السودانيون يترقبون اتفاقاً سياسياً «نهائياً»... وتشكيل حكومة

تباين المواقف وتحولها حالا دون حسم الأمر سريعاً

مسيرات شبه يومية في الخرطوم تطالب بحكومة مدنية (أ.ف.ب)
مسيرات شبه يومية في الخرطوم تطالب بحكومة مدنية (أ.ف.ب)
TT

السودانيون يترقبون اتفاقاً سياسياً «نهائياً»... وتشكيل حكومة

مسيرات شبه يومية في الخرطوم تطالب بحكومة مدنية (أ.ف.ب)
مسيرات شبه يومية في الخرطوم تطالب بحكومة مدنية (أ.ف.ب)

يترقب السودانيون توصل الأطراف السياسية في السودان إلى اتفاق نهائي فيما بينها، يستند إلى الاتفاق الإطاري الذي وقعوهم مع القادة العسكريين في 5 ديسمبر (كانون الأول) الحالي. كما من المتوقع أن يُعرض الاتفاق النهائي على القيادات العسكرية لقبوله أو إبداء ملاحظات عليه، ثم يتم التوقيع، ومن ثم يبدأ تشكيل حكومة مدنية تتولى ما تبقى من الفترة الانتقالية التي تبلغ 24 شهراً من تعيين رئيس الوزراء.
غير أن الآراء قد تباينت بشأن الاتفاق الإطاري الموقع في الخامس من الشهر الجاري، بين التأييد بقوة والمعارضة بشدة والمرجئة لحين التنفيذ. فإلى جانب الموقعين في تحالف المعارضة الرئيسي «الحرية والتغيير» وقوى أخرى، تناقلت تقارير صحافية إبداء العشرات من القوى السياسية والمدنية رغبتها في التوقيع، بينما تمترس معارضو الاتفاق، وهم الحزب الشيوعي وحزب البعث ولجان مقاومة، حول مواقفهم الرافضة للاتفاق. ويجد الاتفاق تأييداً دولياً كبيراً، كما يلقى تأييداً إقليمياً تقف على رأسه المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، فيما ذكرت الولايات المتحدة على لسان وزير خارجيتها أنتوني بلينكن أول من أمس (الخميس)، أنها ساعدت في التوصل إلى الاتفاق الإطاري بهدف عودة البلاد للمسار الديمقراطي بقيادة مدنية.
لكن الاتفاق، ورغم توقيع الكتلة المدنية الأكبر عليه والتأييد الدولي والإقليمي وإبداء مجموعات مدنية عديدة رغبتها في اللحاق به، لا يزال يواجه رفضاً من قوى ذات طابع يساري. ومن جانبها، تقف بعض الحركات المسلحة الموقعة على «اتفاقية سلام جوبا» موقفاً متذبذباً منه، خصوصاً «حركة العدل والمساواة» بزعامة جبريل إبراهيم، وحركة «تحرير السودان» جناح مني أركو مناوي. كما يقف الحزب «الاتحادي الديمقراطي الأصل» منقسماً على نفسه من الاتفاق، إذ وقعه أحد نجلي زعيم الحزب، محمد عثمان الميرغني، بينما يعارضه نجله الآخر.
ويخشى تحالف «الحرية والتغيير»، وهو التحالف الرئيسي الذي قاد المفاوضات التي أدت إلى توقيع الاتفاق الإطاري، ما يسميه «إغراق العملية السياسية» بأطراف سياسية «مصطنعة» ولا تؤمن بمبادئ التحول الديمقراطي الحقيقي. ولهذا السبب أعلن التحالف رفضه لكثير من الراغبين في التوقيع، وتمسك بأن القوى «المؤهلة» للتوقيع هي فقط القوى التي خرجت من «الحرية والتغيير»، وعلى وجه الخصوص حزبي «البعث» و«الشيوعي»، وحركتي «العدل والمساوة» و«تحرير السودان»، إضافة إلى حركة عبد العزيز الحلو وحركة عبد الواحد محمد نور، غير الموقعتين على اتفاق «جوبا للسلام».
وقال قيادي في تحالف الحرية والتغيير: «نحن الآن نعمل على بحث القضايا المرجأة من الاتفاق الإطاري ونسعى لتوحيد الرؤى حولها مع أصحاب المصلحة جميعاً».
