«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

أهمية الخبرة في إعادة طرح الأسئلة اليومية البسيطة

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد
TT

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

وضع المفكر الأميركي هايدن وايت (1928 - 2018) أطروحة في التخييل التاريخي تقوم على فكرة أنّ القصة والتاريخ يمتلكان البنية السردية نفسها. ولقد أشاد بول ريكور بهذه الأطروحة وفضَّلها على أطروحتي المفكرين التاريخيين ويليام دراي وآرثر دانتو لسببين: الأول ما تميزت به تحليلات هايدن وايت من وضوح وقوة، وثانياً أنه وضع في كتابه «ما وراء التاريخ» وبلا تردد كلا من ميشيليه ورانكه وتوكفيل وبوركرت وهيغل وماركس ونيتشه وكروتشه في إطار واحد.
وإذا كان هايدن وايت قد كرَّس حياته لدراسة التاريخ، وألف كتباً مهمة فيه، فإن له دراسات ومقالات متفرقة في بطون المجلات الجامعية والمواقع الإلكترونية، فيها آراء وتوجهات تعزز الفهم لأطروحته في التخييل التاريخي. وهذا ما تنبَّه له الباحث الفرنسي «روبرت دوران» أستاذ الأدب المقارن، فجمع أبحاث وايت وكتاباته المتفرقة وحررها في كتاب من مجلدين، صدر الأول منه مؤخراً عن مطبعة جامعة كورنل بعنوان «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» 2022 وبمقدمتين الأولى للفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر والأخرى لدوران. وسينشر المجلد الثاني عن المطبعة نفسها عام 2023
والتحرير ليس بالعمل الجديد على دوران، فلقد حرر كتباً سابقة، منها «المحاكاة والنظرية: مقالات في الأدب والنقد لرينيه جيرارد: 1953 - 2005» ستانفورد 2008 و«خيال السرد: مقالات عن التاريخ والأدب والنظرية، لهايدن وايت: 1957 - 2007» جونز هوبكنز، 2010... وتمت ترجمته إلى اللغتين الإسبانية 2011 والصينية 2019.
وأهمية كتاب «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» لا تكمن في أنه يجمع كتابات المفكر الأكثر تأثيراً في القرن العشرين فحسب، بل لأنه أيضاً «يمنح القارئ وصولاً فريداً إلى فكر وايت المتأخر» كاشفاً عن جانب أقل شهرة عن هايدن وايت والمتمثل في آرائه بموضوعات ثقافية وأخلاقية، وبعضها له صلة بالتخييل التاريخي. وهو ما تدلل عليه المقالات المجموعة في هذا الكتاب ومن ضمنها خمس محاضرات غير منشورة سابقاً ضمتها فصول الكتاب الخمسة عشر. وتتوزع موضوعات الكتاب بين البحث في إشكاليات الوطنية الحديثة والرموز الآليغورية المؤقتة والهوية والذاكرة الجماعية والخطاب الأوروبي والخطاب الأسطوري واستخدام الأسطورة في إعادة بناء المجتمع والتغييرات التاريخية الفرعية والاستغراب في تاريخ العالم والمجتمعات العابرة، والمتحف التاريخي كفضاء يوتوبي، والواقعية التصويرية في أدب المذكرات إلى جانب موضوعات أخرى مثل عناصر الشمولية عند حنا أرندت، وميتافيزيقيا التاريخ الغربي: الكون والفوضى والتوالي في التمثيل التاريخي، والتاريخية كميدان للخطاب السياسي، والمنفى والنبذ، والجانب المظلم من تاريخ الفن: الكآبة، وضد الواقعية التاريخية قراءة في الحرب والسلم لتولستوي.
