الحلقة الأولى: روسيا تستدير شرقاً صوب «التنين الصيني» وتخاطر بأن يقضمها يوماً

لوكاس أوبان يستعرض في كتابه «جيوبوليتيك روسيا» هدف موسكو من الحرب في أوكرانيا

نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
TT

الحلقة الأولى: روسيا تستدير شرقاً صوب «التنين الصيني» وتخاطر بأن يقضمها يوماً

نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)

في كتابه «جيوبوليتيك روسيا» الصادر حديثاً عن دار «لا ديكوفيرت»، يرى لوكاس أوبان، المتخصص في دراسات العالم السلافي، ومدير الأبحاث في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية في باريس، أن الحرب الروسية على أوكرانيا، التي بدأت قبل عشرة أشهر، ليست سوى «نتيجة للاستراتيجية الروسية التي وضعت في عام 2000 والتي هدفها إعادة روسيا إلى واجهة المسرح الدولي، وضمان سيطرتها على المنطقة العازلة (عن الحلف الأطلسي) وما كان سابقاً أراضٍ سوفياتية».
وطريق القيادة الروسية إلى ذلك يتمثل بـ«جدلية القوة» المسماة باللغة الروسية «درجافنوست»، التي أطلقها بطرس الأكبر وسار على هديها ستالين وتبناها بوتين.
والأكثر من ذلك أن هذه الجدلية «تحولت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي إلى وسيلة لتثبيت شرعية السلطة. لذا، فإن كافة السياسات التي اتبعت منذ ثلاثين عاماً سلكت هذا النهج الذي تفرضه بالدرجة الأولى، وفق المؤلف، جغرافيا روسيا. إذ إن موسكو تجد نفسها اليوم محاصرة: فمن الغرب والجنوب هناك الحلف الأطلسي الذي أخذ يضم الأكثرية الساحقة من الدول التي كانت تنتمي سابقاً إلى حلف وارسو، بينما تتأهب فنلندا والسويد للالتحاق بهذا النادي الذي يشكل أكبر تحالف عسكري في التاريخ. ومن الشرق، هناك الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والطامح للتفوق على الولايات المتحدة الأميركية. ومن الشمال، هناك القطب الشمالي ومياهه المتجمدة، فيما كانت روسيا تبحث دوماً، منذ زمن القياصرة، عن الوصول إلى (المياه الدافئة)».
فما هي العلاقة العضوية التي تربط السياسة بالجغرافيا الروسية؟
تشكل مساحة روسيا ثمن أراضي الكرة الأرضية، وما يساوي ضعفي مساحة الولايات المتحدة، و25 مرة مساحة فرنسا. والفرق الزمني بين أبعد نقطتين من الأراضي الروسية هو 13 ساعة، فيما المسافة بينهما تصل إلى 10 آلاف كلم. وتمتد الحدود الروسية - الـصينية على طول أربعة آلاف كلم، فيما 76 في المائة من أراضي روسيا تقع في القارة الآسيوية مقابل 24 في المائة منها في أوروبا. وبالنظر لاتساعها الهائل، فإن الكثافة السكانية ضعيفة للغاية (8.5 أشخاص في الكيلومتر المربع). وبلغ عديد سكانها بداية العام المنتهي 145.47 مليون نسمة.
ويكرس الكاتب فصلاً كاملاً لشرح تكوين روسيا عبر المراحل التاريخية التي عنوانها التوسع في كافة الاتجاهات، بدءاً من القرن التاسع وحتى الإمبراطور بطرس الأكبر الذي سعى لجعل بلاده دولة أوروبية. ومن طرائفه أنه فرض «ضريبة اللحية» التي اعتبرها شرقية، ويتعين التخلص منها، كما جعل الفرنسية لغة الدبلوماسية الروسية. وبعده توسعت روسيا في ظل الإمبراطورة كاترين الثانية، التي ضمت شبه جزيرة القرم في عام 1783 بعد انتزاعها من الأتراك، ومدت حدود بلادها إلى ضفاف البحر الأسود، وغزت بولندا وأوكرانيا ودول البلطيق وفنلندا التي بقيت روسية حتى الحرب العالمية الأولى.
