نجيب محفوظ بين الحارة والوظيفة والأصدقاء... حقائق تُلهم الخيال

مصر تُحيي ذكرى ميلاده الـ111 بمعارض وندوات

تمثال من البرونز لأديب نوبل نجيب محفوظ
تمثال من البرونز لأديب نوبل نجيب محفوظ
TT

نجيب محفوظ بين الحارة والوظيفة والأصدقاء... حقائق تُلهم الخيال

تمثال من البرونز لأديب نوبل نجيب محفوظ
تمثال من البرونز لأديب نوبل نجيب محفوظ

عبر نظارة سوداء وعصا يتكئ عليها وضحكة قوية مجلجلة، تتشكل ملامح صورة حميمة لكاتب استثنائي في تاريخ العرب، ليس فقط لكونه الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل بين مبدعي لغة الضاد، بل لأن رواياته ترسم صورة فاتنة في إبداعها، وصادمة في صدقها، تذوب فيها الخطوط الدقيقة بين عوالم الحقيقة والخيال.

إنه نجيب محفوظ الذي تستعيد، على امتداد شهر كامل، وزارة الثقافة المصرية أطياف ذكرى ميلاده الـ 111 عبر العديد من الفعاليات المختلفة التي حاول صناعها ألا تكون تقليدية. ومن أبرز تلك الفعاليات معرض «نجيب محفوظ بين الحارة والوظيفة والأصدقاء»، فضلاً عن ندوات منها «أحفاد نجيب محفوظ»، و«رحلة نجيب محفوظ السينمائية»، و«إني أرنو في رحاب نجيب محفوظ»، بمشاركة واسعة لمبدعين في الأدب والنقد والفن التشكيلي والسينما من مختلف الأجيال.

المعرض يستلهم شخصيات من الأعمال الأدبية لمحفوظ

أديب نوبل الموظف

تبدو حارات «الثلاثية» وتفاصيل عمارتها، ومشربياتها الخشبية، وحتى أطياف المارين بها، وكأنها تشارك الاحتفال بذكرى جديدة لأديب نوبل، حيث تجتمع تلك الفضاءات المستلهمة من أعماله في عدد من اللوحات التشكيلية للمعرض الذي يستضيفه مركز الهناجر للفنون في الأوبرا المصرية.

«اللوحات تعكس تأثر هؤلاء الفنانين بأدب محفوظ وعالمه في الحارة المصرية، والأماكن التي ارتبط بها بشكل شخصي في القاهرة» كما يقول الكاتب الصحافي طارق الطاهر، وهو عضو «اللجنة العليا للإعداد لاحتفالية نجيب محفوظ».
وإلى جانب المعرض الفني، يحتوي المعرض على قسمين آخرين يضمان وثائق من السيرة الوظيفية لنجيب محفوظ، بالإضافة لعدد من الإهداءات التي تلقاها محفوظ من عدد من كبار المثقفين وأصدقائه من الكتّاب، والتي استعرضها طارق الطاهر في كتابيه «نجيب محفوظ بختم النسر»، و«بخط اليد وعلم الوصول: تاريخ جديد للسيرة المحفوظية».

يقول الطاهر: «الوثائق المعروضة تؤرخ لمسيرة محفوظ الوظيفية التي بدأت عام 1934، وانتهت في سنة 1971 لإحالته للتقاعد، خلال تلك الرحلة خاض الرجل رحلة تعتبر فريدة في الدولة المصرية، لأنه عمل في ثلاث وزارات؛ الأولى: المعارف عندما تم تعيينه كاتباً في الدولة المصرية، ثم انتقل للعمل في وزارة الأوقاف، وأخيراً وزارة الثقافة وتحديداً (مصلحة الفنون) عند تأسيسها وكان يرأسها في ذلك الوقت الكاتب الراحل يحيى حقي»، جاء ذلك في حديث له مع «الشرق الأوسط».
ويضيف الطاهر «تكمن أهمية تلك الوثائق في أننا نستطيع أن نستشف منها أموراً عدة حول علاقاته الوظيفية، والشخصيات التي تعامل معها، أحلامه وانكساراته، فقد كان موظفاً ملتزماً للغاية، وتشهد على ذلك التقارير الصادرة في حقه، علاوة على أن هذا الجانب انعكس في بعض أعماله مثل (المرايا) التي استلهم فيها حياة الوظيفة».