وقال أيضاً المحامي والناشط السياسي حاتم إلياس لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن «الناس ملوا الأوضاع المأساوية التي تعيشها البلاد، وتفاقم الأزمة الاقتصادية واتساع دائرة الهشاشة الأمنية، لذلك أيدت غالبية عظمى من المواطنين الاتفاق». وأضاف: «يسألنا المواطنون العاديون بلهفة عن موعد توقيع الاتفاق النهائي وتشكيل الحكومة، ويرون فيه تحسن الأوضاع الاقتصادية واستتباب الأمن. هم يرون أن سبب سوء الأوضاع الاقتصادية والأمنية هو عدم الاتفاق السياسي».
وأرجع إلياس حالة الانفلات الأمني إلى اختلافات الفرقاء في المشهد السياسي، قائلاً: «الانفلات الأمني ليس نتيجة لغض أطراف في السلطة أعينهم عنه، لكنه من الظواهر الاجتماعية السالبة مثل الجريمة، التي تزدهر بشكل كبير في حالة اللااتفاق واللادولة». وتوقع إلياس انحسار وتراجع الرفض للاتفاق الإطاري بشكل كبير، وقال: «ربما يجد بالتغيير الجذري الشامل أنفسهم بمواجهة تحديات قد تدفعهم باتجاه الاتفاق، لكن كل ذلك رهين بالتوصل لاتفاق مرضٍ، يؤدي لانحسار الرفض في الشارع».
وبدوره قال رئيس تحرير صحيفة «الجريدة» المستقلة أشرف عبد العزيز لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن الوقت لا يزال مبكراً على الحديث عن نجاح أو فشل الاتفاق، موضحاً أنه «لا يوجد تراجع في مستويات التأييد، فالكثيرون يظنونه مخرجاً يمكن يحق لهم الاستقرار ويخرجهم من الأزمة». وأضاف: «هذا على مستوى الرأي العام الشعبي، أما بين القوى السياسية المؤيدة والمعارضة فالأمر مختلف. الجماهير العامة مهتمة بالاتفاق وتتابعه كإحدى وسائل حل الأزمة، لكن تأييده بدأ يتراجع بين النشطاء السياسيين المؤيدين، فإذا لم يكتمل توقيع الاتفاق النهائي بسرعة، يمكن أن تتراجع عنه حتى بعض القوى الموقعة». وتوقع عبد العزيز حدوث فرز كامل يشمل حتى لجان المقاومة الرافضة للاتفاق والمؤيدة للتغيير الجذري، قائلاً: «الحراك القادم سيكشف قوة معسكر الرافضين. الكتلة الحرجة لا تزال مترقبة ومتفرجة وتنتظر الاتفاق لتتخذ منه موقفاً حاسماً، لذلك لم تشارك في مواكب حاشدة بعد توقيع الاتفاق». أما حواء موسى، وهي عاملة، فقد بدت منهكة ومتعبة واكتفت بالقول: «قد تعبنا وننتظر تشكيل الحكومة. لم نعد آمنين على أنفسنا، ولا نستطيع تلبية احتياجاتنا، نريد حكومة تبسط الأمن وتحسن أحوالنا».
وعلى صفحته في موقع التواصل الاجتماعي، دعا الناشط السياسي «مهادن الزعيم» الطرفين المؤيد والمعارض، إلى كشف أوراقهم و«كروت الضغط بأيديهم» التي يستخدمونها لينتصروا لموقفهم، ويقول إن الموقعين لا يملكون ضمانات بالتزام العسكريين بتنفيذ الاتفاق، وفي ذات الوقت فإن الرافضين لا يقدمون رؤية موحدة للشارع الرافض للاتفاق.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الانتخابات المغربية تعيد رسم الخريطة الحزبية في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

الانتخابات المغربية تعيد رسم الخريطة الحزبية في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

أفرزت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت أمس (الأربعاء)، خريطة حزبية جديدة أعادت ترتيب مراكز القوة داخل مجلس النواب، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال» مقارنة بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى واجهة المشهد البرلماني.

