الشاعرة الأوكرانية ليسيا أوكراينكا... في مختارات من شعرها ورسائلها

تحتفي بالطبيعة ومشاهد نادرة لمصر في عشرينات القرن الماضي

الشاعرة الأوكرانية ليسيا أوكراينكا... في مختارات من شعرها ورسائلها
TT

الشاعرة الأوكرانية ليسيا أوكراينكا... في مختارات من شعرها ورسائلها

الشاعرة الأوكرانية ليسيا أوكراينكا... في مختارات من شعرها ورسائلها

صدر حديثاً عن دار «العين» المصرية كتاب «ليسيا أوكراينكا... مختارات من أشعارها ورسائلها» (1871– 1913)، قدم نسخته العربية المستعربة الأوكرانية أولينا خوميتسكا، والمترجم المصري سمير مندي، وقُسِّم إلى جزأين، تضمن «الأول» قصائد: «الخماسين»، و«تنفس الصحراء»، و«عفراء»، و«ليلة عاصفة»، و«ضيف من الشمال»، و«هبة سرية»، و«حلم» من ديوان «الربيع في مصر». وهناك أيضاً مجموعة قصائد «ألحان» من ديوان «الأفكار والأحلام»، بالإضافة إلى قصائد «متفرقات»، وهي: «إلى البيانو الخاص بي»، و«أيا حلمي لا تخُني»، و«أن أترك كل شيء وآتي إليك»، و«دائماً تفوح من رسائلك رائحة الورد».
ويضم الجزء الثاني مختارات من رسائل أوكراينكا التي بعثت بها إلى شقيقتها ووالدتها أثناء إقامتها في مصر، بحثاً عن علاج لمرضها الذي أصابها في العظام، وأودى بحياتها في نهاية المطاف. ورسمت خلالها صورة تاريخية واجتماعية للحياة المصرية أوائل القرن العشرين، وميل أوساط الطبقة الراقية إلى احتذاء طريقة الإنجليز في الحياة، ووصفت أساليب المعيشة داخل «البانسيونات» والمصحات، واجتماع النزلاء للطعام، وجلوسهم للتسلية في المساء. كما وصفت بدقة الطرز المعمارية، ولم تنسَ بالطبع أن تشرح تفاصيل من حياتها، وحالتها المرضية.
ويأتي الكتاب باعتباره الترجمة الأولى لقصائد وآثار ليسيا أوكراينكا (1871– 1913) إلى اللغة العربية، على الرغم من أنها تُرجمت إلى كثير من اللغات الأوروبية. أما زياراتها للقاهرة التي كانت لا تتجاوز أشهر معدودات كل عام، فتمخضت عن تجربة شعرية فريدة من نوعها اختصت بها مصر، سجلتها في ديوان «الربيع في مصر»، وتعكس من خلاله صورة نادرة لمصر في عشرينات القرن الماضي، وقد أتاحت لها زياراتها أن تشاهد عن قرب الحياة اليومية للشعب المصري خلال فترة الاحتلال الإنجليزي، واستطاعت أن تقدم الطبيعة المصرية من منظور الوافد الذي لم يُفسد الاعتياد خياله، وسجلت كثيراً من التفاصيل العابرة.
ولم يكن شعر أوكراينكا مجرد نقل آلي أو فوتوغرافيا للواقع، أو وثيقة تؤرخ لهذا الشأن أو ذاك. وقد امتلكت من السمات الأدبية والجمالية ما وضعها بين مصاف كبار الشعراء، في بلدها وخارجها. واستطاعت في ديوانها «الربيع في مصر» أن تضع يدها على «خصوصية» الشعب المصري التي يمتزج فيها الماضي بالحاضر والفردي بالجماعي، ورصدت ما يستقر في أعماقه من حزن وفرح. وما تتجاور في سجيته من نقائض وأضداد، وقد ظهر هذا في قصيدة «عفراء»، والتقطت من خلالها حالة الصمت الممزوجة بالخوف التي عاناها الشعب المصري في لحظات إرهاب المستعمر الإنجليزي له، تقول فيها:
«وسط الضجيج ودون مبالاة
دفع الإنجليز قواتهم بمحاذاة ضفاف النيل
كي تسمع مصر وترتعد.
وما إن مروا حتى خيم الصمت بعدهم
كأن مزلاجاً كبيراً وثقيلاً انغلق في معبد مهيب».
واستطاعت في قصيدة «هبة سرية» أن تستأنس بحركة الناس والشوارع والأسواق، وتصور فيها رؤوس الباعة، والبضائع التي تستقر فوقها، كأنها تيجان مصرية مزدوجة:
«بصوتٍ شجي في حلاوة الغناء، يمتدح الباعة بضاعتهم
وهم يحملون بفخر حملهم الثقيل
كأنه تاج يستقر فوق الرؤوس الجميلة».
تسأل أوكراينكا: كيف أمكن أن يتمتع هذا المصري بروح المرح والفرح، على الرغم من كل ما يعانيه من ألوان الشقاء والتعاسة والظلم؟ حيث تقول في القصيدة نفسها:
«من أين يأتي هذا الفرح؟
أتساءل ويتخايل في رأسي
أن صوتاً خفياً يهمس بأسطورة منسية».
لكن ما يسترعي الانتباه حقاً هو احتفال أوكراينكا برياح «الخماسين» وهبَّاتها المفاجئة المتسارعة. وقد رأتها شعيرة تستعيد من خلالها الصحراء ذكرى مقتل «أوزوريس» على يد «ست» الشرير، وتشير إلى أن «ست» مزق جسد «أوزوريس» وألقى به، لا في النيل، وإنما في الصحراء. وليست «هَبة الخماسين» بلونها الأصفر إلا فرحاً واحتفالاً بفعلة «ست».
وقد شبهت أوكراينكا «الخماسين» في إحدى رسائلها إلى والدتها، بـ«التيفون»، وهو وحش كما يرد في الأساطير الإغريقية، شديد الخطورة. لكنها حين تتحدث عنها في قصيدتها «الخماسين» تظهرها كأنها عروس فتنها الرقص، وقد توسطت سُريَّاتها أو جواريها اللائي أخذن يرقصن بدورهن. وتقول فيها:
«كأنه عرس جنوني وحشي مفرط الفرح!
تعزف الرمال مثل ناي وهي تنطلق فجأة من سباتها الثقيل
وعلى الدفوف تضرب الأحجار الصغيرة.
مَن هناك في الضباب الأصفر المبهر يرقص احتفالاً بـ«الخماسين»؟
ترفرف أشياء مثل أغطية رقيقة تدور راقصة بسرعة شديدة...
أهؤلاء فتيات سرّيات للرياح؟ أطفال مرحون للصحراء الحزينة؟».
وتمتلك أوكراينكا تجربة شعرية خاصة جداً، تعود إلى روح الألم والمعاناة التي تخللت حياتها القصيرة، وفقدها الرجل الوحيد الذي أحبته. وجربت قسوة رؤيته، وهو يحتضر، وسجلت فجيعتها في قصيدة سمَّتها «الممسوسة» عام 1901، وقد تجلى ذلك أيضاً في قصيدة «حزني سحابة سوداء»؛ حيث الحياة مجرد فواصل قصيرة بين نوبات تواري الألم وظهوره. أو حتى مجرد استراحة قصيرة لالتقاط الأنفاس واستئناف المقاومة، وفيها تقول:
«تجمع حزني في سحابة سوداء كنارِ الصاعقة
انتشر فيها أساي، ضرب في قلبي
وانهمرتْ مطراً غزيراً دموعي
ومرت تلك العاصفة العنيفة فوقي
لكنها لم تكسرني، لم تسحبني إلى الأرض
فقد رفعتُ بفخر جبيني
وعيوني المغسولة بدموعي الآن ترى أكثر وضوحاً
وفي قلبي هتافات ظافرة تدوي».
لم يخفت هذا الألم، ولم يتوارَ في شعر ليسيا أوكراينكا، ولم يخفت، بالمثل، ولم يذوِ، الأمل المفعم بحب الحياة. وهي تختار من أجل التعبير عن ذلك تعبيرات بسيطة ترتبط بالطبيعة وحركة الناس من حولها. وتقول في قصيدة «أتمنى موجهة الأمل»:
«وفي الحقل الفقير غير المزروع
سوف أزرع الزهور الملوّنة
سوف أزرع الزهور في الصقيع
وأسقيها بدموعي المريرة».
ولدت الشاعرة الأوكرانية ليسيا أوكرانيكا عام 1871، لأم كاتبة وناشرة، وأب مثقف، انصب اهتمامه على تطوير الثقافة الأوكرانية، ودعم تطوير النشر الأوكراني. وقد أتقنت عديداً من اللغات الأجنبية، بالإضافة إلى لغتها الأوكرانية الأم، ونشرت أولى مجموعاتها الشعرية «على أجنحة الأغاني» عام 1893، وكتبت القصائد الملحمية، والمسرحية، والنثر، وبعض المقالات النقدية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

7 عبارات تحذيرية يستخدمها المتلاعبون بشكل مستمر

يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)
يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)
TT

7 عبارات تحذيرية يستخدمها المتلاعبون بشكل مستمر

يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)
يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)

تؤدي الكلمات دوراً حاسماً في توجيه الانطباعات، والتأثير في الآخرين، وهو ما يدفع بعض الأشخاص إلى استخدامها بمهارة لتحقيق أهدافهم الخاصة. إذ يحرص هؤلاء على انتقاء عبارات تبدو ودودة، وبريئة، وتوظيفها في التوقيت المناسب لإقناع الطرف الآخر بما يريدون.

