الحلقة الأولى: روسيا تستدير شرقاً صوب «التنين الصيني» وتخاطر بأن يقضمها يوماً

لوكاس أوبان يستعرض في كتابه «جيوبوليتيك روسيا» هدف موسكو من الحرب في أوكرانيا

نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
TT

الحلقة الأولى: روسيا تستدير شرقاً صوب «التنين الصيني» وتخاطر بأن يقضمها يوماً

نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)

في كتابه «جيوبوليتيك روسيا» الصادر حديثاً عن دار «لا ديكوفيرت»، يرى لوكاس أوبان، المتخصص في دراسات العالم السلافي، ومدير الأبحاث في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية في باريس، أن الحرب الروسية على أوكرانيا، التي بدأت قبل عشرة أشهر، ليست سوى «نتيجة للاستراتيجية الروسية التي وضعت في عام 2000 والتي هدفها إعادة روسيا إلى واجهة المسرح الدولي، وضمان سيطرتها على المنطقة العازلة (عن الحلف الأطلسي) وما كان سابقاً أراضٍ سوفياتية».
وطريق القيادة الروسية إلى ذلك يتمثل بـ«جدلية القوة» المسماة باللغة الروسية «درجافنوست»، التي أطلقها بطرس الأكبر وسار على هديها ستالين وتبناها بوتين.
والأكثر من ذلك أن هذه الجدلية «تحولت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي إلى وسيلة لتثبيت شرعية السلطة. لذا، فإن كافة السياسات التي اتبعت منذ ثلاثين عاماً سلكت هذا النهج الذي تفرضه بالدرجة الأولى، وفق المؤلف، جغرافيا روسيا. إذ إن موسكو تجد نفسها اليوم محاصرة: فمن الغرب والجنوب هناك الحلف الأطلسي الذي أخذ يضم الأكثرية الساحقة من الدول التي كانت تنتمي سابقاً إلى حلف وارسو، بينما تتأهب فنلندا والسويد للالتحاق بهذا النادي الذي يشكل أكبر تحالف عسكري في التاريخ. ومن الشرق، هناك الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والطامح للتفوق على الولايات المتحدة الأميركية. ومن الشمال، هناك القطب الشمالي ومياهه المتجمدة، فيما كانت روسيا تبحث دوماً، منذ زمن القياصرة، عن الوصول إلى (المياه الدافئة)».
فما هي العلاقة العضوية التي تربط السياسة بالجغرافيا الروسية؟
تشكل مساحة روسيا ثمن أراضي الكرة الأرضية، وما يساوي ضعفي مساحة الولايات المتحدة، و25 مرة مساحة فرنسا. والفرق الزمني بين أبعد نقطتين من الأراضي الروسية هو 13 ساعة، فيما المسافة بينهما تصل إلى 10 آلاف كلم. وتمتد الحدود الروسية - الـصينية على طول أربعة آلاف كلم، فيما 76 في المائة من أراضي روسيا تقع في القارة الآسيوية مقابل 24 في المائة منها في أوروبا. وبالنظر لاتساعها الهائل، فإن الكثافة السكانية ضعيفة للغاية (8.5 أشخاص في الكيلومتر المربع). وبلغ عديد سكانها بداية العام المنتهي 145.47 مليون نسمة.
ويكرس الكاتب فصلاً كاملاً لشرح تكوين روسيا عبر المراحل التاريخية التي عنوانها التوسع في كافة الاتجاهات، بدءاً من القرن التاسع وحتى الإمبراطور بطرس الأكبر الذي سعى لجعل بلاده دولة أوروبية. ومن طرائفه أنه فرض «ضريبة اللحية» التي اعتبرها شرقية، ويتعين التخلص منها، كما جعل الفرنسية لغة الدبلوماسية الروسية. وبعده توسعت روسيا في ظل الإمبراطورة كاترين الثانية، التي ضمت شبه جزيرة القرم في عام 1783 بعد انتزاعها من الأتراك، ومدت حدود بلادها إلى ضفاف البحر الأسود، وغزت بولندا وأوكرانيا ودول البلطيق وفنلندا التي بقيت روسية حتى الحرب العالمية الأولى.
