التونسيون يقبلون بـ«فتور شديد» على مراكز الاقتراع لاختيار برلمانهم الجديد

سعيد عدّ الانتخابات خطوة لـ«صنع تاريخ البلاد وتحقيق الكرامة والسيادة للشعب»

الرئيس قيس سعيد يدلي بصوته بأحد مراكز العاصمة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس قيس سعيد يدلي بصوته بأحد مراكز العاصمة أمس (أ.ف.ب)
TT

التونسيون يقبلون بـ«فتور شديد» على مراكز الاقتراع لاختيار برلمانهم الجديد

الرئيس قيس سعيد يدلي بصوته بأحد مراكز العاصمة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس قيس سعيد يدلي بصوته بأحد مراكز العاصمة أمس (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات في تونس أن 8.8 بالمئة فقط من الناخبين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية، بعد أن قاطعت معظم الأحزاب السياسية الاقتراع ووصفته بأنه مهزلة تهدف لتدعيم سلطات الرئيس.
وفتح أكثر من 11 ألف مكتب اقتراع داخل تونس، صباح أمس، أبوابه أمام أزيد من تسعة ملايين ناخب؛ لاختيار أعضاء البرلمان التونسي الجديد، الذي سيحل محل البرلمان المنحل الذي كانت تتزعمه حركة «النهضة»، وسيتم في هذه الانتخابات التصويت على الأفراد، عوض التصويت على القائمات الانتخابية، كما كان الوضع في المحطات الانتخابية السابقة، وذلك لأول مرة في تاريخ البلاد.
وخلال الساعات الأولى التي تلت فتح مراكز الاقتراع، أجمع معظم التقارير الإعلامية وتصريحات بعض رؤساء الهيئات الفرعية للانتخابات على «الإقبال الضعيف للناخبين، وغياب الحماس الفردي والتنافس السياسي»، على مقاعد البرلمان الذي يستوفي خريطة الطريق، التي أعلنها الرئيس قيس سعيد نهاية السنة الماضية، رغم كل ما رافق المسار الذي أطلقه منذ 25 يوليو (تموز) 2021 من تشكيك ومعارضة ودعوات للتراجع عنه.
ومن خلال جولة أجرتها «الشرق الأوسط» وسط العاصمة، وزيارة عدد من مكاتب الاقتراع المنتشرة في الأحياء المحيطة بها، بدت حركة الناخبين متثاقلة، ولم تظهر الصفوف الطويلة نفسها، التي ميزت المحطات الانتخابية السابقة، ومثال على ذلك، فقد شهد مكتب الاقتراع بشارع مرسيليا، وسط العاصمة، نسبة إقبال لم تتجاوز 0.66 في المائة حتى حدود العاشرة صباحاً، وفق تصريح عبد العزيز البهري، رئيس مكتب الاقتراع بهذه المنطقة.
وبحسب بعض الأرقام المسجلة، فقد كانت نسبة الإقبال على مكاتب الاقتراع في منطقة الكاف (شمالي غرب) في حدود 2.6 في المائة حتى الساعة العاشرة، وذلك من إجمالي 204963 ناخباً مسجلاً، يتنافس فيها 36 مرشحاً تقدموا للانتخابات في 3 دوائر انتخابية من أجل الفوز بثلاثة مقاعد بالبرلمان التونسي الجديد.
أما نسبة المشاركة في ولاية (محافظة) القصرين، فلم تتجاوز إلى حدود العاشرة صباحاً نسبة 0.6 في المائة، حيث بلغ عدد المقترعين 2052 مقترعاً، بحسب تصريح أدلى به أمير الميزاوي، رئيس الهيئة الفرعية للانتخابات بالقصرين.
في السياق ذاته، بلغت النسبة الإجمالية للإقبال على مكاتب التصويت بالدوائر الانتخابية الثلاث في ولاية (محافظة) زغوان، لانتخاب 3 أعضاء بمجلس النواب الجديد، حدود 2.42 في المائة إلى حدود العاشرة صباحاً.
