لبنان: التضخم يسابق انهيار الليرة في ظل التأزّم السياسي

ارتفاع تكلفة الخدمات والرسوم الحكومية

عامل صرافة يحمل رزماً من العملة اللبنانية في أحد محال الصرافة ببيروت (رويترز)
عامل صرافة يحمل رزماً من العملة اللبنانية في أحد محال الصرافة ببيروت (رويترز)
TT

لبنان: التضخم يسابق انهيار الليرة في ظل التأزّم السياسي

عامل صرافة يحمل رزماً من العملة اللبنانية في أحد محال الصرافة ببيروت (رويترز)
عامل صرافة يحمل رزماً من العملة اللبنانية في أحد محال الصرافة ببيروت (رويترز)

يسير لبنان بسرعة استثنائية نحو مركز الصدارة العالمي في حصيلة التضخم التراكمي لمؤشري التضخم وانهيار العملة الوطنية، في ظل حالة «عدم يقين» مستمرة على المستوى السياسي منذ نحو 4 سنوات، وتفاقمت أخيراً مع الشغور في موقع رئاسة الجمهورية واحتدام الخلافات بشأن مهام حكومة تصريف الأعمال وصلاحياتها، فضلاً عن توسع الشلل المتحكم بمؤسسات الدولة والإدارات العامة.
وتتجه الحصيلة التراكمية لمؤشر التضخم العام لتخطي مستوى 2000 بالمائة منذ أواخر العام 2018، علماً أنها انطلقت من نحو 715 في المائة منذ نهاية العام 2021. وذلك بعدما بلغ متوسّط الزيادة السنويّة في مؤشّر تضخّم الأسعار حدود 195 في المائة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي. وأيضاً، بعدما سجّل لبنان ثاني أعلى نسبة تضخّم اسميّة في أسعار الغذاء حول العالم خلال فترة الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، حيث بلغت نسبة التغير السنوية 198 في المائة، في مؤشر تضخم أسعار الغذاء، ليحل مباشرة بعد زيمبابوي التي سجلت نسبة 353 في المائة.
ويسيطر الإرباك على الأسواق المالية والاستهلاكية، جراء ارتفاع المخاوف من تسجيل تراجعات قياسية إضافية في قيمة العملة الوطنية نتيجة تعاظم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية المتداولة، البالغة حالياً نحو 72 تريليون ليرة، والمرتبطة بترقب بدء سريان رفع سعر الصرف الرسمي للدولار إلى 15 ألف ليرة اعتباراً من أول فبراير (شباط) المقبل، وتطبيقه أيضاً على استبدال السحوبات من الودائع بالدولار التي يجري تصريفها حالياً بسعري 8 و12 ألف ليرة لكل دولار.
وحصل تدفق مستجد للسيولة بعد مباشرة تنفيذ رفع سلسلة رواتب المنتسبين إلى القطاع العام بمعدل راتبين إضافيين شهرياً. وإلى أن تتضح توجهات البنك المركزي في إدارة تدفقات السيولة المستجدة، يتوقع مسؤول مصرفي صدور تعميم بخفض سقف السحوبات ضمن الحصص الشهرية المتاحة للمودعين الأفراد من 3 آلاف إلى 2000 دولار أو الإبقاء على الحد الأقصى للسحوبات بالليرة عند مستوياتها السارية بين 5 و8 ملايين ليرة من كل حساب، علماً أن الحد الأدنى المتوازن للإنفاق المعيشي يتطلب توفر سيولة لا تقل عما يماثل 500 دولار شهرياً.
وبالإضافة إلى صرف رواتب موظفي الدولة بالدولار النقدي، ما يمنحهم زيادة إضافية في المداخيل الشهرية، متأتية من الفارق بين السعر المعتمد على المنصة، والبالغ حالياً 30.5 ألف ليرة لكل دولار، مقابل نحو 42.5 ألف ليرة لسعر الدولار الواقعي في مبادلات السوق السوداء، يتكفل استمرار العمل بالتعميم رقم 158 بتأمين دفق مماثل بحصة شهرية تبلغ 400 دولار نقداً (بنكنوت) لنحو 97 ألف مودع من الأفراد في القطاعين العام والخاص. لكنهم يتكبدون، بالمقابل، اقتطاعات بنسبة أصبحت تقارب 70 في المائة على نصف السحوبات التي يتم تحريرها بسعر 12 ألف ليرة لكل دولار، علماً أن عدد المنضوين طوعاً للاستفادة من التعميم بلغ نحو 172 ألف حساب عند انطلاقه منتصف العام الماضي.
