كيف أصبحت وجبات «كنتاكي» من تقاليد عيد الميلاد في اليابان؟

عادة ما يكون اليوم الأكثر ازدحاماً في مطاعم كنتاكي باليابان هو 24 ديسمبر (رويترز)
عادة ما يكون اليوم الأكثر ازدحاماً في مطاعم كنتاكي باليابان هو 24 ديسمبر (رويترز)
TT

كيف أصبحت وجبات «كنتاكي» من تقاليد عيد الميلاد في اليابان؟

عادة ما يكون اليوم الأكثر ازدحاماً في مطاعم كنتاكي باليابان هو 24 ديسمبر (رويترز)
عادة ما يكون اليوم الأكثر ازدحاماً في مطاعم كنتاكي باليابان هو 24 ديسمبر (رويترز)

في كل عام تقريباً منذ طفولتها، كانت نعومي المقيمة في هوكايدو تتطلع إلى وجبة عيد الميلاد التقليدية لعائلتها: «وجبة الحفلة العائلية الممتلئة بالسلطة والكعك والكثير من الدجاج المقلي».
وتقول اليابانية البالغة من العمر 30 عاماً إنه «من المعتاد أكل دجاج (كنتاكي) في عيد الميلاد» في البلاد، وفقاً لشبكة «سي إن إن».
وتابعت: «في كل عام، أطلب الوجبة الكبيرة واستمتعت بها مع عائلتي. أحب الدجاج اللذيذ ولوحة الصور الرائعة التي تأتي معها كمكافأة».
نعومي، التي طلبت فقط ذكر اسمها الأول، وعائلتها ليسوا اليابانيين الوحيدين الذين يستمتعون بـوجبات «كنتاكي»، في ليلة عيد الميلاد.
في كل عام منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، استقبلت مطاعم «كنتاكي» أعداداً كبيرة من السكان المحليين والسياح على حد سواء في جميع أنحاء البلاد.
وفقاً للأرقام الصادرة عن سلسلة مطاعم الوجبات السريعة الأميركية، فإن «كي إف سي» في اليابان قد كسبت 6.9 مليار ين (نحو 63 مليون دولار أميركي) من 20 إلى 25 ديسمبر (كانون الأول) في عام 2018.
وعادة ما يكون اليوم الأكثر ازدحاماً في مطاعم السلسلة هو 24 ديسمبر (كانون الأول)، حيث يبيعون عادة ما يقرب من خمسة إلى 10 مرات أكثر من الأيام العادية.
وتقول نعومي: «مع اقتراب عيد الميلاد، تُعرض إعلانات (كنتاكي فرايد تشيكن) على التلفزيون - تبدو لذيذة للغاية. نطلب مبكراً ثم نذهب إلى المتجر في الوقت المحدد لتسلم الطعام». وتابعت: «أولئك الذين لا يحجزون وجباتهم يقفون في طوابير طويلة لساعات».

* «كنتاكي فرايد تشيكن» في كل مكان

لكي نفهم بشكل أفضل كيف ولماذا أصبح الدجاج المقلي مرادفاً لعيد الميلاد في اليابان؟ يتعين علينا العودة إلى الوراء لبضعة عقود.
بعد فترة من التقشف في أعقاب الحرب العالمية الثانية في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، بدأ الاقتصاد الياباني في الانطلاق.
يقول تيد بيستور، أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة هارفارد، الذي درس الطعام والثقافة اليابانية في الماضي: «كانت القوة الاقتصادية لليابان تتأرجح... وكان لدى الناس المال للانغماس في الثقافة الاستهلاكية لأول مرة... نظراً لأن الولايات المتحدة كانت قوة ثقافية في ذلك الوقت، ظهر اهتمام كبير بالأزياء الغربية والأطعمة والرحلات إلى الخارج - كانت اليابان تنفتح حقاً».
أثناء إقامته في وسط طوكيو في أوائل السبعينات، يتذكر بيستور ظهور العديد من العلامات الأجنبية، مثل Baskin - Robbins وMister Donut وThe Original Pancake House.
خلال هذه الفترة من العولمة السريعة، توسعت صناعة الوجبات السريعة في اليابان بنسبة 600 في المائة بين عامي 1970 و1980، وفقاً لفيلم وثائقي بعنوان «الكولونيل يأتي إلى اليابان» عام 1981 من إخراج جون ناثان.
«كنتاكي فرايد تشيكن» كانت جزءاً من المجموعة، وافتتحت أول متجر لها في اليابان في ناغويا عام 1970. بحلول عام 1981، افتتحت السلسلة 324 متجراً - أكثر من 30 متجراً سنوياً - وحققت ما يقرب من 200 مليون دولار أميركي سنوياً، وفقاً للفيلم الوثائقي.
يتذكر بيستور: «بدا فجأة وكأن (كنتاكي فرايد تشيكن) أصبحت في كل مكان».

