مراجعات لم يكتبها «الإخوان»... كيف وصلت الجماعة إلى بداية النهاية؟

مسار من الأخطاء والانشقاقات يشكك بقدرة التنظيم على التعافي من «محنته» الأخيرة

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

مراجعات لم يكتبها «الإخوان»... كيف وصلت الجماعة إلى بداية النهاية؟

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

يكاد تنظيم «الإخوان المسلمين» يكمل مائة عام من الوجود الصاخب، ورغم فشله في كل الساحات والمساحات وخصومته الممتدة مع المجتمعات والحكومات بما كان يحتم عليه أن يحرص على المراجعة الجادة لأهداف مشروعه ووسائله وسلوكه في السعي لأهدافه، خصوصاً مع ما تكبده من خسائر وما سبَّبه من دمار وخراب، أصاب مصائر الكثير من الدول التي ابتُليت بوجوده بين ظهرانيها. رغم ذلك كله، تمسكت الجماعة برفع شعار «المحنة» التي تستلزم الصبر، شاهرةً في وجه من يريد مراجعةً أو تقييماً الاتهامَ بأنه «داعية فتنة»، يستهدف بلبلة الصف «الإخواني» وهدم «الجماعة الربانية».
لم يُعرف عن «الإخوان» أي انخراط جاد في مراجعة، على مستوى الأفكار والأدبيات والسلوك والاجتهادات السياسية والفكرية، وهو ما أسهم في تكلسها تنظيمياً وفكرياً على نحو كان من أهم الأسباب التي ساقتها إلى محنها الحقيقية والمفتعلة. وقد ضربت الجماعة جملة من التطورات الدراماتيكية في السنوات الماضية، على نحو لم تعرفه عبر تاريخها تحلت في مواجهتها بحالة من حالات الإنكار التي جعلتها تحمّل الجميع مسؤولية ما جرى منها ولها، من دون أن تشير ولو من طرف خفيّ بإصبع الاتهام إلى مناهج التفكير أو التدبير التي حكمت سلوكها، سواء في مرحلة ما قبل يناير (كانون الثاني) 2011 أو ما جرى خلال يناير وما تلاها من وصولها للحكم على نحو ما يعرفه الناس جميعاً.
- خطايا التأسيس
لم تبدأ خطايا الجماعة مع الانتقال من مربع الدعوة والتربية إلى مربع السياسة ومحاولة الوصول للحكم الذي استجلب عليهم غضب الجميع في الداخل والخارج، يوم أعلنها حسن البنا في العام 1938 مع رسالة المؤتمر الخامس التي كشفت حقيقة مشروعه بوصفه مشروعاً سياسياً يتوسل بالدين، السلاح الأكثر فاعلية في السيطرة على عواطف الناس. منذ هذه اللحظة، بدأ نزيف الجماعة الشعبي على عكس ما يعتقد الكثيرون، وبدأ الصعود ولكن نحو الهاوية في الحقيقة. فقد غادرها الكثير من الشخصيات العاقلة، ممن ارتبطت بها تحت دعاوى الإحياء الإسلامي والدعوة لتمكين القيم الإسلامية من النفوس، والتوسل في الأساس بنمط محبب للمصريين وهو التصوف، إذ غلبت على عملية التربية والدعوة في هذه المرحلة، المأثورات ووظائف الحركات الصوفية.

محمد مرسي وإلى يمينه محمود حسين الذي يقود إحدى الجبهات المنقسمة (غيتي)

