«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

أهمية الخبرة في إعادة طرح الأسئلة اليومية البسيطة

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد
TT

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

وضع المفكر الأميركي هايدن وايت (1928 - 2018) أطروحة في التخييل التاريخي تقوم على فكرة أنّ القصة والتاريخ يمتلكان البنية السردية نفسها. ولقد أشاد بول ريكور بهذه الأطروحة وفضَّلها على أطروحتي المفكرين التاريخيين ويليام دراي وآرثر دانتو لسببين: الأول ما تميزت به تحليلات هايدن وايت من وضوح وقوة، وثانياً أنه وضع في كتابه «ما وراء التاريخ» وبلا تردد كلا من ميشيليه ورانكه وتوكفيل وبوركرت وهيغل وماركس ونيتشه وكروتشه في إطار واحد.
وإذا كان هايدن وايت قد كرَّس حياته لدراسة التاريخ، وألف كتباً مهمة فيه، فإن له دراسات ومقالات متفرقة في بطون المجلات الجامعية والمواقع الإلكترونية، فيها آراء وتوجهات تعزز الفهم لأطروحته في التخييل التاريخي. وهذا ما تنبَّه له الباحث الفرنسي «روبرت دوران» أستاذ الأدب المقارن، فجمع أبحاث وايت وكتاباته المتفرقة وحررها في كتاب من مجلدين، صدر الأول منه مؤخراً عن مطبعة جامعة كورنل بعنوان «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» 2022 وبمقدمتين الأولى للفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر والأخرى لدوران. وسينشر المجلد الثاني عن المطبعة نفسها عام 2023
والتحرير ليس بالعمل الجديد على دوران، فلقد حرر كتباً سابقة، منها «المحاكاة والنظرية: مقالات في الأدب والنقد لرينيه جيرارد: 1953 - 2005» ستانفورد 2008 و«خيال السرد: مقالات عن التاريخ والأدب والنظرية، لهايدن وايت: 1957 - 2007» جونز هوبكنز، 2010... وتمت ترجمته إلى اللغتين الإسبانية 2011 والصينية 2019.
وأهمية كتاب «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» لا تكمن في أنه يجمع كتابات المفكر الأكثر تأثيراً في القرن العشرين فحسب، بل لأنه أيضاً «يمنح القارئ وصولاً فريداً إلى فكر وايت المتأخر» كاشفاً عن جانب أقل شهرة عن هايدن وايت والمتمثل في آرائه بموضوعات ثقافية وأخلاقية، وبعضها له صلة بالتخييل التاريخي. وهو ما تدلل عليه المقالات المجموعة في هذا الكتاب ومن ضمنها خمس محاضرات غير منشورة سابقاً ضمتها فصول الكتاب الخمسة عشر. وتتوزع موضوعات الكتاب بين البحث في إشكاليات الوطنية الحديثة والرموز الآليغورية المؤقتة والهوية والذاكرة الجماعية والخطاب الأوروبي والخطاب الأسطوري واستخدام الأسطورة في إعادة بناء المجتمع والتغييرات التاريخية الفرعية والاستغراب في تاريخ العالم والمجتمعات العابرة، والمتحف التاريخي كفضاء يوتوبي، والواقعية التصويرية في أدب المذكرات إلى جانب موضوعات أخرى مثل عناصر الشمولية عند حنا أرندت، وميتافيزيقيا التاريخ الغربي: الكون والفوضى والتوالي في التمثيل التاريخي، والتاريخية كميدان للخطاب السياسي، والمنفى والنبذ، والجانب المظلم من تاريخ الفن: الكآبة، وضد الواقعية التاريخية قراءة في الحرب والسلم لتولستوي.