وبالتوازي، تسود مخاوف أكبر من ارتفاع مرتقب لمؤشر التضخم نتيجة تضافر العوامل المؤثرة في توقيت متزامن. فبينما شرعت وزارة المال، أوائل الشهر الحالي، بتحصيل الرسوم الجمركية بسعر 15 ألف ليرة للدولار، أي بزيادة 10 أضعاف دفعة واحدة، وما تفرزه من زيادة على ضريبة القيمة المضافة وفرض رسم جديد بنسبة 3 في المائة على معظم السلع، تستمر الضغوط على السعر الحقيقي لليرة في الأسواق الموازية للمبادلات النقدية، ليبلغ الدولار عتبة 43 ألف ليرة، معززاً بزيادات تحوطية لا تقل نسبتها عن 20 في المائة تلحق بأسعار الاستهلاك، ما يدفع بالسعر المرجعي المعتمد تجارياً إلى مستوى يقارب عتبة 50 ألف ليرة.
وتشكل سلة الغذاء الأساسية مكمن الخطورة التي تشي بتداعيات تتعدى النطاق المعيشي إلى الإخلال بالاستقرار الهش، في ظل تسارع وتيرة نسبة التضخم الاسمية في أسعار الغذاء، والمرجح أن تختم العام الحالي بمقاربة نسبة 250 في المائة بسبب التأثيرات الفورية المترتبة على زيادات الرسوم وارتفاع سعر الدولار إزاء العملة الوطنية، وهو ما قد يتكفل باستنزاف سريع لمفاعيل زيادات مداخيل موظفي القطاع العام. ثم يفاقم، بالمقابل، من حدة الاختلال في القدرات المعيشية لدى جزء كبير من موظفي القطاع الخاص الذين لم يستفيدوا، حتى الساعة، من زيادات مكافئة على مداخيلهم.
وريثما يجري رصد مفاعيل الارتفاعات اللاحقة بالرسوم وبأكلاف الخدمات العامة التي شهدت انضمام ارتفاع بدلات الكهرباء العامة والرسوم العقارية وبدلات إفادات الأحوال الشخصية وسواها، بمعدلات تبلغ 5 أضعاف الحد الأدنى، لتلحق بالزيادات السارية منذ أشهر في قطاع الاتصالات، أظهر أحدث الإحصاءات الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي، تسجيل ارتفاع شهري جديد بنسبة 14.65 في المائة في مؤشِّر أسعار الاستهلاك في لبنان خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2022، مقارنةً بنسبة 8.4 في المائة في الشهر الذي سبقه.
وبذلك، سجل المؤشر السنوي لتضخّم الأسعار زيادةً نسبتها 158.46 في المائة، نتيجة ارتفاعات في جميع مكوّناته، برز من بينها الارتفاع غير المسبوق في كلفة الصحّة بنسبة 270 في المائة، وهي تمثل نسبة 7.7 في المائة من المؤشر، إضافة إلى ارتفاع في أكلاف التعليم التي ارتفعت بمتوسط 191 في المائة، وبنسبة تثقيل بنسبة 6.6 في المائة، وذلك كانعكاس تلقائي للجوء المؤسسات التعليميّة والاستشفائيّة إلى التسعير بالدولار النقدي بشكل جزئي أو كلّي للخدمات التي تقدمها.
كذلك، حافظت أسعار المواد الغذائيّة على وتيرة الارتفاعات الحادة لتبلغ نسبة 203.21 في المائة، وهي تمثل نسبة تثقيل 20 في المائة من المؤشر المجمع للتضخم. ورافقتها زيادة في أسعار النقل بنسبة 195.15 في المائة، وزيادة في تكاليف المسكن (الماء والغاز والكهرباء والمحروقات الأخرى) بنسبة 254 في المائة، فيما انضمت كلفة الاتصالات إلى تعظيم مؤشر التضخم بتسجيل زيادة تعدّت نسبتها 228 في المائة، بتأثير مباشر من مضاعفة أسعار التخابر والخدمات عبر الهواتف النقّالة.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

إعادة اللاجئين تتصدر زيارة الشرع إلى برلين

استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)
استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)
TT

إعادة اللاجئين تتصدر زيارة الشرع إلى برلين

استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)
استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)

تصدرت قضية إعادة اللاجئين أول زيارة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين، إذ أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، خلال مؤتمر صحافي مشترك، أمس (الاثنين) أنه «من المفترض أن يعود نحو 80 في المائة من السوريين والسوريات المقيمين حالياً في ألمانيا إلى وطنهم خلال السنوات الثلاث المقبلة».

