البشير يقر أمام المحكمة بمسؤوليته عن انقلاب «الإنقاذ» سنة 1989

حاول تبرئة المدنيين والعسكريين المشاركين معه... ومحامون قالوا إن ما ذكره سيزيد وضعه القانوني سوءاً

الرئيس السوداني السابق عمر البشير (أرشيفية - الشرق الأوسط)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

البشير يقر أمام المحكمة بمسؤوليته عن انقلاب «الإنقاذ» سنة 1989

الرئيس السوداني السابق عمر البشير (أرشيفية - الشرق الأوسط)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير (أرشيفية - الشرق الأوسط)

برّأ الرئيس السوداني المعزول عمر البشير معاونيه من الإسلاميين المدنيين من المشاركة في انقلاب يونيو (حزيران) 1989 الذي أطاح الحكومة الديمقراطية المنتخبة بقيادة رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي، وأعلن تحمله المسؤولية كاملة عن الانقلاب، أمام محكمة في الخرطوم الثلاثاء، وذلك بخلاف تصريحات واعترافات سابقة على لسانه وألسنة معاونيه قبيل إطاحة حكومتهم.
في مايو (أيار) 2019، وجهت النيابة العامة بلاغات جنائية ضد البشير، الذي أُودع السجن بعد عزله من الرئاسة وإطاحة حكومته، عقب ثورة شعبية واحتجاجات عارمة نددت بحكمه وبالتردي الاقتصادي الذي تعيشه البلاد وقتها، وذلك في 11 أبريل (نيسان) 2019.
وبدأت المحاكمة الجارية الآن في 21 يوليو (تموز) 2020، ويواجه فيها البشير والمتهمون الآخرون تهمة تقويض النظام الدستوري، وهي تهمة عقوبتها الإعدام.
وقال البشير أمام لمحكمة التي تحاكمه و27 من المتهمين بتدبير الانقلاب، وأبرزهم نائبه السابق علي عثمان محمد طه، ومساعده نافع علي نافع، وأمين حزب الترابي علي الحاج محمد، والوزير السابق عوض أحمد الجاز، إنه يتحمل المسؤولية كاملة وبمفرده عن الانقلاب.
وسخر البشير مما سماه محاولات هيئة الاتهام لإثبات التهمة بقوله: «كنت أتابع محاولات هيئة الاتهام بتقديم فيديوهات وشهود اتهام، وأنا أسمع وأستمتع». وتابع: «أخاطب المحكمة الموقرة، وأقول: أنا أتحمل كل المسؤولية عما تم في 30 يونيو، وأعلم أن الاعتراف هو سيد الأدلة».
كما حاول البشير تحمل المسؤولية عن رفاقه العسكريين المتهمين معه بالقول: «أقول للمحكمة إن كل أعضاء مجلس قيادة الثورة الموجودين في هذه القاعة، ما كان عندهم أي دور في التخطيط أو التنفيذ، وإنما تم اختيارهم من بين خيرة ضباط القوات المسلحة ليمثلوا وحداتهم وبعض الجهات». وتابع: «ما كان عندهم دور، لا في التخطيط ولا في التنفيذ».
وقال عضو هيئة الاتهام ضد البشير المحامي المعز حضرة لـ«الشرق الأوسط» عقب جلسة المحكمة أمس، إن للمتهم الحق في دحض بينات الاتهام، لكن اعترافات البشير لا تخدم قضيته، وإنه أقر بارتكاب جريمة تقويض النظام الدستوري، ولن يفيده وصف القضية بأنها قضية سياسية، وأن محاولته تبرئة بقية المتهمين لن تفيدهم؛ لأن هناك بينات مباشرة ضدهم، وتابع: «ما ذكره سيزيد وضعه القانوني سوءاً».
وتناقض اعترافات البشير أمام المحكمة اعترافات زعيم حركة الإسلاميين السودانيين الراحل حسن عبد الله الترابي، التي أدلى بها في برنامج «شاهد على العصر» عبر قناة «الجزيرة»، والذي قال إن البشير لا علاقة له بالتخطيط أو التنفيذ، وإنهم أتوا به قبل يوم من الانقلاب من منطقة نائية في السودان ليقوده باعتباره الرتبة الأعلى بين الضباط الإسلاميين، وأنه لم يشارك لا في التخطيط ولا في التنفيذ.
واعترف الترابي، في حديثه للفضائية التي بثت اعترافاته بعد وفاته، بأن الضباط من الإسلاميين الذين قادوا الانقلاب شاركوا في التخطيط والتنفيذ، ولم يكن البشير بينهم، وأن الجنود الذين شاركوا معظمهم من الإخوان المدنيين الإسلاميين الذين ارتدوا أزياء عسكرية؛ لدعم الانقلاب الذي خططت له حركته على مدى أكثر من عقدين من الزمان.
وقال البشير مبرئاً مساعديه المدنيين من قادة الحركة الإسلامية السودانية المتهمين معه: «أؤكد للمحكمة: ما في أي مدني دخل معنا. عمل عسكري بحت، وما كنا محتاجين لمدنيين ليساعدونا على التخطيط ولا التنفيذ».
وتخالف اعترافات البشير تصريحات للعسكريين والمدنيين المتهمين معه أثناء وجودهم في السلطة. فقد نقلت وسائل الإعلام السودانية والأجنبية تصريحات لمعظمهم، تناولوا فيها بإسهاب أدوارهم في الانقلاب، كما تحتفظ الذاكرة الشعبية السودانية بتصريحات وأفعال إبان الانقلاب وبعده، تكشف دور كل من المتهمين بتدبير الانقلاب.
وأوضح البشير أن انقلابه لم يكن يهدف للانفراد بالسلطة، لذلك فتح حواراً مع كل القوى السياسية، وأعطى الضباط المكلفين بالاعتقالات تعليمات صارمة بعدم الإساءة للقيادات المعتقلة وإحسان معاملتهم، وأشار في ذلك لاعتقال الزعيم الديني والسياسي محمد عثمان الميرغني.