وجاء الإعلان عن النتائج من قبل عبد الوالي لفتيت وزير الداخلية فجر اليوم (الخميس) بعد ساعات من إغلاق مكاتب التصويت، وبدء عمليات الفرز، في انتخابات تنافس فيها 28 حزباً وتحالفاً سياسياً على 395 مقعداً بمجلس النواب. وكان عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية قد بلغ 15801162 ناخباً، فيما بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02 في المائة، مقابل 50.35 في المائة في انتخابات 2021.

أعضاء في حزب «العدالة والتنمية» يحتفلون بعد إعلان النتائج الأولية في الرباط أمس (إ.ب.أ)

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، متقدماً إلى صدارة مجلس النواب، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وحصل «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» على 26 مقعداً، و«الحركة الشعبية» على 29، و«التقدم والاشتراكية» على 19، و«الاتحاد الدستوري» على 17، فيما نال «تجمع اليسار» 8 مقاعد، و«جبهة القوى الديمقراطية» 8، و«جبهة الإنصاف» مقعدين، و«الوحدة والديمقراطية» مقعداً واحداً.

وتكشف المقارنة مع انتخابات 2021 عن تحول واضح في ترتيب القوى الأربع الكبرى. فقد كان «الوطني للأحرار» في الصدارة آنذاك بـ102 مقعد، متبوعاً بـ«الأصالة والمعاصرة» بـ87، و«الاستقلال» بـ81، بينما لم يحصل «العدالة والتنمية» إلا على 13 مقعداً.

تغير الصدارة

أبرز التحولات في انتخابات 2026 تتمثل في انتقال «الأصالة والمعاصرة» (البام PAM) من 87 إلى 97 مقعداً، بزيادة عشرة مقاعد، في الوقت الذي فقد فيه «الوطني للأحرار» 36 مقعداً، منتقلاً من 102 إلى 66.

مركز اقتراع في الصويرة خلال الانتخابات التي شهدت إقبالاً متدنياً من الناخبين (د.ب.أ)

أما «الاستقلال» الذي كان ثالث قوة برلمانية في 2021 بـ81 مقعداً، فقد تراجع إلى 65، بخسارة 16 مقعداً، لكنه حافظ على موقعه ضمن القوى الثلاث الأولى.

وبذلك تغير ترتيب الأحزاب الثلاثة التي تصدرت انتخابات 2021 بصورة لافتة، فـ«الأحرار» انتقل من المرتبة الأولى إلى الثانية، و«البام» من الثانية إلى الأولى، بينما بقي «الاستقلال» في المرتبة الثالثة مع انخفاض وزنه البرلماني.

ولا تعني هذه التحولات، في حد ذاتها، انتقال أصوات محددة من حزب إلى آخر، إذ إن عدد المقاعد يتأثر بالمنافسة في الدوائر، وبنسب المشاركة، وبطريقة توزيع المقاعد، ولذلك تعكس الأرقام تغيراً في المخرجات البرلمانية أكثر مما تثبت وحدها مصادر التحول في سلوك الناخبين.

عودة قوية لـ«العدالة والتنمية»

أكثر التحولات حدة مقارنة بنتائج 2021 سجلها «العدالة والتنمية» الذي ارتفع من 13 مقعداً إلى 54، أي بزيادة 41 مقعداً، ليعود بذلك إلى المراكز الأربعة الأولى بعد أن كان قد تراجع إلى المرتبة الثامنة في الانتخابات السابقة.

