من التبيين إلى التبليغ: الكتابة في الفن المعاصر

تجلَّت في التشكيل بالحرف وأعمال التركيب والغرافيتي

يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة   القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب
يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب
TT

من التبيين إلى التبليغ: الكتابة في الفن المعاصر

يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة   القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب
يمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة القائمة على وضع الحرف والكلمة أهمها متصل بأعمال التركيب

مثلت الكتابة أداة للتبليغ في أعمال الفن المعاصر، بينما شكلت الكتلة البصرية قالباً للتبيين، وإعمال الفكر في بنية القول من حروف وكلمات وجمل، وهو الاختيار الذي تجلى على نحو بارز في صيغ التجهيز وفي اللوحة المعاصرة المرتكزة أساساً على الموازنة بين الصباغة والكولاج وإدماج الجاهز على مختلف الحوامل وأشكال السند، وأيضاً في فن الشارع الذي سكنه هاجس التبليغ بالموازاة مع مقاصد التبيين، للتأثير في أكبر شريحة من الجمهور.
ويمكن التمييز ضمن جدلية التبيين والتبليغ بين مستويات عديدة أهمها متصل بأعمال التركيب القائمة على وضع الحرف والكلمة بوصفها علامات قادمة من مرجعيات شتى في بؤرة العمل، ومستوى ثانٍ خاص بفن اللوحة، حيث يشكل السند بديلاً للصفحة في تمثل المكتوب، وتوزيع تشخصاته، وثالث متعلق بنزعة فن الشارع من جداريات و«غرافيتي» أساساً، إلى إبلاغ رسائل فكرية وسياسية وعقائدية، بنفس تهكمي تارة، واحتجاجي تارة أخرى ونقدي دائماً.
هكذا نجد عدداً كبيراً من أعمال النحت والتجهيز تخترقها الحروف المتشظية والمفردات أو حتى المقاطع، على سطحها أو في عمقها، أو أن هيكل العمل في بنيته الكلية ينهض على طبقات وافدة من إعادة تخطيط المفردة، وتحويلها من رسم مخطوط قابل للاستيعاب، إلى جذع ناقص موزع وفي وضع مرتبك، لا يحيل على معنى محدد، ففي عمل لسيزار بالداتشيني، يحمل عنوان: «سيزار»، يلوح من مستطيل معدني بطبقات وحواف منثنية الكلمة الدالة على المشروب الغازي «طونيك» على خلفية صفراء، ومن واجهة أخرى تفاصيل من علامة «كوكا كولا»، على سطح مكتنف بالتشوهات الزنكية المضغوطة، يتعلق الأمر بسدادات زجاجات المشروبات الغازية، المكتسحة للفضاءات العمومية، تبدو الكتلة في وضع تداخل عضوي ولوني متماهياً ومتوحداً، يفضي إلى إنتاج مكعب متداخل، تنثني حوافه وتنكمش صيغها اللونية في العمق الفضي للمعدن. ثمة إيحاء بانتهاء الصلاحية والتلاشي للشيء وللحرف المطبوع على حدٍ سواء، وانغمارهما معاً في لعبة إعادة التكوين، فالقول في النهاية ليس إلا إعادة تدوير للحروف والكلمات والجمل منتهية الصلاحية في استعمالها الظرفي، على نحو مستمر.