لم تناقش أبداً جريمة تأسيس ما سُمي بـ«النظام الخاص»، تلك الميليشيا العسكرية الموازية للنظام العام للجماعة، والذي خرج تماماً عن سيطرة حسن البنا وإن كان البعض يعتقد أن الأمر لم يكن يعدو توزيعاً للأدوار، وأن التدبير كان يقتضي أن يفعل «النظام الخاص» ما يفعله، فإذا كُشف أمره أعلن البنا أنه غير مسؤول عن أعماله.
في لقاء جمعني بمحمد فريد عبد الخالق -وكان سكرتيراً لحسن البنا في أحرج المراحل- أكد أن البنا غضب من عمليات «النظام الخاص» غضباً شديداً، وظل يردد وهو يشد شعره: «أنا أبني وهم يهدمون». إذن فقد بدأ الهدم مبكراً بالفعل، ولم يكن حسن البنا قد استكمل البناء بعد، إذ دخلت الجماعة صراعاً مفتوحاً مع الجميع، وفقدت قيادة المؤسس الذي كان لا يزال يحتفظ بالكثير من الأفكار والخطط لجماعته، وقد هضم الدرس بأن سلوك مسار السياسة ومخالفة نصائح شيخ كالحافظ التيجاني الذي نصحه بألا يقترب من السياسة ويبقى في دائرة الدعوة والتربية، كان خطأ كارثياً أدركه قبل اغتياله بشهور.
- «مفاصلة شعورية» وعزلة وجدانية
ظلت الجماعة تمارس نشاطها بإرادة النظام الخاص ورؤيته المغلقة في الفترة من 1949 بعد اغتيال مؤسسها حتى تغيرت طبعتها تماماً مع سيد قطب في 1954 الذي كتب خطتها الجديدة لتنتقل من حالة «روح جديدة تنساب في الأمة لتحييها بالقرآن» بتعبير البنا، إلى حالة «المفاصلة الشعورية» والعزلة الوجدانية التي تنطلق من النظر إلى المجتمعات الإسلامية بوصفها مجتمعات جاهلية، ابتعدت عن حاكمية الله لحساب حاكمية البشر وضلَّت في التصور والاعتقاد والسلوك، ما أنتج أفكار الاستعلاء الإيماني. وأتعجب كيف يستقيم جمع كلمة استعلاء مع إيمان في جملة واحدة؟ ولكن الفكرة مرت وكسبت في السجون زخماً وأنصاراً جدداً، حتى تحورت فكرة «الإخوان»، لتترسخ في وعيهم مقولات «المؤامرة على الإسلام بين كيد أعدائه وجهل أبنائه» أو «جاهليتهم»، كما سمّاها قطب.

القرضاوي حاول التوسط في صراع الجبهات (إ.ب.أ)

وبين مؤامرة محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في 1954 وتنظيم 1965 الذي تزعمه سيد قطب، جرت تحت الجسر مياه، وانتعشت نظريات سيد قطب ووجدت أنصاراً ودخلت الجماعة نفقاً طويلاً، كان آخره تجربة «الإخوان» القصيرة في حكم مصر والتي سيطرت على مقدراتها مجموعة قطبية أدمنت العمل السري ولم تتحرر من مشكلاته حتى عندما وصلت إلى الحكم، ولم تتصرف إلا بالطريقة التي درجت عليها واعتادتها طوال عقود.
نحن هنا أمام مدرستين في التفكير والتدبير يستحيل الجمع بينهما... فقد بدا أن محاولة الجمع بين السلمية والعنف، بين السرّيّ والعلنيّ، بين الدعوة والسياسة، بين الشارع والحكم، محاولة للإمساك بكل شيء. وهو السلوك الذي تمسكت به الجماعة عبر تاريخها، بحديثها عن نفسها كهيئة إسلامية جامعة بتعبير البنا، وبدا أمراً مستحيلاً، تأكدت استحالته بالتجربة والبرهان، بما يؤكد الحاجة إلى مراجعة مفصلة لتلك المواضع التي تأكد فيها فشل «الإخوان» عبر تاريخهم الممتد خلال قرن من الزمان، وما يقف وراء ذلك من قيم وأفكار ومفاهيم.

شكَّلت محاولة اغتيال عبد الناصر في 1954 نقطة تحول في مسيرة «النظام الخاص» للجماعة (غيتي)