ولم تكن «المرايا» وحدها هي الانعكاس لعالم الوظيفة بما تمثله من حقيقة في حياة محفوظ، بل هي التي ربما ألهمت خياله بشخوصها، إذ تكرر الأمر مثلاً في رواية «حضرة المحترم» التي لم تبتعد عن أجواء الوظيفة وتشابكاتها المختلفة مع المجتمع.
وتظهر في المعرض إهداءات بخط يد كبار المثقفين التي احتفظ بها نجيب محفوظ في مكتبه، منها توقيعات لتوفيق الحكيم، وحسين فوزي، ويوسف القعيد، وفتحي رضوان، وأمل دنقل، وصلاح عبد الصبور، وعلي الراعي ولويس عوض، و«تلك الإهداءات أقرب للرسائل، يجمع بينها التقدير لموهبة محفوظ الاستثنائية، إذ إنه من النادر أن تجتمع تلك الخطوط في معرض واحد، وتمثل بانوراما مفتوحة على سيرة محفوظ وأصدقائه»، حسب طارق الطاهر.

تفاصيل من الحارة المصرية لدى نجيب محفوظ

الحارة

ومن الوظيفة إلى الحارة الشعبية والتي «كانت مصدر إلهام شديد الثراء لكنها لم تتحوّل إلى قيد يمنعه من التطرق إلى بيئات أخرى» بحسب تقييم الكاتب الروائي يوسف القعيد الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «محفوظ الموُلود بحي الجمالية بمصر الفاطمية حيث العبق التاريخي والأجواء الروحانية والطبيعة الخاصة للسكان، تفتحت عيناه على أزقة صغيرة منها (زقاق المدق) الذي تحمل اسمه واحدة من أعذب رواياته على سبيل المثال، لكنه تطرق في الوقت نفسه إلى الأحياء الراقية في القاهرة والشواطئ والمقاهي في الإسكندرية ما جعل أعماله تتميز بالتنوع على مستوى الخلفيات المكانية، وإن ظلت البيئة الشعبية الأكثر حضوراً وتألقاً».

وكان القعيد أحد المقربين من عميد الرواية العربية على المستوى الإنساني، وعضواً دائماً في جلساته الأسبوعية، ومن هنا تكتسب شهادته أهمية إضافية، حيث يرى أن «محفوظ نجح في التعبير بصدق شديد وبراعة وصفية أخاذة عن الأحياء والأماكن الشعبية؛ مثل حي الحسين، ومقهى الفيشاوي حتى أن الزائر لتلك الأماكن يشعر بأنفاس الروائي الراحل لا تزال تتردد في جنباتها حتى الآن رغم رحيله عن عالمنا عام 2006».

كان محفوظ «يتمتع بذاكرة مدهشة لكنها تجلب عليه أحيانا الكثير من الحنين»، وعن ذلك يقول القعيد: «تجوّلت بصحبة عميد الرواية العربية، ومعنا الروائي الراحل جمال الغيطاني في الأماكن الشعبية التي ظهرت في رواياته حين كان لا يزال في مقدوره المشي على قدميه متكئاً على عصا قبل حادثة الاعتداء الغاشم عليه عام 1994، وكان محفوظ يعتصره الحنين والشجن وهو يقارن بين تلك الأماكن في طفولته، وما آلت إليه في شيخوخته، ويبدي ذاكرة قوية وهو يحكي لهما أدق التفاصيل في هذا السياق».

ولا يستطيع القعيد أن يتطرق إلى إرث محفوظ الأدبي والإنساني - كما يؤكد - دون الإشارة إلى فكرتين هما «التنظيم الصارم للوقت» و«الانضباط الشديد في المواعيد» باعتبارهما يشكلان مفتاحا مهما لفهم «العبقرية المحفوظية» على حد تعبيره، مشيراً إلى أنهم «كانوا يضبطون مواعيد الساعة على لحظة دخوله مقهى ريش في تمام الخامسة والنصف عصراً، حيث يبقى ثلاث ساعات بالضبط، لكن المذهل أنه كان يستشعر لحظة المغادرة دون أن ينظر في ساعته، حيث يلقي تحية الوداع ويمضي وحين ينظرون في الساعة يجدونها الثامنة والنصف تماماً».

تقارير وظيفية تظهر تميز محفوظ في عمله

علاقة خاصة مع الأصدقاء

يعتبر الكاتب الصحافي محمد الشاذلي أحد من اقتربوا بشدة من محفوظ، حتى أنه كان يخصه بالعديد من الحوارات الحصرية ويسمح له بزيارته في منزله بحي «العجوزة» في أي وقت، فضلا عن حضور جلساته الخاصة، وهو ما انعكس في الكتاب الذي صدر له مؤخراً «أيام مع نجيب محفوظ»، من موقعه كشاهد عيان.