ومع ذلك، فإن إدراك هذه الأساليب يسهّل كشفها، والتعامل معها بوعي أكبر. فقراءة ما بين السطور، والانتباه إلى الرسائل الضمنية يساعدان على تمييز العبارات التي قد تبدو لطيفة في ظاهرها، لكنها تحمل مقاصد مختلفة.

وفي هذا الإطار، هناك سبعة أنماط شائعة ينبغي الانتباه إليها، سواء في العلاقات العاطفية، أو في بيئات العمل، وفق ما أوردته شبكة «سي إن بي سي» الأميركية.

1. «أنا آسف لأنك منزعج»

هناك «لكن» قادمة، وهذه هي المشكلة. يستخدم المتلاعبون عبارات كهذه كاعتذار زائف، وعادةً ما يتبعونها بسرد أخطائك، أو أسباب خطأ تصوراتك.

إنه مزيج من الاستخفاف، والتلاعب النفسي. يُقال لك إن مشاعرك غير مهمة، بل وغير مبررة.

2. «أعلم أننا لم نعرف بعضنا إلا لفترة قصيرة، لكنني متأكد من صدق مشاعرنا»

لا يُصنّف هذا دائماً ضمن الرومانسية، فقد يكون ما يُعرف بـ«قصف الحب»، ويحدث هذا عندما يُغدق عليك أحدهم كلمات وأفعالاً عاطفية في بداية العلاقة لكسب نفوذه.

في البداية، قد يبدو الأمر جذاباً، لكن مع مرور الوقت، غالباً ما يتحول إلى سيطرة. فالشخص نفسه الذي يُبالغ في مدحك قد يستغل هذا الأسلوب لاحقاً لتقويض ثقتك بنفسك.

3. «لسنا بحاجة لأحدٍ سوانا»

بعد الإطراء الأول، يتحول الأسلوب إلى عباراتٍ تُشعرك بالعزلة. الهدف: جعلك مُعتمداً عليه فقط.

من خلال تصوير العلاقة على أنها حصرية، يُنشئ المُتلاعب مسافةً بينك وبين الأشخاص الذين قد يُقدمون لك وجهة نظرٍ مُختلفة، ويجعلك أكثر اعتماداً عليه.

4. «أقول هذا فقط لأنني أهتم بأمرك كثيراً»

هذا جانب آخر من جوانب التلاعب العاطفي. فبعد كل تلك التعليقات من نوع «أنت الشخص الوحيد المناسب لي»، يبدأ المتلاعب بانتقادك... لكنه يُظهر الأمر كأنه مجرد جانب آخر من جوانب الحب.

قد تظن أنك تحظى بالتقدير، لكنك في الحقيقة تُدفع للموافقة على كلام شخص يُدبّر لك مكيدة. ونتيجة لذلك، تبدأ ثقتك بنفسك بالتأثر سلباً.

5. «أنا قلق عليك. تبدو شارد الذهن»

عندما تسمع هذا، تظن أن أحدهم يهتم بأمرك. لكنه قد يكون جزءاً من عملية التلاعب النفسي. يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع. يبثون الشك في تفكيرك ويجعلونك تشعر بأنك لا تفكر بشكل سليم. إنه جانب أساسي من التلاعب، وغالباً ما يكون من أصعبها اكتشافاً.

وكما أوضح أحد الباحثين: يجعلك المتلاعبون النفسيون تشعر «بعجز معرفي»، وعدم القدرة على إدراك الحقيقة.

6. «لستُ متأكداً من أن (شخصاً آخر) يُراعي مصلحتك كما أفعل»

على غرار أسلوب العزلة المعروف، يُعدّ هذا جزءاً آخر من التلاعب النفسي. وهو مثال آخر على التلاعب المُقنّع بالاهتمام.

ما هدف المُتلاعب؟ أن يجعلك تتجاهل ما يقوله الآخرون، وتستمع إليه باعتباره الشخص الوحيد الذي يقول لك الحقيقة.

7. «إذا كان هذا ما تريد فعله، فافعل ما يحلو لك»

يبدو الأمر كأن شخصاً ما يريدك أن تتمتع بحرية اتخاذ قراراتك بنفسك، وأن تفعل ما يحلو لك، لكنّ العبارة التي تبدو بريئة قد تكون عكس ذلك تماماً، فغالباً ما يستخدم المتلاعبون هذه العبارات عندما لا يحصلون على ما يريدون، وعندما لا تسير في طريقهم.


لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.