تبدو المراجعة أمراً يفرضه العقل، أو بتعبير «الإخوان» الأثير حين يعتقدون في حتمية شيء فيقولون إنه «فريضة شرعية وضرورة بشرية»، وهو ما ينطبق على المراجعة التي نناقش فيها ما جرى لهذا التنظيم: أفكاره، وقيمه، ومشاريعه، وأهدافه، ووسائله، وفعله بنفسه وبالآخرين. عبر مراجعة هادئة لم يكتبها «الإخوان»، أتقمص فيها شعور «الإخوان»، من دون عقلهم المحجوب خلف أساطير التنظيم، آمل بأن أبدد الدخان الذي حجب الرؤية عن عقولهم التي أدمنت الإنكار.
- «جماعة المؤمنين» ووهم «الرعاية الإلهية»
«صنع الله دعوة الإخوان المسلمين على عينه، فرسم لها طريقها وحدد لها أهدافها واختار لها الخير في كل خطواتها ومراحلها حتى في حالة الهزيمة والانكسار، بل إن أشخاصها وقيادتها جاءت أشبه بالاختيار الرباني فعكست في أفكارها وتصرفاتها وقرارتها الشخصية، وربما صفاتها وأسمائها العناية الإلهية لدعوة الإخوان، والتي تضع كل شيء في موضعه ونصابه لذا لم تكن مصادفة أن يكون حسن البنا هو المرشد الأول الذي بدأ الدعوة ووضع البناء، وحسن الهضيبي هو المرشد الثاني الذي قاد سفينة الدعوة في محنتها وتصدى لمن كادوا لها من رجال الثورة فكان الهضبة التي تحطمت عليها مخططاتهم ومكائدهم، ثم جاء عمر التلمساني بعده فأعاد تجميعها وتلمّس لها خطواتها بعد المحنة الناصرية، وحل بعده حامد أبو النصر مرشداً رابعاً فكان عنوان النصر الذي أحرزه الإخوان في النقابات ونوادي هيئات التدريس والمجالس المحلية والبرلمان إلى أن توفاه الله، وتولى بعده مصطفى مشهور الذي يضع الإخوان عليه الآمال في أن يعيد شهرة الجماعة عالمياً، وهو صاحب الجهد الأكبر في بناء وقيادة التنظيم العالمي للإخوان».

مصطفى مشهور ومأمون الهضيبي يتصدران مشيعي جنازة حامد أبو النصر التي شهدت «بيعة المقابر» عام 1995 (غيتي)

يرى الباحث حسام تمام أن هذه المقولة التي صدّر بها أحد الصحافيين «الإخوان» حواراً أجراه مع مصطفى مشهور، عقب توليه منصب المرشد العام لـ«الإخوان» سنة 1996، تكشف بجلاء طبيعة النظرة «الإخوانية» لتاريخ الجماعة، بوصفه تاريخاً لجماعة المؤمنين التي تعهدتها الرعاية الإلهية، فالله تعالى هو من رسم طريقها واختار لها كل خطواتها. إذن أي خلاف أو نقد في تلك الحالة يكون أقرب إلى التجديف والإلحاد، فمن ذلك الشخص الذي يستدرك على فعل الله في خلقه؟ بهذه الروح تعامل «الإخوان» مع تاريخهم، وجرائمهم بحق الدين والوطن، ثم الادعاء المكرر بنصرتهما في كل ما فعلوه عبر تاريخهم.
في حواره مع المتحدث الإعلامي لجبهة محمود حسين، إحدى الجبهات المتنازعة على قيادة التنظيم والمعروفة بـ«جبهة إسطنبول»، مع قناة «مكملين» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، قال علي حمد إن «التنظيم هو الضمانة التي تحول دون الذوبان والاندماج مع الغير»، في سياق تبريره للتمسك بالتنظيم، رغم حالة الانقسام التي تحولت فيها الجماعة من حالة التنظيم الواحد والقيادة الواحدة إلى شظايا تدّعي كل منها أنها الأقدر على تجسيد أفكارها وقيادة مشروعها الملتبس وتنظيمها الغامض المشتت.

لم تدرس الجماعة بجدية أسباب فشل تجربة حكم الرئيس السابق محمد مرسي القصيرة (غيتي)

