الحلقة الأولى: روسيا تستدير شرقاً صوب «التنين الصيني» وتخاطر بأن يقضمها يوماً

لوكاس أوبان يستعرض في كتابه «جيوبوليتيك روسيا» هدف موسكو من الحرب في أوكرانيا

نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
TT

الحلقة الأولى: روسيا تستدير شرقاً صوب «التنين الصيني» وتخاطر بأن يقضمها يوماً

نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)

في كتابه «جيوبوليتيك روسيا» الصادر حديثاً عن دار «لا ديكوفيرت»، يرى لوكاس أوبان، المتخصص في دراسات العالم السلافي، ومدير الأبحاث في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية في باريس، أن الحرب الروسية على أوكرانيا، التي بدأت قبل عشرة أشهر، ليست سوى «نتيجة للاستراتيجية الروسية التي وضعت في عام 2000 والتي هدفها إعادة روسيا إلى واجهة المسرح الدولي، وضمان سيطرتها على المنطقة العازلة (عن الحلف الأطلسي) وما كان سابقاً أراضٍ سوفياتية».
وطريق القيادة الروسية إلى ذلك يتمثل بـ«جدلية القوة» المسماة باللغة الروسية «درجافنوست»، التي أطلقها بطرس الأكبر وسار على هديها ستالين وتبناها بوتين.
والأكثر من ذلك أن هذه الجدلية «تحولت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي إلى وسيلة لتثبيت شرعية السلطة. لذا، فإن كافة السياسات التي اتبعت منذ ثلاثين عاماً سلكت هذا النهج الذي تفرضه بالدرجة الأولى، وفق المؤلف، جغرافيا روسيا. إذ إن موسكو تجد نفسها اليوم محاصرة: فمن الغرب والجنوب هناك الحلف الأطلسي الذي أخذ يضم الأكثرية الساحقة من الدول التي كانت تنتمي سابقاً إلى حلف وارسو، بينما تتأهب فنلندا والسويد للالتحاق بهذا النادي الذي يشكل أكبر تحالف عسكري في التاريخ. ومن الشرق، هناك الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والطامح للتفوق على الولايات المتحدة الأميركية. ومن الشمال، هناك القطب الشمالي ومياهه المتجمدة، فيما كانت روسيا تبحث دوماً، منذ زمن القياصرة، عن الوصول إلى (المياه الدافئة)».
فما هي العلاقة العضوية التي تربط السياسة بالجغرافيا الروسية؟
تشكل مساحة روسيا ثمن أراضي الكرة الأرضية، وما يساوي ضعفي مساحة الولايات المتحدة، و25 مرة مساحة فرنسا. والفرق الزمني بين أبعد نقطتين من الأراضي الروسية هو 13 ساعة، فيما المسافة بينهما تصل إلى 10 آلاف كلم. وتمتد الحدود الروسية - الـصينية على طول أربعة آلاف كلم، فيما 76 في المائة من أراضي روسيا تقع في القارة الآسيوية مقابل 24 في المائة منها في أوروبا. وبالنظر لاتساعها الهائل، فإن الكثافة السكانية ضعيفة للغاية (8.5 أشخاص في الكيلومتر المربع). وبلغ عديد سكانها بداية العام المنتهي 145.47 مليون نسمة.
ويكرس الكاتب فصلاً كاملاً لشرح تكوين روسيا عبر المراحل التاريخية التي عنوانها التوسع في كافة الاتجاهات، بدءاً من القرن التاسع وحتى الإمبراطور بطرس الأكبر الذي سعى لجعل بلاده دولة أوروبية. ومن طرائفه أنه فرض «ضريبة اللحية» التي اعتبرها شرقية، ويتعين التخلص منها، كما جعل الفرنسية لغة الدبلوماسية الروسية. وبعده توسعت روسيا في ظل الإمبراطورة كاترين الثانية، التي ضمت شبه جزيرة القرم في عام 1783 بعد انتزاعها من الأتراك، ومدت حدود بلادها إلى ضفاف البحر الأسود، وغزت بولندا وأوكرانيا ودول البلطيق وفنلندا التي بقيت روسية حتى الحرب العالمية الأولى.
