الرحلة باسم الأب والتناص في فيلمين سعوديين

«سكة طويلة» و«آخر زيارة» وجهان للعلاقة بين الآباء والأبناء

«سكة طويلة».. ناصر وأخته مريم بطلا الفيلم وفي حالة من الخوف لحضور عرس الأب
«سكة طويلة».. ناصر وأخته مريم بطلا الفيلم وفي حالة من الخوف لحضور عرس الأب
TT

الرحلة باسم الأب والتناص في فيلمين سعوديين

«سكة طويلة».. ناصر وأخته مريم بطلا الفيلم وفي حالة من الخوف لحضور عرس الأب
«سكة طويلة».. ناصر وأخته مريم بطلا الفيلم وفي حالة من الخوف لحضور عرس الأب

يبدأ الفيلم السعودي «آخر زيارة»، 2019 بـ«برولوغ» يستغرق (112) ثانية، تتضح أهمية ما يحدث خلاله فيما بعد. ثم تقفز الكاميرا إلى حيث تبدأ القصة، إلى سيارة على أحد الطرق السريعة. هنا يوظف المخرج الضمني الهاتف الجوال مرتين في تقديم الشخصيتين المركزيتين والموقف الأولي، ثم نقطة التحول التي تؤدي إلى تغيير اتجاه الرحلة.
يُعرَفُ من المكالمة الأولى أن ناصر (أسامة القس) وابنه وليد (عبد الله الفهاد) في طريقهما من الرياض إلى الدمام لحضور لحفل زفاف. ثم يستقبل ناصر مكالمة من أخيه منصور (أبو نواف)، الذي اتصل ليطلب إليه المجيء إلى «الديرة» نظراً لتفاقم مرض أبيهما. يفهم من المكالمة الأخيرة أيضاً أن ناصر ليس من الرياض في الأصل، والأهم أنها تمثل نقطة تحول، إذ يتغير بسببها اتجاه السفر من رحلة لحضور (فرح) في الدمام إلى رحلة لزيارة مريضٍ دَنِفْ.
على نحو مشابه، تؤدي مكالمة يستقبلها ناصر (براء عالم) في فيلم «سكة طويلة» 2022 إلى تغيير مبكر جداً - قبل الذهاب إلى المطار - في مسار ووسيلة الرحلة التي كان هو وشقيقته مريم (فاطمة البنوي) على وشك القيام بها من الرياض إلى أبوظبي لحضور حفل زفاف أبيهما محمد المهند (عبد المحسن النمر). فسبب إلغاء رحلتهما الجوية حسب المتصل، يضطران للسفر بالسيارة تحت إصرار أبيهما على حضورهما.
تمثل ثيمة «الرحلة باسم الأب» إحدى التعالقات التي تشكل محور الاهتمام هنا. ولكن بدلاً من تجليتها واحدة تلو الأخرى، أقفز إلى نهاية الفيلمين باستباق يكسر خطية الكتابة معاكساً السرد الخطي فيهما، المتدفق كرونولوجياً من دون أي استرجاعات واستباقات. ربما أملى ذلك الحرص على تماسك البنية السردية، أو لجعل الفيلم سهل التلقي خالياً مما قد يسبب إرباكاً وتشويشاً للمتلقي أو غير ذلك.
ينتهي «آخر زيارة» بناصر وابنه وقد شرعا في العودة إلى الرياض بعد وفاة الجد. تتضمن بداية العودة تلميحات إلى تغير إيجابي في العلاقة بينهما. الاثنان يبدوان متشابهين مظهرياً؛ فوليد يرتدي ثوباً أبيض بياقة مفتوحة مثل أبيه، مختلفاً بذلك عمّا كان عليه في رحلة الذهاب. وتلميحاً للتغير في حالته النفسية، اختفت السماعات التي كانت تسد أذنيه في البداية، ولم يعد منشغلاً بـ«جواله». أصبح مستعداً كما يبدو للاستماع لأبيه، ويبدو الأب راغباً في كسر الجليد والتحدث مع ابنه بسؤاله: «وليد... تعرف تسبح؟». وعند توقفهما في محطة الوقود، لا ينزل وليد من السيارة كما فعل عندما فكر في الهرب أثناء رحلة الذهاب. لقد راودته فكره الهروب الآن، وتخيل نفسه خارج السيارة لكن دون مغادرة مقعده، وبدا بصورته المتخيلة دون الجرحين على أنفه وجبينه بهدف تمييز الخيال عن الواقع. يعود وليد إلى الرياض موسوماً بالجروح وعلى عتبة التغير.
ويعود ناصر ومريم إلى الرياض بجروحٍ أيضاً؛ إذ يصلان حفل زفاف أبيهما موسومين بالجراح: الجرح في جبين ناصر والجرح في يد مريم؛ بيد أن كلوم الداخل أشد إيلاماً من الجروح الخارجية، ولهذا يغادران الحفل، على الفور، بعد إعطاء الخنجر الهدية لأبيهما، واستقالة ناصر، وطلب مريم إلى «العروس» أن تترك أباها وتنجو بنفسها منه.