الفارق الزمني بين المقولتين الأولى والثانية يتجاوز عقدين من الزمان، لكن طريقة التفكير واحدة، بما يعكس حقيقة أن التنظيم «الإخواني» يعد -عند الجماعة- هدفاً بذاته، لا وسيلة لتحقيق مشروع ما.
- كيف سيطر «النظام الخاص» على روح «الإخوان»؟
المتأمل في تاريخ التنظيم وتركيبة قيادته يدرك أنه ظل تنظيماً سرّياً غامض الأهداف يتوسل بجمهور عريض لا يعرف شيئاً عن حقيقة أهدافه ووسائله، إلا ما عرفه من خلال تنظيم عام ادعى الصلة بالدعوة ومكارم الأخلاق وتمكين القيم من النفوس.
أنشأ حسن البنا التنظيم واحتفظ بخطته الاستراتيجية، وكثيراً ما كان يُسرّ إلى أقرب خلصائه بأنه لا يبوح عن خططه إلا في الموعد المناسب، فتدرّج في الانتقال من الدعوة إلى السياسة مراوحاً بين السرّية والعلنية... بين السلمية والعنف.
كتب البنا كل وثائق التنظيم المعروفة، سواء رسائل أو لوائح، وظل هو المفسر الحصري لها مع دائرة ضيقة من رجال «النظام الخاص»، وتحديداً خلية العشرة الذين قادهم مصطفى مشهور وأحمد حسنين معتقداً أن القدر سيمهله لتحقيق خطته والإفصاح عن مراحلها، لكنه قُتل في فبراير (شباط) 1949 قبل أن يصل إلى تحقيق تلك الأهداف.

أعضاء «الإخوان» في جامعة الأزهر خلال أعمال عنف عقب نهاية تجربة حكم الجماعة في 2013 (غيتي)