وبينما غاب الناخبون عن مراكز الاقتراع، حافظت المقاهي الشعبية على الإقبال نفسه من قبل التونسيين، غير مبالين بالموعد الانتخابي، كما غابت نقاشاتهم الحادة التي ميزت انتخابات 2011 و2014 و2019، بينما شهدت شوارع بعض الأحياء الشعبية حركة ملحوظة، لكن في اتجاه الأسواق والمحلات التجارية بدل مراكز الاقتراع، في يوم احتفالهم بعيد انطلاق الثورة في تونس.
وأفادت المعطيات الأولية، التي أعلنتها هيئة الانتخابات، بارتفاع عدد المقترعين من نحو 270 ألف مقترع عند العاشرة صباحاً (ما يعني أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 3 في المائة) إلى نحو 400 ألف مقترع بعد نحو ساعة من ذلك. لكن هيئة الانتخابات تأمل في مشاركة نحو 2.8 مليون ناخب في هذه المحطة الانتخابية، وهو تقريباً عدد المشاركين نفسه في استفتاء الصيف الماضي. غير أن الأطراف السياسية المعارضة توقعت مشاركة ضعيفة؛ نتيجة غياب الثقل الانتخابي، الذي تمثله عدة أحزاب قوية، مثل حركة «النهضة»، وتحول العملية الانتخابية إلى ما يشبه «المنافسة بين التوجه السياسي نفسه الداعم للرئيس سعيد».
وبسبب تشكيك البعض في الأرقام التي قدمها أعضاء هيئة الانتخابات حول نسبة المشاركة الصباحية، أكدت الهيئة أنها تعتمد على تطبيق إلكتروني لاحتساب عدد الناخبين المشاركين في الانتخابات بصفة محينة، مبرزة أن رؤساء مكاتب الاقتراع كلهم لديهم هذا التطبيق الإلكتروني الذي يرسلون عبره أرقاماً محينة إلى القاعة المركزية لهيئة الانتخابات، وتخص عدد المشاركين في عملية الاقتراع، وهي أرقام لا يمكن التشكيك في صحتها، حسب تعبيرهم.
لكن بسام معطر، رئيس «الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات» (عتيد)، أكد في المقابل أن الإقبال على الانتخابات التشريعية في ساعاتها الأولى «كان ضعيفاً جداً»، موضحاً أن المقبلين على مراكز ومكاتب الاقتراع «كانوا من فئة الكهول فقط، في حين يكاد يكون الإقبال منعدماً تماماً في بعض مراكز الاقتراع».
وسجلت الجمعية عدداً من «الإخلالات والتجاوزات» عند انطلاق العملية الانتخابية، صباح أمس، ارتقت في جانب منها إلى مستوى «جريمة انتخابية»، حيث تم رصد عمليات نقل جماعي للناخبين من أمام مقر معتمدية الشابة (ولاية المهدية) لفائدة أحد المرشحين. كما تم رصد ممثلي أحد المرشحين وهم يتصلون بالناخبين، علاوة على رصد قيام ممثلي المرشحين بمدرسة شارع بورقيبة بقفصة بإيصال الناخبين، وإرشادهم إلى مكاتب الاقتراع المعينة.
وبالنسبة للمرشحين للبرلمان التونسي بالخارج، فقد أعلن محمد التليلي المنصري، المتحدث باسم هيئة الانتخابات التونسية، أنها ستعلن فوز ثلاثة مرشحين في الدوائر الانتخابية في فرنسا وإيطاليا، البالغ عددهم ثلاثة، مهما كان عدد الأصوات التي سيحصلون عليها، وهو أمر قانوني مرتبط أساساً بالقانون الانتخابي الجديد، مشيراً إلى وجود ثلاث دوائر انتخابية فتحت أبوابها منذ 15 ديسمبر (كانون الأول) الحالي للتونسيين بالخارج، وأنه لم يسجل في كل دائرة سوى مرشح واحد، وهو ما يعني فوزهم الآلي بمقعد في البرلمان التونسي الجديد.
والفائزون بالمقاعد الثلاثة هم عمر البرهومي عن دائرة فرنسا، ورياض جعيدان عن دائرة فرنسا أيضاً، وسامي بن عبد العالي عن دائرة إيطاليا.
وإلى حدود الساعة السابعة من مساء أمس، صوت 927 مواطناً في الخارج، وفي هذا السياق ذكر المنصري أن النائب ياسين العياري عن دائرة ألمانيا في الانتخابات البرلمانية التي جرت سنة 2019 فاز بـ286 صوتاً. وقال المنصري إن هذه النتائج عادية في الدوائر الانتخابية خارج تونس، مؤكداً أن نسبة التصويت عادة ما تتراوح بين 3 و12 في المائة.