* «كنتاكي» لعيد الميلاد

كان عيد الميلاد، ولا يزال، عطلة علمانية في اليابان - البلد الذي يعتبر فيه أقل من 1 في المائة من السكان مسيحيين - وفي السبعينات لم يكن لدى كثير من الناس تقاليد عيد الميلاد العائلية.
هذا هو المكان الذي برزت فيه سلسلة «كنتاكي فرايد تشيكن». أطلقت الشركة حملتها التسويقية «كنتاكي لعيد الميلاد» في عام 1974، وسرعان ما تبعها أول ظهور «لوجبة الحفلات».
ويقول جوناس روكا، أستاذ التسويق في كلية إيمليون للأعمال في فرنسا، إن وجبة الحفلة لعيد الميلاد أصبحت على الفور ظاهرة وطنية تقريباً.
يوضح روكا: «لقد ملأت الفراغ... لم يكن هناك تقليد لعيد الميلاد في اليابان، ولذا جاءت (كنتاكي فرايد تشيكن) وقالت: (هذا ما يجب عليك فعله في عيد الميلاد)».
تُظهر إعلانات وجبات عيد الميلاد للشركة عائلات يابانية سعيدة تتزاحم حول براميل الدجاج المقلي. ولكن الأمر لا يتعلق فقط بالدجاج - فقد تحولت الوجبات إلى صناديق خاصة بحجم وجبة عائلية مليئة بالكعك والمشروبات.
تشير بعض التقارير إلى أن تاكيشي أوكاوارا، الذي أدار أول مطعم «كنتاكي» في البلاد، وأصبح فيما بعد الرئيس التنفيذي لشركة «كنتاكي» اليابانية، قام بتسويق الدجاج المقلي كطعام أميركي تقليدي لعيد الميلاد لزيادة المبيعات. لكن وفقاً لـ«كنتاكي» في اليابان، ذهب أوكاوارا إلى حفلة عيد الميلاد مرتدياً زي «سانتا كلوز» - عندما أحبه الأطفال، رأى فرصة عمل.
في عام 2020، نشر موقع «كنتاكي» العالمي شرحاً خاصاً به، مشيراً إلى أن الفكرة الأصلية للحملة جاءت عندما قال عميل أجنبي زار المطعم في طوكيو في يوم عيد الميلاد: «لا يمكنني الحصول على ديك رومي في اليابان، لذلك ليس لدي خيار ولكن للاحتفال بعيد الميلاد مع (كنتاكي فرايد تشيكن)». يقول التقرير إن أحد أعضاء فريق مبيعات اليابان سمع الملاحظة واستخدمها كمصدر إلهام لإطلاق حملة عيد الميلاد الأولى.
وتمكنت سلسلة «كنتاكي» من جذب الناس وخلق ظاهرة وطنية. بالطبع، لم تنجح حملة «كنتاكي لعيد الميلاد» من دون استثمار إعلاني كبير.
قال شوهو إينازومي، أمين مكتبة يعيش في إيواكوني بجزيرة هونشو، لشبكة «سي إن إن»: «الإعلانات التجارية الاحتفالية هي التي جعلتني في البداية أرغب في محاولة تناول (كنتاكي فرايد تشيكن) في عيد الميلاد... أنا من الريف ولم يكن هناك كثير من مطاعم (كنتاكي) في الجوار، وكانت هذه السلسلة تعتبر رائعة».