لذا بعد وفاته أمسك رجال «النظام الخاص» بقيادة التنظيم. وظلت هذه القيادة بشخوصها ونهجها هي الأمينة على أفكار حسن البنا ومشروعه، ولم يكن ظهور البعض ممن حُسبوا على التنظيم العام الدعوي سوى شكل من أشكال العلاقات العامة والاختباء خلف قيادات تبدو مدنية.
في هذا السياق، قدم النظام الخاص حسن الهضيبي، القاضي القريب من الملك (كان متزوجاً من ابنة ناظر الخاصة الملكية وقيل إنه اختيار القصر)، ورغم أن الهضيبي حاول أن يحل هذا النظام أو يعيد تأهيله ليكون خاضعاً له فإنه فشل بطبيعة الحال.
تلا الهضيبي عمر التلمساني الذي كان واجهة مدنية بشخصيته وعلاقاته بالقوى السياسية المصرية، ليتسلل النظام الخاص تحت عباءته إلى المجتمع المصري من جديد. وقد شهد عهده بروز هذا التزاوج بين من تبقى من رجال «النظام الخاص» ومجموعة القطبيين، وهم تلك الفئة التي استلهمت أفكار سيد قطب التكفيرية لتصنع مزيجاً خاصاً يجمع بين مراوغة البنا وصراحة قطب.
وبوفاة التلمساني، لم يعد «النظام الخاص» بحاجة للاختباء فقد أُعيد بناؤه من جديد، ومعه نظام عام يختبئ فيه، قوامه الوجود في النقابات والجامعات والبرلمان. قاد مصطفى مشهور الجماعة وبرزت وجوه «النظام الخاص» في عام 1986 مع ولاية محمد حامد أبو النصر الذي كان من رجال «النظام الخاص». لكن ظل مشهور يقود التنظيم فعلياً إلى أن مات أبو النصر في العام 1996، وحدثت ما تسمى «بيعة المقابر»، حيث بايع رجال «النظام الخاص» مشهور وهم يدفنون أبو النصر، في إيحاءٍ بمؤسسية زائفة لم تتمسك بها الجماعة يوماً.
ومضى قطار التنظيم يشق طريقه في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر والكثير من أقطار العالم، ليصل مع خروجه من حكم مصر إلى مرحلة التشظي، وينقسم إلى أربعة كيانات تنظيمية... فماذا جرى للتنظيم الذي اكتسب قوته وتأثيره محلياً وإقليمياً وربما دولياً عبر تنظيم وقيادة واحدة؟ وكيف خسر التنظيم وحدته؟ وما مستقبله في ظل كل ما جرى، خصوصاً مع حالة الانكشاف الأخلاقي والسياسي التي يعيشها؟
- أخطر انقسامات «الإخوان»... متى وأين وكيف؟
لا يكاد القارئ الذي يطالع ما ينشر عن خلافات جبهات «الإخوان» المتصارعة، أن يدرك كيف وصل قطار الجماعة التي عُرفت دوماً بتنظيمها الحديدي إلى محطة الانقسام والتفتت، ما يستدعي تقديم استقصاء دقيق يوضح للقارئ الوقائع المتتالية التي تكشف حقيقة ما جرى.
في كل الصراعات بين التنظيم والدولة في مصر، كانت هناك خطوط حمر في المواجهة بين الطرفين، وكانت هذه الخطوط تُمكن التنظيم من إعادة بناء صفوفه واستعادة لُحمته، فماذا حدث هذه المرة؟
على خلفية مطاردات واسعة ونوعية لأجهزة الأمن المصرية في أعقاب فض اعتصامي «رابعة» و«النهضة» في أغسطس (آب) 2013، وبعد أيام قليلة من خروج «الإخوان» من حكم مصر، اختفت تقريباً معظم قيادات التنظيم خشية القبض عليهم وحرصوا على عدم التواصل بعضهم مع بعض.
كان هذا الهروب إيذاناً بحدوث أول فراغ قيادي كامل في تاريخ التنظيم، خصوصاً بعد القبض على معظم الهيكل القيادي المتمثل في مكتب الإرشاد والمكاتب الإدارية بالمحافظات وكذلك مجلس الشورى العام.
أدار التنظيم أموره وفقاً للمستجدات بمن تبقى من قياداته، إذ آلت إدارته إلى عضوي مكتب الإرشاد محمد كمال، ومحمد عبد الرحمن المرسي معاوناً له، ضمن مجموعة سُميت لجنة إدارة الجماعة.
وفي سياق سيولة لم يعرفها التنظيم في صفوفه عبر تاريخه بهذه الحدة، دار نقاش بين محمد كمال المنتمي إلى التيار القطبي في الجماعة، ومن تبقى من قيادات التنظيم حول مشروعية حمل السلاح في مواجهة أجهزة الأمن، إذ راجت فتاوى تماهت مع النقاش تحرض على قتل ضباط الجيش والشرطة، وحدثت بالفعل جرائم بحق الكثير من الضباط، وظهرت حركات مسلحة تتبع مباشرة تنظيم «الإخوان»، بل يشرف محمد كمال على تمويلها وترتيب خططها في استهداف الشرطة والجيش (وفق تصريحات سابقة لقادة «إخوان»، ومعلومات من قادة حاليين من جبهة محمود حسين).