وبسبب تفرق مقالات الكتاب وكثرتها احتاج روبرت دوران في جمعها إلى أكثر من خمسة أعوام. ومن باب الدقة العلمية والأمانة البحثية، وضع مسرداً بالمظان التي فيها عثر على المقالات كما كتب مقدمة تلت مقدمة بتلر استهلها بمقولة لهايدن وايت (من دون سرد الحقائق لا يمكن للحقائق أن تظهر)، مدللاً على الطريقة التي بها اهتم وايت بدراسة النظريات التاريخية بوجه عام والتخييل التاريخي بوجه خاص، فكان دراسته التاريخية عابرة حدود الدراسات الثقافية والأدبية. ومن أفكاره المهمة أن الشكل السردي ليس وعاءً محايداً أو طبيعياً في التعبير عن المعلومة التاريخية وأن التقانات السردية ليست مجرد أدوات جمالية بلا أدنى تأثير في الحقيقة التاريخية. وأن التاريخ وإن كان تصورياً تجريبياً أو شبه علمي في نقل وقائع الماضي فإنه في الواقع مشبع بأحكام القيمة.
من هنا اتبع وايت نهجاً تربولوجياً في تفحص سردية التاريخ بدءاً من مقالته المهمة «عبء التاريخ» 1966 ومروراً بتنظيراته لمفاهيم الحبكة والتمثيل والتخييل والمحاكاة والشعرية وغيرها. ويعد كتابه «ما وراء التاريخ: أوروبا في القرن التاسع عشر» الأكثر شهرة، ونال اهتماماً على نطاق واسع وتم تعريبه مؤخراً من قبل شريف يونس ونشره المركز القومي للترجمة بمصر 2022 بعنوان «ما بعد التاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا في القرن التاسع عشر».
ولا مناص من تأكيد القول بأن أهمية كتاب «أخلاقيات السرد» متأتية من المقدمة النقدية المستفيضة التي كتبتها جوديث بتلر والمعنونة «الحداثة والمعرفة العملية». وتأتي إشادتها بالكتاب لا من باب المواطنة والانتماء وإنما من باب الاستيعاب الوافي لفكر هايدن وايت وإدراك معمق لأبعاد أطروحته التاريخية نظراً وتطبيقاً. واستهلت مقدمتها بتأكيد صعوبة تلخيص مساهمات هايدن وايت في العلوم الإنسانية والاجتماعية، قائلة: (رغم رحيل وايت، فإن كتاباته ما زال لها أثرها المهم وسماتها الخاصة وأسئلتها الوجودية المتعلقة بالتاريخ الحديث وفي مقدمتها السؤال: كيف يمكن لي أن أعيش؟ وما الطريق الصحيحة التي علي أن أتصرف بها؟) وأكدت أن من يعرف هايدن وايت يعلم أن هذه الأسئلة ليست بسيطة أو مباشرة، بل هي معقدة كونها تصب في باب التأمل الأخلاقي في التاريخ وبراغماتية نظرة وايت للحداثة ونقد الفلسفات العقلية وبشكل خاص نقد الفلسفة الكانطية بسؤاله الأثير: ما الذي ينبغي فعله إزاء السياسات الأخلاقية تجاه الاستبداد والعنف واليأس...؟.
وخصت بتلر كتاب وايت «الماضي العملي»، وتحديداً الفصل الأخير منه حول الخطاب التاريخي والنظرية الأدبية بالاهتمام، لما فيه من تأكيد لأهمية الخبرة التي يكتسبها المرء في إعادة طرح الأسئلة من قبيل: ما الذي يجب أن أفعله؟ وما الأفضل فيما يجب أن أفعله؟ وهدفه ليس الإجابة عن الأسئلة ولكن التفكير في الظروف التاريخية التي أنتجتها. وأكدت بتلر اقتراح وايت حول المعرفة العملية وأن فهمها يتم بالاستناد إلى الكتاب الثاني لكانط وهو «نقد العقل العملي»، وفيه اهتم كانط بنقد الأخلاق والضمير الإنساني وأن الحقائق مشروطة بالأسئلة التي يطرحها المرء، وأن أي معرفة للحقيقة مشروطة بفهم الواقع والهوية.