وعند موت ستالين في عام 1953، بلغت مساحة الاتحاد السوفياتي 22.5 مليون كلم مربع، لتكون ثالث أكبر إمبراطورية في التاريخ بعد إمبراطورية المغول والإمبراطورية البريطانية. بيد أن هذه المساحة الشاسعة انكمشت بشكل دراماتيكي إلى 17 مليون كلم مربع عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، ما يعني عملياً أن سبعة عقود من التوسع الروسي انهارت بشطحة قلم. ولم يفتأ بوتين يكرر أن انهيار الاتحاد كان «أكبر كارثة استراتيجية» في القرن العشرين.
يقول الكاتب: «منذ وصوله إلى السلطة في عام 2000، جعل فلاديمير بوتين من اللجوء إلى القوة مبدأً رئيسياً للدفاع عن مصالح بلاده في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق»، ومنها بالطبع أوكرانيا. وفي عام 2014، استعاد 27 ألف كلم مربع هي مساحة شبه جزيرة القرم، بعد أن كان قد تدخل في الشيشان وفي جيورجيا.
وإذا كان الروس يشكلون السواد الأعظم من سكان روسيا (80 في المائة)، إلا أن روسيا تحتضن 160 مجموعة أتنو - لغوية مختلفة. ورغم انفلاشها وما يحتضنه باطن الأرض من ثروات (بترول، غاز، معادن ثمينة، يورانيوم، معادن نادرة...)، فإنها تعد بلداً ضعيفاً اقتصادياً، رغم أن عائداتها، خصوصاً من صادرات النفط والغاز والأسلحة والمعادن، توفر للسلطات الموارد المادية التي تمكنها من التحرك. ويقول الكاتب إنه بالنظر إلى التركيبة الاقتصادية - الاجتماعية، فإن بوتين «يتولى مسؤولية بلاد شاسعة تشبه بالأحرى محيطاً يغلب عليه الفقر، وتبز فيه بعض الجزر التي تعرف البحبوحة»، وهي في الحقيقة المدن الكبرى ومكامن الثروة والقوة الروسية الواقعة في غالبيتها في القسم الأوروبي من البلاد. وأبرز مثال على ذلك موسكو، التي تحتضن 8 في المائة من السكان، وتتمتع بـ20 في المائة من الناتج المحلي الخام. وكما أصبح معلوماً، يعد الاقتصاد الروسي «ريعياً»، إذ يعتمد على عائدات مبيعات النفط والغاز والمعادن المختلفة، حيث إن روسيا هي المنتج الأول للنفط (10.5 مليون برميل/يوم)، والثاني للغاز. أما المعادن فهي كثيرة، كالذهب والألماس والزنك والألومينيوم والنيكل.
- الاستدارة شرقاً
في «مبادئ سياسة روسيا الخارجية للعام 2016»، التي صادق عليها بوتين، تأكيد متكرر لوجود «تغيرات عميقة في النظام الدولي عنوانها قيام مراكز تأثير سياسية واقتصادية جديدة، أبرزها تلك القائمة في منطقة آسيا - المحيط الهادئ، حيث تتراجع قدرة الغرب التاريخية على الهيمنة السياسية والاقتصادية العالمية، وبالتوازي يبرز تنوع الثقافات والحضارات وتعدد نماذج التنمية». وترجمة ذلك بالنسبة لبوتين هي التحالف مع الصين التي لبى دعوة رئيسها شي جينبينغ لحضور افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين في 4 فبراير (شباط)، أي قبل عشرين يوماً من إطلاقه «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا. وحضور بوتين تناقضَ مع غياب القادة الغربيين. وعلى هامش الألعاب، وقع بوتين ونظيره الصيني 15 وثيقة، أبرزها تلك التي تؤكد ضرورة قيام عالم متعدد الأقطاب، والمطالبة رسمياً بضمانات قانونية لعدم توسع الحلف الأطلسي. واقتصادياً، وقع الطرفان على اتفاقية قيمتها 400 مليار يورو لثلاثين عاماً، تقوم روسيا بموجبها بتصدير 48 مليار متر مكعب من الغاز، بحيث تكون الطرف الأول المصدر للغاز إلى التنين الصيني.
بيد أن البعد الاستراتيجي يتفوق على البعد الاقتصادي؛ إذ إن الحليفين يسعيان لنقل مركز الثقل الاقتصادي والسياسي والعسكري نحو الشرق.