وفي منحوتات وتجهيزات أخرى متباينة الأحجام والصيغ، قدت من المعدن أو من الورق، تطفر المفردات في الغالب على نحو ناقص أو مثلوم أو متشظٍ، لتقول ما انقطع وفصل من منبته وتستثير السؤال عن تكوينها الجديد، أي خروجها من الاستعمال إلى التعبير الفني، في إحدى تلك المنحوتات، بعنوان «ريكار» لباداتشيني يبرز حرفا الراء والدال الأصفران يعلوهما مثلث - هرم باللون نفسه على خلفية زرقاء محفوفة بالأحمر المتضائل في عمق انثناءات الزنك في واجهة المستطيل الواقف. المشاهد لا يميز إلا أنها نثار علامة بائدة لهيكل سابق، بيد أنها باتت كتلة لا تنطوي إلا على مادتها الخارجية، فتتجلى الكتابة بوصفها جزءاً من الكتلة (الجسد) ومكوناً لهويته، قد تنمحي بشكل تدريجي، بيد أنها تصمد طويلاً وتحتفظ بأثرها الظاهر؛ التبيين هنا لا ينهض بغير ما تضمين للعلامة: لحرفي الراء والدال، أو «طونيك» و«كوكا كولا» في العمل السابق، ولا تهم دلالتهما الأصلية المنسوخة، وإنما ما قد توحيان به من معانٍ طارئة في اجتهادات التفسير بصدد الأصلي والزائف، أو الحقيقي والكاذب. هل الهيكل المعدني في وضعه الأول هو الأصل أم كتلته الجديدة؟ هو سؤال غير مكتوب، بيد أنه نافذ من صميم العمل القائم على الكتابة بالأثر المرئي. في تعبير لموريس مرلوبونتي: «لا وجود لمظهر دون إظهار وكل مظهر هو نسخة لإظهار»، أي أن الكتلة المرئية مرهونة بما تجليه، وبما تنطق به، وليس بطبيعتها الخرساء المقيمة، والمنطوق أو «الإظهار» مشروط بفعالية مخيلة التلقي.
ولعل أشكال وأساليب اللوحة المعاصرة في اجتبائها للمكتوب، سيما في التجارب الفنية العربية المعاصرة قمينة بإظهار مستوى مختلف من جدلية التبيين والتبليغ، ذلك المتعلق بالتبيين عبر الحروفيات، وبإدماج الكلمات والجمل والمقاطع، حيث يعاد تنظيم الصلة بين المعنى والعلامة المرئية على السند، فلا يضحى البعد الأفقي القائم على التبليغ هو القاعدة وإنما تبيين كتلة الحرف في تشخصاتها البصرية العمودية الماضية إلى جوهرها المطلق، ذلك ما أسماه شاكر حسن آل سعيد بالبعد الواحد للحرف، الذي لا يتجلى في التداولي - الكتابي، خارج التعبير الفني للوحات، إلا في الفعل التلقائي لعمل اليد غير المدربة ولا المنظمة، والتي يعكس تخطيطها إحساساً بالدوال، بقدر ما تجسد الحروف المرقومة حالة وعي بها، تمثل صورة مستقلة عن القصد التبليغي للمعنى، في تعبير للفنان العراقي يقول: «إني أحب أن أكتب الحرف في لوحاتي بطريقة الأطفال وطلاب المدارس وأنصاف المثقفين، أكثر من أن أكتبه بطريقة ماكينة الطباعة، أو الخطاط».
في عمل لشاكر حسن آل سعيد عمل عنوان: «خطوط على جدار»، برز الحرف في وضع برزخي بين الخفاء والتجلي، صيرورة ترتقي من عمق شبحي إلى تسطير، على خلفية تتدرج في مقامات اللون البنّي من القاعدة الداكنة إلى الأعلى الفاتح، مع تنويع في الحواف والعمق لمستويات القتامة، ثمة في البؤرة كلمتان لا تبينان، نصفهما معتم والنصف الآخر ظاهر، فيقع المشاهد أمام احتمالات: «هو الله»، أو«و الله»، أو«و له»، أو غيرها من إمكانات التهجية، بيد أن المهيمن في الكلمة الأولى هو «الواو» العاتي الماضي إلى مستقره كحركة محورية في التفاصيل، من لمسة الفرشاة السوداء في الوسط يساراً التي تترقرق من أسفلها دموع الحبر، والسطح المبقع بما يشبه نقاطاً لحروف ممحوة، وأرضية خضبها الحبر المسفوح.