وذهبت بتلر إلى أن وايت أخذ كتاب كارل ماركس «برومير الثامن عشر» على محمل الجد لما يثيره فيه من أسئلة تدفع نحو التفكير بالأزمنة الماضية التي تتصاعد في شكل جديد داخل الواقع المعيش، مؤكداً أن الإحساس بالماضي إزاء السؤال: ماذا علي أن أفعل؟ ليس هو نفسه إحساس المؤرخ التاريخي الذي يعتمد النقد الأخلاقي بالمعنى الكانطي، وهو يختلف عن السؤال اللينيني: ما الذي ينبغي فعله؟ والاختلاف هو في اللحظة الذاتية التي لها صلة بوقتنا الحاضر التي تجعل الماضي آتياً إلى الحاضر.
وأيدت بتلر الرأي القائل بأن الحياة الأخلاقية تتطلب القدرة على وضع قصة مشتركة هي عبارة عن وجهة نظر لا بالمعنى الذي تذهب إليه نظريات التحليل النفسي وعلم الاجتماع ومنها نظرية فريديك جيمسون الذي ادعى أنه من دون قصة يمكن سردها لا وجود لحياة أخلاقية وآمن بفكرة أن التاريخ أفق مطلق للتحليل الأدبي والثقافي. وهو ما تراه بتلر تصوراً قاسياً لكنه ليس سيئاً تماماً وتعلل قلق جيمسون بما ورثه من لوكاش عن الحداثة الأدبية التي تخاطر بفصل الفن عن الأخلاق من خلال الطعن بالشروط السردية. ونقلت عن هايدن وايت رده على جيمسون - صديقه المقرب على حد وصفها - من خلال اقتراحه أن الحداثة الأدبية بأنواعها لا تعارض السرد ويمكن اعتبارها إعادة تشكيل للعلاقة بين الفن والأخلاق وليس تدميراً لها على وجه التحديد.
وبحسب وايت، فإن الأفكار الحداثية محددة بشكل مفرط - كما يقول ستيفت أرنست - من خلال هذا العدد الكبير من التمثيل التاريخي للحبكة. أما اسم «الواقعية التصويرية»، فاتخذه هايدن وايت مضاداً للواقعية التي تدافع ضد القول بتزوير التاريخ بكل أشكاله كالنفي والتحريف. وطبّق وايت أفكاره على مذكرات «كافكا»، وكيف يمكن للخيال أن يظل حياً في الوعي الجمعي فينقل من ثم الوقائع التي تزيفها التواريخ المرعبة.
وتساءلت بتلر، وهي بصدد هذه المذكرات كيف يمكن لنصوص مثل هذه أن تخبرنا عن التوجه الأخلاقي؟ وإلى أي مدى يمكنها أن تؤرخ لـ«الماضي العملي» فيفقد الفعل تسلسله ويصبح ما يسميه والتر بنجامين «إيماء»؟ وأجابت: (يبدو أن قصص كافكا تمضي قدماً مع الأحداث، وبحبكة بها ندرك أن التسلسل الحدثي والحركة السردية ليستا متماثلتين. ومع ذلك هناك إحساس بالزمانية يمتد إلى ما بعد الزمانية فتتغير إحداثيات العالم وتعاد صياغة الأسئلة الأخلاقية عن تغير المناخ مثلا أو الوباء أو الديون وغيرها. ولقد سجلت سرديات كافكا الأحداث بانفتاح على فضاءات جديدة، خرقت البنية التركيبة وأعطت إحساساً آخر بالزمان باستعمال المساحات الفارغة والانتقال من لحظة إلى أخرى). واختتمت مقدمتها بأن السجلات التاريخية هي شكل من أشكال التنظيم التي تسبب إرباكاً ثقافياً وأخلاقياً، مما يشير إلى وجود خسارة كتلك التي تظهر في مذكرات كافكا فتشتبك المعاناة مع الأمل لكن من دون انفراج.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مكمّل غذائي قد يساعد في تخفيف أعراض الصدفية

