المريخ يختفي الخميس خلف «قمر ديسمبر البارد»

سيكون أقرب إلى الأرض لمسافة لن يصل لها مجدداً قبل 2033

رسم توضيحي لسماء الليل يظهر اكتمال القمر البارد الذي يحجب كوكب المريخ (Sky Safari Astronomy)
رسم توضيحي لسماء الليل يظهر اكتمال القمر البارد الذي يحجب كوكب المريخ (Sky Safari Astronomy)
TT

المريخ يختفي الخميس خلف «قمر ديسمبر البارد»

رسم توضيحي لسماء الليل يظهر اكتمال القمر البارد الذي يحجب كوكب المريخ (Sky Safari Astronomy)
رسم توضيحي لسماء الليل يظهر اكتمال القمر البارد الذي يحجب كوكب المريخ (Sky Safari Astronomy)

خلال الأيام المقبلة من ديسمبر (كانون الأول) الحالي سوف يستمتع محبو متابعة الظواهر الفلكية، بأفضل رؤية لكوكب المريخ، عندما يصل إلى أقرب مسافة من الأرض، لن تتحقق قبل 2033.
وتشير الحسابات الفلكية للمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بمصر، إلى أن كوكب المريخ، سيكون يوم 8 ديسمبر الحالي في تقابل مع الشمس والأرض، حيث سيصل حينها إلى أقرب نقطة من الأرض (أقل من 80 مليون كيلومتر)، وفي المساء سيكون هناك مشهد إضافي، عندما يتحرك آخر بدر في عام 2022، وهو بدر شهر ديسمبر، والذي يطلق عليه اسم «القمر البارد»، أمام المريخ، ليختفي الكوكب خلفه، في ظاهرة تسمى «الاحتجاب».
و«القمر البارد»، هو الاسم الذي يطلق في أميركا الشمالية على بدر شهر ديسمبر؛ لأنه الوقت من العام الذي يتسبب فيه الهواء البارد في انخفاض درجة الحرارة.
ويقول أشرف شاكر، رئيس قسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «وقت ظاهرة الاحتجاب يختلف حسب الموقع، وستكون مدته ساعة تقريباً، يظهر بعدها الكوكب، وستكون هذه فرصة مميزة لمحبي متابعة الظواهر الفلكية، حيث يمكنهم حينها التقاط صور لقرص المريخ الأحمر بجوار سطح القمر».
ويضيف شاكر، أن «مثل هذه الظواهر ليست مفيدة بشكل كبير في الأبحاث الفلكية، لكن الإعلان عنها يكون فرصة لخلق الوعي الفلكي لدى الجمهور من ناحية، كما أنها تكون محببة للمهتمين بتوثيق تلك الأحداث من خلال الصور الفوتوغرافية، لا سيما عندما تكون مرتبطة بكوكب، لا يزال يثير الكثير من التساؤلات».
ويحتوي هذا الكوكب، الذي يبلغ حجمه نصف حجم كوكب الأرض، على غلاف جوي رقيق من ثاني أكسيد الكربون، ودرجات حرارة في الصيف تصل إلى 20 درجة مئوية كحد أقصى، وشتاء عند القطبين يصل إلى (سالب 130 درجة مئوية).
وعلى الرغم من هذه الظروف، يستمر المريخ في إبهار علماء الفلك وعلماء الكواكب، الذين يرون أنه أحد الأماكن في النظام الشمسي، حيث قد تكون الحياة قد نشأت، وربما لا تزال موجودة.
وأعلن أكثر من مرصد فلكي حول العالم عن إتاحة الفرصة لمحبي متابعة الظواهر الفلكية لمتابعة بث مباشر لظاهرة احتجاب المريخ خلف القمر، ومنها مرصد «ماكدونالد» في جامعة تكساس في أوستن، حيث ينقل المرصد بثاً مباشراً لظاهرة «الاحتجاب» يوم 8 ديسمبر الحالي الساعة 9:00 مساءً.


مقالات ذات صلة

مدينة أميركية تتجمّد... وحرارتها تهبط إلى ما دون المريخ!

يوميات الشرق المريخ أكثر دفئاً من الأرض ليوم واحد (ناسا)

مدينة أميركية تتجمّد... وحرارتها تهبط إلى ما دون المريخ!