وعند موت ستالين في عام 1953، بلغت مساحة الاتحاد السوفياتي 22.5 مليون كلم مربع، لتكون ثالث أكبر إمبراطورية في التاريخ بعد إمبراطورية المغول والإمبراطورية البريطانية. بيد أن هذه المساحة الشاسعة انكمشت بشكل دراماتيكي إلى 17 مليون كلم مربع عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، ما يعني عملياً أن سبعة عقود من التوسع الروسي انهارت بشطحة قلم. ولم يفتأ بوتين يكرر أن انهيار الاتحاد كان «أكبر كارثة استراتيجية» في القرن العشرين.
يقول الكاتب: «منذ وصوله إلى السلطة في عام 2000، جعل فلاديمير بوتين من اللجوء إلى القوة مبدأً رئيسياً للدفاع عن مصالح بلاده في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق»، ومنها بالطبع أوكرانيا. وفي عام 2014، استعاد 27 ألف كلم مربع هي مساحة شبه جزيرة القرم، بعد أن كان قد تدخل في الشيشان وفي جيورجيا.
وإذا كان الروس يشكلون السواد الأعظم من سكان روسيا (80 في المائة)، إلا أن روسيا تحتضن 160 مجموعة أتنو - لغوية مختلفة. ورغم انفلاشها وما يحتضنه باطن الأرض من ثروات (بترول، غاز، معادن ثمينة، يورانيوم، معادن نادرة...)، فإنها تعد بلداً ضعيفاً اقتصادياً، رغم أن عائداتها، خصوصاً من صادرات النفط والغاز والأسلحة والمعادن، توفر للسلطات الموارد المادية التي تمكنها من التحرك. ويقول الكاتب إنه بالنظر إلى التركيبة الاقتصادية - الاجتماعية، فإن بوتين «يتولى مسؤولية بلاد شاسعة تشبه بالأحرى محيطاً يغلب عليه الفقر، وتبز فيه بعض الجزر التي تعرف البحبوحة»، وهي في الحقيقة المدن الكبرى ومكامن الثروة والقوة الروسية الواقعة في غالبيتها في القسم الأوروبي من البلاد. وأبرز مثال على ذلك موسكو، التي تحتضن 8 في المائة من السكان، وتتمتع بـ20 في المائة من الناتج المحلي الخام. وكما أصبح معلوماً، يعد الاقتصاد الروسي «ريعياً»، إذ يعتمد على عائدات مبيعات النفط والغاز والمعادن المختلفة، حيث إن روسيا هي المنتج الأول للنفط (10.5 مليون برميل/يوم)، والثاني للغاز. أما المعادن فهي كثيرة، كالذهب والألماس والزنك والألومينيوم والنيكل.
- الاستدارة شرقاً
في «مبادئ سياسة روسيا الخارجية للعام 2016»، التي صادق عليها بوتين، تأكيد متكرر لوجود «تغيرات عميقة في النظام الدولي عنوانها قيام مراكز تأثير سياسية واقتصادية جديدة، أبرزها تلك القائمة في منطقة آسيا - المحيط الهادئ، حيث تتراجع قدرة الغرب التاريخية على الهيمنة السياسية والاقتصادية العالمية، وبالتوازي يبرز تنوع الثقافات والحضارات وتعدد نماذج التنمية». وترجمة ذلك بالنسبة لبوتين هي التحالف مع الصين التي لبى دعوة رئيسها شي جينبينغ لحضور افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين في 4 فبراير (شباط)، أي قبل عشرين يوماً من إطلاقه «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا. وحضور بوتين تناقضَ مع غياب القادة الغربيين. وعلى هامش الألعاب، وقع بوتين ونظيره الصيني 15 وثيقة، أبرزها تلك التي تؤكد ضرورة قيام عالم متعدد الأقطاب، والمطالبة رسمياً بضمانات قانونية لعدم توسع الحلف الأطلسي. واقتصادياً، وقع الطرفان على اتفاقية قيمتها 400 مليار يورو لثلاثين عاماً، تقوم روسيا بموجبها بتصدير 48 مليار متر مكعب من الغاز، بحيث تكون الطرف الأول المصدر للغاز إلى التنين الصيني.