ما بين بدايتي التغير المفاجئ في اتجاه الرحلة أو وسيلتها والنهايتين المُعَلّمَتَين بالجروح وبالتلميحات إلى التغير في العلاقات بين الشخصيات؛ يمتد الوسط، فضاء التجربة أو الجزء الأعظم والأهم منها، المؤسس بتفاصيله وأحداثه لاختلاف الفيلمين عن بعضهما؛ وفي الوقت نفسه، وخلال هذا الاختلاف تنسرب ملامح التشابه بينهما، إلى درجة أنه يمكن القول إن قصة «سكة طويلة» ليست إلا إعادة كتابة أو إعادة سرد لقصة «آخر زيارة»، بكل ما تتطلبه إعادة السرد من تغييرات وتحويلات وتضمينات لخصائص النوع السينمائي الجمالية. بعبارة أخرى، إن المُشاهد أمام حالة «تناص» واضح، فإن لم يكن «سكة طويلة» إعادة سرد مختلفة لقصة «آخر زيارة»، فإنه محاكاة خلت من أي إحالة مباشرة، وأسهمت ملامح النوع الفيلمي «الأكشن» في تمويهها. باختصار، «سكة طويلة» تنويعة بملامحها المميِّزة على «آخر زيارة».
كل نص - قصة أو رواية أو فيلم - هو «متناص»، فضاءُ تعالقٍ وتفاعلٍ مع نصوص أخرى سابقة عند جوليا كريستيفا، والنص يُنْتَجُ حسب سعيد يقطين «ضمن بنية نصية سابقة فهو يتعالق بها، يتفاعل معها تحويلاً وتضميناً أو خرقاً» (انفتاح النص الروائي، 98) بشتى الطرق التي يتحقق بها التفاعل النصي. لا نص «يَنْتُجُ» دون أي آثار من نصوص سابقة، «فهناك علاقات كثيرة يأخذها النص مع غيره من النصوص. ولعل أكثرها هيمنة، أن يكون تكراراً لأهم نماذجها. كما أنه قد يكون إضافة وتحويلاً لها (103)».
تشكل «الإفاقة والاكتشاف» ثيمة كبرى يتعالق بها النص السينمائي اللاحق «سكة طويلة» بالنص السابق «آخر زيارة». ففي «آخر زيارة»، منذ بداية الرحلة وفي أثناء إقامة ناصر ووليد في بيت أخيه، تتكشف حقائق عن العلاقة المضطربة والمتوترة، أو بالأحرى اللاعلاقة بينهما؛ فثمة مسافة من التباعد والاغتراب بينهما.
ورغم غموض أسباب عدم الانسجام بين الأب والابن كما يقول الناقد خالد ربيع السيد، فإن الفيلم يتضمن بعض الإشارات إلى مسؤولية الأب عن القطيعة بينهما. فبالمقارنة مع أخيه منصور (أبونواف)، يميل ناصر إلى الصمت مع أفراد أسرته، فلا يحدثهم عن طفولته مثلاً، كما يفعل أخوه إلى درجة الإملال حسب كلام ابنه، ولا يأخذهم في «طلعات وكشتات». علاوة على هذا هو السبب غير المباشر في الحادث الذي تعرض له ابنه أو في اقترابه من الموت غرقاً، لأنه لم يفكر في تعليمه السواقة أو السباحة - - هذان أمران لا علاقة لهما بالهوة بين الأجيال.
لقد شكل وجود ناصر وابنه متباعدين متنافرين في بيت الأخ مقارنة أبرزت عمق اغترابهما، على النقيض من التقارب بين (أبو نواف) وأبنائه. ففي الغرفة المخصصة لنومهما يجر وليد فراشه ليبعده عن فراش أبيه لكيلا ينام بجواره، بصورة تتناقض تماماً مع ما يحدث في صباح اليوم التالي عندما يشترك (أبو نواف) وأبناؤه في إعداد الفطور.
أما في «سكة طويلة»، يتورط ناصر ومريم في موقف أشد إثارة للتوتر والخوف، فخارج السيارة يتهددهما الخطر من ملثم مجهول يطاردهما منذ انطلاقهما من الرياض، وفي الداخل يعربد فيهما التوتر لمعرفة أسباب كراهيته لهما ورغبته في قتلهما، ويفاقم أزمتهما انكشاف الحقيقة المؤلمة المتجسدة في عزلتهما وغربتهما عن بعض. فقد أفاقا على حقيقة أنهما لم يكونا قريبين من بعض أبداً كما هما في الرحلة الآن. كانا متباعدين رغم عيشهما تحت سقف واحد. ومريم أشد تأذياً وتضرراً من العزلة كما يُدرك من انهيارها وانفجارها في وجه شقيقها.
في السيارة يتحول المقعدان الأماميان إلى أريكتي طبيب نفساني، حيث «يفضفض» الشقيقان ليفرغا شحنة التوتر من داخلهما؛ ويتأملان في علاقة أبيهما بهما، وفي ظلمه وقسوته على موظفيه. يسرد كل منهما حكايته كيما يصل لموضع العطب في تناوب لدَوْرَي المُحَلْلِ النفسي والمُحَلَّلِ نفسياً «analysand”، ويشتركان في محاولة الوصول إلى حل لغز الذي يتهددهما بالقتل واحتمال كونه شقيق أحد العمال الذين ماتوا في حادث سقوط رافعة. في لحظة من جلسة التأمل والاعترافات غير المخطط لها، يدركان أنهما في حاجة إلى تكرار السفر معاً ليعرفا بعضهما أكثر كما تطلب مريم من أخيها الوعد بذلك.
في النهاية، يعود ناصر وابنه إلى الرياض بعد خروج أبيه من عالم الأحياء ومن حياته، ويعود ناصر ومريم إليها بعد خروجهما من عالم أبيهما، أو إخراجه من حياتهما.
*كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.