كان رد الشرطة حاسماً على مجموعات العمل المسلح التابعة لـ«الإخوان»، فتم قتل مجموعة الثمانية التابعة للجماعة في منطقة 6 أكتوبر (غرب القاهرة)، وهي المجموعة التي كانت تشرف على إدارة التنظيم تحت يد محمد كمال. كان ذلك في يوليو (تموز) 2015. وساعتها أدرك تنظيم «الإخوان» أن الدولة لن تتهاون في استخدام القوة لمواجهة تنظيماته المسلحة.
حدث ساعتها نقاش كبير داخل «الإخوان». حذر إبراهيم منير من أن الاستمرار في المقاومة المسلحة للسلطة سيدفع النظام المصري إلى استخدام ورقة العنف لتصنيف التنظيم في الغرب بوصفه تنظيماً إرهابياً، ومن ثم بدأت بعدها مراجعة سياسة «الإخوان» من جانب منير وحسين ومن في نفس موقفهما، ليتم إعلان إقالة محمد كمال من إدارة التنظيم وحل اللجنة التي تدير الجماعة بالكامل.
رفض محمد كمال الأمر ومعه فريق قليل، منه علي بطيخ ومحمد منتصر الذي تم تعيينه متحدثاً إعلامياً باسم جبهة محمد كمال. كان ذلك أول شقاق كبير داخل «الإخوان» منذ فقدوا حكم مصر. بات محمد كمال معزولاً ومعه قلة قليلة، بينما أدار إبراهيم منير ومحمود حسين التنظيم من الخارج تحت قيادة القائم بأعمال المرشد محمود عزت، إذ أُعلن أن عزت رفض مسار العنف وتمسك بـ«السلمية» في مواجهة السلطة. كان هذا تأكيداً على حدوث الانقسام الأهم بين كمال الذي اعتمد العنف مساراً مباشراً ومفتوحاً في مواجهة الدولة، وعزت الذي تمسك بالكمون والرفض العلني للعنف.
- محطة الخلاف الثاني
تكرس الخلاف بين الطرفين. وخرج محمد كمال ببيان بعنوان «إبراء ذمة» يحكي فيه كيف تم إقصاؤه، وأنه لم يتأخر عن تلبية الدعوة من جانب قادة «الإخوان» للنقاش حول مستقبل الجماعة، ودعم موقفه في هذه الفترة بعض القيادات مثل علي بطيخ ومجدي شلش ومحمد منتصر، وغيرهم.
ومع دخول أكتوبر (تشرين الأول) 2016، أُعلن عن مقتل محمد كمال على يد قوات الأمن، لتبدأ ساعتها الاتهامات من جانب مجموعته لقادة التنظيم بالمسؤولية عن مقتله، وأنهم هم من أبلغوا الأمن عن مكانه، ليدخل التنظيم في أتون أزمة وخلاف أكبر.
بدأ كل من محمود حسين وإبراهيم منير ممارسة نشاطاتهما وسلطاتهما بوصفهما «القيمين على التنظيم». وأعلنا فصل القيادات المحسوبة على جبهة كمال كافة، خصوصاً مع إصرار هذه القيادات «الكمالية» على الصدام المسلح مع السلطة، فكان قرار الفصل لكل الداعمين لاستخدام العنف في مصر، ليصبح كل هؤلاء بنهاية 2017 وبداية عام 2018 خارج التنظيم، وبالتالي بات التنظيم جماعتين في هذه اللحظة.
- تنظيم «الإخوان» يصبح ثلاث جماعات
لم تقف الأمور عند هذا الحد، إذ أُلقي القبض على محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام في أغسطس 2020، ليبدأ النقاش حول خلافته، ومن هو الأحق بهذه الخلافة؟ احتج محمود حسين بكونه الأمين العام للجماعة، وعضو مكتب الإرشاد الوحيد خارج مصر، بينما أكد منير أنه الأحق، لأنه كان يدير التنظيم بالخارج، فضلاً عن عضويته في مجلس الشورى العالمي.
بادر منير باتخاذ إجراءات لحسم الصراع لصالحه، فأقدم على تشكيل لجنة معاونة له في إدارة التنظيم وحل ما يعرف بمكتب الإرشاد، ملغياً منصب الأمين العام، ليردّ حسين في المقابل معلناً رفض هذه القرارات بالمطلق، ومعلناً فصل إبراهيم منير ومجموعته التي شكَّلها لإدارة التنظيم، وهي لجنة من سبعة أشخاص، متذرعاً بأن أعضاء مجلس الشورى العام داخل مصر، كلهم يدعمون موقفه. وهو أمر مشكوك في صحته بالنظر لوفاة أكثر أعضاء المجلس والقبض على من تبقى منهم.
لم يكن لدى جبهة منير أي وجود داخل مصر من القيادات المحسوبة على الصف الأول، فكلهم إما في الخارج وإما في السجون، ولذلك كانت ورقة «الداخل المصري» هي الورقة التي يضغط بها حسين على جبهة منير.