شهدت مدينة منيابوليس، كبرى مدن ولاية مينيسوتا الأميركية، انخفاضاً لافتاً في درجات الحرارة الشهر الماضي، حتى باتت، لبرهة، أبرد من كوكب المريخ نفسه.

«الشرق الأوسط» (مينيسوتا (الولايات المتحدة))
علوم صورة للمسبار «بيرسيفيرنس» تعود إلى يوليو 2024 (ناسا - أ.ب)

علماء يلتقطون «صوت البرق» على سطح المريخ

ذكرت وكالة أسوشييتد برس أن العلماء تمكنوا من رصد ما يعتقدون أنه برق على كوكب المريخ، وذلك من خلال التنصّت على صوت رياح دوّارة سجّلها مسبار «بيرسيفيرنس».

«الشرق الأوسط» (كيب كانافيرال، فلوريدا)
تكنولوجيا صورة نشرتها «ناسا» تظهر مركبة «بيرسيفيرانس» التابعة لناسا في المريخ وهي تلتقط صورة في 23 يوليو 2024 (أ.ب)

مسبار أميركي يعثر على دلالة محتملة لوجود حياة قديمة على كوكب المريخ

عثر مسبار أميركي على عينة من صخور تشكلت قبل مليارات السنين من رواسب في قاع بحيرة تحوي دلالات محتملة على وجود ميكروبات على كوكب المريخ منذ زمن بعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا صاروخ فالكون 9 التابع لشركة «سبيس إكس» ينطلق إلى محطة الفضاء الدولية من كيب كانافيرال في فلوريدا الأميركية... 1 أغسطس 2025 (رويترز)

«سبيس إكس» تُبرم اتفاقية تاريخية مع إيطاليا لاستكشاف المريخ

وقّعت شركة «سبيس إكس» المملوكة للملياردير إيلون ماسك، شراكة رائدة مع وكالة الفضاء الإيطالية لنقل أدوات علمية إلى المريخ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق كوكب المريخ (الشرق الأوسط)

دراسة: الأشعة الكونية قد تدعم نشوء الحياة في المريخ وأقمار النظام الشمسي

دراسة حديثة تكشف عن إمكانية نشوء الحياة في أعماق كوكب المريخ وبعض الأقمار المغطاة بالجليد في النظام الشمسي بفعل الأشعة الكونية.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

مصر للاهتمام بـ«السياحة الأدبية» واستثمار «زخم» المتحف الكبير

نجيب محفوظ تناول العديد من شوارع وحواري مصر الفاطمية في رواياته (متحف نجيب محفوظ على فيسبوك)
نجيب محفوظ تناول العديد من شوارع وحواري مصر الفاطمية في رواياته (متحف نجيب محفوظ على فيسبوك)
TT

مصر للاهتمام بـ«السياحة الأدبية» واستثمار «زخم» المتحف الكبير

نجيب محفوظ تناول العديد من شوارع وحواري مصر الفاطمية في رواياته (متحف نجيب محفوظ على فيسبوك)
نجيب محفوظ تناول العديد من شوارع وحواري مصر الفاطمية في رواياته (متحف نجيب محفوظ على فيسبوك)

من مبنى ذي طابع تراثي بحي الجمالية، يحمل اسم أديب نوبل نجيب محفوظ، بدأ الخبير السياحي المصري، بسام الشماع، في شرح طبيعة المكان بشوارعه ومبانيه التاريخية وحواريه وأزقته وشخوصه التي تبدو كأنها خارجة لتوها من إحدى الروايات الأدبية.

مجموعة السائحين الذين اصطحبهم الشماع إلى هذا المكان كانت لهم أسئلة «مثيرة للاهتمام»، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً: «لقد سألوني عن تاريخ المكان وعن شخصيات في روايات نجيب محفوظ مثل شخصية (سي السيد) التي ظهرت في ثلاثيته الشهيرة (بين القصرين – قصر الشوق – السكرية)»، مؤكداً أنهم كان لديهم فضول لمعرفة المزيد عن هذه الأماكن.

وبعد الزخم الذي حققه المتحف المصري الكبير في جذب السائحين منذ افتتاحه، تسعى مصر إلى تسليط الضوء على نمط سياحي جديد، يتمثل في السياحة الأدبية. ويعتمد هذا النمط على ربط السائح بالأحياء والمواقع التي ذُكرت في الأعمال الأدبية ذات الشهرة الواسعة، مثل أعمال أديب نوبل نجيب محفوظ، وروايات إحسان عبد القدوس، وغيرهم من رموز الأدب العربي.