وقال إنهم استأذنوه وأمهلوه قبل اعتقاله، ثم سمحوا له حين طلب السفر للعلاج في الخارج مع تعهد بالعودة، بيد أنه سافر ولم يعد. وقال: «حين اعتقاله، وجهت بعدم تفتيش بيته، وعدم الدخول على الشريفيات».
وتباهى البشير بما سماه إنجازات حكومته، بما في ذلك اهتمامها بقضية السلام واعتبارها حلاً لكل القضايا التي يعاني منها الوطن، ونجاحها في استخراج النفط، وشروعها في حوار وطني شاركت فيه معظم الأحزاب السياسية، ووقفها الحرب في جنوب السودان.
* متهمون يتمسكون بالبراءة
وكان 6 من معاوني البشير المقربين قد أنكروا في المحكمة المشاركة في الانقلاب، وأبرزهم مساعده الأسبق نافع علي نافع، واللواء يونس محمود، والعميد يوسف عبد الفتاح، وعلي الحاج محمد، واللواء الطيب إبراهيم خير، وأنكر المدنيون معرفتهم بالانقلاب، فيما قال العسكريون إنهم عرفوا بالانقلاب بعد حدوثه، واختيروا أعضاء في مجلس الانقلاب والمناصب التنفيذية بالأوامر العسكرية.
وفي بدايات حكمه، فصل البشير وأعوانه الإسلاميون وشردوا عشرات الآلاف من العاملين في الدولة، تحت مظلة ما أطلقوا عليه وقتها «الصالح العام»، وأدخلوا عناصر «الإخوان» والمحاسيب بدلاء عنهم تحت مسمى «التمكين»، لكن الدخلاء على الخدمة المدنية الذين أطلق عليهم «ذوو الأيدي المتوضئة»، أوغلوا في الفساد والإفساد والتجبر والطغيان.
وحولت حكومة البشير الحرب ضد المتمردين في جنوب السودان من تمرد سياسي إلى حرب دينية، ورفعت شارات الجهاد والأسلمة، ونتج عن ذلك مقتل وتشريد ملايين الأشخاص. ونتيجة لضغوط محلية ودولية، اضطر البشير لتوقيع اتفاقية سلام مذلة مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، أدت لانفصال جنوب السودان في 2011 وتكوين دولته المستقلة.
كما أشعل البشير والإسلاميون حرباً أخرى في إقليم دارفور غربي البلاد، وقُتل تحت ذات الشعارات الدينية وإثارة النعرات العرقية أكثر من 300 ألف مدني، وفقاً للأمم المتحدة؛ ما أدى لتدخل المنظمة تحت الفصل السابع، في ثاني أكبر قوة دولية مسلحة في تاريخ الأمم المتحدة.
وبسبب ممارسات البشير في دارفور، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر بالقبض عليه وعلى ثلاثة من معاونيه، بتهم تتعلق بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم التطهير العرقي، ولا تزال هذه التهم قائمة وتطالب المحكمة بتسليمه.
وكان البشير قد أدلى في خطاب جماهيري سنة 2006 بتصريحات تحدث فيها عما جرى في دارفور، وحمل فيها حكومته وكل من حمّل السلاح معها المسؤولية عن الدماء هناك، وقال بنبرة ندم: «سفكنا دماء المسلمين لأتفه الأسباب... كيف استحللنا دماء المسلمين ونحن نعلم تماماً أن زوال الكعبة لأهون عند الله من قتل نفس مؤمنة، وأن أي خطأ له عقوبة وكفارة في الدنيا إلا قتل النفس المؤمنة؟».
وفي خطاب آخر في العام ذاته، زعم البشير أن من تم قتلهم في دارفور 9 آلاف، وليس 300 ألف كما تقول الأمم المتحدة.
وتحول السودان في عهد البشير إلى مركز لتجميع المطرودين والمغضوب عليهم في بلادهم، وفُتحت أبوابه أمام قادة وتنظيمات المنظمات المتطرفة، وعلى رأسهم زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، والإرهابي كارلوس. وبسبب ذلك، وجهت لحكومته اتهامات بالضلوع في عمليات إرهابية خارج البلاد.
ونتج عن تصرفات البشير أن وضعت الدولة السودانية منذ 1993 في القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، ولم يشطب اسمها من هذه اللائحة إلا بعد أن اضطرت الحكومة المدنية الانتقالية، برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، لدفع تعويضات باهظة لذوي ضحايا أميركيين.
وشنت حكومة الإسلاميين حملات إعلامية عدائية ومستفزة ضد دول المنطقة، وعلى وجه الخصوص دول الخليج العربي ومصر، بلغت ذروتها بمحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أثناء مشاركته في القمة الأفريقية عام 1995، وتحالفت مع إيران قبل أن تقطع علاقاتها بها لاحقاً.
واستخدم نظام البشير عائدات النفط في دعم عملياته الحربية في جنوب السودان ودارفور، وتمويل ميليشياته المتعددة، وأشهرها «الدبابين» و«كتائب الظل» وغيرها. وتقول تقارير اقتصادية إن نظامه بدد أكثر من 90 مليار دولار هي كل عائدات تصدير النفط قبيل انفصال جنوب السودان. ولا يعرف أحد أين ذهبت هذه الإيرادات في الوقت الذي لا تزال فيه البلاد تعاني من تركة الديون الثقيلة والقروض.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.