ووفق تقارير إعلامية محلية، فقد تخلّف عدد من التونسيين بالخارج عن هذه المحطة الانتخابية، وغاب المرشحون عن أكثر من نصف الدوائر الانتخابية في الخارج، إذ سجلت العملية الانتخابية ترشح ثلاثة أفراد فقط في ثلاث دوائر، بينما غابت الترشحات عن سبع دوائر انتخابية، وهذا يحصل لأول منذ البدء في المسار الديمقراطي التعددي سنة 2011.
وتدور هذه العملية الانتخابية في ظل مقاطعة معظم الأحزاب السياسية ذات الثقل الانتخابي، على غرار حركة «النهضة»، وعدد كبير من الأحزاب اليسارية، علاوة على الانتقادات الكثيرة التي وُجِّهت لهيئة الانتخابات من ناحية، وللنظام السياسي الذي أقصى أكبر الأحزاب من الترشح من ناحية ثانية. وبينما وافقت هيئة الانتخابات على خمسة آلاف طلب اعتماد ملاحظين وإعلاميين محليين ودوليين، أعلن البرلمان الأوروبي مقاطعة عملية المراقبة للانتخابات. وسيختار الناخبون من خلال التصويت نواباً في برلمان قلص الدستور الجديد كثيراً من صلاحياته.
ووفق الدستور التونسي الجديد يعين الرئيس التونسي بنفسه رئيس وزراء، وذلك في مخالفة تامة للنظام السابق، الذي منح البرلمان دوراً محورياً في اختيار رئيس الحكومة.
ومن المتوقع اللجوء إلى دور ثانٍ في هذه الانتخابات، في حال عدم حصول مرشح على الأغلبية المطلقة من إجمالي الناخبين، الذين شاركوا في الدائرة الانتخابية. وتتجه الأنظار نحو الدوائر الانتخابية التي ترشح بها أكثر من ثلاثة مرشحين.
وكان الرئيس التونسي قيس سعيد قد أدلى بصوته في الانتخابات التشريعية بمركز الاقتراع بحي النصر بالعاصمة صباح أمس، حيث دعا التونسيين إلى «الإقبال على التصويت لصنع تاريخ جديد» قائلاً: «اصنعوا تاريخكم بأنفسهم يا أبناء الشعب التونسي. فلتكن السيادة للشعب لتحقيق الحرية والكرامة، وتركيز سيادة تونس حتى تصدر القوانين من المجلس النيابي القادم، مُعبرة عن رغبات وتطلعات شعبنا في العزة والحرية والكرامة... توكلوا على الله... اعملوا من أجل أن نقطع مع هؤلاء الذين نهبوا البلاد وخربوها، ونصبوا أنفسهم أوصياء على الشعب التونسي بطريقة اقتراع بائدة، كما أثبتت التجربة»، على حد تعبيره.
وأضاف الرئيس سعيد، موضحاً أن النواب الجدد في البرلمان «ستسحب منهم الوكالة في حال لم يلتزموا بمطالب الشعب».
وعلى عكس دستور 2014، حصر دستور 2022 صلاحيات البرلمان الجديد في الاختصاص التشريعي، ولم يشر إلى أي إجراء لمراقبة أداء الحكومة ورئيس الجمهورية أو إمكانية سحب الوكالة منهما. ولذلك وصفت المعارضة، التي أعلنت مقاطعة الانتخابات، البرلمان الجديد بـ«ديكور بلا صلاحيات حقيقية»، كما اتهمت الرئيس سعيد بتقويض الديمقراطية.
ويمنح الدستور الجديد صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، ويجعل منه محور النظام السياسي، حيث يتولى تعيين رئيس الحكومة وأعضائها باقتراح من رئيس الحكومة، وله سلطة عزلها تلقائياً، كما يمكنه حل البرلمان، ويملك أولوية النظر في مشاريع القوانين التي يعرضها على البرلمان، وهو من يحدد السياسات العامة للدولة، ويحق له الترشح لولاية ثانية.
وخصص الدستور مجلساً وطنياً للجهات والأقاليم (غرفة ثانية إلى جانب البرلمان)، سيُنتخب أعضاؤها في انتخابات ثانية في فبراير (شباط) المقبل.