وكان رد الرئيس السوري: «نعمل مع شركائنا في الحكومة الألمانية على إرساء برنامج الهجرة الدائرية الذي يتيح للكفاءات السورية المساهمة في إعادة إعمار وطنهم من دون التخلي عن حياتهم التي بنوها في ألمانيا».

ميرتس أعلن أيضاً عن نيّة «دعم» إعمار سوريا بعد الحرب، مشيراً إلى أن وفداً من الحكومة الألمانية سيزور دمشق في الأيّام المقبلة. وكشف أنه أوضح لضيفه أن هذه المشاريع المشتركة تبقى رهن التطوّر في تمتين أسس دولة القانون في سوريا.


المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
TT

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت جاء عقب دفع تعزيزات عسكرية جديدة إلى الشريط الحدودي مع العراق خلال الساعات الماضية.

وبينما تحدث خبراء عسكريون عن خيارات الرد العسكري المتاحة، رأى سياسيون في دمشق أن هجوم المسيّرات على القواعد الأميركية التي قد تم إخلاؤها يحمل رسائل ذات دلالات مهمة؛ إذ يأتي بعد تنفيذ إسرائيل عملية توغل من جهة جبل الشيخ باتجاه الأراضي اللبنانية.

وأفادت «هيئة العمليات في الجيش العربي السوري» بوقوع هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية فجر الاثنين.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن الهيئة قولها إن وحدات الجيش تمكنت من التصدي لأغلب المسيَّرات وأسقطتها. وأضافت: «ندرس خياراتنا، وسنقوم بالرد المناسب لتحييد أي خطر، ومنع أي اعتداء على الأراضي السورية».

وبحسب تصريحات الخبير العسكري السوري، العقيد عماد شحود، لـ«الشرق الأوسط»، هناك خياران للرد على مصدر إطلاق المسيّرات في الأراضي العراقية؛ الأول القصف المدفعي بالمدى البعيد «عيار 130»، أو بالراجمات «بي إم 21»، موضحاً أن هذا الخيار لا يحتاج إلى توغل بري.

أما الخيار الثاني، وهو الأفضل، فاستخدام مسيّرات «شاهين»؛ إذ يكون الرد بالمستوى نفسه؛ أي رد بالمسيّرات على هجوم مسيّرات، والأهم أن إصابة الهدف تكون أدق، وفق قوله.

جندي سوري (الجيش العربي السوري - إكس)

وحول الأهداف التي تضربها المسيّرات القادمة من العراق، وهي قواعد عسكرية سورية كانت سابقاً أميركية وتم إخلاؤها قبيل بدء الحرب الإقليمية، رأى شحود أن الغاية من الهجمات توجيه رسائل للحكومة السورية بـ«عدم دخول معركة برية مع (حزب الله) في لبنان، أو تقديم تسهيلات، أو غض النظر عن التوغلات الإسرائيلية من جهة جبل الشيخ باتجاه البقاع الأوسط والبقاع الشمالي»، مشيراً إلى أن إيران ليس لها أهداف في سوريا، وإنما هي رسائل تحذيرية، في حين يضغط الجانبان الأميركي والإسرائيلي على دمشق لتتدخل سوريا برياً ضد «حزب الله»، وهو ما ترفضه دمشق.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ، وصولاً إلى منطقة جبل روس داخل الأراضي اللبنانية (مزارع شبعا). وبحسب البيان، تهدف العملية إلى تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.

ولا تزال دمشق تظهر حذراً حيال الحرب المندلعة في المنطقة «إدراكاً منها لحساسية الموقف»، بحسب تعبير الباحث في الشؤون السياسية عباس شريفة. وبحسب رأيه، فإن الدولة السورية «تأخذ بالحسبان أن تكون هذه الاعتداءات والاستفزازات هي خطة مدروسة من بعض الأذرع الإيرانية في العراق لجر سوريا نحو المواجهة، وتحويل سوريا من عقدة استقرار إلى بيئة متوترة».

وتوقع أن تتأنى دمشق في أخذ أي إجراء حيال هجوم المسيّرات، يوم الاثنين، قبل «التواصل مع الدولة العراقية والجهات الرسمية ومعرفة تقدير الموقف لديها والتعاون». وأضاف شريفة لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة السورية ليست في عجلة من أمرها، خصوصاً أن الموقف الرسمي العراقي رافض لهذه الاستفزازات»، مشيراً إلى أن ما تحتاجه سوريا من الحكومة العراقية «إجراءات ملموسة وذات مصداقية».