وعند موت ستالين في عام 1953، بلغت مساحة الاتحاد السوفياتي 22.5 مليون كلم مربع، لتكون ثالث أكبر إمبراطورية في التاريخ بعد إمبراطورية المغول والإمبراطورية البريطانية. بيد أن هذه المساحة الشاسعة انكمشت بشكل دراماتيكي إلى 17 مليون كلم مربع عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، ما يعني عملياً أن سبعة عقود من التوسع الروسي انهارت بشطحة قلم. ولم يفتأ بوتين يكرر أن انهيار الاتحاد كان «أكبر كارثة استراتيجية» في القرن العشرين.
يقول الكاتب: «منذ وصوله إلى السلطة في عام 2000، جعل فلاديمير بوتين من اللجوء إلى القوة مبدأً رئيسياً للدفاع عن مصالح بلاده في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق»، ومنها بالطبع أوكرانيا. وفي عام 2014، استعاد 27 ألف كلم مربع هي مساحة شبه جزيرة القرم، بعد أن كان قد تدخل في الشيشان وفي جيورجيا.
وإذا كان الروس يشكلون السواد الأعظم من سكان روسيا (80 في المائة)، إلا أن روسيا تحتضن 160 مجموعة أتنو - لغوية مختلفة. ورغم انفلاشها وما يحتضنه باطن الأرض من ثروات (بترول، غاز، معادن ثمينة، يورانيوم، معادن نادرة...)، فإنها تعد بلداً ضعيفاً اقتصادياً، رغم أن عائداتها، خصوصاً من صادرات النفط والغاز والأسلحة والمعادن، توفر للسلطات الموارد المادية التي تمكنها من التحرك. ويقول الكاتب إنه بالنظر إلى التركيبة الاقتصادية - الاجتماعية، فإن بوتين «يتولى مسؤولية بلاد شاسعة تشبه بالأحرى محيطاً يغلب عليه الفقر، وتبز فيه بعض الجزر التي تعرف البحبوحة»، وهي في الحقيقة المدن الكبرى ومكامن الثروة والقوة الروسية الواقعة في غالبيتها في القسم الأوروبي من البلاد. وأبرز مثال على ذلك موسكو، التي تحتضن 8 في المائة من السكان، وتتمتع بـ20 في المائة من الناتج المحلي الخام. وكما أصبح معلوماً، يعد الاقتصاد الروسي «ريعياً»، إذ يعتمد على عائدات مبيعات النفط والغاز والمعادن المختلفة، حيث إن روسيا هي المنتج الأول للنفط (10.5 مليون برميل/يوم)، والثاني للغاز. أما المعادن فهي كثيرة، كالذهب والألماس والزنك والألومينيوم والنيكل.
- الاستدارة شرقاً
في «مبادئ سياسة روسيا الخارجية للعام 2016»، التي صادق عليها بوتين، تأكيد متكرر لوجود «تغيرات عميقة في النظام الدولي عنوانها قيام مراكز تأثير سياسية واقتصادية جديدة، أبرزها تلك القائمة في منطقة آسيا - المحيط الهادئ، حيث تتراجع قدرة الغرب التاريخية على الهيمنة السياسية والاقتصادية العالمية، وبالتوازي يبرز تنوع الثقافات والحضارات وتعدد نماذج التنمية». وترجمة ذلك بالنسبة لبوتين هي التحالف مع الصين التي لبى دعوة رئيسها شي جينبينغ لحضور افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين في 4 فبراير (شباط)، أي قبل عشرين يوماً من إطلاقه «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا. وحضور بوتين تناقضَ مع غياب القادة الغربيين. وعلى هامش الألعاب، وقع بوتين ونظيره الصيني 15 وثيقة، أبرزها تلك التي تؤكد ضرورة قيام عالم متعدد الأقطاب، والمطالبة رسمياً بضمانات قانونية لعدم توسع الحلف الأطلسي. واقتصادياً، وقع الطرفان على اتفاقية قيمتها 400 مليار يورو لثلاثين عاماً، تقوم روسيا بموجبها بتصدير 48 مليار متر مكعب من الغاز، بحيث تكون الطرف الأول المصدر للغاز إلى التنين الصيني.
بيد أن البعد الاستراتيجي يتفوق على البعد الاقتصادي؛ إذ إن الحليفين يسعيان لنقل مركز الثقل الاقتصادي والسياسي والعسكري نحو الشرق.
