية السياسية في طهران.

وعلى هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، السبت، ​صرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مقابلة ‌مع ‌بلومبرغ، ​⁠بأن «​الرئيس ⁠ترمب يفضّل إبرام اتفاق مع إيران، ⁠لكن ذلك صعب ‌للغاية»، مشيراً إلى أن «المرشد الإيراني علي خامنئي لو أراد مقابلة ترمب، فسيحدث ذلك غداً».

شهر الحشد... سباق الأسابيع

اللافت في التصعيد أنه لا ينفصل عن الزمن العسكري. فحسب تقديرات نقلتها وسائل إعلام أميركية، فإن وصول حاملة الطائرات الثانية «جيرالد فورد» من الكاريبي إلى الشرق الأوسط يحتاج نحو ثلاثة إلى أربعة أسابيع، أي بما يوازي تقريباً المهلة التي حددها ترمب للتوصل إلى اتفاق، والمدة التي يحتاج إليها البنتاغون لاستكمال إعادة تموضع منظومات الدفاع الجوي والطائرات ووسائط الإسناد اللازمة لأي عملية واسعة، إن قررت الإدارة الذهاب إلى هذا الخيار.

وفي هذا التزامن، يصبح «التفاوض تحت الضغط» أكثر من مجرد عبارة، إنه جدول زمني مزدوج: دبلوماسي سريع، وعسكري يتقدم على مهل، لكن بثبات.

وفق ما أوردته «رويترز»، يتوقع أن يلتقي المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وفداً إيرانياً في جنيف بوساطة سلطنة عمان، في اليوم نفسه الذي يُفترض أن يجريا فيه أيضاً لقاءات تتصل بمسار الحرب في أوكرانيا.

وهذا التداخل في الملفات ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يوحي بأن البيت الأبيض يتعامل مع «الضغط المتوازي» كمنهج: إبقاء أكثر من خصم/ ملف على نار التفاوض نفسها، مع إسناد ذلك بإظهار القدرة على نقل القوة العسكرية بسرعة بين مسارح العمليات.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تبحر في الكاريبي (رويترز)

جنيف تحت سقف «تغيير النظام»

لكن تصريح «تغيير النظام» يطرح سؤالاً أساسياً: هل هو ورقة تفاوض قصوى لرفع سقف الشروط، أم تغيير حقيقي في الهدف؟ التجربة القريبة تقول إن واشنطن كثيراً ما تستخدم أقصى العبارات لخلق «هامش تنازل» لاحقاً، غير أن إدخال مصطلح بهذا الثقل، الذي تُفسّره طهران عادةً كإعلان نوايا عدائية، يزيد من صعوبة هندسة تسوية تقنية حول القيود النووية. وهو، في الوقت نفسه، قد يُقرأ في المنطقة كرسالة طمأنة للحلفاء القلقين من اتفاق «ضيق» لا يتناول الصواريخ الباليستية وشبكات الوكلاء.

على مستوى الرسائل الرسمية، جاء التأكيد من البيت الأبيض بأن الرئيس «يبقي كل الخيارات على الطاولة» ويستمع لوجهات نظر متعددة قبل اتخاذ القرار النهائي. هذه الصيغة المألوفة في أوقات الأزمات، تعمل هنا كغطاء سياسي لتعايش مسارين متناقضين ظاهرياً: مسار تفاوضي يقول إن الهدف «اتفاق»، ومسار تعبئة يقول إن البديل «جاهز».

ومع ذلك، فإن التناقض يتحول إلى مشكلة عملية عندما يكون الطرف الآخر مطالباً بإقناع مؤسساته الداخلية بأن التفاوض ليس «كميناً» يمهّد لضربة أو يفتح الباب لتغيير النظام.

في المقابل، يُظهر التحرك العسكري أن واشنطن لا تريد أن تكرر لحظة «تهديد بلا جاهزية». فإرسال الحاملة «فورد» من الكاريبي إلى الشرق الأوسط يرفع الثقل البحري ويُحسن قدرة الردع، خصوصاً إذا ترافق مع إعادة نشر بطاريات دفاع جوي إضافية في قواعد تستضيف قوات أميركية. ومن شأن ذلك أن يعالج نقطة ضعف حساسة: أي ردّ إيراني محتمل لا يستهدف فقط المصالح الأميركية المباشرة، بل القواعد والمنشآت والشركاء في دول عدة، ما يفرض على البنتاغون أن ينظر إلى «الدفاع» بقدر نظره إلى «الهجوم».

هنا بالضبط تتقاطع مهلة الشهر التي يحتاج إليها الجيش لاستكمال الحشد مع مهلة الأسابيع التي تحتاج إليها الحاملة الثانية للوصول: كأن الإدارة تريد أن تدخل جولة جنيف وهي تمسك بسقف التهديد عالياً، لكنها تعرف أن القدرة على تنفيذ تهديد واسع ليست «زرّاً» يُضغط عليه، بل منظومة تجهيز وتمركز وذخائر وحماية للقوات المنتشرة. وبهذا المعنى، فإن التصعيد الكلامي قد يكون محاولة لـ«شراء الوقت» سياسياً: إبقاء إيران تحت ضغط الإيقاع، بينما يكتمل الإيقاع العسكري في الخلفية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أخطار سوء التقدير

أما إيران، فستحاول غالباً تفكيك هذه المعادلة عبر مسارين: الأول التشدد العلني ضد «التفاوض تحت التهديد» لتفادي الظهور بمظهر المتراجع، والثاني اختبار ما إذا كانت واشنطن مستعدة لصفقة جزئية أو مرحلية تُرضي الحاجة السياسية في البيت الأبيض لإعلان «إنجاز»، من دون أن تُفجّر خطوطاً حمراء إيرانية مرتبطة بالصواريخ أو النفوذ الإقليمي.

وكلما توسّعت مطالب واشنطن لتشمل ملفات غير نووية، ارتفعت تكلفة الاتفاق داخلياً في طهران، وازدادت جاذبية سيناريو «المماطلة» حتى تتضح نيات الإدارة فعلياً.

لذلك، تبدو تصريحات ترمب أقرب إلى «دبلوماسية الإكراه» منها إلى إعلان قرار نهائي: رفع سقف الهدف السياسي (تغيير النظام)، وإسناده بخطوات تعبئة واقعية، مع ترك باب جنيف مفتوحاً لتنازل مشروط. غير أن هذه المقاربة تحمل مخاطرة واضحة: كلما اقترب الخطاب من «تغيير النظام»، تقل مساحة الحلول الوسط، وتزداد فرص سوء التقدير، خصوصاً إذا اعتقد أي طرف أن الآخر يستخدم التفاوض غطاءً لعملية باتت شبه محسومة.