والظاهر أن القصد من كل ذلك هو وضع «الواو» خارج سياق استعماله، أو وظيفته في التركيب، بما هو أداة انتقال، وعطف ومصاحبة أو قسم، إلى صفته باعتباره حركة لليد تخط ما يشبه نواة زوبعة على أديم، وهو الوضع الذي يجعل من تهجي لفظ الجلالة خارج الشك مهما ضمرت بدايته واختصرت إلى مجرد لام وهاء، إذ الحال يقتضي النظر إلى المآل بما هو حصيلة حتمية دالة لا تحتاج إلى تبيين. فاللوحة في هذا المنظور أشبه ما تكون بالجدار، ومحتواها ينظر إلى خربشات العابرين المجهولين، الناقصة والمعتمة والعشوائية، إذ لا يكون القصد منها تبليغ معنى، وإنما تشكيل صورة وتكدير بياض وتخليد أثر، وما بين تفاصيل ذلك رصدٌ لإيقاع التلاشي والانمحاء، حيث لا يبقى المكتوب دالاً بمعناه وإنما بمبناه المرئي والمحسوس، والمنذور للفناء.
وفي مستوى مغاير لجدل التبيين والتبليغ بين المكتوب والبصري في أعمال الفن المعاصر يتعلق الأمر بنزعة «فن الشارع» من جداريات و«غرافيتي»، إلى دمج التشكيل الحروفي باستراتيجيات التلطيخ الاحتجاجي، حيث يفقد القول معناه المباشر إلى ظاهره التشويشي للمكتوب على السند المملوك للغير. إن الكتابة في مرامي التصوير هنا، تشكل جزءاً من مرامي عنف التبيين، وفي هذا السياق تحديداً يمكن أن نرى أعمال الغرافيتي، التلقائية، والمؤقتة، بوصفها النموذج النقيض، في حيز الكتابة بالبصري، لمفهوم الأسلوب الاستشرافي المتصل بالمنحوتات والتجهيزات المثبتة في الفناءات المدينية، بقصد البقاء والخلود. إنه فن المظاهرات والانتفاضات والاحتجاج، وهو فن اللحظة، الذي يبقى مقترناً بها، ويتحول لشاهد أو ذكرى، إن لم يتم محوه أو طلاؤه باعتباره تجسيداً لزيغ تعبيري، مقترن بوعي فناني الشارع (المعلومين والمجهولين)، ممن يسكن وعيهم وخيالهم الرغبة في تمثيل الغائبين وإسماع صوتهم للسلطة وإزعاجها، وذلك بجعل المكتوب يقول ويحجب في آن، ويرمي لصدم المشاهد برغبته في خدش الصفاء الصباغي وتلويثه. حيث لا يمكن النظر لأعمال الغرافيتي المتمركزة حول أفكار العدل والحق والثورة والحرية بوصفها كيانات جمالية مجردة، وإلا لما كان ثمة تاريخ للجداريات بهذا الرصيد الممتد، منذ الأسطوريات القديمة إلى العقائديات السياسية الحديثة والمعاصرة، حيث يبدو المكتوب مدمجاً في رغبة تخليد الأثر المرئي الصاعق والحاد.
في جدار عمومي بمدينة «براغ» يحمل عنوان: «جون لينون وول»، تتراكب طبقات الألوان على نحو عشوائي، الأخضر والأصفر والأبيض والأسود والبني والبنفسجي والأزرق عبر خطوط ودوائر وعلامات تجارية ودينية وجنسية ولغوية، مفردات وجمل وأحرف متشظية، تقول وتحجب وتطمس بعضها، في لعبة ناسخ ومنسوخ بصري، يتجلى القول كذريعة للاسترسال في التلوين والصباغة ومضاعفة طبقات الصباغة على سند إسمنتي ثابت، لا يبدو الاحتجاج ولا النقد محركاً ما كتب، وإنما توجيه رسائل ناقصة لمن يهمهم الأمر، من أشخاص حقيقيين أو متخيلين، وتخليد القول بما هو شهادة عبور من أمام اللوحة الجماعية. ففي أحيان عديدة تتحول جداريات «الغرافيتي» إلى ذاكرة للعبور، وتقاطع المسارات والأقوال واللغات والرموز، ذاكرة للأثر الذي يركب مع تواتر الزمن معالم لوحة من دون موضوع ولا قصد ولا تخطيط، قصاراها التبيين بالإشارة وتخطي وضوح القول. وكسر سلطة المتحف والرواق اللذين يحتضنان، ما وسمه بعض النقاد المنحازين للفن المعاصر بـ«المصطنع والموغل في التعقيد، بوصفه فن المثقفين».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية المعروفة باسم «غايتواي».