مقالات ذات صلة

القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

العالم العربي القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

كشفت مصادر ليبية ومصرية متطابقة لـ«الشرق الأوسط» عن سلسلة اتصالات، ستجريها القاهرة مع السلطات في شرق ليبيا، بما في ذلك مجلس النواب و«الجيش الوطني»، لإطلاع المعنيين فيهما على نتائج زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى تركيا أخيراً. وأدرجت المصادر هذه الاتصالات «في إطار التنسيق والتشاور بين السلطات المصرية والسلطات في المنطقة الشرقية». ولم تحدد المصادر توقيت هذه الاتصالات، لكنها أوضحت أنها تشمل زيارة متوقعة إلى القاهرة، سيقوم بها عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، والمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني». وكان خالد المشري رئيس المجلس الأعلى الدولة الليبي، ناقش مساء السبت مع وزير الخارجية ا

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي خطة حكومية عاجلة لوقف هجرة الأطباء الجزائريين إلى أوروبا

خطة حكومية عاجلة لوقف هجرة الأطباء الجزائريين إلى أوروبا

أعلنت الحكومة الجزائرية عن «خطة عاجلة» لوقف نزيف الأطباء الذين يهاجرون بكثرة، كل عام، إلى أوروبا وبخاصة فرنسا، بحثاً عن أجور عالية وعن ظروف جيدة لممارسة المهنة. وتفيد إحصاءات «مجلس أخلاقيات الطب»، بأن 15 ألف طبيب يشتغلون في المصحات الفرنسية حالياً، وقد درسوا الطب في مختلف التخصصات في الجزائر. ونزل موضوع «نزيف الأطباء» إلى البرلمان، من خلال مساءلة لوزير الصحة وإصلاح المستشفيات عبد الحق سايحي، حول ما إذا كانت الحكومة تبحث عن حل لهذه المشكلة التي تتعاظم من سنة لأخرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
العالم العربي تونس تتهيأ لاستقبال وزير الخارجية السوري تتويجاً لإعادة العلاقات

تونس تتهيأ لاستقبال وزير الخارجية السوري تتويجاً لإعادة العلاقات

يبدأ وزير الخارجية السوري فيصل المقداد اليوم زيارة إلى تونس تستمر حتى الأربعاء بدعوة من نظيره التونسي نبيل عمار، لإعلان استكمال المراحل المؤدية إلى إعادة العلاقات الثنائية بين البلدين، والبحث في كثير من الملفات الشائكة والعالقة على رأسها ملف الإرهاب، واستقبال الساحة السورية لآلاف من الشباب التونسيين المنضوين في صفوف التنظيمات الإرهابية. وأوردت مختلف وسائل الإعلام التونسي أخباراً حول الزيارة، وبقراءات عدة، من بينها التأكيد على أنها «ترجمة للتوازنات الجيوسياسية الإقليمية التي تعرفها المنطقة العربية، ومن بينها السعي نحو عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية». وكانت مؤسسة الرئاسة التونسية صورت عودة ا

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي المغرب: دعوة لإسقاط مشروع قانون «اللجنة المؤقتة» لتسيير مجلس الصحافة

المغرب: دعوة لإسقاط مشروع قانون «اللجنة المؤقتة» لتسيير مجلس الصحافة

دعت «الفيدرالية المغربية لناشري الصحف بالمغرب» -أحد ممثلي ناشري الصحف في البلاد- أعضاء البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين)، إلى إسقاط مشروع قانون صادقت عليه الحكومة، يقضي بإنشاء لجنة مؤقتة لتسيير «المجلس الوطني للصحافة» المنتهية ولايته، بدل إجراء انتخابات. وجاءت هذه الدعوة في وقت ينتظر فيه أن يشرع مجلس النواب في مناقشة المشروع قريباً. وذكر بيان لـ«الفيدرالية» مساء السبت، أنه تلقى «بارتياح، التصدي القوي والتلقائي لهذا المشروع من طرف الرأي العام المهني، والمجتمع المدني، وفاعلين جمعويين وسياسيين، وشخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة»، معتبراً: «إن هذا الموضوع لا يهم باستهداف منظمات مهن

«الشرق الأوسط» (الرباط)
العالم العربي باشاغا: ترشحي للرئاسة الليبية سيتحدد بعد صدور القوانين المنظمة للانتخابات

باشاغا: ترشحي للرئاسة الليبية سيتحدد بعد صدور القوانين المنظمة للانتخابات

قال فتحي باشاغا، رئيس حكومة «الاستقرار» الليبية، إنه باقٍ في منصبه «إلى أن تتفق الأطراف الليبية كافة على قوانين انتخابية يُرحب بها دولياً، والبدء في الإعلان عن مواعيد محددة للاستحقاق الانتخابي...