مقالات ذات صلة

السودان وأوكرانيا على طاولة مباحثات السيسي ورئيس الوزراء الياباني

شمال افريقيا السودان وأوكرانيا على طاولة مباحثات السيسي ورئيس الوزراء الياباني

السودان وأوكرانيا على طاولة مباحثات السيسي ورئيس الوزراء الياباني

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الأحد)، على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار في السودان، وذلك خلال لقائه مع رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا في القاهرة. ووصف الرئيس المصري المباحثات مع رئيس الوزراء اليباني بأنها كانت «إيجابية وبناءة»، حيث جرى استعراض ما تشهده الساحة الدولية اليوم من تحديات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الرياضة سالم الدوسري في مرمى النيران بعد تصرف غير مبرر في «ذهاب الأبطال»

سالم الدوسري في مرمى النيران بعد تصرف غير مبرر في «ذهاب الأبطال»

تحول المهاجم سالم الدوسري من بطل محتمل للهلال في نهائي دوري أبطال آسيا لكرة القدم إلى «مفسد للحفل» بعد طرده في الدقائق الأخيرة بلقاء الذهاب، بسبب اعتداء على منافس في الدقائق الأخيرة خلال تعادل محبط 1 - 1 في الرياض أمس (السبت). وافتتح الدوسري التسجيل في الدقيقة 13 من متابعة لكرة عرضية، ليثبت مجدداً أنه رجل المواعيد الكبرى، إذ سبق له التسجيل في مرمى أوراوا في نهائي نسخة 2019، حين أسهم في تتويج الهلال. وخلد اسمه في الذاكرة بتسجيل هدف فوز السعودية التاريخي على الأرجنتين في كأس العالم بقطر العام الماضي، ليهز الشباك في نسختين بالنهائيات، فضلاً عن التسجيل في 3 نسخ لكأس العالم للأندية. لكن الدوسري (31

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم ما دلالات جولة رئيس وزراء اليابان الأفريقية؟

ما دلالات جولة رئيس وزراء اليابان الأفريقية؟

في ظل التداعيات الجيوستراتيجية للحرب الروسية - الأوكرانية، والتنافس المحموم من جانب الدول الكبرى على النفوذ في أفريقيا، تسعى اليابان لزيادة تأثيرها في القارة، وهو ما يراه خبراء تقاطعاً وتكاملاً مع استراتيجية واشنطن الجديدة، وتأسيساً لأدوار جديدة تحاول طوكيو من خلالها مجابهة تصاعد النفوذ الصيني. في هذا السياق، زار رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، أمس، مصر في بداية جولة أفريقية تشمل أيضاً غانا وكينيا وموزمبيق.

أفريقيا ما دلالات الجولة الأفريقية لرئيس وزراء اليابان؟

ما دلالات الجولة الأفريقية لرئيس وزراء اليابان؟

في ظل التداعيات الجيوستراتيجية للحرب الروسية - الأوكرانية، وما استتبعها من تنافس محموم من جانب الدول الكبرى على النفوذ في أفريقيا، تسعى اليابان لزيادة نفوذها في القارة، وهو ما يراه خبراء تقاطعاً وتكاملاً مع استراتيجية واشنطن الجديدة، وتأسيساً لأدوار جديدة تحاول طوكيو من خلالها مجابهة تصاعد النفوذ الصيني. في هذا السياق، زار رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، اليوم (السبت)، مصر، في بداية جولة أفريقية تشمل أيضاً غانا وكينيا وموزمبيق.

العالم البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

وافق البرلمان الياباني (دايت)، اليوم (الجمعة)، على اتفاقيتين للتعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا، ما يمهّد الطريق أمام سريان مفعولهما بمجرد أن تستكمل كانبيرا ولندن إجراءات الموافقة عليهما، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وفي مسعى مستتر للتصدي للصعود العسكري للصين وموقفها العدائي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، سوف تجعل الاتفاقيتان لندن وكانبيرا أول وثاني شريكين لطوكيو في اتفاق الوصول المتبادل، بحسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء. ووافق مجلس المستشارين الياباني (مجلس الشيوخ) على الاتفاقيتين التي تحدد قواعد نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات بعدما أعطى مجلس النواب الضوء الأخضر لها في وقت سابق العام

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)
حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)
TT

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)
حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)

كان الصيف قد غادر التقويم، تاركاً شيئاً من حرارته في هواء بيروت، فيما أخذ الخريف مكانه على مهل. فوق «ميوزيك هول» في الواجهة البحرية، استقرَّ القمر شاهداً على ليلة ستتداخل فيها الفصول والأعمار، وتعود أغنيات من أزمنة بعيدة لتوقظ في النفوس ما ظنَّت أنّ الزمن قد أخذه معه.

ثمّة صيف آخر يختبئ في ذاكرة كلّ مستمع، وحبّ قديم يجد طريقه إلى الحاضر عبر مقدّمة موسيقية، وأشياء تتساقط من العُمر وتحتفظ الأغنيات بأثرها.