بيد أن البعد الاستراتيجي يتفوق على البعد الاقتصادي؛ إذ إن الحليفين يسعيان لنقل مركز الثقل الاقتصادي والسياسي والعسكري نحو الشرق.
وبحسب بوتين، فإن موسكو «تريد الاستفادة من نفخ الرياح الصينية في الأشرعة الروسية». لكن المؤلف يرى أن بكين، التي تخطط للتحول إلى القوة العالمية الأولى بعد عشرين عاماً «تستخدم روسيا مطية لتحقيق مصالحها»، حيث إن التحالف بين الطرفين «غير متكافئ»، نظراً لميزان القوى بينهما. ورغم تضارب الأهداف البعيدة، فإن للطرفين حالياً مصلحة في التحالف. ولذا، فقد عمدا سابقاً (في عام 2004) إلى «تنقية» علاقاتهما من الشوائب، خصوصاً على صعيد حل الخلافات الحدودية بينهما. ويبلغ طول خط الحدود بين الطرفين 4250 كلم. ومنذ تلك اللحظة، أخذ بوتين يسمي الصين «حليفاً استراتيجياً». والطرفان عضوان في «منظمة شانغهاي للتعاون» التي تضم أربع قوى نووية هي الصين وروسيا والهند وباكستان، وتمثل نصف سكان العالم، بينما يضم الحلف الأطلسي ثلاث قوى نووية (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا). يضاف إلى ذلك أن كلا البلدين يبديان اهتماماً خاصاً بمجموعة «البريكس» التي تضم إليهما الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل، والتي يريدان تحويلها إلى حصن بمواجهة التحالف الغربي ومجموعة السبع للدول الأكثر تصنيعاً التي أخرجت منها روسيا في عام 2014 عقاباً لها على اجتزاء شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وضمها إلى الأراضي الروسية.
ويعمل الجانبان على تعزيز تعاونهما في المنظمات الدولية، خصوصاً في مجلس الأمن، حيث استخدما معاً حق النقض 14 مرة ما بين العام 2007 و2022. وقد وصلت علاقاتهما الاقتصادية إلى قمم غير مسبوقة، إذ تضاعفت 13 مرة، فتحولت الصين إلى شريك روسيا الاقتصادي الأول (15 في المائة من تجارتها الخارجية).
ودفعت الخلافات الروسية – الغربية، بشأن سوريا وأوكرانيا وسجل حقوق الإنسان وتوابعه، موسكو إلى الارتماء في أحضان الصين والعمل أكثر فأكثر لبناء نظام عالمي جديد. وما بين عامي 2008 و2019، تعززت العلاقات التجارية بين الطرفين، فارتفعت مبادلاتهما من 56 إلى 111 مليار دولار في العام، فيما يهدف بوتين إلى بلوغها 200 مليار في العام 2025.
وكما في الاقتصاد والسياسة، فإن علاقات الطرفين العسكرية تعززت بشكل مضطرد بدءاً من عام 2000، وتكثفت مبيعات الأسلحة الروسية للصين، وتكاثرت المناورات العسكرية الواسعة بين جيشيهما، ولم تعد روسيا تتردد في نقل التكنولوجيا العسكرية الحساسة لشريكها الصيني. ولعل أبرز دليل على التقارب بين الجانبين أن الرئيس شي جينبينغ زار موسكو ثماني مرات منذ العام 2013.
ولا يقتصر التعاون الروسي - الصيني على الأرض، بل يمتد أيضاً إلى الفضاء. ففي السنوات الخوالي، كان السباق القائم بين روسيا والولايات المتحدة مريراً. لكن الوضع تغير اليوم، ولم تعد روسيا قادرة على مواصلة التنافس الفضائي مع الولايات المتحدة الأميركية. واستشهد المؤلف بكلام لـديميتري روغوزين، المدير العام لـ«روس كوزموس» المسؤولة عن الأنشطة الفضائية، الذي قال العام الماضي ما حرفيته: «لم يعد هناك سباق في الفضاء (مع الولايات