جُودِث بتلر... الضمير اللغوي والانتماء اليهودي

من أبرز منتقدي إسرائيل في أميركا والمتعاطفين مع القضية الفلسطينية

جُودِث بتلر... الضمير اللغوي والانتماء اليهودي
TT

جُودِث بتلر... الضمير اللغوي والانتماء اليهودي

جُودِث بتلر... الضمير اللغوي والانتماء اليهودي

جودث بتلر ناقدة ومفكرة وأستاذة في جامعة كاليفورنيا بيركلي. هي واحدة من أشهر الباحثات الأميركيات في مجالات الجندر (مسائل الذكورة والأنوثة وما بينهما)، وعلاقة ذلك بالثقافة ككل وبالفلسفة والعلوم الإنسانية. حققت شهرة واسعة نتيجة كتاباتها وكذلك نتيجة هويتها الجنسية أو الجندرية بوصفها «سحاقية» أو«ليزبيان»، تتباهى بهويتها وتدافع عنها وعن الهويات الأخرى الخارجة عن القيم التقليدية.
في المدخل الخاص ببتلر في موقع موسوعة الإنترنت ويكيبيديا ترد العبارة التالية: «تُدرس أعمالهم غالباً وتُناقش في المواد الدراسية حول الأفلام التي تتركز على الدراسات الجندرية». الضمير في (أعمالهم) في هذه العبارة يحيل عادة على عدد من الناس، لكن الإحالة في الواقع ليست إلى عدد من الناس وإنما إلى بتلر نفسها، بتلر وحدها، المفرد/ المتعدد غير المذكر وغير المؤنث. حين قلتُ «هي» واستخدمت ضمير المؤنث في كلمات مثل «كتابتها» و«هويتها» كنت أخالف التعريف ببتلر في المدخل المقتبس أعلاه من ويكيبيديا، فالإشارة إليها في نص المدخل ترد بضمير الجمع «هم» (they)، فبدلاً من أن يقول «ألفت كتاباً» يقول «ألفوا كتاباً» و«ألقوا محاضرة» بدلاً من «ألقت محاضرة». وهذا التوجه الجديد في الإحالات آخذ في الشيوع ضمن تطورات عجيبة في الإنجليزية وربما في لغات أوروبية أخرى. بدأت تلك التطورات باستعمال الباحثين في العقد أو العقدين الماضيين ضمير «هو» (بالإنجليزية He) للإحالة إلى المؤلف ذكراً كان أو أنثى لتتوحد الإشارة الجندرية تفادياً لاستعمال ضمير التأنيث الذي يأنف منه التيار النسوي فيما يبدو لما فيه من حمولة دلالية يراه أهل ذلك التيار منقصاً من شأن المرأة. وفي السياق نفسه صاروا في العالم الأنغلوسكسوني، أميركا بصفة خاصة، يشيرون إلى الممثلة بالممثل فتصير الممثلة actor وليس actress.
كنت أقرأ ما كتب عن بتلر في ويكيبيديا ووجدت صعوبة في الاستمرار، بل شعرت بنفور من ذلك لكثافة استعمال ضمير الجمع في غير موضعه وفي مخالفة لأبسط قواعد اللغة، لكنها الآيديولوجيا وأثرها الثقافي. اللافت أن المعاجم النقدية الإنجليزية تشير إلى بتلر نفسها بالضمير «هي» التقليدي، ومن ذلك معجم بنغوين: «معجم النظرية النقدية» الصادر عام 2000. ولعل الطبعات اللاحقة من ذلك المعجم غيرت ضميرها أيضاً.
هذه المسألة التي قد تبدو أقل أهمية حين تتعلق بمفكرة مثل بتلر هي في الواقع في غاية الأهمية بالنسبة لها، فهي إحدى قضاياها المركزية، وكانت ستستاء لو أن أحداً أشار إليها بالمؤنث مع أنها امرأة. ومع ذلك فإن لبتلر أهمية تتجاوز مسألة الجندر والضمير اللغوي. تلك الأهمية هي ما قادني لتتبع أعمالها، فقد كنت أواصل البحث في قضية مركزية أخرى تتصل بأعمالها. تلك هي قضية انتمائها اليهودي. فوالداها مهاجران يهوديان من المجر وروسيا، وهي وإن كانت أبعد ما تكون عن التدين اليهودي أو غيره فإن ذلك الانتماء يعني لها الكثير.
كنت أتتبع ذلك الانتماء استمراراً لما كنت ابتدأته في كتابي «المكون اليهودي في الحضارة الغربية» (2007). وكان بحثي عن بتلر لأنها من جيل جديد من المفكرين المهمين والفاعلين في تطور الفكر والثقافة في الغرب عامة، والمؤثرين من ثم في تطور الفكر في أماكن كثيرة أخرى من العالم، لا سيما بين المعنيين بالدراسات النسوية والجندرية ونظرية الشذوذ (كوير ثيوري).