أواخر الصيف تُنصت إلى موسيقى لا تعرف الخريف (الشرق الأوسط)

في أمسية «أنغام وأفلام»، أعاد المايسترو هاروت فازليان، بمشاركة الأوركسترا الوطنية للموسيقى الشرق عربية، تشكيل عالم من الألحان التي أسهمت في صناعة الوجدان العربي. 4 أصوات شابة، سيندي لطّي وبيتر جوزيف وعلياء ندا ومحمد علي، تناوبت على أداء أعمال حملت توقيع كبار الملحّنين وأصوات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة وفايزة أحمد.

اختيارات فازليان تكشف عن ذائقة تعرف قيمة التفاصيل التي صنعت خلود هذه الأعمال. ثمّة مسؤولية فنّية في الاقتراب من ألحان استقرَّت في الذاكرة بصيغها الأصلية، وأصبحت مقدّماتها وجُملها الموسيقية جزءاً من وجدان المُستمع. يتعامل المايسترو معها بمعرفة تحترم بنيتها، وبحساسية تُدرك أنّ إعادة تقديمها تحتاج إلى أذن خبيرة ومعايير دقيقة، خصوصاً أمام جمهور يحفظ انعطافاتها وينتظر لحظات ذروتها.

ما تساقط من أعمارنا أزهر في الألحان (الشرق الأوسط)

أمام 24 موسيقياً، كانت عصاه الصغيرة ترسم مسارات الصوت وتستدعي الآلات إلى الحوار، وتُحقّق التناغم بين قوة الأوركسترا وحرارة الحناجر. ليديه حضور آخر، تتبدَّل حركتهما مع المزاج اللحني، وتتّسعان مع تصاعد الجُملة أو تنحسران لتتركا للصوت فسحته. وفي قيادة فازليان يظهر أثر تكوين موسيقي رصين، يجمع الانضباط الأوركسترالي إلى حساسية الطرب الشرقي، حيث تحتاج العاطفة إلى دقّة تحميها من الإفراط.

أصوات في ربيع العُمر تُغنّي ما لم تُسقطه خريفات الزمن (الشرق الأوسط)

وللأصوات الأربعة امتحانها الخاص أمام هذا الإرث. فالأغنيات تحمل في ذاكرة الجمهور بصمات مَن خلّدوها بأصواتهم، بنبراتهم وأنفاسهم وتلويناتهم التي يصعب فصلها عن الألحان. وقد منح تعاقُب سيندي لطّي وبيتر جوزيف وعلياء ندا ومحمد علي البرنامج حياة صوتية متجدّدة. لكلّ حنجرة خامتها ومزاجها وطريقتها في الاقتراب من الجُملة، ولكلّ أداء فرصة لإزاحة الأغنية قليلاً عن صورتها المحفوظة في الأذن. وبين الطبقات النسائية والرجالية، تنقّلت الأمسية من الرهافة إلى الامتلاء، فيما ظلَّت الأوركسترا النسيج الذي يجمع اختلاف الأصوات ويحفظ للأعمال شخصيتها.

المايسترو هاروت فازليان يقود الأوركسترا بيد تُتقِن أسرار النغم (الشرق الأوسط)

يحمل هذا البرنامج وجوهاً متعدّدة للعاطفة. في «ألف ليلة وليلة»، تبلغ الرغبة في الاحتفاظ باللحظة حدَّ التمنّي أن يطول الليل فوق عُمره، كأنّ العاشق أدرك قِصر السعادة فراح يُفاوض الزمن على بقائها. وتذهب «هوَّ العُمر إيه» إلى الشعور الذي يجعل سنوات الإنسان تبدو ناقصة أمام لحظة حُبّ. أما «في يوم وليلة»، فتلتقط التحوّل الذي يُصيب النفس بعد لقاء استثنائي، حين يستيقظ الإنسان على حياة كانت قائمة من حوله، لكنه لم يعرف كيف يدخل إليها قبل أن يُحبّ.

وفي «أكذب عليك»، يبرز الصراع بين ما يُقرّره العقل وما يستعصي عليه الشعور. تتكرَّر محاولة إقناع النفس بانتهاء الحبّ، وتأتي الجُملة الموسيقية لتكشف مقدار العجز عن تنفيذ القرار. وفي «إمتى حَتعرف»، يترك تأخُّر الآخر في فَهْم المحبّة جرحاً من نوع مختلف، تصنعه الفجوة بين عاطفة مُكتملة في قلب صاحبها وعجزها عن الوصول إلى مَن تتوجَّه إليه.