وبحسب بوتين، فإن موسكو «تريد الاستفادة من نفخ الرياح الصينية في الأشرعة الروسية». لكن المؤلف يرى أن بكين، التي تخطط للتحول إلى القوة العالمية الأولى بعد عشرين عاماً «تستخدم روسيا مطية لتحقيق مصالحها»، حيث إن التحالف بين الطرفين «غير متكافئ»، نظراً لميزان القوى بينهما. ورغم تضارب الأهداف البعيدة، فإن للطرفين حالياً مصلحة في التحالف. ولذا، فقد عمدا سابقاً (في عام 2004) إلى «تنقية» علاقاتهما من الشوائب، خصوصاً على صعيد حل الخلافات الحدودية بينهما. ويبلغ طول خط الحدود بين الطرفين 4250 كلم. ومنذ تلك اللحظة، أخذ بوتين يسمي الصين «حليفاً استراتيجياً». والطرفان عضوان في «منظمة شانغهاي للتعاون» التي تضم أربع قوى نووية هي الصين وروسيا والهند وباكستان، وتمثل نصف سكان العالم، بينما يضم الحلف الأطلسي ثلاث قوى نووية (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا). يضاف إلى ذلك أن كلا البلدين يبديان اهتماماً خاصاً بمجموعة «البريكس» التي تضم إليهما الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل، والتي يريدان تحويلها إلى حصن بمواجهة التحالف الغربي ومجموعة السبع للدول الأكثر تصنيعاً التي أخرجت منها روسيا في عام 2014 عقاباً لها على اجتزاء شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وضمها إلى الأراضي الروسية.
ويعمل الجانبان على تعزيز تعاونهما في المنظمات الدولية، خصوصاً في مجلس الأمن، حيث استخدما معاً حق النقض 14 مرة ما بين العام 2007 و2022. وقد وصلت علاقاتهما الاقتصادية إلى قمم غير مسبوقة، إذ تضاعفت 13 مرة، فتحولت الصين إلى شريك روسيا الاقتصادي الأول (15 في المائة من تجارتها الخارجية).
ودفعت الخلافات الروسية – الغربية، بشأن سوريا وأوكرانيا وسجل حقوق الإنسان وتوابعه، موسكو إلى الارتماء في أحضان الصين والعمل أكثر فأكثر لبناء نظام عالمي جديد. وما بين عامي 2008 و2019، تعززت العلاقات التجارية بين الطرفين، فارتفعت مبادلاتهما من 56 إلى 111 مليار دولار في العام، فيما يهدف بوتين إلى بلوغها 200 مليار في العام 2025.
وكما في الاقتصاد والسياسة، فإن علاقات الطرفين العسكرية تعززت بشكل مضطرد بدءاً من عام 2000، وتكثفت مبيعات الأسلحة الروسية للصين، وتكاثرت المناورات العسكرية الواسعة بين جيشيهما، ولم تعد روسيا تتردد في نقل التكنولوجيا العسكرية الحساسة لشريكها الصيني. ولعل أبرز دليل على التقارب بين الجانبين أن الرئيس شي جينبينغ زار موسكو ثماني مرات منذ العام 2013.
ولا يقتصر التعاون الروسي - الصيني على الأرض، بل يمتد أيضاً إلى الفضاء. ففي السنوات الخوالي، كان السباق القائم بين روسيا والولايات المتحدة مريراً. لكن الوضع تغير اليوم، ولم تعد روسيا قادرة على مواصلة التنافس الفضائي مع الولايات المتحدة الأميركية. واستشهد المؤلف بكلام لـديميتري روغوزين، المدير العام لـ«روس كوزموس» المسؤولة عن الأنشطة الفضائية، الذي قال العام الماضي ما حرفيته: «لم يعد هناك سباق في الفضاء (مع الولايات المتحدة). إذا أردتم تواصل السباق مع «ناسا» الأميركية، فعليكم أن توفروا لنا ما يعادل أموال «ناسا». نستطيع المنافسة حتى لو كانت ميزانية الطرف ضعف أو ثلاثة أو أربعة أضعاف ميزانيتنا. لكن لا نستطيع التنافس مع ميزانية تفوق ميزانيتنا بـ13 ضعفاً». ويسرد