وتكتسب هذه العودة دلالتها بالنظر إلى المسار الذي قطعه الحزب خلال العقد الأخير. ففي انتخابات 2016 حصل على 125 مقعداً، قبل أن ينهار إلى 13 في انتخابات 2021، التي أفرزت في المقابل صعود «الوطني للأحرار» إلى الصدارة بـ102 مقعد. وتظهر نتيجة 2026 استعادة الحزب جزءاً كبيراً من حضوره البرلماني السابق، وإن بقي رصيده دون مستواه في 2016.

مغربي يدلي بصوته في مركز اقتراع بالرباط الأربعاء (إ.ب.أ)

وتعيد هذه النتيجة «العدالة والتنمية» إلى قلب المنافسة البرلمانية، بعدما كانت المسافة بينه وبين القوى الثلاث الأولى في انتخابات 2021 واسعة للغاية. ففي تلك الانتخابات كان الفارق بين «الاستقلال» صاحب المركز الثالث، والعدالة والتنمية أكثر من ستين مقعداً، بينما تقلص الفارق في 2026 إلى 11 مقعداً بين الحزبين.

خريطة جديدة بالقوى الكبرى نفسها

رغم حجم التحولات في ترتيب الأحزاب، تكشف مقارنة أكثر تجريداً عن مفارقة أخرى، فالقوى الأربع الأولى في انتخابات 2026 هي نفسها التي كانت تتصدر المشهد في 2021، وهي «الأصالة والمعاصرة» و«الوطني للأحرار» و«الاستقلال» و«العدالة والتنمية».

كما أن مجموع مقاعد هذه الأحزاب الأربعة لم يتغير عملياً إلا بمقعد واحد، إذ انتقل من 283 مقعداً في 2021 إلى 282 مقعداً في 2026. لكن توزيع القوة داخل هذه المجموعة تغير جذرياً. فقد خسر «الأحرار» 36 مقعداً، و«الاستقلال» 16، بينما كسب «الأصالة والمعاصرة» 10، و«العدالة والتنمية» 41.

وتقدم هذه الأرقام قراءة مختلفة عن فكرة التحول الكامل في الخريطة الحزبية، فالذي تغير أساساً هو موازين القوة داخل مجموعة الأحزاب الكبرى. وفي الوقت نفسه، حققت بعض القوى الأصغر تقدماً، أبرزها «تجمع اليسار» الذي انتقل من مقعد واحد في 2021 إلى 8 مقاعد، و«جبهة القوى الديمقراطية» التي ارتفعت من 3 إلى 8 مقاعد، بينما تراجعت قوى أخرى مثل «الاتحاد الاشتراكي»، و«التقدم والاشتراكية»، و«الاتحاد الدستوري».

انتخابات بمشاركة قليلة

تأتي إعادة ترتيب موازين القوى في سياق انتخابي اتسم بتراجع المشاركة. فقد بلغت النسبة الوطنية 38.02 في المائة مقارنة بـ50.35 في المائة في انتخابات 2021، أي بانخفاض يتجاوز 12 في المائة. وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن الاقتراع جرى في ظروف عادية في مختلف جهات المملكة، مع تسجيل بعض الحالات المحدودة والاستثنائية في عدد من مكاتب التصويت.

صحافيون يتابعون الأمين العام لـ«العدالة والتنمية» سعيد بن كيران وهو يعلق على النتائج الأولية للانتخابات في الرباط الأربعاء (إ.ب.أ)

ويمنح انخفاض المشاركة بعداً إضافياً لقراءة النتائج، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج أن تراجع الإقبال كان سبباً مباشراً في صعود حزب بعينه، أو تراجع حزب آخر. فالنتيجة الانتخابية تتشكل أيضا من توزيع الأصوات على الدوائر، وعدد المرشحين، وقوة المنافسة المحلية، وآليات احتساب المقاعد.