وبحسب بوتين، فإن موسكو «تريد الاستفادة من نفخ الرياح الصينية في الأشرعة الروسية». لكن المؤلف يرى أن بكين، التي تخطط للتحول إلى القوة العالمية الأولى بعد عشرين عاماً «تستخدم روسيا مطية لتحقيق مصالحها»، حيث إن التحالف بين الطرفين «غير متكافئ»، نظراً لميزان القوى بينهما. ورغم تضارب الأهداف البعيدة، فإن للطرفين حالياً مصلحة في التحالف. ولذا، فقد عمدا سابقاً (في عام 2004) إلى «تنقية» علاقاتهما من الشوائب، خصوصاً على صعيد حل الخلافات الحدودية بينهما. ويبلغ طول خط الحدود بين الطرفين 4250 كلم. ومنذ تلك اللحظة، أخذ بوتين يسمي الصين «حليفاً استراتيجياً». والطرفان عضوان في «منظمة شانغهاي للتعاون» التي تضم أربع قوى نووية هي الصين وروسيا والهند وباكستان، وتمثل نصف سكان العالم، بينما يضم الحلف الأطلسي ثلاث قوى نووية (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا). يضاف إلى ذلك أن كلا البلدين يبديان اهتماماً خاصاً بمجموعة «البريكس» التي تضم إليهما الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل، والتي يريدان تحويلها إلى حصن بمواجهة التحالف الغربي ومجموعة السبع للدول الأكثر تصنيعاً التي أخرجت منها روسيا في عام 2014 عقاباً لها على اجتزاء شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وضمها إلى الأراضي الروسية.
ويعمل الجانبان على تعزيز تعاونهما في المنظمات الدولية، خصوصاً في مجلس الأمن، حيث استخدما معاً حق النقض 14 مرة ما بين العام 2007 و2022. وقد وصلت علاقاتهما الاقتصادية إلى قمم غير مسبوقة، إذ تضاعفت 13 مرة، فتحولت الصين إلى شريك روسيا الاقتصادي الأول (15 في المائة من تجارتها الخارجية).
ودفعت الخلافات الروسية – الغربية، بشأن سوريا وأوكرانيا وسجل حقوق الإنسان وتوابعه، موسكو إلى الارتماء في أحضان الصين والعمل أكثر فأكثر لبناء نظام عالمي جديد. وما بين عامي 2008 و2019، تعززت العلاقات التجارية بين الطرفين، فارتفعت مبادلاتهما من 56 إلى 111 مليار دولار في العام، فيما يهدف بوتين إلى بلوغها 200 مليار في العام 2025.
وكما في الاقتصاد والسياسة، فإن علاقات الطرفين العسكرية تعززت بشكل مضطرد بدءاً من عام 2000، وتكثفت مبيعات الأسلحة الروسية للصين، وتكاثرت المناورات العسكرية الواسعة بين جيشيهما، ولم تعد روسيا تتردد في نقل التكنولوجيا العسكرية الحساسة لشريكها الصيني. ولعل أبرز دليل على التقارب بين الجانبين أن الرئيس شي جينبينغ زار موسكو ثماني مرات منذ العام 2013.
ولا يقتصر التعاون الروسي - الصيني على الأرض، بل يمتد أيضاً إلى الفضاء. ففي السنوات الخوالي، كان السباق القائم بين روسيا والولايات المتحدة مريراً. لكن الوضع تغير اليوم، ولم تعد روسيا قادرة على مواصلة التنافس الفضائي مع الولايات المتحدة الأميركية. واستشهد المؤلف بكلام لـديميتري روغوزين، المدير العام لـ«روس كوزموس» المسؤولة عن الأنشطة الفضائية، الذي قال العام الماضي ما حرفيته: «لم يعد هناك سباق في الفضاء (مع الولايات المتحدة). إذا أردتم تواصل السباق مع «ناسا» الأميركية، فعليكم أن توفروا لنا ما يعادل أموال «ناسا». نستطيع المنافسة حتى لو كانت ميزانية الطرف ضعف أو ثلاثة أو أربعة أضعاف ميزانيتنا. لكن لا نستطيع التنافس مع ميزانية تفوق ميزانيتنا بـ13 ضعفاً». ويسرد المؤلف أرقاماً تبين تأخر روسيا التي خصصت 2.5 مليار يورو للفضاء في عام 2019. إلا أنها بذلك تحل في المرتبة الخامسة بعد ألمانيا (3.8 مليار) والاتحاد الأوروبي (5.7 مليار) والصين (9.8 مليار) والولايات المتحدة المتربعة على المرتبة الأولى (19.8 مليار). لذا، كانت الاستدارة الروسية باتجاه الصين، التي وقعت معها اتفاقاً العام الماضي يقضي بإنشاء محطة روسية - صينية - دولية مأهولة في القطب الجنوبي للقمر بحلول العام 2030، ستكون ثمرة التعاون بين شركة «روس كوزموس» والإدارة الفضائية الصينية. وليس سراً أن للصين طموحات فضائية واسعة وبرنامجاً متعدد الأهداف، من هنا، فإن موسكو وبكين تجدان في تعاونهما، وفق المؤلف، وسيلة لمواجهة التقدم الفضائي الأميركي، لا بل تخطيه في الأعوام المقبلة.