المؤلف أرقاماً تبين تأخر روسيا التي خصصت 2.5 مليار يورو للفضاء في عام 2019. إلا أنها بذلك تحل في المرتبة الخامسة بعد ألمانيا (3.8 مليار) والاتحاد الأوروبي (5.7 مليار) والصين (9.8 مليار) والولايات المتحدة المتربعة على المرتبة الأولى (19.8 مليار). لذا، كانت الاستدارة الروسية باتجاه الصين، التي وقعت معها اتفاقاً العام الماضي يقضي بإنشاء محطة روسية - صينية - دولية مأهولة في القطب الجنوبي للقمر بحلول العام 2030، ستكون ثمرة التعاون بين شركة «روس كوزموس» والإدارة الفضائية الصينية. وليس سراً أن للصين طموحات فضائية واسعة وبرنامجاً متعدد الأهداف، من هنا، فإن موسكو وبكين تجدان في تعاونهما، وفق المؤلف، وسيلة لمواجهة التقدم الفضائي الأميركي، لا بل تخطيه في الأعوام المقبلة.
- التنين الصيني والدب الروسي من يأكل الآخر؟
يرى المؤلف أن استدارة بوتين نحو شي جينبينغ هي «تحالف الضرورة». ورغم أنهما شريكان فإن المحور الجديد يبدو «مختل التوازن» لصالح بكين، الأمر الذي يطرح مجموعة من التساؤلات حول مستقبله.
فعلى المستوى الاقتصادي، أصبحت الصين في العام 2021 ثاني أغنى دولة في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ بلغ ناتجها المحلي الخام 16493 مليار دولار، بينما احتلت روسيا المرتبة الـ11 مع 1584 مليار دولار، ما يبين أن حجم الاقتصاد الصيني يزيد عشرة أضعاف عن مثيله الروسي. وفيما تعاني روسيا من أزمات متلاحقة، بعيداً عن تبعات الحرب التي أطلقتها ضد أوكرانيا في فبراير (شباط) من العام المنتهي، والتي فاقمت أوضاعها الداخلية وأعباءها المالية وعزلتها الاقتصادية والسياسية، فإن الصين تبدو وكأنها على كوكب آخر. ويرى المؤلف أن التحالف بين الطرفين «سيدوم طالما أن مصالحهما الاقتصادية والسياسية تفرض دوامه. بيد أن طموح بوتين هو أن يعود إلى واجهة المسرح الدولي، وأن يفرض نفسه نداً للولايات المتحدة، بينما يرى شي جينبينغ في روسيا شريكاً من بين مجموعة شركاء، يمكن الارتكاز إليه (إلى جانب آخرين) حتى تتحول الصين إلى أكبر قوة عالمية بحلول العام 2049». ويضيف الكاتب أن مصالح الطرفين كانت متقاربة حتى بداية العام 2022. بيد أن إرادة بوتين في التوسع مستنداً إلى القوة العسكرية (كما الحال في أوكرانيا وقبلها في جيورجيا) تدفع الصين إلى الحذر رغم أن للطرفين مآخذ مشتركة على واشنطن. فموسكو تتخوف من تمدد الحلف الأطلسي إلى حدودها، وبكين تنظر بقلق كبير إلى النظرية العسكرية الأميركية التي ترى في الصين منافساً يتعين احتواؤه، وهي عازمة على منعها من وضع اليد على تايوان التي تريد بكين إعادتها إلى البيت الصيني، حتى وإن اضطرت إلى استخدام القوة. ويشير الكاتب إلى أن الصين نددت بالحرب الروسية على أوكرانيا، لكنها امتنعت عن فرض عقوبات عليها، وهي بالتالي تلزم موقفاً دقيقاً، حيث لا ترغب مطلقاً في الانقطاع عن القوى الغربية وعلى رأسها أميركا، وما فتئت تؤكد رفضها المساس بالحدود القائمة وتدعو إلى حل المشكلات من خلال الوسائل الدبلوماسية. وذهب الرئيس الصيني إلى حد اقتراح «وساطة» في النزاع، بينما يسعى الغربيون لدفعه إلى ممارسة ضغوط على بوتين لوقف حربه الأوكرانية.
