«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

أهمية الخبرة في إعادة طرح الأسئلة اليومية البسيطة

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد
TT

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

وضع المفكر الأميركي هايدن وايت (1928 - 2018) أطروحة في التخييل التاريخي تقوم على فكرة أنّ القصة والتاريخ يمتلكان البنية السردية نفسها. ولقد أشاد بول ريكور بهذه الأطروحة وفضَّلها على أطروحتي المفكرين التاريخيين ويليام دراي وآرثر دانتو لسببين: الأول ما تميزت به تحليلات هايدن وايت من وضوح وقوة، وثانياً أنه وضع في كتابه «ما وراء التاريخ» وبلا تردد كلا من ميشيليه ورانكه وتوكفيل وبوركرت وهيغل وماركس ونيتشه وكروتشه في إطار واحد.
وإذا كان هايدن وايت قد كرَّس حياته لدراسة التاريخ، وألف كتباً مهمة فيه، فإن له دراسات ومقالات متفرقة في بطون المجلات الجامعية والمواقع الإلكترونية، فيها آراء وتوجهات تعزز الفهم لأطروحته في التخييل التاريخي. وهذا ما تنبَّه له الباحث الفرنسي «روبرت دوران» أستاذ الأدب المقارن، فجمع أبحاث وايت وكتاباته المتفرقة وحررها في كتاب من مجلدين، صدر الأول منه مؤخراً عن مطبعة جامعة كورنل بعنوان «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» 2022 وبمقدمتين الأولى للفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر والأخرى لدوران. وسينشر المجلد الثاني عن المطبعة نفسها عام 2023
والتحرير ليس بالعمل الجديد على دوران، فلقد حرر كتباً سابقة، منها «المحاكاة والنظرية: مقالات في الأدب والنقد لرينيه جيرارد: 1953 - 2005» ستانفورد 2008 و«خيال السرد: مقالات عن التاريخ والأدب والنظرية، لهايدن وايت: 1957 - 2007» جونز هوبكنز، 2010... وتمت ترجمته إلى اللغتين الإسبانية 2011 والصينية 2019.
وأهمية كتاب «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» لا تكمن في أنه يجمع كتابات المفكر الأكثر تأثيراً في القرن العشرين فحسب، بل لأنه أيضاً «يمنح القارئ وصولاً فريداً إلى فكر وايت المتأخر» كاشفاً عن جانب أقل شهرة عن هايدن وايت والمتمثل في آرائه بموضوعات ثقافية وأخلاقية، وبعضها له صلة بالتخييل التاريخي. وهو ما تدلل عليه المقالات المجموعة في هذا الكتاب ومن ضمنها خمس محاضرات غير منشورة سابقاً ضمتها فصول الكتاب الخمسة عشر. وتتوزع موضوعات الكتاب بين البحث في إشكاليات الوطنية الحديثة والرموز الآليغورية المؤقتة والهوية والذاكرة الجماعية والخطاب الأوروبي والخطاب الأسطوري واستخدام الأسطورة في إعادة بناء المجتمع والتغييرات التاريخية الفرعية والاستغراب في تاريخ العالم والمجتمعات العابرة، والمتحف التاريخي كفضاء يوتوبي، والواقعية التصويرية في أدب المذكرات إلى جانب موضوعات أخرى مثل عناصر الشمولية عند حنا أرندت، وميتافيزيقيا التاريخ الغربي: الكون والفوضى والتوالي في التمثيل التاريخي، والتاريخية كميدان للخطاب السياسي، والمنفى والنبذ، والجانب المظلم من تاريخ الفن: الكآبة، وضد الواقعية التاريخية قراءة في الحرب والسلم لتولستوي.