«كأنك تتجول بداخل رواية»، هكذا يصف الخبير السياحي المصري، محمد كارم، فكرة السياحة الأدبية التي يراها غير مستغلة في مصر بالقدر الكافي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر يحتاج إلى 3 خطوات ليأتي هذا النمط بالمستهدف منه، وهي أن يكون هناك اعتراف رسمي بالسياحة الأدبية كمنتج له مسارات وبرامج، والشراكة بين السياحة والثقافة والقطاع الخاص لتحويل الأماكن الروائية إلى تجرية حية، بالإضافة إلى تسويق ذكي دولياً يستهدف السائح المثقف خصوصاً في أوروبا وأميركا اللاتينية، وهو ما سيكون لها مردود سياحي كبير».

مشهد من حي الجمالية بالقاهرة الفاطمية (صفحة خريطة مشروعات مصر)

وتزخر مصر بالعديد من الأماكن الحيوية والتراثية التي تم ذكرها في روايات وأعمال أدبية متنوعة، كما توجد متاحف لأدباء كبار لهم شهرة عالمية مثل متحف نجيب محفوظ في حي الجمالية بالقاهرة الفاطمية، ومتحف قسطنطين كفافيس في الإسكندرية، ومن قبلهما متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف طه حسين «رامتان» في الجيزة.

وتعمل وزارة السياحة والآثار على الترويج لهذا النمط السياحي خلال الفترة المقبلة، بعد أن ركزت عليه خلال منتدى نظمته بالشراكة مع منصة «TripAdvisor» العالمية، وعدّت نمط السياحة الأدبية، له مردود اقتصادي مهم وقادر على جذب أعداد كبيرة من الزائرين. وفق بيان للوزارة.

ولفت الشماع إلى أن الزخم الذي حققه المتحف المصري الكبير منذ افتتاحه يشجع على ترويج العديد من الأنماط السياحية الجديدة ومنها السياحة الأدبية، متوقعاً أن يسهم المتحف المصري الكبير بزيادة عدد السائحين الوافدين لمصر هذا العام لأكثر من 20 مليون سائح.

ووفق إحصاءات حكومية وتصريحات للمسؤولين، وصل متوسط عدد زوار المتحف الكبير في أول أيام افتتاحه إلى 19 ألف زائر يومياً، أكثر من القدرة الاستيعابية التي قُدرت من قبل بنحو 15 ألف زائر يومياً، وتستهدف مصر زيادة عدد السائحين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2031، ومن المتوقع أن تحقق الحركة السياحية بنهاية هذا العام ما يقرب من 19 مليون سائح، وأن يزيد عائدها على 18 مليار دولار.

وتراهن مصر على التنوع في منتجاتها السياحية، وفق كارم، الذي يلفت إلى أن «الأماكن التي كتب عنها نجيب محفوظ مثل الجمالية والحسين وبين القصرين وخان الخليلي وزقاق المدق، يمكن أن تتحول لمسارات سياحية متكاملة تربط الروايات بالمكان»، مشيراً إلى «أهمية استغلال الزخم الذي حققه المتحف المصري الكبير في التأكيد على التنوع والابتكار في المنتجات والمقاصد السياحية المصرية».

وسبق أن أطلقت مصر حملة ترويجية لمقاصدها السياحية حملت عنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للتأكيد على تنوع المنتجات السياحية الموجودة بها مثل السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية وسياحة السفاري والمغامرات وسياحة المؤتمرات... وغيرها.


رحيل أيقونة الغناء السوداني ونقيب الفنانين عبد القادر سالم

صورة أيقونية للراحل (صفحته على «فيسبوك»)
صورة أيقونية للراحل (صفحته على «فيسبوك»)
TT

رحيل أيقونة الغناء السوداني ونقيب الفنانين عبد القادر سالم

صورة أيقونية للراحل (صفحته على «فيسبوك»)
صورة أيقونية للراحل (صفحته على «فيسبوك»)

في مشهد غلبت عليه مشاعر الحزن والأسى، ودَّع السودانيون أحد أبرز وجوههم الثقافية والموسيقية، الدكتور عبد القادر سالم، الذي توفي في العاصمة الخرطوم بعد معاناة قصيرة مع المرض، عن عمر ناهز 77 عاماً.