المتحدة). إذا أردتم تواصل السباق مع «ناسا» الأميركية، فعليكم أن توفروا لنا ما يعادل أموال «ناسا». نستطيع المنافسة حتى لو كانت ميزانية الطرف ضعف أو ثلاثة أو أربعة أضعاف ميزانيتنا. لكن لا نستطيع التنافس مع ميزانية تفوق ميزانيتنا بـ13 ضعفاً». ويسرد المؤلف أرقاماً تبين تأخر روسيا التي خصصت 2.5 مليار يورو للفضاء في عام 2019. إلا أنها بذلك تحل في المرتبة الخامسة بعد ألمانيا (3.8 مليار) والاتحاد الأوروبي (5.7 مليار) والصين (9.8 مليار) والولايات المتحدة المتربعة على المرتبة الأولى (19.8 مليار). لذا، كانت الاستدارة الروسية باتجاه الصين، التي وقعت معها اتفاقاً العام الماضي يقضي بإنشاء محطة روسية - صينية - دولية مأهولة في القطب الجنوبي للقمر بحلول العام 2030، ستكون ثمرة التعاون بين شركة «روس كوزموس» والإدارة الفضائية الصينية. وليس سراً أن للصين طموحات فضائية واسعة وبرنامجاً متعدد الأهداف، من هنا، فإن موسكو وبكين تجدان في تعاونهما، وفق المؤلف، وسيلة لمواجهة التقدم الفضائي الأميركي، لا بل تخطيه في الأعوام المقبلة.
- التنين الصيني والدب الروسي من يأكل الآخر؟
يرى المؤلف أن استدارة بوتين نحو شي جينبينغ هي «تحالف الضرورة». ورغم أنهما شريكان فإن المحور الجديد يبدو «مختل التوازن» لصالح بكين، الأمر الذي يطرح مجموعة من التساؤلات حول مستقبله.
فعلى المستوى الاقتصادي، أصبحت الصين في العام 2021 ثاني أغنى دولة في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ بلغ ناتجها المحلي الخام 16493 مليار دولار، بينما احتلت روسيا المرتبة الـ11 مع 1584 مليار دولار، ما يبين أن حجم الاقتصاد الصيني يزيد عشرة أضعاف عن مثيله الروسي. وفيما تعاني روسيا من أزمات متلاحقة، بعيداً عن تبعات الحرب التي أطلقتها ضد أوكرانيا في فبراير (شباط) من العام المنتهي، والتي فاقمت أوضاعها الداخلية وأعباءها المالية وعزلتها الاقتصادية والسياسية، فإن الصين تبدو وكأنها على كوكب آخر. ويرى المؤلف أن التحالف بين الطرفين «سيدوم طالما أن مصالحهما الاقتصادية والسياسية تفرض دوامه. بيد أن طموح بوتين هو أن يعود إلى واجهة المسرح الدولي، وأن يفرض نفسه نداً للولايات المتحدة، بينما يرى شي جينبينغ في روسيا شريكاً من بين مجموعة شركاء، يمكن الارتكاز إليه (إلى جانب آخرين) حتى تتحول الصين إلى أكبر قوة عالمية بحلول العام 2049». ويضيف الكاتب أن مصالح الطرفين كانت متقاربة حتى بداية العام 2022. بيد أن إرادة بوتين في التوسع مستنداً إلى القوة العسكرية (كما الحال في أوكرانيا وقبلها في جيورجيا) تدفع الصين إلى الحذر رغم أن للطرفين مآخذ مشتركة على واشنطن. فموسكو تتخوف من تمدد الحلف الأطلسي إلى حدودها، وبكين تنظر بقلق كبير إلى النظرية العسكرية الأميركية التي ترى في الصين منافساً يتعين احتواؤه، وهي عازمة على منعها من وضع اليد على تايوان التي تريد بكين إعادتها إلى البيت الصيني، حتى وإن اضطرت إلى استخدام القوة. ويشير الكاتب إلى أن الصين نددت بالحرب الروسية على أوكرانيا، لكنها امتنعت عن فرض عقوبات عليها، وهي بالتالي تلزم موقفاً دقيقاً، حيث لا ترغب مطلقاً في الانقطاع عن القوى الغربية وعلى رأسها أميركا، وما فتئت تؤكد رفضها المساس بالحدود القائمة وتدعو إلى حل المشكلات من خلال الوسائل الدبلوماسية. وذهب الرئيس الصيني إلى حد اقتراح «وساطة» في النزاع، بينما يسعى الغربيون لدفعه إلى ممارسة ضغوط على بوتين لوقف حربه الأوكرانية.