وقال جاريد إيزاكمان في بيان أدلى به خلال فعالية استمرت ليوم كامل في مقر وكالة «ناسا» بواشنطن: «تعتزم الوكالة إيقاف مشروع (غايتواي) بشكله الحالي، والتركيز بدلاً من ذلك على البنية التحتية التي تُمكّن من استدامة العمليات على سطح القمر».

وأضاف: «على الرغم من التحديات التي تعترض عمل بعض المعدات الحالية، ستعيد الوكالة توظيف المعدات المناسبة وستستفيد من التزامات الشركاء الدوليين لدعم هذه الأهداف».

وكانت وكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من بين الشركاء في مشروع «غايتواي».

يأتي هذا التغيير الأخير لخطط «ناسا» بعد تعديلات طرأت على برنامج «أرتيميس» الذي يهدف إلى إعادة رواد فضاء أميركيين إلى القمر، والتأسيس لوجود طويل الأمد هناك، تمهيداً لبعثات مستقبلية إلى المريخ.

وكان من المُفترض أن تكون محطة «غايتواي» المدارية القمرية بمثابة نقطة عبور لرواد الفضاء المتجهين إلى القمر، ومنصة للأبحاث.

لم يكن تعليق المبادرة مفاجئاً، إذ انتقدها البعض باعتبارها تهديداً للموارد أو تشتيتاً للانتباه عن طموحات أخرى متعلقة بالمهام إلى القمر.

وقال إيزاكمان إن «ناسا» تخطط حالياً لإنفاق 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة لبناء القاعدة القمرية عبر عشرات المهمات، «بالتعاون مع شركاء تجاريين ودوليين لوضع خطة مدروسة وقابلة للتنفيذ».

وأضاف: «سيكون هناك مسار تدريجي لبناء أول قاعدة دائمة للبشرية خارج كوكب الأرض، وسنأخذ العالم معنا في هذه الرحلة».

«أرتيميس 2»

أعلن إيزاكمان الذي تولى قيادة «ناسا» أواخر العام الماضي، على نحو مفاجئ قبل أقل من شهر، إعادة هيكلة برنامج «أرتيميس» الذي شهد تأجيلات متكررة في السنوات الأخيرة، وذلك بهدف ضمان عودة الأميركيين إلى سطح القمر بحلول عام 2028.

وأوضح إيزاكمان أن هذا الهدف لا يزال قائماً، لكن وكالة الفضاء الأميركية تُجري تعديلات على برنامج رحلاتها ليشمل مهمة تجريبية قبل الهبوط النهائي على سطح القمر، وذلك لتحسين «الخبرة العملية» في عمليات الإطلاق.

جاء هذا التعديل الاستراتيجي بعد تأجيلات متكررة لمهمة «أرتيميس 2» التي كان من المقرر إطلاقها في فبراير (شباط)، ولكنها باتت مرتقبة حالياً في أبريل (نيسان). وتهدف المهمة إلى تحقيق أول تحليق قريب من القمر منذ أكثر من نصف قرن.

خلال ولايته الأولى، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبته في أن تطأ أقدام الأميركيين سطح القمر مجدداً.

وتواصل الصين المضي قدماً في خططها لأول مهمة مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030 على أقصى تقدير.

ويعتمد الجهد الأميركي جزئياً على تقدم شركاء «ناسا» من القطاع الخاص.

وقد تعاقدت «ناسا» مع شركتي الفضاء «سبايس إكس» و«بلو أوريجين»، التابعتين للمليارديرين إيلون ماسك وجيف بيزوس، لتطوير مركبات الهبوط القمرية المستخدمة في برنامج «أرتيميس».


القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر، وأكدت الوزارة في بيان، الثلاثاء، أن المقال المنسوب للمدعو فؤاد الهاشم، الصحافي الكويتي، تضمن إساءات إلى مصر وشعبها والقيم الأخلاقية العربية، إضافة إلى ادعاءات تسيء إلى الجوانب الصحية والسياحية في مصر.

وعدّ البيان «وقوع هذا الشخص في مستنقع البذاءات التي استخدمها تجاه مصر وشعبها أمراً مرفوضاً، وانحطاطاً أخلاقياً قبل أن يكون سقوطاً مهنياً وإعلامياً، وهو تصرف لا يمكن التسامح معه أو الصمت إزاءه».

ووجهت الوزارة التحية للأصوات الكويتية ومن سائر دول الخليج العربية من إعلاميين ومثقفين ومسؤولين ومواطنين شرفاء، سارعوا لإدانة ما اقترفه ذلك الشخص تجاه مصر وشعبها، وعبروا عن المشاعر الوطنية والقومية الطبيعية والمتجذرة لدى الشعبين في مصر والكويت، وما تضمنته مقالاتهم وآراؤهم بما يربط البلدين الشقيقين عبر التاريخ القديم والحديث من روابط اجتماعية وسياسية وثقافية.

وأهاب البيان بالإعلاميين والمواطنين المصريين عدم الوقوع في فخ الخلط بين انحراف هذا الشخص عن كل القيم والأعراف والأخلاقيات، وبين الشعب الكويتي الشقيق المحب لمصر بقيادته ومواطنيه ونخبه الثقافية والإعلامية، والحريص دائماً على العلاقات الطيبة مع مصر وقيادتها وشعبها، وعدم الانسياق وراء الفتنة التي أرادها هذا الشخص المسيء فى هذا التوقيت تحديداً للوقيعة بين الشعبين، فكاتب المقال لا يمثل في نظرنا إلا نفسه، ونربأ بإعلام وشعب الكويت أن يكون معبّراً عنهم».

وقال السفير عزت سعد، المدير التنفيذي للمجلس المصر للشؤون الخارجية، إن «العلاقة بين مصر والكويت لن يؤثر فيها سلباً مثل هذه المقالات، لكن من المناسب الرد وتوضيح علاقتنا بالكويت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكويتي يقدرون دور مصر في بناء الكويت الحديثة ودورها في تحرير الكويت بداية التسعينات، ومن ثم يجب عدم الالتفات لمثل هذا الرجل الذي كتب كلاماً لا يستحق القراءة فضلاً عن الرد عليه».

ولفت سعد إلى أن إصدار بيان والتحرك قانوناً في مثل هذه المواقف أمر يعود لتقديرات وزارة الدولة للإعلام، مضيفاً: «في مناسبات سابقة كان هناك دائماً ذوو نفوس ضعيفة يكتبون مثل هذه الكلمات غير المسؤولة والتي تحتاج إلى دليل ملموس يدعمها، وهي صغائر لا تستحق الاهتمام».

وأعلنت الوزارة عن إجراءات تم اتخاذها تجاه الموضوع بالتنسيق بين وزارتي الخارجية في مصر والكويت، وإحالة الموضوع برمته إلى النائب العام في الكويت الشقيقة لاتخاذ ما يلزم قانوناً إزاءه، كما قام وزير الدولة للإعلام بمصر بالاتصال هاتفياً بوزير الإعلام بدولة الكويت، للتعبير عن الرفض التام لهذا المقال الذي نُشر في إصدار إعلامي كويتي، وهو تصرف غير مقبول، ويسيء للعلاقات الوطيدة بين البلدين، معرباً عن ثقته بأن الجانب الكويتي لن يتهاون إزاء هذا السلوك.

ويرى العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، الدكتور حسن عماد مكاوي، أن «المقال المسيء صدر عن شخص ليس له حيثية، وليس له ثقل في المجتمع الكويتي، فهو شخص بلا جنسية (بدون)، وهو كاتب صحافي غير معروف ومحدود القيمة، ولا يستحق الرد على ما قاله من تفاهات وعبث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقات بين مصر والكويت أكبر من هذا الأمر، ومثل هذه الكتابات سواء صدرت عن شخص كويتي أو شخص مصري يجب ألا يُعتد بها؛ لأنها لا يمكن أن تؤثر في علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية عبر عشرات السنين الماضية».