وُلد الراحل في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان عام 1946، ويعد من أبرز الأصوات الغنائية التي عرَّفت السودان، خصوصاً غربه، على العالم، من خلال مشروع فني وغنائي، جمع بين الروح الشعبية والبناء الأكاديمي، والإبداع الموسيقي الممزوج بإرث غني من الإيقاعات والإحساس.

وتعبيراً عن الفقدان، قال الصحافي محمد الأسباط لـ«الشرق الأوسط»: «أفقت من نومي اليوم على خبر فاجع، أصابني بحزن عميم، كأنما فقدت شخصاً من العائلة، فعبد القادر سالم لم يكن مجرد فنان، بل أيقونة للغناء الكردفاني والسوداني، وخسارته خسارة كبيرة تضاف لخسائر الناس الذين أفنتهم مأساة الحرب».

من الدلنج إلى أوروبا

نشأ عبد القادر سالم في بيئة غنية بالتقاليد والموسيقى المحلية، حيث مثلت ولاية كردفان مخزوناً لا ينضب من الإيقاعات والمفردات الشعرية، وبدأ بالغناء في محيطه المحلي، قبل أن ينتقل إلى الخرطوم، حيث أتيحت له فرص أوسع للظهور والانتشار».

بدأ مع الفرقة الغنائية الشهيرة «فرقة فنون كردفان»، وشارك معها في مهرجانات الثقافة أواخر الستينات، وهناك عرفه الجمهور السوداني بصوته المختلف.

عندما صدح سالم على خشبة المسرح القومي بـ«اللوري حل بي»، وهي الأغنية التي أصبحت لاحقاً من الأغنيات الخالدة في الوجدان السوداني، يقول صديقه الشاعر التجاني الحاج موسي لـ«الشرق الأوسط»: «كان صوت عبد القادر سالم جديداً في طبيعته، كان حضوره قوياً، ومليئاً بالدفء الإنساني».

نقل إيقاع «المردوم» إلى مسارح العالم

لم يكتفِ سالم بالغناء داخل السودان، بل حمل فنه إلى العواصم الأوروبية، مشاركاً في مهرجانات ومناسبات فنية وثقافية، عرَّف خلالها الجمهور الأجنبي على الإيقاعات السودانية، مثل: «المردوم، والنقارة، والكرن»، وهي إيقاعات ميَّزت تراث غرب السودان.

كان أول فنان سوداني تنتج له شركة بريطانية «أسطوانة»، وسجل عدداً من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الخارج.

وتعد أغنية «ليمون بارا» إحدى أشهر أغنيات سالم، فقد لاقت رواجاً كبيراً، حتى إن بعض المغنين الأوروبيين حاولوا تقليده، وأداءها وبعض أعماله بأساليبهم.

بين الفن والعلم

جمع سالم بين التعليم والفن منذ بداياته، فقد تخرج في معهد التربية بمدينة الدلنج، ثم عمل معلماً في عدد من مدارس كردفان، قبل أن ينتقل إلى الخرطوم، ليلتحق بكلية الموسيقى والمسرح، ويتابع مسيرته الأكاديمية والفنية بالتوازي.

كما عمل مدرساً في دولة تشاد، وهناك أسس المدرسة السودانية الثانوية، مساهماً في نشر التعليم وسط الجالية السودانية.

حصل سالم على درجة الدكتوراه في مجال الفولكلور الشعبي، وكان أستاذاً مشاركاً في عدة جامعات، ودرَّس لأجيال من طلاب الموسيقى، الذين أصبح بعضهم اليوم نجوماً في الساحة الفنية.

يقول وزير الثقافة والإعلام السابق جراهام عبد القادر لـ«الشرق الأوسط» عن الرجل: «لم يكن عبد القادر سالم فناناً فقط، بل كان مشروعاً ثقافياً متكاملاً»، ويتابع: «كان رجلاً أكاديمياً، وموسيقياً، وباحثاً، ومعلماً».

تجديد الغناء السوداني

تميز أسلوب الراحل الموسيقي، بقدرته على الانتقال السلس بين السلم الخماسي التقليدي الذي تقوم عليه موسيقى الوسط والشمال، والسلم السباعي العالمي الذي تتغنى به الجماعات الثقافية في غرب البلاد، مما منح أعماله جاذبية خاصة، وجعلها قادرة على عبور الثقافات.