حقيقة الأمر أن التحالف الروسي - الصيني، رغم أهميته للطرفين، ولروسيا بالدرجة الأولى، ليس بالنقاء الذي يريدانه أو يحرصان على إبرازه. فروسيا، وفق المؤلف، تتخوف من تمدد النفوذ الصيني في دول آسيا الوسطى التي كانت سابقاً معقودة اللواء لموسكو إلا أنها أخذت تتحرر من الهيمنة الروسية، فيما بكين تنمي حضورها في هذه المنطقة. ولعل أبرز دليل على ذلك أن ثلاثاً من «الطرق الاستراتيجية الأرضية» التي أطلقتها الصين في سياق مشروعها الضخم «طرق الحرير»، تمر في دول آسيا الوسطى، مع ما يستتبعها من استثمارات وتوثيق للعلاقات وتعزيز حضورها المتنوع. ويقول الكاتب إن «فقدان روسيا لقدرتها على التأثير في بلدان آسيا الوسطى حقيقي». ولا تتوقف المخاوف الروسية عند هذا لحد، إذ إن موسكو تبدو «حذرة» إزاء تنامي الحضور الصيني في منطقة أقصى الشرق الروسي، إذ ثمة اختلال ديموغرافي فاضح. وتبين الأرقام التي يوردها الكاتب أن 4.3 مليون روسي يعيشون في المنطقة الروسية المحاذية للصين، مقابل 109 ملايين صيني في الجانب الآخر من الحدود. ومن جهة، هناك بنى تحتية حديثة وحضور ديموغرافي كثيف، ومن الجهة الثانية فقر وانعدام للبنى التحتية، وخصوصاً الفراغ الذي أخذت الجالية الصينية المتنامية بملئه. ويؤكد الكاتب أن مدناً رئيسية روسية، مثل فلاديفوستوك وخاباروفسك، تجتاحها الشركات الصينية التي فتحت لها روسيا الأبواب كبادرة لتعزيز العلاقات بين الطرفين، ولكنها اليوم أخذت تثير التساؤلات، وأحياناً المخاوف، من تغير البنية الديموغرافية والاقتصادية لهذه المنطقة.
وتتميز روسيا بكونها الدولة الوحيدة في العالم التي لديها حدود مشتركة مع الاتحاد الأوروبي من جهة، والصين من جهة أخرى. ومن ناحية ثانية، تمتلك روسيا 2000 كلم من الشواطئ المطلة على المحيط الهادئ. ولذا، تريد توسيع وتعزيز حضورها في بلدان شرق آسيا، وأن تتحول إلى محور اقتصادي رئيسي، وإلى الممر الأفضل للبضائع المتجهة من الغرب إلى الشرق، وبالعكس، الأمر الذي يفسر انضمامها، منذ عام 1998، إلى منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ.
وينقل الكتاب كلمة لوزير الخارجية سيرغي لافروف في اجتماع لـ«نادي فالداي»، يؤكد فيها أن «التوجه شرقاً أولوية وطنية روسية من أجل تطوير المناطق الشرقية للبلاد»، فيما سبقه بوتين لتأكيد أن تطوير أقصى الشرق الروسي يعد «المهمة الجيوسياسية الأكثر أهمية بالنسبة للفيدرالية الروسية».
ولا يبدو حتى اليوم أن خطط السلطات الروسية في هذا المجال قد حققت نتائج واضحة. والأسباب عديدة، وقد لخصها الكاتب بتأكيده أن أي قوة تريد تثبيت حضورها، يتعين عليها التمتع بأبعاد ثلاث: عسكرية وسياسية واقتصادية. والحال أن روسيا لا تتمتع بأي منها اليوم في منطقة آسيا - الهادئ، بشكل يمكنها من ممارسة تأثير ملموس. ويشير المؤلف إلى أن حضور روسيا العسكري فيها محدود، ودورها الاقتصادي ثانوي، ونفوذها كذلك على المنظمات الإقليمية الموجودة. أما دورها الاقتصادي فإنه لا يقارن بالدور الصيني، ما يعني عملياً أن «الاستدارة شرقاً» ما زالت هدفاً، ولم تتحول بعد إلى واقع.


مقالات ذات صلة

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا فرق إطفاء تعمل على إخماد حريق شب عقب هجوم روسي على دنيبرو في شرق وسط أوكرانيا (رويترز)

مقتل شخصين على الأقل بهجوم روسي على دنيبرو

قُتل شخصان على الأقل وفقد ثالث وأصيب ثمانية في هجوم روسي على دنيبرو في شرق وسط أوكرانيا، وفق ما أعلنت السلطات الإقليمية الخميس.

«الشرق الأوسط» (كييف)

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.