كيف يرى الشاذلي قيمة الصداقة والأصدقاء في حياة صاحب «الثلاثية»؟ طرحت «الشرق الأوسط» السؤال عليه فأوضح أن «الصداقة ليست مجانية في حياة نجيب محفوظ، فهي أحد أهم مصادر متعته في الحياة، ولو أخذناها منذ صباه المبكر، فقد كان حريصاً عليها كحرصه على العيش بالطريقة التي يحبها. ولم يكن الأصدقاء يلتقون في جيله سوى في الشوارع والنواصي، وعلى ضفاف النيل وفي المقاهي، وألم الأديب الكبير بتلك الوسائل كافة».

ويكشف الشاذلي أن «محفوظ اعترف بتخوفه من أن يؤثر سحر الصداقة على انشغاله بالأدب، فما كان منه أن نظم علاقته بأصدقائه ذلك التنظيم المدهش الذي عرفناه عنه طوال الوقت، فكان الخميس مخصصا لشلة الأصدقاء التي أطلق عليها في البداية اسم (الدائرة المشؤومة)، ثم سماها الفنان الراحل أحمد مظهر فيما بعد (الحرافيش) بعد قراءة لكتاب تاريخ الجبرتي، وكان الدخول إلى تلك الشلة صعباً، ولا يتم إلا بحسابات دقيقة».

وزيرة الثقافة المصرية خلال جولتها بالمعرض

ويتوسع الشاذلي في شرح تفاصيل الصداقة المحفوظية من وجهة نظر أدبية فيقول: «أصدقاء الصبا في العباسية نجدهم في (الثلاثية) بوضوح، كما يمكن أن نجد شلة الحسين في رواية (خان الخليلي)، ولا بد أن يلاحظ قارئ محفوظ أن نماذج الصداقة والوظيفة في حياته شديدة التنوع، وكانت الصداقة والوظيفة أكبر مؤسستين أمدتاه بالكثير من شخصيات قصصه ورواياته».

وفيما يتعلق بالأجيال اللاحقة، «زادت مجموعات الصداقة عند محفوظ بشكل كبير خاصة بعد نوبل، لذا نظمها أيضاً وجعل لكل شلة شبه متجانسة يوماً في الأسبوع في مكان مختلف. وكان بعض النقاد يرون في المحيطين أو الأصدقاء الجدد لمحفوظ تسرية عن الكاتب الذي هرم، لكن محفوظ في تصوري كان يتكئ على هؤلاء في معرفة الأخبار والأحوال وحتى النكات الجديدة، ويطالع حراك المجتمع السياسي والاقتصادي»، على حد تعبير الشاذلي.

تفاصيل من الحارة المصرية لدى نجيب محفوظ



أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.


مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
TT

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)

قال المخرج الجنوب أفريقي مايكل جيمس إن فيلمه «قضاء الرب» ولد من احتكاك مباشر بعالم المهمشين، لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع لهؤلاء الأشخاص، مع رغبته في استعادة إنسانيتهم بعيون الآخرين.

وتدور أحداث الفيلم الذي حصد جائزة أفضل فيلم يتناول قضية أفريقية وعرض للمرة الأولى في مصر ضمن فعاليات مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» في شوارع مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، حيث يجد عدد من الرجال المشردين ملاذاً هشاً داخل مبنى متهالك، يجمعهم نوع من التضامن الصامت في مواجهة عالم قاسٍ تحكمه اللامبالاة والعنف، وتتشابك حيواتهم بين الشارع والذكريات، بينما تتحول تجاربهم اليومية إلى مزيج من الواقع والخيال، في محاولة مستمرة لفهم العالم والبقاء داخله.

وفي امتداد هذه الرحلة، يغوص الفيلم في العوالم الداخلية للشخصيات، حيث تصبح الأحلام والهواجس والذكريات جزءاً لا ينفصل عن الواقع، بل ربما أكثر تأثيراً منه، ليقدم العمل صورة مركبة عن الإنسان.

المخرج الجنوب أفريقي (الشرق الأوسط)

وأكد مايكل جيمس أن الفيلم لا يتوقف عند حدود الحكاية، بل يطرح سؤالاً أوسع حول دور السينما نفسها، وهو ما يجعله يظهر داخل العمل بشخصه مخرجاً يصنع فيلماً عن هؤلاء الرجال، قبل أن يتحول السرد إلى نوع من النقد الذاتي، ليعيد النظر في علاقته كونه صانع أفلام بموضوعه، وفي الحدود الأخلاقية والإنسانية لهذه العلاقة.