وفي الوقت نفسه، جدد وزير الدولة للإعلام خلال الاتصال الهاتفي التأكيد على دعم مصر حكومة وشعباً لدولة الكويت الشقيقة في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية غير مبررة. وأكد البيان أنه يتم التنسيق حالياً بين وزارتي الخارجية فى مصر والكويت بشأن ما يمكن اتخاذه من إجراءات قضائية وفق القوانين الكويتية تجاه الشخص المذكور.

وجددت الوزارة عزمها وكل الجهات المصرية المختصة، على إخضاع أي تجاوزات تضر بالمصالح الوطنية، وتسيء للعلاقات مع الدول العربية الشقيقة، للقوانين واللوائح المصرية، وهو الأمر الذي تناشد الجهات المعنية في الدول العربية الشقيقة، القيام به تجاه المتجاوزين في حق مصر وشعبها والساعين إلى الإضرار بعلاقات دولهم الشقيقة معها، وذلك وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها.

ووصفت المتخصصة في الإعلام والدعاية بجامعة القاهرة، الدكتورة سارة فوزي، البيان الصادر عن وزارة الدولة للإعلام في مصر بأنه «متوازن جداً»، وثمنت خطوات الوزارة في سرعة الرد على كل ما يتم نشره دولياً ومحلياً وما يتم تداوله من شائعات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أهم ما يميز البيان التفرقة بين الآراء الفردية، والروابط القوية بين الكويت ومصر وغيرها من دول الخليج خصوصاً في وقت الأزمات والحروب».

ولفتت إلى أن «التحرك القضائي وتصعيد الأمر ضد أي شخص يتجاوز أمر مهم جداً، حتى لا نرى كتّاباً آخرين يحاولون التطاول على مصر»، وأكدت أنه «إلى جانب قوة مصر الناعمة يجب أن يعرف المتجاوزون أن مصر يمكنها أن تضرب بيد من حديد على المسيئين والمتجاوزين حتى لا يتكرر الأمر».

وأشارت سارة إلى حوادث عالمية كثيرة تم التحرك فيها قضائياً من قبل الدول ضد مقالات نشرت في دول أخرى تنال من هيبة الدولة المتضررة، وتسيء لها أو لأحد رموزها أو تطلق اتهامات جزافية ضدها.

وكان المقال المنشور في إحدى الصحف الكويتية قد أثار ضجة كبيرة في مصر، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت ابنة كاتب المقال وهي المخرجة السينمائية فرح الهاشم بياناً ورسالة موجهة للرئيس المصري على صفحتها بموقع «فيسبوك» تنفي فيه علاقتها بما يصدر عن هذا الشخص الذي وصفته بأنه «والدها البيولوجي»، وقالت في منشورها إن علاقتها به منقطعة منذ أعوام طويلة، وأنها تختلف تماماً مع آرائه، مؤكدة محبتها وتقديرها لمصر وشعبها.


مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان، بجانب تطور النسق المعماري عبر عصور مختلفة.

وأعلنت البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين «المجلس الأعلى للآثار» و«كلية الآثار بجامعة القاهرة»، الثلاثاء، عن اكتشاف بقايا مبنى دير أثري يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي، بمنطقة الأديرة المطمورة بوادي النطرون بمحافظة البحيرة، والتي تُعد من أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والأثار المصرية، «يمثل هذا الكشف مرحلة هامة في تطور الحياة الرهبانية المبكرة، حيث يلقي الضوء على التخطيط المعماري للأديرة الأولى في هذه المنطقة ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة».

وتبلغ مساحة المبنى المكتشف نحو 2000 متر مربع، وهو مشيَّد من الطوب اللبن، حيث يصل سُمك الجدران الخارجية إلى متر كامل، بينما يتراوح سُمك الجدران الداخلية ما بين 60 و70 سم، ويتراوح ارتفاعها بين 1.80 و2.20 متر.