الصدفية مرض جلدي التهابي يسبب ظهور بقع حمراء مغطاة بقشور سميكة (جامعة ماكماستر)
الصدفية مرض جلدي التهابي يسبب ظهور بقع حمراء مغطاة بقشور سميكة (جامعة ماكماستر)
TT

مكمّل غذائي قد يساعد في تخفيف أعراض الصدفية

الصدفية مرض جلدي التهابي يسبب ظهور بقع حمراء مغطاة بقشور سميكة (جامعة ماكماستر)
الصدفية مرض جلدي التهابي يسبب ظهور بقع حمراء مغطاة بقشور سميكة (جامعة ماكماستر)

توصّل باحثون صينيون إلى أن مكمّل حمض «البانثيثين»، أحد مشتقات فيتامين «ب5»، قد يساعد في تخفيف أعراض الصدفية والحد من الالتهاب المرتبط بها، ما يفتح المجال أمام تطوير علاجات مساعِدة لهذا المرض الجلدي المزمن.

وأوضح الباحثون أن فيتامين «ب5» عنصر غذائي أساسي تحتاج إليه الخلايا لإنتاج الطاقة، في حين يُستخدم «البانثيثين» في صورة مكمل غذائي للمساعدة في خفض مستويات الكوليسترول بالدم، من خلال تثبيط تصنيعه في الجسم. ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية «Journal of Experimental Medicine».

والصدفية مرض جلدي التهابي مزمن يرتبط باضطراب في الجهاز المناعي يؤدي إلى تسارع نمو خلايا الجلد وتراكمها على سطحه، ما يسبب ظهور بقع حمراء مغطاة بقشور سميكة قد يصاحبها حكّة أو ألم. ويمكن أن تصيب مناطق مختلفة من الجسم، مثل فروة الرأس والمرفقين والركبتين، لكنها ليست مرضاً مُعدياً. ويمكن السيطرة على أعراضها باستخدام العلاجات الموضعية والأدوية والعلاج الضوئي، وفقاً لشدة الحالة.

وكشفت الدراسة عن آلية بيولوجية محتملة تفسر تأثير «البانثيثين»، تتعلق بتنظيم نشاط خلايا مناعية تُعرف باسم «الخلايا المتغصنة»، التي تؤدي دوراً رئيسياً في تنشيط الاستجابات المناعية وتعزيز الالتهاب.

وتساعد هذه الخلايا الجهاز المناعي على التعرف إلى المواد الغريبة من خلال عرض المستضدّات، كما تفرز جزيئات إشارية تُنشط خلايا مناعية أخرى؛ مِن بينها الخلايا التائية. لكن فرط نشاطها قد يسهم في اختلال الاستجابة المناعية المرتبط بالصدفية وأمراض مناعية أخرى.

ووجد الباحثون ارتفاعاً في مستويات إنزيمات تُعرف باسم «فانين» (Vanins) داخل الخلايا المتغصنة لدى مرضى الصدفية والمصابين بأمراض مناعية ذاتية أخرى. وأدى تثبيط هذه الإنزيمات إلى الحد من تنشيط الخلايا المتغصنة وتقليل قدرتها على تحفيز الخلايا التائية.

وفي تجارب على الفئران، منع دواء يثبّط إنزيمات «فانين» ظهور الصدفية لدى الحيوانات. واستناداً إلى هذه النتائج، درس الباحثون تأثير «البانثيثين»، الذي تحوّل هذه الإنزيمات بواسطته إلى فيتامين «ب5».

تجربة سريرية

وللتحقق من إمكانية تطبيق النتائج على البشر، أجرى الفريق تجربة سريرية شملت 24 مريضاً، تلقّى جميعهم علاجاً موضعياً يحتوي على مادتيْ «كالسـيبوتريول» و«بيتاميثازون»، وهو مزيج علاجي يُستخدم أساساً لعلاج الصدفية، في حين تناول نصفهم أقراص «البانثيثين» إلى جانب العلاج.

وبعد 12 أسبوعاً، أظهر المرضى الذين تناولوا المكمل تحسناً في الأعراض، كان أكثر وضوحاً لدى المشاركين الذين سجلوا مستويات مرتفعة من الكوليسترول قبل بدء الدراسة.

ورأى الباحثون أن النتائج تقدم دليلاً أولياً مشجعاً على إمكانية استخدام «البانثيثين» علاجاً مساعداً للصدفية، لكن صغر حجم التجربة البشرية يستدعي إجراء دراسات أوسع لتأكيد فاعلية المكمل وسلامته، وتحديد المرضى الأكثر استفادة منه. كما أن النتائج لا تثبت إمكانية استخدام «البانثيثين» بديلاً للعلاجات المعتمدة، إذ اختُبر لدى البشر بوصفه علاجاً مساعداً فقط.