وهكذا لا تبدو انتخابات 2026 مجرد استمرار مباشر للخريطة التي أفرزتها صناديق 2021. فهي أبقت القوى الحزبية الأربع نفسها في مقدمة المشهد، لكنها غيرت ترتيبها وأوزانها بصورة ملموسة: صعود «البام» إلى الصدارة، وتراجع «الأحرار»، و«الاستقلال»، وعودة «العدالة والتنمية» إلى موقع متقدم.

التحالفات الممكنة

وبينما تبدأ الأحزاب في قراءة نتائجها، وتحديد مواقعها داخل الأغلبية والمعارضة، تظل كل صيغ التحالف مفتوحة نظرياً، في ظل عدم امتلاك أي حزب -منفرداً- الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً.

غير أن إعادة إنتاج تحالف ثلاثي يجمع «الأصالة والمعاصرة» و«الوطني للأحرار» و«الاستقلال» تبدو أقل ترجيحاً من الناحية السياسية، بالنظر إلى الانتقادات التي رافقت تجربة الأغلبية السابقة، ولا سيما ما ارتبط بضعف المعارضة، وتشتتها، مقابل تمتع أحزاب الأغلبية بهيمنة عددية وسياسية واسعة داخل البرلمان.

وقد يدفع تغير موازين القوى داخل الأحزاب الكبرى وعودة «العدالة والتنمية» بقوة إلى إعادة صياغة معادلة الأغلبية، سواء عبر تحالفات بين بعض القوى المتصدرة، أو من خلال توسيعها لتشمل أحزاباً أخرى، فيما ستظل طبيعة المعارضة الجديدة مرتبطة بدورها بالتركيبة التي ستستقر عليها الأغلبية المقبلة.

اسمان مطروحان لقيادة الحكومة

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع وحتى نهاية الحملة الانتخابية، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي حول رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري، بما يعكس أيضاً التحول الذي طرأ على موقع الحزب داخل الخريطة السياسية منذ تأسيسه سنة 2008 بمبادرة من فؤاد علي الهمة، الذي كان آنذاك وزيراً منتدباً في الداخلية قبل أن يصبح مستشاراً للملك، والذي ارتبط اسم الحزب في بداياته بمواجهة صعود «العدالة والتنمية».

ويأتي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم، في مقدمة الأسماء المتداولة، خصوصاً بعد انضمامه رسمياً إلى «الأصالة والمعاصرة» في 25 يوليو (تموز) الماضي، ودخوله مكتبه السياسي، في خطوة أعطت وزناً سياسياً لشخصية ارتبط حضورها العام بإدارة المالية العمومية، وبالنجاحات التي حققها المنتخب المغربي لكرة القدم، كما يرأس لجنة المغرب 2030 المكلفة بالتحضير للمونديال المشترك مع إسبانيا والبرتغال.

أما الاسم الثاني فهو فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مراكش، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة منذ 2021، والتي تتولى منذ 2024 قيادة الأمانة العامة الجماعية لـ«الأصالة والمعاصرة». ويمنح طرح اسمها في هذا السياق بعداً إضافياً للنقاش، إذ ستكون في حال اختيارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب.


«الدعم السريع» تُكثف هجماتها بالمسيّرات في ولاية شمال كردفان السودانية

شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)
شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

«الدعم السريع» تُكثف هجماتها بالمسيّرات في ولاية شمال كردفان السودانية

شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)
شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

يقول سكان في ولاية شمال كردفان بالسودان إن «قوات الدعم السريع»، شبه العسكرية، كثّفت هجماتها بطائرات مسيّرة على مدن تُسيطر عليها الحكومة في الولاية، وهي جبهة قتال بين الجانبين، ما أدّى إلى تعطيل الحياة الطبيعية، وتسبب في شعور عميق بانعدام الأمن، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وسجّلت «رويترز» لقطات تصوّر تبعات هجمات كبرى وقعت هذا الشهر على مدينتين على خط المواجهة، ووصفها السكان بأنها جزء من حملة جديدة واضحة من هذه الضربات بعد عدة أسابيع بدا فيها أن «قوات الدعم السريع» قد قلّصت من حدتها تحت ضغط دولي.