جودث بتلر التي ستستاء لو أن أحداً أشار إليها بالمؤنث ستستاء أيضاً لو أن أحداً تجاهل هويتها اليهودية ليس لأنها تهتم بها فحسب، وإنما لأنها بنت الكثير من أهميتها الفكرية والسياسية على تلك الهوية وواجهت الكثير من المتاعب بسببها. ومع أن الهوية بالنسبة لها إشكالية شديدة التركيب، فإنها تظل مطروحة بقوة وأظنها ستستغرب لو علمت أن الباحثين من غير الغربيين، في العالم العربي تحديداً، أقرب إلى تجاهل تلك الهوية. ذلك أن الباحثين العرب اعتادوا تهميش الانتماء اليهودي حين يتصل بمفكرين أو كتاب أو فنانين غربيين. فبالنسبة لكثير من أولئك الباحثين ليس ماركس ودريدا وغولدمان وحنة أرنت وباومان وبتلر نفسها سوى مفكرين غربيين، ألمان أو فرنسيين أو أميركيين. هم كذلك فقط، وقلما أو نادراً ما يشار إلى يهوديتهم. وعكس ذلك هي الحال في الموسوعات والمعاجم الفلسفية والنقدية الغربية. ففي تلك المراجع تبرز الهوية اليهودية، ربما لأن الناس في الغرب يخشون من أن تهميش الانتماء اليهودي يجعلهم عرضة للاتهام بمعاداة السامية، أي عدم الاعتراف باليهودي بوصفه يهودياً أو يهودي الأصل. (بالطبع ليس المقصود باليهودية هنا الانتماء الديني وإنما الإثني، أي العرقي ممزوجاً بالثقافي والاجتماعي، كما هو التعريف الشائع للإثنية).
في عالمنا العربي يبرز الاهتمام المعاكس: تهميش الانتماء اليهودي تحت ذرائع مختلفة، منها القول بعدم أهمية ذلك الانتماء لفهم أولئك الكتاب، أو لأن الإشارة إليه من شأنه الإساءة إلى من يوصفون باليهودية لدى القراء، أو لأن الفكر يعلو على أي انتماءات اجتماعية أو ثقافية، أو غير ذلك من المبررات. لكن أولئك النقاد والباحثين العرب أنفسهم لا يترددون في التذكير بأن إدوارد سعيد عربي فلسطيني الأصل وليس أميركيا فقط، وسعيد نفسه حريص - أحياناً وليس دائماً - على التذكير بذلك الانتماء، حسب السياق.
الانتماء اليهودي مهم بالنسبة لبتلر مثلما كان مهماً لغيرها، وانشغالها بنقد الفكر الصهيوني والسياسات الإسرائيلية من أبرز المؤشرات على تلك الأهمية. فبتلر من أبرز منتقدي إسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية، وأحد أشهر المتعاطفين مع القضية الفلسطينية هناك. كتابها الصادر عام 2014 بعنوان «افتراق الطرق» أو «تباعد الدروب» Parting Ways يحمل عنواناً جانبياً هو «الهوية اليهودية ونقد الصهيونية». يتضمن الكتاب ثمانية فصول في كل واحد منها مناقشة لآراء مفكر أو كاتب تضمنت أعماله معالجة أو تأزماً لمسألة الهوية إلى جانب نقد للصهيونية أو إسرائيل تحديداً. وفي بعض تلك المعالجات وقوف على العلاقة بين الانتماءين اليهودي والفلسطيني. معظم الكتاب من اليهود الأوروبيين: الفيلسوف الفرنسي لفيناس، والكاتب الإيطالي بريمو ليفي، والألمانيان فالتر بنيامين، وحنة أرنت. كل أولئك يشار إليهم باليهود. لكن يأتي معهم إدوارد سعيد ومحمود درويش اللذان يحضران بوصفهما فلسطينيين.
المسألة الأساسية في فصول الكتاب هي معنى الانتماء اليهودي، ويأتي الانتماء العربي الفلسطيني من حيث هو متصل بذلك الانتماء نتيجة لوجود إسرائيل ومعاناة الفلسطينيين نتيجة لذلك الوجود. تقول بتلر ضمن نقدها لإسرائيل: «لا شيء يغامر باستدعاء العدوان أكثر من تأسيس أنماط من السيطرة الاستيطانية من خلال العنف، الأنماط التي تحرم الشعب المسيطر عليه من حقوقه الأساسية في تحديد المصير». لكن بتلر معنية في المقام الأول بالدفاع عن وجهة نظرها القائلة إن الانتماء اليهودي لا يعني بالضرورة الانتماء لإسرائيل أو تبني الفكر الصهيوني. تقول المفكرة الأميركية اليهودية إن إسرائيل والفكر الصهيوني من ورائها سعياً إلى توحيد الانتماءين على نحو غير مقنع، وتناقش في ذلك السياق قيماً طالما أكد الصهاينة على أنها قيم يهودية جوهرية مثل العدالة والمساواة. تؤكد بتلر هشاشة ذلك الطرح، بل إنها تبرز أن ما تدافع عنه إسرائيل من قيم ومفاهيم مثل «الشتات» يجب أن يكون مبرراً لإيقاف العداء الوحشي الذي تمارسه ضد الفلسطينيين المشتتين هم أيضاً. لكن لا شك أن حضور إدوارد سعيد بوصفه مفكراً فلسطينياً وليس أميركياً فقط، إلى جانب شاعر فلسطيني كبير مثل محمود درويش، كافٍ بحد ذاته لإزعاج الفكر الصهيوني وأسس الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين. قد تسمح اللغة بضمير محايد في الإشارة إلى جودث بتلر، لكن بتلر نفسها لم تسمح بحياد الضمير في حديثها عن إسرائيل وفلسطين.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.