حقيقة الأمر أن التحالف الروسي - الصيني، رغم أهميته للطرفين، ولروسيا بالدرجة الأولى، ليس بالنقاء الذي يريدانه أو يحرصان على إبرازه. فروسيا، وفق المؤلف، تتخوف من تمدد النفوذ الصيني في دول آسيا الوسطى التي كانت سابقاً معقودة اللواء لموسكو إلا أنها أخذت تتحرر من الهيمنة الروسية، فيما بكين تنمي حضورها في هذه المنطقة. ولعل أبرز دليل على ذلك أن ثلاثاً من «الطرق الاستراتيجية الأرضية» التي أطلقتها الصين في سياق مشروعها الضخم «طرق الحرير»، تمر في دول آسيا الوسطى، مع ما يستتبعها من استثمارات وتوثيق للعلاقات وتعزيز حضورها المتنوع. ويقول الكاتب إن «فقدان روسيا لقدرتها على التأثير في بلدان آسيا الوسطى حقيقي». ولا تتوقف المخاوف الروسية عند هذا لحد، إذ إن موسكو تبدو «حذرة» إزاء تنامي الحضور الصيني في منطقة أقصى الشرق الروسي، إذ ثمة اختلال ديموغرافي فاضح. وتبين الأرقام التي يوردها الكاتب أن 4.3 مليون روسي يعيشون في المنطقة الروسية المحاذية للصين، مقابل 109 ملايين صيني في الجانب الآخر من الحدود. ومن جهة، هناك بنى تحتية حديثة وحضور ديموغرافي كثيف، ومن الجهة الثانية فقر وانعدام للبنى التحتية، وخصوصاً الفراغ الذي أخذت الجالية الصينية المتنامية بملئه. ويؤكد الكاتب أن مدناً رئيسية روسية، مثل فلاديفوستوك وخاباروفسك، تجتاحها الشركات الصينية التي فتحت لها روسيا الأبواب كبادرة لتعزيز العلاقات بين الطرفين، ولكنها اليوم أخذت تثير التساؤلات، وأحياناً المخاوف، من تغير البنية الديموغرافية والاقتصادية لهذه المنطقة.
وتتميز روسيا بكونها الدولة الوحيدة في العالم التي لديها حدود مشتركة مع الاتحاد الأوروبي من جهة، والصين من جهة أخرى. ومن ناحية ثانية، تمتلك روسيا 2000 كلم من الشواطئ المطلة على المحيط الهادئ. ولذا، تريد توسيع وتعزيز حضورها في بلدان شرق آسيا، وأن تتحول إلى محور اقتصادي رئيسي، وإلى الممر الأفضل للبضائع المتجهة من الغرب إلى الشرق، وبالعكس، الأمر الذي يفسر انضمامها، منذ عام 1998، إلى منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ.
وينقل الكتاب كلمة لوزير الخارجية سيرغي لافروف في اجتماع لـ«نادي فالداي»، يؤكد فيها أن «التوجه شرقاً أولوية وطنية روسية من أجل تطوير المناطق الشرقية للبلاد»، فيما سبقه بوتين لتأكيد أن تطوير أقصى الشرق الروسي يعد «المهمة الجيوسياسية الأكثر أهمية بالنسبة للفيدرالية الروسية».
ولا يبدو حتى اليوم أن خطط السلطات الروسية في هذا المجال قد حققت نتائج واضحة. والأسباب عديدة، وقد لخصها الكاتب بتأكيده أن أي قوة تريد تثبيت حضورها، يتعين عليها التمتع بأبعاد ثلاث: عسكرية وسياسية واقتصادية. والحال أن روسيا لا تتمتع بأي منها اليوم في منطقة آسيا - الهادئ، بشكل يمكنها من ممارسة تأثير ملموس. ويشير المؤلف إلى أن حضور روسيا العسكري فيها محدود، ودورها الاقتصادي ثانوي، ونفوذها كذلك على المنظمات الإقليمية الموجودة. أما دورها الاقتصادي فإنه لا يقارن بالدور الصيني، ما يعني عملياً أن «الاستدارة شرقاً» ما زالت هدفاً، ولم تتحول بعد إلى واقع.