معبر اليعربية بين سوريا والعراق (أ.ف.ب)

وكان الجيش السوري أعلن السبت أنه صدَّ هجوماً بطائرة مسيَّرة انطلق من العراق على قاعدة التنف في جنوب شرقي البلاد، التي كانت تضمُّ في السابق قوات أميركية. كما أشار الجيش الأسبوع الماضي إلى استهداف قاعدة أخرى تابعة له في شمال شرقي البلاد بهجوم صاروخي من العراق. واتهم مسؤول عراقي فصيلاً مسلحاً محلياً (تابعاً لـ«الحشد الشعبي»)، بالوقوف وراء الهجوم، وأوقفت بغداد 4 أشخاص على صلة بالحادث.

وفي الأشهر الأخيرة، انسحبت القوات الأميركية المنتشرة في سوريا، في إطار التحالف لمحاربة تنظيم «داعش»، من قاعدتَي التنف والشدادي، وبدأت بالانسحاب من قاعدة قسرك.

ومع تكرار سلوك الفصائل العراقية التابعة لإيران باستهداف عابر للحدود لقواعد في سوريا تم إخلاؤها، يمكن القول إنها «هجمات غير مؤثرة عسكرياً، لكنها تحمل ثلاث دلالات مهمة».

تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

وقال الباحث السياسي نورس العبدالله لـ«الشرق الأوسط»: «الدلالة الأولى توجيه رسائل تهديد لنقل التوترات الإقليمية إلى سوريا بأساليب متعددة، منها الاستهداف ومنها الخلايا الأمنية. وقد سبق أن تم تفكيك خلية تتبع (الحشد الشعبي) العراقي في دير الزور السورية. أما الثانية، فهي في إطار المشهد الأوسع؛ أي كجزء من استراتيجية إيرانية تستهدف توسيع نطاق الحرب مع عدم نجاح التفاوض وزيادة التوترات الأمنية في الإقليم ككل، بما لها من انعكاسات اقتصادية وسياسية. وهذا يرتبط في أحد جوانبه بفكرة إدخال الحوثيين من اليمن، وترابط (الساحات) كما يتم الترويج له».

أما الدلالة الثالثة، فتدخل في تقديره ضمن الحسابات الداخلية العراقية، حيث «تسعى الفصائل التي تقف وراء الهجوم للتأكيد على أنها فاعل مستقل، وقرارها ليس في بغداد، وأن الحكومة العراقية، وإن اتبعت نهجاً حيادياً وسعت للتواصل مع سوريا، وحتى التنسيق الأمني، لن تكون قادرة على فرض رؤيتها».

أما عن رد الفعل السوري، فعملياً التركيز الأساسي كان وما يزال بطابع وقائي عبر تعزيز الحدود والتركيز الأمني، ومنع عمليات نقل السلاح والتهريب، وتعزيز التنسيق مع الجانب العراقي الرسمي، خاصة مع إظهار الحكومة العراقية الحرص على منع استهداف الأراضي السورية رغم عدم قدرتها على ذلك، ولا يُتوقع أن يتغير هذا النهج الحالي إلا بوجود شروط متعددة، منها وجود استهداف متكرر أو تحرك عربي (خليجي تحديداً)، بالانخراط في الحرب، وهذا ما يصبح عليه أيضاً الوضع في الشريط الحدودي مع لبنان.


إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي عن قتل قادة بارزين في «حزب الله»، مسؤولين عن التنسيق بين الحزب والمنظمات الفلسطينية في غارة جوية استهدفت بيروت في وقت سابق من يوم الاثنين، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال الجيش إن الغارة في العاصمة اللبنانية استهدفت وقتلت حمزة إبراهيم راخين، نائب قائد الوحدة 1800 في «حزب الله»، إلى جانب رئيس عمليات الوحدة وناشط آخر، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في موقعها الإلكتروني.

وأضاف الجيش الإسرائيلي في بيان أن «الوحدة 1800 هي الوحدة المسؤولة عن التنسيق بين منظمة (حزب الله) الإرهابية والمنظمات الإرهابية الفلسطينية في لبنان وغزة وسوريا ويهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

وأوضح الجيش أن نائب رئيس الوحدة 1800 أشرف، ضمن مهامه، على نشر عناصر فلسطينية مسلحة في جنوب لبنان لمواجهة القوات الإسرائيلية.

وفي غارات أخرى في بيروت يوم الاثنين، قال الجيش الإسرائيلي، إنه قصف مقرات «حزب الله» ومراكز القيادة.

يُشار إلى أن إسرائيل تشن غارات جوية تستهدف الضاحية الجنوبية في بيروت وعدداً من المناطق في جنوب وشرق وشمال لبنان، تخللها توغل بري، وذلك رداً على قيام «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) الحالي بهجمات على إسرائيل بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من الشهر الماضي.