متسلّق ألماني يبلغ القمة... ثم يسقط 1500 متر

صعد إلى حيث تصغر الأرض ويكبر المجهول (رويترز)
صعد إلى حيث تصغر الأرض ويكبر المجهول (رويترز)
TT

متسلّق ألماني يبلغ القمة... ثم يسقط 1500 متر

صعد إلى حيث تصغر الأرض ويكبر المجهول (رويترز)
صعد إلى حيث تصغر الأرض ويكبر المجهول (رويترز)

لقي متسلّق ألماني حتفه إثر سقوطه من ارتفاع نحو 1500 متر (5 آلاف قدم تقريباً)، الاثنين، بعد يوم من بلوغه قمة جبل «أما دابلام» في نيبال، وفق ما نقلت «سي بي إس نيوز» عن مدير إحدى شركات تنظيم رحلات التسلّق الجبلي.

وكان قد أُبلغ عن فقدان المتسلّق فولفغانغ فاشيتشيك، البالغ 57 عاماً، من المعسكر الثالث الواقع على ارتفاع نحو 6200 متر. وكان يستريح بعد وصوله إلى القمة، البالغ ارتفاعها 6812 متراً، الأحد، تمهيداً للنزول المقرّر.

وصرّح رئيس شركة «ريل هيمالايا» لتنظيم رحلات التسلّق غوكول ثابا، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «بعد نجاحه في بلوغ القمة، قضى ليلة الأحد في المعسكر الثالث، وصباح الاثنين اكتشف مرشده أنه مفقود».

وأوضح أن مرشد فاشيتشيك الشخصي، سونام لاما، تركه في الخيمة لدقائق لإعادة معدّات مستعارة، وطلب منه البقاء داخلها. وعندما عاد، وجد أن فاشيتشيك قد اختفى.

وأضاف ثابا أن أحد مرشدي «شيربا» رصد جثمان فاشيتشيك في المعسكر الثاني نحو الساعة الثامنة صباح الاثنين، على ارتفاع نحو 4600 متر.

وانتُشِل الجثمان بطائرة مروحية بعد ظهر اليوم نفسه، ونُقل إلى «لوكلا»، وهي بلدة تُعرف بأنها بوابة عبور المتسلّقين والمتنزّهين المتجهين إلى منطقة إيفرست. ثم نُقل جوّاً إلى العاصمة كاتماندو، حيث سيُشرَّح في مستشفى جامعة تريبهوفان التعليمي.

وقال ثابا: «بعد الانتهاء من التشريح، سيُسلَّم الجثمان إلى أفراد عائلته عبر السفارة». وأشار إلى أن هذه كانت الزيارة الثانية لفاشيتشيك إلى نيبال، مضيفاً: «كان قد زار نيبال عام 2024 للتنزّه الجبلي، وقد أحزننا رحيله كثيراً».

وكانت «رويترز» قد أفادت بأن متسلّقَين يابانيَّين لقيا حتفهما الأسبوع الماضي على قمة أخرى في غرب نيبال.

ويقع جبل «أما دابلام» في منطقة «خومبو» بنيبال، ويُعدّ من الجبال الصعبة تقنياً بسبب منحدراته الشديدة.

وتُعدّ هذه أول حالة وفاة على الجبل هذا العام.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لقي متسلّقان حتفهما خلال رحلتَي تسلّق هناك، أحدهما فرنسي يبلغ 65 عاماً، والآخر كوري جنوبي يبلغ 66 عاماً.

ويحاول أكثر من 300 متسلّق بلوغ قمة «أما دابلام» خلال موسم التسلّق الحالي.

وقد لقي متسلّقون آخرون حتفهم على قمم مختلفة هذا العام.

ففي يوليو (تموز)، قُتل المتسلّق البريطاني - النيبالي الشهير نيرمال بورجا، و9 متسلّقين آخرين بعدما جرفهم انهيار جليدي على قمة «برود بيك» في باكستان.