مقالات ذات صلة

الاستخبارات الدنماركية: احتمال غزو روسيا لبلد ﺑ«ناتو» وارد لكنه غير مرجَّح

أوروبا مدير جهاز «استخبارات الدفاع الدنماركي» (FE) توماس أهرينكيل يحضر مؤتمراً صحافياً في كوبنهاغن بالدنمارك 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

الاستخبارات الدنماركية: احتمال غزو روسيا لبلد ﺑ«ناتو» وارد لكنه غير مرجَّح

حذّرت الاستخبارات الدنماركية من تزايد خطر هجمات روسية محدودة ضد دول حلف «ناتو»، مع استبعادها غزواً شاملاً، ورجّحت أعمالاً تخريبية وهجمات سيبرانية.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب) p-circle

موسكو «لن تعلّق» عملياتها العسكرية بأوكرانيا وتنظر مشاركة بوتين في «قمة العشرين»

موسكو «لن تعلّق» عملياتها العسكرية في أوكرانيا وتنظر في مشاركة بوتين في «قمة العشرين» وروبيو يحذر من «توسع» الحرب لتشمل دولا أخرى.

«الشرق الأوسط» ( نيويورك (الأمم المتحدة))
آسيا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال إلقاء في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب)

أوكرانيا سلمت جنديين كوريين شماليين أسيرين إلى كوريا الجنوبية

لم يقدم زيلينسكي مزيدا من التفاصيل حول عملية التسليم. وكانت أوكرانيا قد أسرت العسكريين الكوريين الشماليين في منطقة كورسك الروسية في يناير 2024.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة - سيول)
أوروبا الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

واشنطن تدعو بوتين لحضور «قمة العشرين»

أفاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمس، بأن بلاده دعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمشاركة في قمة «مجموعة الـ20» المقررة في مدينة ميامي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ) p-circle

لافروف يلتقي روبيو... وبوتين مستعد للقاء نظيره الأميركي

يؤكد الرئيسان، بوتين وترمب، دائماً في محادثاتهما الهاتفية على استعدادهما لعقد اجتماع آخر بمرور الوقت، إذا لزم الأمر

«الشرق الأوسط» (تيويورك)

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.