وأدخل الآلات الغربية دون أن يفرّط في أصالة موسيقاه، وكان حريصاً على أن يحافظ على الطابع السوداني في كل ما يقدمه، فكان بحق أحد المجددين الحقيقيين في الموسيقى السودانية الحديثة.

فنان ونقابي

لم يقتصر نشاط سالم على الغناء والتدريس، بل كان ناشطاً في العمل الثقافي العام، إذ شغل رئاسة اتحاد المهن الموسيقية لفترة طويلة -اتحاد الفنانين- وكان عضواً بارزاً في لجان المصنفات الأدبية والفنية، وداعماً لحقوق الفنانين وتنظيم العمل الموسيقي في البلاد.

شارك في عدد من المؤتمرات الإقليمية والدولية، الخاصة بحماية التراث الموسيقي والفولكلوري، وكان له حضور معتبر في مناقشات تطوير السياسات الثقافية.

حضور إنساني

في زمن الحرب والانقسامات، ظل عبد القادر سالم حاضراً إلى جانب الناس، لم يغادر الخرطوم رغم ما شهدته من دمار ومعاناة منذ اندلاع الحرب قبل زهاء ثلاث سنوات، متضامناً مع زملائه، ومشاركاً في دعمهم مادياً ومعنوياً، وأطلق عدداً من المبادرات لمساندة الفنانين المتضررين من الحرب.

يقول وزير الثقافة جراهام عبد القادر لـ«الشرق الأوسط»: «في وقت اختار فيه كثيرون مغادرة الخرطوم، بقي عبد القادر سالم، مشاركاً في الحياة العامة، ومبادراً لدعم زملائه في المحنة».

إرث فني ووجداني

من أشهر أعماله التي لا تزال تتردد حتى اليوم: «مكتول هواك يا كردفان»، و«ليمون بارا»، و«غاب تومي»، و«بسامة»، وهي أغنيات تمثل وثائق وجدانية تحافظ على اللغة والمكان والوجدان السوداني، وتدرَّس اليوم في كليات الموسيقى بوصفها مراجع فنية وتراثية.

شارك بأعمال غنائية مع شعراء مرموقين، أبرزهم عبد الله الكاظم، وفصيلي جماع، وترك بصمته في مكتبة الإذاعة السودانية بعدد من الأعمال الخالدة.

نعي رسمي وشعبي

نعت الدولة الراحل رسمياً، وقال مجلس السيادة في بيان: «عبد القادر سالم كان من أبرز أعمدة الموسيقى في البلاد، وصوتاً شغوفاً بالتراث، حيث صال وجال في مختلف دول العالم معرِّفاً بالإرث السوداني، خصوصاً الكردفاني الأصيل»، وتابع البيان: «لقد شهدت له المسارح ودور الفنون بمثابرته واجتهاده، في البحث الأكاديمي المرتبط بالموسيقى».

لكن ما هو أبقى من النعي الرسمي، هو ما زرعه في وجدان الناس، حيث لا يزال صوته يتردد في البيوت، وعلى أجهزة المذياع القديمة، ومشغلات الصوت الحديثة، وفي الحفلات المدرسية، وجلسات الطرب، وذاكرة شعب بأكمله.

يقول محمد الأسباط: «لقد أطفأت الحرب الكثير من قناديل الفن، لكنّ منارات مثل عبد القادر سالم لا تنطفئ، إنها تبقى هادية، لمن يأتي بعده».


فيونوالا هاليغان: نجوم عالميون معجبون بدعم «البحر الأحمر» لصناع الأفلام

فيونوالا هاليغان (مهرجان البحر الأحمر السينمائي)
فيونوالا هاليغان (مهرجان البحر الأحمر السينمائي)
TT

فيونوالا هاليغان: نجوم عالميون معجبون بدعم «البحر الأحمر» لصناع الأفلام

فيونوالا هاليغان (مهرجان البحر الأحمر السينمائي)
فيونوالا هاليغان (مهرجان البحر الأحمر السينمائي)

بعد ختام الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي، والتي مثّلت المحطة الأولى لفيونوالا هاليغان في موقعها بوصفها مديرة للبرنامج الدولي، بدت أصداء التجربة واضحة في حجم التفاعل الجماهيري ممثلاً في امتلاء القاعات، والاهتمام الدولي المتزايد ببرمجة المهرجان. فيونوالا، التي تمتلك خبرة طويلة في النقد والبرمجة الدولية، تعاملت مع هذه الدورة بوصفها عملية بناء متكاملة، لا قائمة عروض منفصلة، واضعة نصب عينيها صياغة برنامج يعكس هوية المهرجان وخصوصية موقعه الثقافي، وفق تعبيرها.