جاكلين زاهر (القاهرة)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
TT

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

أكد فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة اليمنية، أن التدخلات السعودية في المحافظة على مختلف الأصعدة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية، إلى جانب دعم القوات العسكرية والأمنية.

وكشف الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن أحدث التدخلات التنموية تمثلت في اعتماد 6 طرق استراتيجية في عدد من المديريات، يستفيد منها آلاف المواطنين من أبناء المحافظة.

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

كما أشار إلى تدخلات أخرى شملت دعم ثلاثة مراكز كبيرة للكلى، والتكفل برواتب أطباء أجانب موزعين على مديريات المحافظة الـ17، مؤكداً أن التنسيق بين السلطة المحلية والبرامج السعودية يتم بمستوى عالٍ من الشفافية.

وفي الجانب العسكري، أوضح أن المملكة تكفلت بدفع رواتب وتغذية 11 لواءً من قوات دفاع شبوة، بعد إضافة 4 ألوية جديدة، وهي منتشرة حالياً في جبهات القتال ضد الحوثيين.

وقدّم الخليفي الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، على الدعم المتواصل لليمن عموماً، ومحافظة شبوة على وجه الخصوص.

اعتماد 6 مشاريع طرق

قال الخليفي إن التدخلات السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تستهدف البنية التحتية والمشاريع التنموية. وأضاف: «على مستوى البنية التحتية تم اعتماد 6 مشاريع لطرق استراتيجية، وهي طريق عين - مبلقة، ومرخة - خورة، ونصاب - حطيب، وحبان - هدى، إلى جانب طرق عرماء ورضوم».

فهد الخليفي وكيل أول محافظة شبوة (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي

وأوضح الخليفي أن التدخلات السعودية في القطاع الصحي تشمل تشغيل مستشفى الهيئة النموذجي في عاصمة المحافظة، الذي يقدم خدماته للآلاف يومياً وبشكل مجاني، ولا يخدم شبوة فقط، بل يستفيد منه سكان من حضرموت ومأرب والبيضاء وأبين، إضافة إلى النازحين والمهاجرين الأفارقة.

وأضاف: «شمل الدعم أيضاً ثلاثة مراكز كبيرة للكلى في عزان، وعتق، وعسيلان ببيحان، وهي تدخلات تلامس احتياجات المواطنين بشكل مباشر، كما تم اعتماد رواتب 63 طبيباً أجنبياً موزعين على 17 مركزاً في شبوة».

ووفقاً لوكيل المحافظة، وزّع مركز الملك سلمان أخيراً أكثر من 40 ألف سلة غذائية على مديريات شبوة الـ17، كما نُفذت مشاريع في التعليم والمياه في عرماء والطلح وجردان.

شبوة نموذج تنموي وأمني

شدّد الخليفي على أن شبوة اليوم آمنة ومستقرة، وتقدم نموذجاً بارزاً بين المحافظات المحررة على المستويين الأمني والتنموي. وقال: «الأشقاء في السعودية يشرفون حالياً بشكل مباشر على القوات المسلحة في شبوة، وتمت إعادة تموضع هذه القوات في الجبهات من ناطع البيضاء وصولاً إلى حريب مأرب، مع الدفع بعدد من قوات دفاع شبوة».

ولفت إلى أن المحافظة تواجه الحوثيين في 6 جبهات، وتتمتع بأهمية استراتيجية، مضيفاً أن المملكة تدرك أهمية شبوة على مستوى الجنوب واليمن عموماً، وتبذل جهوداً كبيرة في التدريب والتسليح، ودعم القوات في المناطق المتاخمة لمأرب والبيضاء، حيث تتمركز قوات الحوثيين.

جانب من توزيع السلال الغذائية المقدمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة في شبوة (السلطة المحلية)

دعم 11 لواءً عسكرياً

وبيّن الخليفي أن الجانب السعودي التزم برواتب وتغذية قوات دفاع شبوة، التي كانت تضم 7 ألوية، قبل أن يضاف إليها 4 ألوية أخرى، ليصل قوامها إلى 11 لواءً عسكرياً.