جرت محاولات متعددة للصلح بين الطرفين قادها المصري يوسف القرضاوي والموريتاني محمد الحسن ولد الددو. كما جرت محاولتان للتفاهم، قادهما محمود حسين، حضر في إحداهما بنفسه للقاء محمد البحيري، القيادي التاريخي المحسوب على إبراهيم منير، لكن النقاش والاجتماع لم يسفرا عن شيء حتى وفاة منير مطلع الشهر الماضي، ما أكد أن الخلاف مستمر ليتكرس الانقسام داخل الجماعة التي ظلت تنظيماً مركزياً صارماً لعقود، فاستحالت ثلاث جماعات أو أكثر، كل منها يدّعي أنه الأمين على مشروعها والممثل لعناصرها.
- هل نشهد انهيار تنظيم «الإخوان» من داخله؟
في معرض تعليقه على مقال كتبه أكاديمي «إخواني» سابق تناول الخلافات التنظيمية بين فروع التنظيم، علق قيادي «إخواني» سابق تعليقاً كاشفاً عن طريقة التفكير الحالية لقطاع واسع داخل الجماعة، ربما يعطينا فكرة عن حقيقة ما يجري في الجزء الأكبر من التنظيم البعيد عن ضجيج المعركة التي يدور أوارها على مواقع التواصل الاجتماعي.
لم يعطِ المعلق وزناً يُذكَر لتلك الخلافات التنظيمية التي يراها عَرَضاً لمرض ونتيجة وليست سبباً، حتى عبَّر بسخرية قائلاً: «بالله عليكم أنتم بتتخانقوا على إيه؟»، مضيفاً: «لو عدنا لأصل المشكلة التي تتفرع منها بقية المشكلات فهي الأزمة الفكرية... ثم بدأ بطرح السؤال الأهم: هل من الصحيح تكوين جماعة شاملة عوضاً عن مفهوم الإسلام الشامل الذي يسع الجماعة وغيرها؟».
وأشار الرجل إلى أن الخلط بين شمولية الدين وشمولية التنظيم، دفع الجماعة إلى أن تكون إطاراً موازياً للدولة، وبالممارسة لم تعد «جماعة من المسلمين» بل جعلت من نفسها «جماعة المسلمين» التي من المفترض أن تنمو إلى دولة. فمنذ أن رأى البنا سقوط الخلافة العثمانية، أراد أن يكون دولة مصغرة بكل مقوماتها تكبر مع الزمن، من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع إلى الدولة إلى الخلافة إلى أستاذية العالم، وهنا نفهم أن الجماعة هي المنوط بها هذه المهمة، ومن ثم فأي نفي لفكرة «جماعة من المسلمين» لا يعد صحيحاً، لأن الممارسة تكشف عن أنها ترى نفسها «جماعة المسلمين» تتطور رويداً رويداً حتى تصل إلى «أستاذية العالم».
ولذلك في الأفكار والمفاهيم، فهي «دعوة سلفية، طريقة سنية، حقيقة صوفية، هيئة سياسية، جماعة رياضية، رابطة علمية ثقافية، شراكة اقتصادية، وفكرة اجتماعية»، حسبما وصفها البنا!
لقد أراد البنا أن يقدم الجماعة من كل الأبواب الممكنة، بما يسهل تمددها، إلا أن محاولته ومن بعده كانت تحمل مسببات التعثر، فقد أصبح التنظيم بلا رؤية سياسية واضحة.
وربما تجدر الإشارة هنا إلى ما رصدناه في أكثر من دراسة عن إصابة «الإخوان» بعمى استراتيجي كامل، وهو ما تشرحه فقرة لاحقة يقول فيها: «ولذلك اصطدم (التنظيم) مع نظام الملك (فاروق) وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك وحتى الآن، ولا يمكن اعتبار ما حدث للجماعة من تنكيل ظلمت فيه إلى حد كبير، مقابلاً لصحة موقفها، فلا يمكن الحكم على مسار أنه صواب لأنه تم التنكيل بأصحابه».
هذه الفكرة نزلت إلى ميدان التجربة (ومن غير المتصور أنها كانت تعتقد أنها ستعمل في فضاء بلا عائق)، كانت شرعية في زمن الملك فانقسمت وتعثرت، وتحالفت مع نظام يوليو فتعثرت مرة ثانية، وعارضت نظام السادات ومبارك فتعثرت مرة ثالثة، وسعت إلى الحكم بعد 2011 فتعثرت مرة رابعة.
في كل أطوارها: من وجود قانوني، إلى وجود غير قانوني، إلى تحالف، إلى معارضة، ثم سعي إلى حكم... كانت مآلات الجماعة هي التعثر والتنكيل. وفي أدبياتها تستدعي «غزوة أحد» كأن مسار الدعوة الإسلامية كان كله «غزوة أحد»!
إذا كانت التجربة الميدانية، بأكثر من شكل وفي أكثر من زمان، لم تأتِ بغير التعثر، وهو ما حدث في الجزائر وسوريا وتونس والمغرب واليمن والعراق والسودان... كله تعثر، في أكثر من زمن وأكثر من بلد، ألا يدعو هذا إلى التفكير في أصل الفكرة نفسها: معطيات كهذه تؤدي دائماً إلى نتائج كهذه؟