وبسبب تفرق مقالات الكتاب وكثرتها احتاج روبرت دوران في جمعها إلى أكثر من خمسة أعوام. ومن باب الدقة العلمية والأمانة البحثية، وضع مسرداً بالمظان التي فيها عثر على المقالات كما كتب مقدمة تلت مقدمة بتلر استهلها بمقولة لهايدن وايت (من دون سرد الحقائق لا يمكن للحقائق أن تظهر)، مدللاً على الطريقة التي بها اهتم وايت بدراسة النظريات التاريخية بوجه عام والتخييل التاريخي بوجه خاص، فكان دراسته التاريخية عابرة حدود الدراسات الثقافية والأدبية. ومن أفكاره المهمة أن الشكل السردي ليس وعاءً محايداً أو طبيعياً في التعبير عن المعلومة التاريخية وأن التقانات السردية ليست مجرد أدوات جمالية بلا أدنى تأثير في الحقيقة التاريخية. وأن التاريخ وإن كان تصورياً تجريبياً أو شبه علمي في نقل وقائع الماضي فإنه في الواقع مشبع بأحكام القيمة.
من هنا اتبع وايت نهجاً تربولوجياً في تفحص سردية التاريخ بدءاً من مقالته المهمة «عبء التاريخ» 1966 ومروراً بتنظيراته لمفاهيم الحبكة والتمثيل والتخييل والمحاكاة والشعرية وغيرها. ويعد كتابه «ما وراء التاريخ: أوروبا في القرن التاسع عشر» الأكثر شهرة، ونال اهتماماً على نطاق واسع وتم تعريبه مؤخراً من قبل شريف يونس ونشره المركز القومي للترجمة بمصر 2022 بعنوان «ما بعد التاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا في القرن التاسع عشر».
ولا مناص من تأكيد القول بأن أهمية كتاب «أخلاقيات السرد» متأتية من المقدمة النقدية المستفيضة التي كتبتها جوديث بتلر والمعنونة «الحداثة والمعرفة العملية». وتأتي إشادتها بالكتاب لا من باب المواطنة والانتماء وإنما من باب الاستيعاب الوافي لفكر هايدن وايت وإدراك معمق لأبعاد أطروحته التاريخية نظراً وتطبيقاً. واستهلت مقدمتها بتأكيد صعوبة تلخيص مساهمات هايدن وايت في العلوم الإنسانية والاجتماعية، قائلة: (رغم رحيل وايت، فإن كتاباته ما زال لها أثرها المهم وسماتها الخاصة وأسئلتها الوجودية المتعلقة بالتاريخ الحديث وفي مقدمتها السؤال: كيف يمكن لي أن أعيش؟ وما الطريق الصحيحة التي علي أن أتصرف بها؟) وأكدت أن من يعرف هايدن وايت يعلم أن هذه الأسئلة ليست بسيطة أو مباشرة، بل هي معقدة كونها تصب في باب التأمل الأخلاقي في التاريخ وبراغماتية نظرة وايت للحداثة ونقد الفلسفات العقلية وبشكل خاص نقد الفلسفة الكانطية بسؤاله الأثير: ما الذي ينبغي فعله إزاء السياسات الأخلاقية تجاه الاستبداد والعنف واليأس...؟.
وخصت بتلر كتاب وايت «الماضي العملي»، وتحديداً الفصل الأخير منه حول الخطاب التاريخي والنظرية الأدبية بالاهتمام، لما فيه من تأكيد لأهمية الخبرة التي يكتسبها المرء في إعادة طرح الأسئلة من قبيل: ما الذي يجب أن أفعله؟ وما الأفضل فيما يجب أن أفعله؟ وهدفه ليس الإجابة عن الأسئلة ولكن التفكير في الظروف التاريخية التي أنتجتها. وأكدت بتلر اقتراح وايت حول المعرفة العملية وأن فهمها يتم بالاستناد إلى الكتاب الثاني لكانط وهو «نقد العقل العملي»، وفيه اهتم كانط بنقد الأخلاق والضمير الإنساني وأن الحقائق مشروطة بالأسئلة التي يطرحها المرء، وأن أي معرفة للحقيقة مشروطة بفهم الواقع والهوية.