وفي مايو (أيار)، لقي متسلّقان هنديان حتفهما على جبل إيفرست، خلال فترة شهدت أرقاماً قياسية في عدد محاولات الصعود عبر المسار الجنوبي من نيبال.

وفي مايو أيضاً، لقيت المتسلّقة الأميركية شيلي جوهانسن حتفها في انهيار جليدي على جبل «ماكالو» في نيبال. وكانت جوهانسن، المؤسِّسة المشاركة لشركة «داش أدفنتشرز» الأميركية لتنظيم الرحلات، قد نجحت في بلوغ القمة، البالغ ارتفاعها 27 ألفاً و838 قدماً، قبل أن يضربها الانهيار الجليدي على ارتفاع نحو 23 ألفاً و600 قدم خلال هبوطها.


مصر: اكتشافات أثرية بسقارة تفسّر ألغازاً بالدولة القديمة

منطقة سقارة تضم العديد من المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة تضم العديد من المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشافات أثرية بسقارة تفسّر ألغازاً بالدولة القديمة

منطقة سقارة تضم العديد من المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة تضم العديد من المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

تمكنت الاكتشافات الأثرية المتتالية في منطقة سقارة (غرب القاهرة) من تفسير ألغاز بالحضارة المصرية القديمة ترتبط بمجتمع السادة والنبلاء والطقوس الدينية والجنائزية، وحضور النساء في الطقوس الجنائزية بطريقة لافتة.

وجدد الكشف الذي أعلنته البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار والعاملة بجبانة الملك مرنرع، هذه التفسيرات خصوصاً فيما يخص عمارة المصاطب الجنائزية والتخطيط المعماري لها، بالإضافة لإلقاء الضوء على ألقاب النبلاء في الدولة القديمة.

حيث كشفت البعثة عن مصطبة مشيدة من الطوب اللبِن، تضم عدداً من آبار الدفن، من بينها بئر تؤدي إلى حجرة دفن منقوشة تخص شخصاً يُدعى «وني»، حمل عدداً من الألقاب الإدارية والدينية الرفيعة خلال عصر الدولة القديمة، وذلك في أثناء أعمال الحفائر التي تجريها البعثة بالمنطقة الواقعة إلى الشمال الغربي من هرم الملك مرنرع.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن هذا الكشف الأثري يمثل إضافة مهمة لسلسلة الاكتشافات الأثرية التي تشهدها منطقة سقارة، ويعكس ما تزخر به المواقع الأثرية المصرية من كنوز وشواهد تاريخية لا تزال تحمل الكثير من أسرار الحضارة المصرية القديمة.

وأضاف في بيان للوزارة، الاثنين، أن الوزارة تولي اهتماماً كبيراً بدعم أعمال البعثات الأثرية المصرية بما يسهم في الكشف عن المزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، وإثراء المعرفة بتاريخها، والحفاظ على تراثها الحضاري للأجيال المقبلة.

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن أهمية هذا الكشف تكمن فيما يقدمه من معلومات جديدة عن التخطيط المعماري للمصاطب الجنائزية خلال عصر الدولة القديمة، وطبيعة الممارسات الدينية والجنائزية المرتبطة بها، وإلقاء الضوء على المكانة الاجتماعية والإدارية التي تمتع بها صاحب المقبرة.

جانب من المقبرة المكتشفة في سقارة (وزارة السياحة والآثار)

وأضاف أن حجرة دفن «وني» تُعد من أبرز العناصر المعمارية المكتشفة بالمصطبة، حيث احتفظت نقوشها بحالة جيدة نسبياً؛ ما أتاح التعرف على اسم صاحبها وعدد من ألقابه الوظيفية والدينية، من بينها «العمدة»، و«كاهن سم»، و«مدير كل نقبة ملكية»، و«خازن مال بيت الشمال»، و«السمير الوحيد»، و«سيد مدينة الكاب»، وهي ألقاب تعكس تنوع المهام الإدارية والدينية التي اضطلع بها وصلته بمؤسسات الدولة الملكية خلال تلك الفترة.