- التنين الصيني والدب الروسي من يأكل الآخر؟
يرى المؤلف أن استدارة بوتين نحو شي جينبينغ هي «تحالف الضرورة». ورغم أنهما شريكان فإن المحور الجديد يبدو «مختل التوازن» لصالح بكين، الأمر الذي يطرح مجموعة من التساؤلات حول مستقبله.
فعلى المستوى الاقتصادي، أصبحت الصين في العام 2021 ثاني أغنى دولة في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ بلغ ناتجها المحلي الخام 16493 مليار دولار، بينما احتلت روسيا المرتبة الـ11 مع 1584 مليار دولار، ما يبين أن حجم الاقتصاد الصيني يزيد عشرة أضعاف عن مثيله الروسي. وفيما تعاني روسيا من أزمات متلاحقة، بعيداً عن تبعات الحرب التي أطلقتها ضد أوكرانيا في فبراير (شباط) من العام المنتهي، والتي فاقمت أوضاعها الداخلية وأعباءها المالية وعزلتها الاقتصادية والسياسية، فإن الصين تبدو وكأنها على كوكب آخر. ويرى المؤلف أن التحالف بين الطرفين «سيدوم طالما أن مصالحهما الاقتصادية والسياسية تفرض دوامه. بيد أن طموح بوتين هو أن يعود إلى واجهة المسرح الدولي، وأن يفرض نفسه نداً للولايات المتحدة، بينما يرى شي جينبينغ في روسيا شريكاً من بين مجموعة شركاء، يمكن الارتكاز إليه (إلى جانب آخرين) حتى تتحول الصين إلى أكبر قوة عالمية بحلول العام 2049». ويضيف الكاتب أن مصالح الطرفين كانت متقاربة حتى بداية العام 2022. بيد أن إرادة بوتين في التوسع مستنداً إلى القوة العسكرية (كما الحال في أوكرانيا وقبلها في جيورجيا) تدفع الصين إلى الحذر رغم أن للطرفين مآخذ مشتركة على واشنطن. فموسكو تتخوف من تمدد الحلف الأطلسي إلى حدودها، وبكين تنظر بقلق كبير إلى النظرية العسكرية الأميركية التي ترى في الصين منافساً يتعين احتواؤه، وهي عازمة على منعها من وضع اليد على تايوان التي تريد بكين إعادتها إلى البيت الصيني، حتى وإن اضطرت إلى استخدام القوة. ويشير الكاتب إلى أن الصين نددت بالحرب الروسية على أوكرانيا، لكنها امتنعت عن فرض عقوبات عليها، وهي بالتالي تلزم موقفاً دقيقاً، حيث لا ترغب مطلقاً في الانقطاع عن القوى الغربية وعلى رأسها أميركا، وما فتئت تؤكد رفضها المساس بالحدود القائمة وتدعو إلى حل المشكلات من خلال الوسائل الدبلوماسية. وذهب الرئيس الصيني إلى حد اقتراح «وساطة» في النزاع، بينما يسعى الغربيون لدفعه إلى ممارسة ضغوط على بوتين لوقف حربه الأوكرانية.
حقيقة الأمر أن التحالف الروسي - الصيني، رغم أهميته للطرفين، ولروسيا بالدرجة الأولى، ليس بالنقاء الذي يريدانه أو يحرصان على إبرازه. فروسيا، وفق المؤلف، تتخوف من تمدد النفوذ الصيني في دول آسيا الوسطى التي كانت سابقاً معقودة اللواء لموسكو إلا أنها أخذت تتحرر من الهيمنة الروسية، فيما بكين تنمي حضورها في هذه المنطقة. ولعل أبرز دليل على ذلك أن ثلاثاً من «الطرق الاستراتيجية الأرضية» التي أطلقتها الصين في سياق مشروعها الضخم «طرق الحرير»، تمر في دول آسيا الوسطى، مع ما يستتبعها من استثمارات وتوثيق للعلاقات وتعزيز حضورها المتنوع. ويقول الكاتب إن «فقدان روسيا لقدرتها على التأثير في بلدان آسيا الوسطى حقيقي». ولا تتوقف المخاوف الروسية عند هذا لحد، إذ إن موسكو تبدو «حذرة» إزاء تنامي الحضور الصيني في منطقة أقصى الشرق الروسي، إذ ثمة اختلال ديموغرافي فاضح. وتبين الأرقام التي يوردها الكاتب أن 4.3 مليون روسي يعيشون في المنطقة الروسية المحاذية للصين، مقابل 109 ملايين صيني في الجانب الآخر من الحدود. ومن جهة، هناك بنى تحتية حديثة وحضور ديموغرافي كثيف، ومن الجهة الثانية فقر وانعدام للبنى التحتية، وخصوصاً الفراغ الذي أخذت الجالية الصينية المتنامية بملئه. ويؤكد الكاتب أن مدناً رئيسية روسية، مثل فلاديفوستوك وخاباروفسك، تجتاحها الشركات الصينية التي فتحت لها روسيا الأبواب كبادرة لتعزيز العلاقات بين الطرفين، ولكنها اليوم أخذت تثير التساؤلات، وأحياناً المخاوف، من تغير البنية الديموغرافية والاقتصادية لهذه المنطقة.
وتتميز روسيا بكونها الدولة الوحيدة في العالم التي لديها حدود مشتركة مع الاتحاد الأوروبي من جهة، والصين من جهة أخرى. ومن ناحية ثانية، تمتلك روسيا 2000 كلم من الشواطئ المطلة على المحيط الهادئ. ولذا، تريد توسيع وتعزيز حضورها في بلدان شرق آسيا، وأن تتحول إلى محور اقتصادي رئيسي، وإلى الممر الأفضل للبضائع المتجهة من الغرب إلى الشرق، وبالعكس، الأمر الذي يفسر انضمامها، منذ عام 1998، إلى منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ.
وينقل الكتاب كلمة لوزير الخارجية سيرغي لافروف في اجتماع لـ«نادي فالداي»، يؤكد فيها أن «التوجه شرقاً أولوية وطنية روسية من أجل تطوير المناطق الشرقية للبلاد»، فيما سبقه بوتين لتأكيد أن تطوير أقصى الشرق الروسي يعد «المهمة الجيوسياسية الأكثر أهمية بالنسبة للفيدرالية الروسية».
ولا يبدو حتى اليوم أن خطط السلطات الروسية في هذا المجال قد حققت نتائج واضحة. والأسباب عديدة، وقد لخصها الكاتب بتأكيده أن أي قوة تريد تثبيت حضورها، يتعين عليها التمتع بأبعاد ثلاث: عسكرية وسياسية واقتصادية. والحال أن روسيا لا تتمتع بأي منها اليوم في منطقة آسيا - الهادئ، بشكل يمكنها من ممارسة تأثير ملموس. ويشير المؤلف إلى أن حضور روسيا العسكري فيها محدود، ودورها الاقتصادي ثانوي، ونفوذها كذلك على المنظمات الإقليمية الموجودة. أما دورها الاقتصادي فإنه لا يقارن بالدور الصيني، ما يعني عملياً أن «الاستدارة شرقاً» ما زالت هدفاً، ولم تتحول بعد إلى واقع.


مقالات ذات صلة

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

الاقتصاد صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، عبر شبكة معقدة من الإمدادات والأنابيب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: تخفيف العقوبات على نفط روسيا يساعدها في تمويل حربها على أوكرانيا

دان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تخفيف العقوبات على النفط الروسي بعدما مدَّدت الولايات المتحدة إعفاء يهدف لتخفيف حدة ارتفاع الأسعار جرَّاء حرب الشرق الأو

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ألكسندر لوكاشينكو رئيس روسيا البيضاء (أ.ب)

لوكاشينكو: مستعد للقاء ترمب فور إعداد «اتفاق كبير» بين أميركا وبيلاروسيا

قال ألكسندر لوكاشينكو، رئيس بيلاروسيا، إنه سيكون مستعداً للقاء نظيره الأميركي، دونالد ترمب، فور إعداد «اتفاق كبير» بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (مينسك)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

كثّفت القوات الأوكرانية هجماتها على مستودعات ومصافي النفط الروسية، التي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.