أغنيات تردّ إلى القلب فصوله الغائبة (الشرق الأوسط)

مع عبد الحليم حافظ، تتبدَّل أحوال القلب بين خفّة «جانا الهوى» وحرارة «الهوى هوايا» ورقَّة «أهواك». وفي «زيّ الهوى»، يكتسب الحبّ شيئاً من قسوته، فيأخذ صاحبه إلى ما وراء إرادته ويتركه مُعلّقاً بين لذّة التعلُّق وألمه. أما «سوّاح»، فتجعل الغياب حركة دائمة، ويصبح الترحال محاولة للعثور على شخص ترك مكانه فارغاً في الداخل. وفي «كلّ ما أقول التوبة»، يتعرّى ضعف الإرادة أمام عاطفة تعرف الطريق إلى صاحبها مهما ابتعد. يضحك المستمع من تكرار العودة، وربما يتذكَّر كم أقنع نفسه بأنّ النهاية هذه المرّة ستكون نهائية.

وتمنح «بتونّس بيك» الحبّ دفئه الحميم، فيصبح صوت الآخر ووجوده ألفةً تُخفّف وحشة الأيام. أما «يَمّا القمر عالباب»، فقد وجدت في سماء الأمسية امتداداً بصرياً لكلماتها، كأنّ القمر الذي طالما استدعته الأغنية العربية، عاد ليتّخذ مكانه فوق المُستمعين.

أصوات شابة تُغامر في المقامات التي صنعت مجد الكبار (الشرق الأوسط)

وكان للسينما المصرية حضورها بين المقاعد أيضاً، مع ليلى علوي وإلهام شاهين والإعلامية بوسي شلبي، وسط وجوه رسمية وفنّية وإعلامية لبنانية. حمل الحفل إنتاج رولا تلج، وفكرته وقيادته الموسيقية لهاروت فازليان، فيما تولَّت جويل حجّار التنسيق الإداري والإبداعي، وسهرت على انسجام تفاصيل الأمسية مع الرؤية الفنّية التي شاركت في صياغتها مع المايسترو. واختارت ثنائية تلج وفازليان أن تمنح المسرح لأصوات شابة في مستهلّ تجاربها، فمنها مَن لم يسبق له الوقوف أمام الجمهور، ومنها مَن تذوَّق الغناء بمرافقة أوركسترا للمرّة الأولى. وفي هذا الخيار رهان على المواهب الناشئة، بعيداً عن توقّعات الأداء التي تُرافق الأسماء المُكرَّسة وتجاربها الطويلة. وجد هؤلاء الشباب أنفسهم أمام إرث موسيقي مهيب، يحملون بأصواتهم أغنيات سبقت ولادتهم بعقود، ويكتشفون على المسرح مسؤولية الاقتراب منها ومتعة منحها حياة جديدة. ومَن يدري أيّ صوت من هذه الحناجر سيعود الجمهور لسماعه بعد أعوام، وقد أصبح له مكانه الخاص في الذاكرة التي استعار منها بداياته الغنائية.

ومع انحسار الأصوات في آخر الليل، بقي شيء من الصيف مُعلَّقاً فوق البحر. للأغنيات قدرة على حفظ ما يتعذَّر الاحتفاظ به في الحياة، من أعمار وأمكنة ووجوه وعواطف. يتساقط الكثير مع تعاقُب الفصول، وتظلّ بعض الألحان قادرةً على إعادة الإنسان إلى نفسه، في عُمر مضى، أو في ليلة يتمنَّى لو أنها تطول ألف ليلة وليلة.


«تمارا» تُعيد صوت حكمت وهبي إلى ذاكرة الأجيال

يؤكّد أنه لن يمتهن الغناء وأن «تمارا» مجرّد تجربة (جاد وهبي)
يؤكّد أنه لن يمتهن الغناء وأن «تمارا» مجرّد تجربة (جاد وهبي)
TT

«تمارا» تُعيد صوت حكمت وهبي إلى ذاكرة الأجيال

يؤكّد أنه لن يمتهن الغناء وأن «تمارا» مجرّد تجربة (جاد وهبي)
يؤكّد أنه لن يمتهن الغناء وأن «تمارا» مجرّد تجربة (جاد وهبي)

مَن واكب الإعلام في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، فلا بدّ أن المذيع الراحل حكمت وهبي ترك أثراً في ذاكرته. فقد شكّل علامة فارقة في مسيرة الإعلام المسموع عبر أثير راديو «مونتي كارلو» لمدة 17 عاماً. كان محاوراً بارعاً، ومغنياً خفيف الظل، وممثلاً بأداء مختلف. وترك أثراً في ذاكرة جيل بأكمله، لا يزال يشعر بالفرح كلّما شاهد له مقطع فيديو أو استمع إلى إحدى أغنياته.