وأضاف جيمس لـ«الشرق الأوسط»: «من أبرز التحديات التي واجهتني كانت محدودية الإمكانيات الإنتاجية، فلم نمتلك الوقت الكافي لإجراء بروفات تقليدية، وهو ما دفعني إلى العمل بشكل مكثف مع الممثلين قبل التصوير، من خلال بناء علاقة إنسانية قائمة على الفهم والثقة، وهو أسلوب انعكس على الأداء، بمنح الممثلين مساحة للأداء التلقائي القائم على الصدق».

ولفت إلى أن تجربته مع الأشخاص الذين استلهم منهم الحكاية لم تكن مجرد مادة بحثية، بل تحولت إلى علاقة إنسانية معقدة، وكان حريصاً على قضاء وقت طويل معهم قبل التفكير في تحويل قصصهم إلى فيلم، موضحاً أن هذه العلاقة جعلته يعيد التفكير في موقعه كونه مخرجاً، ليس فقط باعتباره راوياً للحكاية، بل بأنه جزء منها، وهو ما انعكس على طبيعة السرد داخل «قضاء الرب»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أن الفيلم يحاول أن يضع المشاهد في مواجهة مباشرة مع ذاته؛ لأن التحدي بالنسبة له لم يكن في عرض المعاناة بقدر ما كان في كيفية جعل الجمهور يرى نفسه في هؤلاء الأشخاص، معتبراً أن الفيلم يسعى إلى كسر المسافة بين «المشاهد» و«الموضوع»، بحيث لا يعود من الممكن النظر إلى الشخصيات من موقع التعاطف فقط، بل من موقع المشاركة الإنسانية.

وأكد مايكل جيمس أن استخدامه لأسلوب يمزج بين الروائي والتوثيقي جاء بسبب طبيعة التجربة نفسها حيث تختلط الحقيقة بالخيال في حياة الشخصيات، مشيراً إلى أن «هذا التداخل كان جزءاً من رؤية أوسع للواقع وتحركه الدائم وتغيير ماهيته، حيث يُعاد تشكيله باستمرار من خلال الذاكرة والتجربة».

حاول المخرج تقديم صورة جديدة عن حياة المشردين (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختياره للممثلين قام على بناء علاقة شخصية معهم قبل أي شيء، موضحاً أنه يحرص على معرفة الممثل كونه إنساناً قبل أن يكون مؤدياً، وهو ما ساعد في تطوير الشخصيات بشكل مشترك، «حيث جاءت بعض التفاصيل الدرامية نتيجة نقاشات مباشرة معهم، ما منح العمل عمقاً إضافياً»، وفق قوله.

وأشار إلى أنهم لجأوا إلى حلول مبتكرة خلال التصوير، من بينها استخدام موقع واحد وتحويله إلى عدة فضاءات داخل الفيلم، مثل المنزل المهجور والكنيسة والشارع، وهو ما ساعدهم على تجاوز ضيق الميزانية دون التأثير على الرؤية الفنية، مؤكداً أن هذه القيود دفعتهم إلى التفكير بشكل أكثر إبداعاً في بناء الصورة.

وأوضح أن تجربة التمويل كانت معقدة، لكونهم اعتمدوا في البداية على دعم محلي من جهات رسمية في جنوب أفريقيا، لكنه لم يكن كافياً لاستكمال الفيلم، قبل أن ينضم منتج مشارك ويوفر التمويل اللازم لمرحلة ما بعد الإنتاج، ما أتاح لهم تنفيذ المونتاج وتصميم الصوت والموسيقى بالتعاون مع فريق دولي.

واجه المخرج صعوبات في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)

واعتبر المخرج أن التعاون مع مدير التصوير لعب دوراً كبيراً في تنفيذ رؤيته، حيث اعتمدا على تنويع الأسلوب البصري بما يعكس الحالة النفسية للشخصيات، من خلال استخدام عدسات مختلفة وتغيير نسب الصورة، لا سيما في المشاهد التي تعكس حالات الاضطراب أو التعاطي، ما أضفى بعداً بصرياً متماسكاً مع البناء الدرامي.

وشدد المخرج الجنوب أفريقي على أن فيلمه ليس مجرد عمل عن التشرد، بل محاولة لطرح أسئلة أوسع حول العدالة والإنسانية، معرباً عن أمله في أن يواصل العمل رحلته في المهرجانات الدولية، وأن ينجح في إثارة نقاش حقيقي حول هؤلاء الذين يعيشون على هامش العالم، دون أن يفقدوا إنسانيتهم.