ولم ترد «قوات الدعم السريع» على طلب للحصول على تعليق، لكنها صرّحت من قبل بأنها لا تستهدف المدنيين عمداً.

وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب الأهلية السودانية المستمرة منذ 3 سنوات ونصف السنة، إذ تستخدم «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني أحدث التقنيات المستخدمة في مناطق حرب أخرى، مثل أوكرانيا.

وتقول الأمم المتحدة إن هجمات الطائرات المسيّرة التي شنها الطرفان أسفرت عن مقتل أكثر من 1000 مدني في النصف الأول من هذا العام.

حطام داخل كلية العلوم التنموية والتكنولوجية بعد هجوم نُسب إلى «الدعم السريع» في الأبيض بشمال كردفان يوم 15 سبتمبر 2026 (رويترز)

هجمات على المحكمة والكلية

وفي الثامن من سبتمبر (أيلول)، أصابت طائرة مسيّرة قاعة محكمة مكتظة في بلدة أم روابة التي تسيطر عليها الحكومة في شمال كردفان، وهي ولاية تقع في وسط السودان، وباتت حالياً واحدة من جبهات القتال الرئيسية في الحرب.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ»، التي تصف نفسها بأنها كيان مهني طوعي مستقل معني بالدفاع عن الحقوق، إن نحو 10 قُتلوا وأصيب العشرات في استهداف المحكمة.

وعندما وصلت «رويترز» إلى الموقع، كانت واجهة المبنى بأكملها قد دُمرت، وتناثرت أعمدة واجهة واحد من أبرز مباني المدينة.

وبعد ذلك بيوم واحد، ضربت طائرة مسيّرة كلية في مدينة الأبيض عاصمة الولاية، ما أدّى إلى تدمير سقفها. وقال عميد الكلية عبد العزيز الشيخ وهو يقف وسط الدمار بينما كان عمال يزيلون الحطام، إن حارس أمن قتل ولحقت أضرار بثماني قاعات للمحاضرات.

وقال: «فقدنا خفير الكلية، نسأل الله أن يتقبله، وتم استهداف 8 قاعات حدث فيها دمار كامل» وأشار إلى أجزاء أخرى من الكلية تعرضت لدمار كامل أيضاً.

وعبّرت أمنية أبو القاسم -وهي طالبة أدّت امتحاناً في الكلية بمدينة الأبيض في اليوم السابق للهجوم- عن حزنها مما جرى، وهي تقف بجوار الأنقاض، وقالت: «كما ترون، دُمّرت الكلية بأكملها، ونشعر بأن أحلامنا قد دُمرت، وأن مستقبلنا قد ضاع».

وفي مستشفى في أم روابة، قال صلاح بخيت الذي سحقت ذراعه، وتشوّه جسده بشظايا في الهجوم على المحكمة، إنه جاء إلى تلك المدينة بحثاً عن مأوى، بعد فراره من مدينة الأبيض، التي قصفتها «قوات الدعم السريع» بطائرات مسيّرة لعدة أشهر في وقت سابق من هذا العام، في محاولة لحصارها.

وقال: «لم تكن هذه المسألة غريبة عليّ؛ فما إن سمعت صوت الانفجار حتى أدركت أن الطائرة المسيّرة استراتيجية. فقد كنت موجوداً في الولاية منذ شهرين فقط، وكنت قبل ذلك في الشمال، في مدينة الأبيض. وكنت على دراية بأنواع الطائرات المسيّرة، بما فيها الاستراتيجية والانتحارية، لذلك استطعت تمييز نوعها».