وأضاف: «هذه الألوية منتشرة الآن في الجبهات لمواجهة الحوثيين، بعد اعتماد الرواتب والتغذية لها، إلى جانب القوات الجنوبية الموجودة في شبوة، ومنها العمالقة الجنوبية، الأشقاء بذلوا جهداً كبيراً في هذا القطاع، ونحن ممتنون لهم».

وأكد أن القوات العسكرية في المحافظة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ أو أي محاولات حوثية للتقدم نحو المحافظة أو غيرها، مشيراً إلى أن قوات دفاع شبوة تعمل بإشراف مباشر من المحافظ، ومن خلال غرفة عمليات مشتركة مع السعودية والتحالف العربي.

دور السلطة المحلية

وأشار الخليفي إلى أن السلطة المحلية لديها توجيهات واضحة من المحافظ عوض بن الوزير، بتسهيل جميع الجهود السعودية التنموية والإنسانية وغيرها. وقال: «شبوة قدمت أفضل نموذج للتعاون مع السعودية، سواء على المستوى التنموي أو الخدمي أو العسكري، وقدمنا كل التسهيلات للأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان، وهو ما انعكس إيجاباً على سرعة الإنجاز، وظهور المشاريع السعودية في شبوة، بفضل الجاهزية التي وفرها أبناء المحافظة عبر تقديم الدراسات وتجاوز البيروقراطية في بعض الملفات».

زيارة لوفد من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لإحدى مديريات شبوة (السلطة المحلية)


دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)

فيما تتواصل في محافظة حضرموت عملية دمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، أكدت الجهات المعنية أن الخطوات الجارية تمضي بسلاسة، تحت إشراف تحالف «دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مؤسسية موحدة.

ويأتي هذا التقدم بعد أسابيع من إعلان القيادة العامة لقوات حماية حضرموت، التابعة لحلف القبائل، اندماجها في قوام مؤسسات الدولة؛ حيث جددت هذه القوة تأكيدها أن عملية تنظيم وترتيب منتسبيها مستمرة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، وبما يُسهم في توحيد القرار الأمني ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.

وفي بيان لها، ردّت قيادة القوات على ما وصفته بشائعات تعثر عملية الدمج، مؤكدة تحقيق تقدم ملموس في الخطوات التنفيذية، من خلال استيعاب الدفعة الأولى من منتسبيها ضمن الأجهزة التابعة للأمن العام والشرطة في ساحل حضرموت، مع استكمال تجهيز القوائم الخاصة بالدفعات اللاحقة.

وأكَّدت القيادة أن هذه الإجراءات تهدف إلى استكمال عملية الانضمام الشامل لكل منتسبي القوة، بما يضمن حقوقهم ويعكس تقديراً لدورهم في الدفاع عن المحافظة، مشددة على أن العملية تمضي بوتيرة متصاعدة ومنظمة.

تخرج دفعة جديدة في كلية الشرطة في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشادت قيادة قوات حماية حضرموت بالدور الذي تضطلع به القيادات المحلية والعسكرية في تسهيل عملية الدمج، وفي مقدمتهم رئيس حلف القبائل وكيل أول المحافظة عمرو بن حبريش، والقائد العام للقوات، اللواء مبارك العوبثاني، إضافة إلى اللجان المختصة في التحالف العربي ووزارتي الدفاع والداخلية.

كما نوهت بالدور المحوري الذي تقوم به شعبة القوى البشرية في القيادة العامة، برئاسة العقيد عبد الله باكرشوم، في متابعة الإجراءات الميدانية، وضمان سير العملية وفق المعايير المحددة، بما يكفل صون حقوق المنتسبين، وتحقيق أعلى درجات الانضباط.

وفي السياق ذاته، دعت الإدارة العامة للأمن والشرطة بساحل حضرموت أفراد القوة العسكرية، خصوصاً في مدينة المكلا وضواحيها، إلى استكمال إجراءات توزيعهم على مواقعهم الخدمية، مشيرة إلى أن بقية الأفراد في المديريات الأخرى سيتم إشعارهم لاحقاً بمواعيد توزيعهم.

ويعكس هذا التنسيق مستوى متقدماً من التعاون بين الجهات المحلية والدولية، في سبيل إنجاح عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز حضور الدولة.

حصر القوات ومساندة الحكومة

في وادي حضرموت، تتواصل الجهود الحكومية لحصر وتنظيم أوضاع الوحدات العسكرية؛ حيث تفقد رئيس عمليات المنطقة العسكرية الأولى، العميد الركن محمد بن غانم، أعمال اللجان التابعة لوزارة الدفاع المكلفة بحصر القوة في معسكر السويري.