بينما تلفت شهادة أخرى إلى أن هناك «كهانة» تسيطر على عمل «الإخوان» التنظيمي، بدت مظاهرها -على حد تعبيره- في رغبة البعض أن يبدو كأنه شخص غير عادي يعلم ما لا يعلمه الآخرون، لديه حرص على الجاه والسلطة، يغلفه دائماً بالتأكيد على الزهد في الدنيا والمناصب، والتأكيد على أن كل كلمة أو سلوك إنما هي لوجه الله، مؤكداً أنه في الوقت الذى يعلم فيه الجميع أنه لا وجود لتنظيم على أرض الواقع، وإن ظل البعض لسنوات عجاف يتكلم باسمه ويتشدق باللائحة ويزعم التواصل مع الإمام الغائب، ويتكلم في وسائل الإعلام باسم تنظيم لا وجود له، وما ذاك إلا كذب أو تدليس من دون اكتراث بتوابع ذلك على مصالح الدولة المصرية، أو ما يتعرض له المنتمون السابقون أو من هم في السجون أو المطلوبون، ألا يعد ذلك في أحسن الظنون تقديماً لرغبات نفسية لدى بعض الرموز على مصالح كبرى ذات اعتبار؟
ولو تكلمنا بالمنطق فإن هذا الإصرار ليس إلا تضحية بالآخرين وبكل شيء مقابل رغبة شخصية غير مشروعة، وذلك سلوك الكهنة الذين باعوا الدين ومصالح العباد في الدنيا والآخرة، من أجل كهنوت شخصي يعبّر عن نفسية وضيعة. إن سلوك الكهنة هو الذى يعطي المبرر الوحيد لما يتعرض له الأفراد من بلاء، بينما هم حناجر وألسنة لمن يعيشون في مأمن خارج البلاد من دون عمل أو حياء.
نحن أمام شهادتين لافتتين تعرّيان حقيقة التنظيم، ليس عبر نقد من مراقبين من خارجه أو من كتاب محايدين، بل عبر أقلام من داخل الجماعة تفكر بطريقتها وتشعر بمشاعر أعضائها، وهذا مكمن الأهمية، على طريقة و«شهد شاهد من أهلها».
بين طرح للسؤال الوجودي الصحيح الذي ينسف الجماعة ويؤكد ضرورة زوالها، وبين شرح وافٍ للكهانة التي تتمسك بها قيادات تتمسك بإدارة تنظيم متداعٍ حرصاً على مكاسبها الشخصية، ومن دون اكتراث لما جناه الدين والوطن... يبدو أننا وللمرة الأولى بعد عقود من وجود التنظيم، أمام حراك داخله قد يؤدى إلى طرح الأسئلة الصحيحة التي لن تخطئها الإجابات، ليس من خارج التنظيم تلك المرة ولكن من داخله، فمثل هذه التنظيمات في العادة تنهار من الداخل وليس من الخارج، خصوصاً أن التجربة أثبتت أن كل هجوم أو نقد من خارجها، يستنفر عوامل الدفاع الذاتي ويؤخر التعافي من مرض التنظيم الذي لا أظن أن يعبر لقرن قادم.
* باحث مصري في شؤون جماعة «الإخوان المسلمين»


مقالات ذات صلة

إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

المشرق العربي من التصويت على التعديلات المقدمة من مجلس شورى «جبهة العمل الإسلامي» على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

صوتت الهيئة العامة لحزب «جبهة العمل الإسلامي» على تغيير اسمه التاريخيّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992، واختيار اسم «حزب الأمة»، وذلك في فعاليات الجلسة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي إدارة الجلسة الاستثنائية للمؤتمر العام لـ«جبهة العمل الإسلامي» سابقاً في الأردن السبت لمناقشة التعديلات على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

الأردن: «العمل الإسلامي» يخلع اسمه التاريخي ويتحوّل إلى «حزب الأمة»

غادر أقدمُ الأحزاب الأردنية؛ حزبُ «جبهة العمل الإسلامي»، اسمَه التاريخيَّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
شمال افريقيا مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

ضربات تتواصل لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة بعدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

تحليل إخباري بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

اتساع دائرة الحظر الدولي يُزيد الضغوط على «إخوان مصر»

يتسع الحظر الدولي ضد «الإخوان» بعد قرار هولندا تصنيفها «إرهابية» مما يُزيد الضغوط على الجماعة في مصر بعد أكثر من 13 عاماً على حظرها بها.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.


إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.