موريتانيا: تأكيد حكم بسجن ناشطة حقوقية 5 سنوات

الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)
الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: تأكيد حكم بسجن ناشطة حقوقية 5 سنوات

الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)
الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)

أكدت محكمة الاستئناف في العاصمة الموريتانية نواكشوط حكماً بالسجن خمس سنواتٍ في حق ناشطة حقوقية بعد إدانتها بتُهم؛ مِن أبرزها التحريض على حمل السلاح ضد الدولة وسبّ رئيس الجمهورية ونشر أخبار كاذبة.

وتُعد الناشطة الحقوقية الشابة وردة أحمد سليمان واحدة من أبرز الوجوه في حركة «إيرا» الحقوقية، التي تسعى للدفاع عن العبيد والعبيد السابقين في موريتانيا، أسّسها النائب البرلماني بيرام الداه أعبيد، الذي حلّ في المرتبة الثانية خلال رئاسيات 2014 و2019 و2024.

وتشتهر الحركة الحقوقية بمواقفها المتطرفة تجاه السلطات الموريتانية، حيث تقول إنها تتستر على جرائم العبودية وترفض تطبيق القانون، لكن الجهات الرسمية ترفض هذه الاتهامات، وتؤكد أن الحركة تسعى، في كثير من الأحيان، للخلط بين نشاطها السياسي والحقوقي، وترتكب أخطاء تُهدد التعايش السلمي في موريتانيا.

وفي آخِر محطات المواجهة بين الطرفين، أيّدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي الصادر في حق الناشطة الحقوقية 25 أغسطس (آب) الماضي، حين حكمت عليها المحكمة الابتدائية بنواكشوط الغربية بالسجن خمس سنوات؛ ثلاثٌ منها نافذة.

جانب من مظاهرة المعارضة بمدينة نواذيبو بشمال غربي موريتانيا (أرشيفية-إعلام محلي)

وبدأ الملف بسبب منشور للناشطة الحقوقية على «فيسبوك» حُرّكت بسببه الدعوى ضدها بموجب قانون الرموز الذي سنّته الحكومة وصادَقَ عليه البرلمان قبل سنوات من أجل الحد من خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن منظمات حقوقية انتقدت توقيف الناشطة ومحاكمتها بسبب منشور على «فيسبوك»، وقالت إن التهم الموجهة إليها «فضفاضة وغير متناسبة». وأضافت أن «التعبير عن الرأي أو انتقاد الحكومة على وسائل التواصل تحوَّل إلى جرائم أمنية».

وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها توقيف الناشطة الحقوقية بسبب مواقفها وكتاباتها التي توصَف بأنها «متطرفة»، حيث اعتقلت، في أبريل (نيسان) 2025، بعد شكوى تقدَّم بها رجل أعمال قال إنها شهَّرت به على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الشكوى سُحبت فيما بعدُ عقب وساطة.

كما اعتُقلت الناشطة، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، على خلفية منشورات على «فيسبوك»، ووُجهت إليها تُهم مثل «التحريض على إسقاط النظام» و«الدعوة إلى الانتفاضة» و«نشر أخبار كاذبة»، ثم وُضعت تحت المراقبة القضائية.

وقُيض عليها مجدداً في أبريل الماضي، حين كانت تشارك في مظاهرة حقوقية غير مرخَّصة، وفرّقتها الشرطة بالقوة لتندلع صدامات بين المتظاهرين وعناصر الشرطة، أعلنت الناشطة، خلال بث مباشر على «فيسبوك»، أن الشرطة أطلقت النار على أحد الناشطين وقتلته، ليتبين فيما بعد أن الخبر كاذب.

وعدَّت حركة «إيرا» الحقوقية أن مسطرة الإجراءات التي اتُّخذت في حق الناشطة وردة تضمنت خروقاً إجرائية واستخدام القضاء لتصفية الحسابات السياسية، وهو ما نفته النيابة بشدة مؤكدة أن جميع الإجراءات كانت قانونية.