وبسبب تفرق مقالات الكتاب وكثرتها احتاج روبرت دوران في جمعها إلى أكثر من خمسة أعوام. ومن باب الدقة العلمية والأمانة البحثية، وضع مسرداً بالمظان التي فيها عثر على المقالات كما كتب مقدمة تلت مقدمة بتلر استهلها بمقولة لهايدن وايت (من دون سرد الحقائق لا يمكن للحقائق أن تظهر)، مدللاً على الطريقة التي بها اهتم وايت بدراسة النظريات التاريخية بوجه عام والتخييل التاريخي بوجه خاص، فكان دراسته التاريخية عابرة حدود الدراسات الثقافية والأدبية. ومن أفكاره المهمة أن الشكل السردي ليس وعاءً محايداً أو طبيعياً في التعبير عن المعلومة التاريخية وأن التقانات السردية ليست مجرد أدوات جمالية بلا أدنى تأثير في الحقيقة التاريخية. وأن التاريخ وإن كان تصورياً تجريبياً أو شبه علمي في نقل وقائع الماضي فإنه في الواقع مشبع بأحكام القيمة.
من هنا اتبع وايت نهجاً تربولوجياً في تفحص سردية التاريخ بدءاً من مقالته المهمة «عبء التاريخ» 1966 ومروراً بتنظيراته لمفاهيم الحبكة والتمثيل والتخييل والمحاكاة والشعرية وغيرها. ويعد كتابه «ما وراء التاريخ: أوروبا في القرن التاسع عشر» الأكثر شهرة، ونال اهتماماً على نطاق واسع وتم تعريبه مؤخراً من قبل شريف يونس ونشره المركز القومي للترجمة بمصر 2022 بعنوان «ما بعد التاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا في القرن التاسع عشر».
ولا مناص من تأكيد القول بأن أهمية كتاب «أخلاقيات السرد» متأتية من المقدمة النقدية المستفيضة التي كتبتها جوديث بتلر والمعنونة «الحداثة والمعرفة العملية». وتأتي إشادتها بالكتاب لا من باب المواطنة والانتماء وإنما من باب الاستيعاب الوافي لفكر هايدن وايت وإدراك معمق لأبعاد أطروحته التاريخية نظراً وتطبيقاً. واستهلت مقدمتها بتأكيد صعوبة تلخيص مساهمات هايدن وايت في العلوم الإنسانية والاجتماعية، قائلة: (رغم رحيل وايت، فإن كتاباته ما زال لها أثرها المهم وسماتها الخاصة وأسئلتها الوجودية المتعلقة بالتاريخ الحديث وفي مقدمتها السؤال: كيف يمكن لي أن أعيش؟ وما الطريق الصحيحة التي علي أن أتصرف بها؟) وأكدت أن من يعرف هايدن وايت يعلم أن هذه الأسئلة ليست بسيطة أو مباشرة، بل هي معقدة كونها تصب في باب التأمل الأخلاقي في التاريخ وبراغماتية نظرة وايت للحداثة ونقد الفلسفات العقلية وبشكل خاص نقد الفلسفة الكانطية بسؤاله الأثير: ما الذي ينبغي فعله إزاء السياسات الأخلاقية تجاه الاستبداد والعنف واليأس...؟.
وخصت بتلر كتاب وايت «الماضي العملي»، وتحديداً الفصل الأخير منه حول الخطاب التاريخي والنظرية الأدبية بالاهتمام، لما فيه من تأكيد لأهمية الخبرة التي يكتسبها المرء في إعادة طرح الأسئلة من قبيل: ما الذي يجب أن أفعله؟ وما الأفضل فيما يجب أن أفعله؟ وهدفه ليس الإجابة عن الأسئلة ولكن التفكير في الظروف التاريخية التي أنتجتها. وأكدت بتلر اقتراح وايت حول المعرفة العملية وأن فهمها يتم بالاستناد إلى الكتاب الثاني لكانط وهو «نقد العقل العملي»، وفيه اهتم كانط بنقد الأخلاق والضمير الإنساني وأن الحقائق مشروطة بالأسئلة التي يطرحها المرء، وأن أي معرفة للحقيقة مشروطة بفهم الواقع والهوية.