وذهبت بتلر إلى أن وايت أخذ كتاب كارل ماركس «برومير الثامن عشر» على محمل الجد لما يثيره فيه من أسئلة تدفع نحو التفكير بالأزمنة الماضية التي تتصاعد في شكل جديد داخل الواقع المعيش، مؤكداً أن الإحساس بالماضي إزاء السؤال: ماذا علي أن أفعل؟ ليس هو نفسه إحساس المؤرخ التاريخي الذي يعتمد النقد الأخلاقي بالمعنى الكانطي، وهو يختلف عن السؤال اللينيني: ما الذي ينبغي فعله؟ والاختلاف هو في اللحظة الذاتية التي لها صلة بوقتنا الحاضر التي تجعل الماضي آتياً إلى الحاضر.
وأيدت بتلر الرأي القائل بأن الحياة الأخلاقية تتطلب القدرة على وضع قصة مشتركة هي عبارة عن وجهة نظر لا بالمعنى الذي تذهب إليه نظريات التحليل النفسي وعلم الاجتماع ومنها نظرية فريديك جيمسون الذي ادعى أنه من دون قصة يمكن سردها لا وجود لحياة أخلاقية وآمن بفكرة أن التاريخ أفق مطلق للتحليل الأدبي والثقافي. وهو ما تراه بتلر تصوراً قاسياً لكنه ليس سيئاً تماماً وتعلل قلق جيمسون بما ورثه من لوكاش عن الحداثة الأدبية التي تخاطر بفصل الفن عن الأخلاق من خلال الطعن بالشروط السردية. ونقلت عن هايدن وايت رده على جيمسون - صديقه المقرب على حد وصفها - من خلال اقتراحه أن الحداثة الأدبية بأنواعها لا تعارض السرد ويمكن اعتبارها إعادة تشكيل للعلاقة بين الفن والأخلاق وليس تدميراً لها على وجه التحديد.
وبحسب وايت، فإن الأفكار الحداثية محددة بشكل مفرط - كما يقول ستيفت أرنست - من خلال هذا العدد الكبير من التمثيل التاريخي للحبكة. أما اسم «الواقعية التصويرية»، فاتخذه هايدن وايت مضاداً للواقعية التي تدافع ضد القول بتزوير التاريخ بكل أشكاله كالنفي والتحريف. وطبّق وايت أفكاره على مذكرات «كافكا»، وكيف يمكن للخيال أن يظل حياً في الوعي الجمعي فينقل من ثم الوقائع التي تزيفها التواريخ المرعبة.
وتساءلت بتلر، وهي بصدد هذه المذكرات كيف يمكن لنصوص مثل هذه أن تخبرنا عن التوجه الأخلاقي؟ وإلى أي مدى يمكنها أن تؤرخ لـ«الماضي العملي» فيفقد الفعل تسلسله ويصبح ما يسميه والتر بنجامين «إيماء»؟ وأجابت: (يبدو أن قصص كافكا تمضي قدماً مع الأحداث، وبحبكة بها ندرك أن التسلسل الحدثي والحركة السردية ليستا متماثلتين. ومع ذلك هناك إحساس بالزمانية يمتد إلى ما بعد الزمانية فتتغير إحداثيات العالم وتعاد صياغة الأسئلة الأخلاقية عن تغير المناخ مثلا أو الوباء أو الديون وغيرها. ولقد سجلت سرديات كافكا الأحداث بانفتاح على فضاءات جديدة، خرقت البنية التركيبة وأعطت إحساساً آخر بالزمان باستعمال المساحات الفارغة والانتقال من لحظة إلى أخرى). واختتمت مقدمتها بأن السجلات التاريخية هي شكل من أشكال التنظيم التي تسبب إرباكاً ثقافياً وأخلاقياً، مما يشير إلى وجود خسارة كتلك التي تظهر في مذكرات كافكا فتشتبك المعاناة مع الأمل لكن من دون انفراج.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.