وفي الذكرى الـ34 لرحيله، يستذكره مَن واكب زمنه من خلال أغنية «تمارا»، التي صدرت حديثاً بصوت نجله جاد. واستعاد معها محبّوه، ولا سيما اللبنانيون منهم، ذكريات جميلة لا تزال أعمال حكمت وهبي تحييها في وجدانهم.

وتُعدّ «تمارا» ثاني عمل غنائي تطلقه شركة «مودزيكا» ضمن مشروعها الهادف إلى إحياء مجموعة من الأغنيات القديمة، إذ سبق أن قدّمت أغنية «بتونّس بيك» للراحلة وردة الجزائرية بصوت أنجي شيا.

ويشير جاد وهبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنّ إعادة تقديم هذه الأغنية تنبع أساساً من حبّ الناس لها. ويتابع: «الفكرة تترجم هذا الوفاء لحكمت وهبي، والحبّ الذي لا يزال يكنّه كثيرون له رغم مرور 3 عقود على رحيله. فمنذ أن بدأت العمل الإذاعي، يسألني كثيرون عن إمكان إصدار أغنية له بصوتي».

قدَّم «تمارا» بتوليفة موسيقية حديثة (جاد وهبي)

ويضيف: «هذا العمل نتاج تعاون بيني وبين صاحب شركة (مودزيكا) باسم سعيد. فهو من أصدقائي المقرّبين، وموسيقي بارع، يهدف مشروعه الفنّي إلى تجديد أغنيات قديمة لاقت شهرة واسعة. وكان متحمّساً لإعادة تقديم «تمارا» بنسخة محدّثة من دون أن تفقد روحها الأصلية».

ويرى أن الوقت كان مناسباً لإصدار الأغنية في الذكرى الـ34 لرحيل والده. وما فعله بمشاركة باسم سعيد هو تقديمها بتوليفة موسيقية جديدة. ويوضح: «أجرينا تغييرات في الإيقاعات، ومزجنا أنماطاً موسيقية مختلفة، كما أدخلنا مقطع (راب) لتواكب الأغنية زمننا. فهي تندرج ضمن قائمة أغنيات (الأولديز) القديمة التي لا تزال تصدح في المطاعم وأماكن السهر حتى اليوم. لم نُجرِ أي تغيير أساسي فيها، بل لوّنّاها بآلات وأنماط موسيقية تزيد من رونقها».

جاد، الذي يعمل في المجال الإذاعي، هل بات يقترب من دخول عالم الغناء؟ وهل يفكّر في تقديم أغنية أخرى لوالده؟ يردّ: «لا، أبداً. لن أدخل هذا المجال ولن أصبح مطرباً يوماً ما. كلّ ما في الأمر أنني خضت تجربة غنائية في ذكرى رحيل والدي. حتى إنّ حكمت وهبي لم يكن هو أيضاً يُصنّف ضمن المغنّين. صحيح أنه أدّى بعض الأغنيات، ولكن من باب الهواية والتنويع، وليس الاحتراف».

صدرت الأغنية رسمياً بصوت جاد وهبي، وصُوّر لها فيديو كليب أصبح متاحاً عبر المنصات الرقمية وشاشات التلفزيون. يُعلّق: «لقد صُوّرت بعفوية أثناء تسجيلها في استوديوهات (مودزيكا). ولا يمكنني أن أعدّ هذا العمل سوى تحية تكريمية لإعلامي ترك علامة فارقة في مشواره المهني. فقد ابتكر أسلوباً إذاعياً مختلفاً، في حواراته مع ضيوفه أو في خفّة ظلّه خلال تقليد الفنانين. وأرى أنه أحدث نقلة في العمل الإذاعي، فصار هناك زمن حكمت وهبي وما قبله وبعده، تماماً مثل الراحل رياض شرارة الذي ترك بصمته التلفزيونية».