وذهبت بتلر إلى أن وايت أخذ كتاب كارل ماركس «برومير الثامن عشر» على محمل الجد لما يثيره فيه من أسئلة تدفع نحو التفكير بالأزمنة الماضية التي تتصاعد في شكل جديد داخل الواقع المعيش، مؤكداً أن الإحساس بالماضي إزاء السؤال: ماذا علي أن أفعل؟ ليس هو نفسه إحساس المؤرخ التاريخي الذي يعتمد النقد الأخلاقي بالمعنى الكانطي، وهو يختلف عن السؤال اللينيني: ما الذي ينبغي فعله؟ والاختلاف هو في اللحظة الذاتية التي لها صلة بوقتنا الحاضر التي تجعل الماضي آتياً إلى الحاضر.
وأيدت بتلر الرأي القائل بأن الحياة الأخلاقية تتطلب القدرة على وضع قصة مشتركة هي عبارة عن وجهة نظر لا بالمعنى الذي تذهب إليه نظريات التحليل النفسي وعلم الاجتماع ومنها نظرية فريديك جيمسون الذي ادعى أنه من دون قصة يمكن سردها لا وجود لحياة أخلاقية وآمن بفكرة أن التاريخ أفق مطلق للتحليل الأدبي والثقافي. وهو ما تراه بتلر تصوراً قاسياً لكنه ليس سيئاً تماماً وتعلل قلق جيمسون بما ورثه من لوكاش عن الحداثة الأدبية التي تخاطر بفصل الفن عن الأخلاق من خلال الطعن بالشروط السردية. ونقلت عن هايدن وايت رده على جيمسون - صديقه المقرب على حد وصفها - من خلال اقتراحه أن الحداثة الأدبية بأنواعها لا تعارض السرد ويمكن اعتبارها إعادة تشكيل للعلاقة بين الفن والأخلاق وليس تدميراً لها على وجه التحديد.
وبحسب وايت، فإن الأفكار الحداثية محددة بشكل مفرط - كما يقول ستيفت أرنست - من خلال هذا العدد الكبير من التمثيل التاريخي للحبكة. أما اسم «الواقعية التصويرية»، فاتخذه هايدن وايت مضاداً للواقعية التي تدافع ضد القول بتزوير التاريخ بكل أشكاله كالنفي والتحريف. وطبّق وايت أفكاره على مذكرات «كافكا»، وكيف يمكن للخيال أن يظل حياً في الوعي الجمعي فينقل من ثم الوقائع التي تزيفها التواريخ المرعبة.
وتساءلت بتلر، وهي بصدد هذه المذكرات كيف يمكن لنصوص مثل هذه أن تخبرنا عن التوجه الأخلاقي؟ وإلى أي مدى يمكنها أن تؤرخ لـ«الماضي العملي» فيفقد الفعل تسلسله ويصبح ما يسميه والتر بنجامين «إيماء»؟ وأجابت: (يبدو أن قصص كافكا تمضي قدماً مع الأحداث، وبحبكة بها ندرك أن التسلسل الحدثي والحركة السردية ليستا متماثلتين. ومع ذلك هناك إحساس بالزمانية يمتد إلى ما بعد الزمانية فتتغير إحداثيات العالم وتعاد صياغة الأسئلة الأخلاقية عن تغير المناخ مثلا أو الوباء أو الديون وغيرها. ولقد سجلت سرديات كافكا الأحداث بانفتاح على فضاءات جديدة، خرقت البنية التركيبة وأعطت إحساساً آخر بالزمان باستعمال المساحات الفارغة والانتقال من لحظة إلى أخرى). واختتمت مقدمتها بأن السجلات التاريخية هي شكل من أشكال التنظيم التي تسبب إرباكاً ثقافياً وأخلاقياً، مما يشير إلى وجود خسارة كتلك التي تظهر في مذكرات كافكا فتشتبك المعاناة مع الأمل لكن من دون انفراج.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».