ويضم المبنى فناءً مركزياً مكشوفاً يتوسط التخطيط العام، تحيط به مجموعة من الوحدات المعمارية التي تشمل أفنية فرعية تفتح عليها قلالي (حجرات الرهبان) بأشكال ومساحات متنوعة، ما بين المربع والمستطيل. كما تم الكشف عن مجموعة من الملحقات الخدمية في الجزء الغربي من المبنى، تضم مطابخ متكاملة وأفراناً وأماكن لتخزين المؤن.

المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور فنون العمارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي أن الاكتشاف يمثل «إضافة نوعية لفهمنا لبدايات الرهبنة في مصر، والتي انطلقت من أرض مصر لتنتشر في مختلف أنحاء العالم»، وأضاف في إفادة رسمية أن «وادي النطرون يُعد أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في مصر، وهذا الاكتشاف يعزز من مكانته على خريطة السياحة الدينية والثقافية الدولية».

وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف عدد من أماكن الدفن داخل المبنى، تحتوي على بقايا عظام بشرية يُرجح أنها تعود لرهبان الدير، في دلالة على الطابع الجنائزي المرتبط بالحياة الرهبانية في تلك الفترة.

ويرى أستاذ الآثار بجامعة القاهرة الدكتور جمال عبد الرحيم أن «الاكتشاف يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات العلمية حول حياة الرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الآثار المكتشفة ستسهم في تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية واليومية للرهبان، بشكل مغاير وأكثر عمقاً مما ورد في كتب التاريخ، حيث تقدم الحفريات تفاصيل مختلفة عن الروايات التاريخية»، مؤكداً أن «الدير المكتشف يبرز تطوراً كبيراً في العناصر المعمارية الخاصة بالأديرة».

يحتوي على عناصر معمارية فريدة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتضمن الكشف الأثري الجديد تفاصيل معمارية وفنية عدة، حيث تم العثور على عدد من النقوش بالخط القبطي، تتضمن أسماء رهبان أقاموا بالدير، إلى جانب كتابات دينية تتضرع بالرحمة والمغفرة، وهو ما عدته البعثة «يسهم في تأريخ المبنى، وتوثيق الحياة اليومية للرهبان».

ورأى أستاذ الاجتماع بالكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، الدكتور نصيف فهمي أن «اكتشاف الدير الجديد يفتح مجالاً واسعاً لدراسة الحياة الاجتماعية للرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحياة الاجتماعية للرهبان بها تفاصيل غير معروفة للكثيرين، وتوفر الاكتشافات الأثرية معلومات جديدة».

وبحسب وزارة السياحة، أظهرت الدراسات المعمارية استخدام أنظمة تسقيف متنوعة، بمبنى الدير المكتشف، منها الأقبية والقباب المبنية من الطوب اللبن، كما كُسيت الجدران بطبقة من الملاط الأبيض، وزُينت برسومات جدارية تضم عدداً من الصلبان وأشجار النخيل وزخارف نباتية وهندسية متنوعة.

المبنى يعود إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة الدكتور محسن صالح أن «البعثة وضعت خطة متكاملة لتوثيق المبنى المكتشف وصيانته وفقاً لأحدث المعايير العلمية، مع مراعاة طبيعة مواد البناء الطينية وتحقيق مبادئ الاستدامة». بينما أكد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة السياحة الدكتور ضياء زهران، أن المبنى يعد «نموذجاً متكاملاً لمباني الرهبنة المبكرة، حيث يحتفظ بمعظم عناصره المعمارية»، بينما أوضح رئيس البعثة الأثرية الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام، أن هذا الكشف «يمثل دليلاً مادياً هاماً يؤكد الروايات التاريخية حول نشأة الرهبنة في وادي النطرون»، مشيراً إلى أن «المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور العمارة الرهبانية بين القلالي الفردية والأديرة الكبيرة».