وعمّا إذا تأثّر بأداء والده لدى غنائه «تمارا»، وهي من كلمات الراحل إلياس الرحباني وألحانه، يردّ: «أداء والدي يسكنني منذ الصغر، كما أنّ للجينات الوراثية دوراً. هناك تشابه ملحوظ بين صوتي وصوته لا يمكننا إنكاره. وأردتُ أن نُحدث بعض التغيير في الأداء، وهو ما حقّقناه في التوليفة الموسيقية. فخرجنا بعمل يجمع بيني وبين والدي لجهة التوليفة، وليس الأداء».

يصف والده الإعلامي الراحل حكمت وهبي بأنه كان مختلفاً (جاد وهبي)

ويؤكّد أنّ إعادة تقديم أغنية لوالده صعبة وسهلة في آنٍ واحد. ويستطرد: «المسؤولية هي التي جعلت المهمّة صعبة، من ناحية ضرورة تقديم ما يليق بذكراه. السهل في الموضوع أن الأغنية وجدت طريقها سريعاً إلى قلوب الناس، لأنهم لا يزالون يذكرونها. أمّا مدّ جسر يعرّف الجيل الجديد بأبي، فهو الصعب في هذه المعادلة».

ويوضح: «الجيل الشاب لا يعرفه، وربما لم يسمع عنه. لكن من واجبنا أن نسلّط الضوء مجدداً على اسم حكمت وهبي. وهذا ما فعله أهلنا معنا، حين عرّفونا إلى جيل العمالقة والفنّ الجميل. وإلا لما كنّا سمعنا بسيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وغيرهم، لأننا، نحن جيل الثمانينات والتسعينات، لم نواكب إنجازاتهم الفنّية».

ويختم: «يمكن القول إن والدي تميّز بصدقه في العمل وقربه من الناس. لذلك، عندما ألتقي بأشخاص من الجيل القديم، يتعاملون معي وكأنهم كانوا يعرفونه من قرب».


في فيتنام... حفل بيانو لجمهور من 150 دبّاً!

تعزف الأصابع ما تعجز عنه الأقفاص (إ.ب.أ)
تعزف الأصابع ما تعجز عنه الأقفاص (إ.ب.أ)
TT

في فيتنام... حفل بيانو لجمهور من 150 دبّاً!

تعزف الأصابع ما تعجز عنه الأقفاص (إ.ب.أ)
تعزف الأصابع ما تعجز عنه الأقفاص (إ.ب.أ)

عزف الموسيقي البريطاني ريك واكمان أمام جماهير شتى حول العالم، لكنه قدَّم أخيراً حفلاً لجمهور لم يسبق له أن واجهه: 150 دبّاً داخل محمية في فيتنام.

وفق «الغارديان»، جلس عازف البيانو السابق في فرقة «يس»، الذي واصل لاحقاً مسيرة موسيقية منفردة حافلة، أمام آلته ليقدّم حفلاً استثنائياً للدببة التي أُنقذت من الأسر. وقال مازحاً قبل الحفل: «قبل أن تسألوا، لن أعزف مقطوعة (نزهة الدببة الدمى)».

ويُعرف الموسيقي البريطاني بدعمه قضايا الرفق بالحيوان، ويقتني كلاباً وقططاً أُنقذت من ظروف صعبة. ويهدف حفله إلى لفت الأنظار إلى معاناة الدببة القمرية المحتجزة في ظروف قاسية لاستخراج عصارتها الصفراوية.

أنغام تعبر القضبان إلى مَن لم يغادروها بعد (إ.ب.أ)

وأعرب عن قلقه من شدّة الحرارة المتوقَّعة، قائلاً: «هل تذكرون موجة الحرّ التي شهدناها في إنجلترا؟ الحرارة هنا ضعفها. عرضوا عليَّ تركيب مروحة، لكنني فكّرت أن ذلك لن يفعل سوى تحريك مزيد من الهواء الساخن».

وأُقيم الحفل على بيانو كبير من طراز «ياماها»، وُضع في محمية الدببة التابعة لمنظمة «أنيمالز آسيا»، داخل متنزه تام داو الوطني. وكان واكمان قد ألَّف مقطوعات جديدة خصوصاً للدببة التي أُنقذت من الأسر.

وعندما سُئل عمّا إذا كانت الدببة ستستمتع بالموسيقى، أجاب: «ليس أمامها خيار كبير، في الواقع. ومن المعروف أن جميع الحيوانات تتفاعل مع الموسيقى، ولا سيما الموسيقى الهادئة ذات الألحان. لذلك سأعزف مقطوعات لحنية على البيانو، وآمل أن تقترب من أطراف المحمية وتستمع».