ولفت رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إلى أن الحفائر أسفرت أيضاً عن اكتشاف حجرة مقبية تقع مباشرة أعلى حجرة دفن «وني»، عُثر بداخلها على عدد من اللقى الأثرية، من أبرزها تمثالان صغيران من الخشب في وضع تعبدي نادر، يمثلان إضافة مهمة لدراسة التجهيزات الجنائزية وطبيعة استخدام الوحدات المعمارية المختلفة داخل المصاطب المصرية القديمة.

مضيفاً في بيان الوزارة أنه تم العثور أيضاً داخل بئر دفن «وني» على مجموعة من الأدوات البرونزية التي يُرجح استخدامها في الأغراض الطبية، وهي من اللقى الأثرية النادرة نسبياً في السياقات الجنائزية، لافتاً إلى أن النقوش المسجلة داخل حجرة الدفن لم تتضمن ما يشير إلى أن صاحب المقبرة كان يحمل لقب طبيب؛ ما يجعل وجود هذه الأدوات داخل البئر من الجوانب المهمة التي تتطلب مزيداً من البحث والدراسة لتحديد طبيعة استخدامها وعلاقتها بصاحب المقبرة.

كما أسفرت أعمال البعثة عن اكتشاف باب وهمي يخص سيدة تُدعى «سخت نبتي»، حملت عدداً من الألقاب الدينية، من بينها لقب «كاهنة حتحور»، بما يقدم شواهد إضافية عن الأدوار الدينية للنساء خلال عصر الدولة القديمة.

وتسهم هذه النتائج في تقديم صورة أكثر وضوحاً عن الظروف الصحية والمعيشية خلال عصر الدولة القديمة، وتتكامل مع ما تم الكشف عنه من نقوش وعناصر معمارية ولقى أثرية لفهم جوانب مختلفة من حياة صاحب المقبرة ومكانته الاجتماعية.

وشهدت منطقة سقارة العديد من الاكتشافات الأثرية في الفترة الأخيرة من بينها الإعلان في سبتمبر (أيلول) الماضي عن اكتشاف مقبرة تاريخية ترجع إلى أواخر عصر الأسرة الخامسة في أثناء التنقيب بجبانة مارييت الواقعة شمال سقارة. وفي أغسطس (آب) الماضي كشفت أعمال الحفائر بجبانة البوباسطيون بسقارة عن مقبرة تعود إلى عصر الدولة القديمة، لصاحبها «سخنتيو-بتاح» إلى جانب منظومة من آبار الدفن. وكانت المنطقة قد شهدت قبل نحو 5 سنوات الكشف عن أكثر من 100 تابوت خشبي ملون مغلق بحالتهم الأولي داخل آبار للدفن، بالإضافة إلى أكثر من 40 تمثالاً خشبياً للإله بتاح سوكر بأجزاء مذهبة.

وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات أحمد عامر إن اكتشاف مقابر ومصاطب ترجع إلى عصر الدولة القديمة يكشف لنا أسراراً جديدة عن منطقة سقارة، وهي جزء من جبانة «منف»؛ حيث إنه لم يتم العثور بها على 10 في المائة من آثارها. والمكتشفات المتتالية بها توضح لنا الجانبين الاجتماعي والديني للشخصيات التي عاشت في عصر الدولة القديمة، ومكانتهم بها.

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «معظم الاكتشافات الحالية بالمنطقة أشارت إلى حالتها الجيدة، نظراً لعدم الوصول إليها في الماضي والعبث بها؛ حيث إن الحياة الاجتماعية والدينية أصبحت تحتاج إلى الكثير من أعمال الحفائر بتعمق لفهم مزيد من الأسرار والألغاز بعصر الدولة القديمة وحياة كبار رجال الدولة بها في ذلك الوقت».

وتابع: «من خلال ما تم الكشف عنه بمقبرة (وني) رأينا كثرة الألقاب لصاحبها وهو ما يعني مكانته الرفيعة في الدولة القديمة، كما أن النقوش أظهرت ألقابه ومكانته في تلك الحقبة؛ لذلك سوف نرى في الفترات المقبلة اكتشافات أثرية هامة في هذه المنطقة تفك غموض أسرار عن الحياة الاجتماعية والدينية لم تكن معروفة من قبل».