وخلال الزيارة، اطّلع المسؤول العسكري على سير العمل وآليات التنفيذ، واستمع إلى شرح مفصل من القائمين على اللجان حول المهام المنجزة والتحديات التي تواجه عملية الحصر، مؤكداً أهمية الالتزام بالدقة والانضباط في تنفيذ المهام.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تُمثل جزءاً أساسياً من مسار إعادة تنظيم القوات المسلحة، بما يُعزز من مستوى الجاهزية القتالية، ويرسخ مبادئ العمل المؤسسي داخل المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع يهدف إلى توحيد الهياكل العسكرية تحت مظلة الدولة، بما يحد من التداخلات، ويُعزز من فاعلية الأداء الأمني في مختلف مناطق المحافظة.

حلف قبائل حضرموت يؤكد مساندته للجهود الحكومية (إعلام محلي)

على صعيد موازٍ، جدّد حلف قبائل حضرموت دعمه الكامل للجهود الحكومية الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، مؤكداً رفضه القاطع لأي ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة، وعلى رأسها إقامة القطاعات القبلية بدوافع شخصية.

ونفى الحلف علاقته بما يجري من قطاعات في شرق مديرية الشحر، عادّاً تلك التصرفات أعمالاً مرفوضة لا تُمثل أبناء حضرموت، لما تسببه من تعطيل لمصالح المواطنين ومضاعفة معاناتهم في ظل تردي الخدمات.

وشدد على أن أي مطالب أو حقوق يجب أن تُطالب عبر الوسائل السلمية والقنوات الرسمية، بعيداً عن الإضرار بالمجتمع أو تهديد أمنه واستقراره، داعياً إلى تغليب المصلحة العامة في هذه المرحلة الحساسة.

كما أشار إلى التأثيرات السلبية لهذه الممارسات على المحافظات المجاورة، خصوصاً محافظة المهرة، التي طالتها تداعيات القطاعات من خلال استهداف ناقلات وقود مخصصة لمحطات الكهرباء.

الرؤية الحضرمية للدولة

بالتوازي مع التحولات الأمنية، شهدت مدينة المكلا انعقاد ورشة عمل موسعة لمناقشة رؤية حضرموت في الدولة المقبلة، بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمكونات الاجتماعية، إلى جانب ممثلين عن الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني.

وجاءت هذه الورشة، التي نظمها المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي، في إطار التحضير لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض؛ حيث هدفت إلى بلورة رؤى مشتركة حول مستقبل المحافظة ودورها في أي تسوية سياسية مقبلة.

وأكد وكيل المحافظة حسن الجيلاني أهمية انعقاد هذه الورشة في هذا التوقيت، مشيراً إلى أنها تُمثل منصة حوار جادة لتقييم تجربة حضرموت في المراحل السابقة، واستخلاص الدروس التي تُسهم في صياغة مبادئ واضحة تعكس خصوصيتها وحقوقها المشروعة.

وأضاف أن النقاشات تناولت قضايا جوهرية تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم وموقع حضرموت في الدستور المقبل، بما يُعزز من حضورها السياسي والاقتصادي والإداري.

نقاشات معمقة لرؤية حضرموت استعداداً لمؤتمر الحوار الجنوبي (إعلام حكومي)

من جهته، أوضح مدير البرامج في المعهد الوطني الديمقراطي، محمد الكثيري، أن تنظيم هذه الفعالية يأتي ضمن جهود دعم الحوار الشامل وتعزيز المشاركة السياسية، بهدف الوصول إلى رؤى تُسهم في بناء دولة قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.

وأشار إلى أن هذه المساحات الحوارية تتيح لمختلف المكونات تبادل الآراء وصياغة تصورات واقعية لمستقبل مستقر ومستدام، في ظل التحديات التي تواجه البلاد.

وتناول المشاركون في الورشة، التي استمرت 4 أيام، عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها الحوار الجنوبي-الجنوبي وسياقه، وتقييم تجربة حضرموت في المرحلة الماضية، وصولاً إلى بلورة مبادئها في أي تسوية سياسية، إضافة إلى مناقشة نظام الحكم الداخلي وقضايا الإدارة المحلية.


إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».