ويرعى واكمان دببة أُنقذت منذ عام 2016، وقد تبنّى أخيراً دبّاً جديداً، وقال: «عمره 20 شهراً فقط، وهو دبّ ضخم. ذهبت لرؤيته اليوم، فاقترب من الحافة ووقف على رجليه الخلفيتين وظلَّ يحدّق بي. كان ذلك رائعاً».

وتُستخرج العصارة الصفراوية من الدببة لاستخدامها في الطبّ الصيني التقليدي، عبر إدخال إبرة إلى المرارة وسحب محتواها. وتُحتجز هذه الحيوانات في ظروف سيئة في دول بينها الصين وفيتنام، حيث حُظر استخراج العصارة الصفراوية، لكن دببة لا تزال تعيش في أقفاص ضيقة.

لعلّ الموسيقى تفتح ما أغلقه البشر (إ.ب.أ)

وتُعدّ تجارة صفراء الدببة، وفقاً للتقرير، رابع أكبر أسواق التجارة غير المشروعة بالحياة البرّية في شرق آسيا. وقد أسهمت في تراجع أعداد الدبّ الأسود الآسيوي في فيتنام، فيما تشير التقديرات إلى فقدان نحو ثلث أعداد هذه الدببة حول العالم خلال 30 عاماً.

وقال واكمان، الذي زار المحمية هذا الأسبوع: «رؤية هذه الدببة وهي تخضع لإعادة التأهيل وتعيش حياة لم تعرفها من قبل أمر مؤثّر. بعضها لم تطأ أقدامه العشب من قبل. إنها رائعة إلى حدّ يجعل ما نفعله بالحيوانات من أفعال مروّعة أمراً يفوق التصديق. قبل ذلك، كانت مقيّدة بالسلاسل داخل أقفاص، أحياناً لمدة 10 أو 20 عاماً، في ظروف لم تكن تستطيع معها حتى الاستدارة».

ويأمل أن يسهم الحفل في تسليط الضوء على الدببة التي لا تزال محتجزة في فيتنام، وحضّ السلطات على إطلاقها. وقال: «لدينا 150 دبّاً في المحمية، لكن لا يزال هناك 125 دبّاً عالقاً في أقفاص داخل مزارع استخراج الصفراء القديمة، ويموت 4 منها كل شهر. علينا إخراجها سريعاً ونقلها إلى المحمية».

وفي منزله بمقاطعة سوفولك البريطانية، اعتاد واكمان العزف لكلابه وقططه التي أنقذها. وروى: «كانت لديّ قطة اعتادت القفز فوق البيانو الكبير. وإذا توقّفت عن العزف، كانت تُدخل مخلبها بين الأوتار وتحرّكها حتى أعود إلى العزف. أعرف أنّ كلابي ستنهض وتغادر إذا لم تعجبها الموسيقى، كما أن قططي لا تحبّ موسيقى الميتال أو الغرنج أو الراب. إنها تريد لحناً».

ويقضي واكمان ساعات في مراقبة الدببة، ويقول: «إذا رأيتها، فسيصعب عليك العثور على كلمات تصفها؛ فهي تكاد تكون بشرية في الطريقة التي تنظر بها إليك. لا يمكنك إلا أن تتأثّر. إنها ليست أليفة، لكنها آمنة وسعيدة جداً؛ تلعب وتقفز وتمرح. شاهدت اثنين منها اليوم يقفزان في حوض مليء بالفقاعات ويلعبان. لقد استعادا حياتهما».

موسيقى لمن عرفوا الحديد قبل العشب (إ.ب.أ)

من جهتها، قالت مؤسِّسة منظمة «أنيمالز آسيا» ورئيستها التنفيذية، الدكتورة جيل روبنسون: «محظوظون بدعم ريك للمنظمة وللدببة. حبّه لها لا حدود له، ويمكن سماعه في الموسيقى الآسرة التي ألَّفها من أجلها. نحن جميعاً متحمّسون لسماع أدائه في الهواء الطلق داخل محميتنا، وسط المناظر الطبيعية الخلّابة لمتنزه تام داو الوطني. ولا أستطيع الانتظار لأرى كيف ستتفاعل الدببة».

وختم واكمان: «آمل أن تستلقي وتستمع، فهذا سيجعل يومي رائعاً. سأكون مبتسماً ابتسامة عريضة».