تقول هاليغان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «البرنامج الدولي تضمّن أقساماً، لكل منها بنيته الخاصة»، موضحة أن المسابقة، وأفلام المهرجانات، والرؤى الجديدة، وأفلام الطفل والعائلة، وقسم «سبكتاكولار»، إلى جانب الأفلام القصيرة، شكّلت معاً نسيجاً واحداً، مشيرة إلى أن «هذا التقسيم اتسم بالمرونة بحيث تتكامل الأقسام مع البرنامج العربي لتكوين صورة شاملة للمهرجان»، وعَدَّت أن البرمجة عملية حيّة تستجيب لما حولها.

وتوضح أن التركيز داخل الأقسام المختلفة انصبّ على السينما العربية والآسيوية والأفريقية، وأن هذا القيد ينطبق على الأقسام التنافسية، بينما تسعى بقية العروض إلى الحفاظ على الروح نفسها، لافتة إلى أن «اختيار الأفلام لا يخضع لمعايير صارمة بقدر ما يقوم على شعور شخصي ومهني بالانجذاب؛ لأن المبرمج، في النهاية، يبحث عن فيلم يقع في غرامه ويتأكد من أنه مناسب للمهرجان الذي يمثله»، على حد تعبيرها.

مديرة البرنامج الدولي تحدثت عن تفاصيل العروض (مهرجان البحر الأحمر السينمائي)

وعن المنافسة مع مهرجانات أخرى في المنطقة، تشير فيونوالا إلى أنها أقل حدّة مما قد يُتصوَّر، موضحة أن «المهرجانات لا تسعى جميعها وراء العناوين نفسها، وأن وفرة الأفلام الجيدة تتيح مساحة واسعة للاختيارات المختلفة، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في مسألة توقيت العروض، حيث قد تخسر بعض الأفلام بسبب مواعيد إطلاقها التجاري أو عرضها عبر المنصات الرقمية، مما يجعل عرضها في المهرجان غير ممكن».

وتؤكد أن مهرجان «البحر الأحمر» لا يسعى إلى أن يكون الخيار الأول لكل الأفلام، بل الخيار الأنسب لبعضها، مشددة على أن «قوة المهرجان تكمن في قدرته على احتضان الفيلم الذي يناسبه، ومنحه الموقع الصحيح داخل البرنامج، والجمهور الذي يستحقه، والاهتمام الذي يليق به، وهذه العناصر مجتمعة هي ما يجعل المهرجان وجهة أولى لبعض صناع الأفلام».

وفيما يخص الاستراتيجية البرمجية، تشدد هاليغان على أنها لم تتغير استجابة لتحركات مهرجانات مجاورة. وقالت إن «هوية المهرجان، المرتكزة على السينما العربية والآسيوية والأفريقية، واضحة بما يكفي ولا تحتاج إلى تعديل»، مشيرة إلى أن العلاقات الشخصية والمهنية تلعب دوراً بالغ الأهمية في هذا المجال، وأن العمل في البرمجة قائم على الثقة، وشبكة العلاقات تساعد على رفع مكانة المهرجان، وإن كان قادراً على الوقوف على قدميه بذاته.

وعن حضور النجوم العالميين، ترى هاليغان أنه «عنصر جذاب يلفت الأنظار ويصنع عناوين إعلامية»، مؤكدة أنها، بصفتها مُحبة للسينما، تشارك الجمهور حماسه لرؤية هذه الأسماء على السجادة الحمراء، لكنها توضح أن ما يثير إعجاب هؤلاء النجوم حقاً هو ما تقوم به مؤسسة «البحر الأحمر السينمائية» خارج إطار العروض، من دعم للسينما السعودية الناشئة، وصنّاع الأفلام غير الممثلين بشكل كافٍ، والمخرجات. وأكدت أن «هذا النوع من العمل المؤسسي نادر في المنطقة ويُقابَل بتقدير كبير من ضيوف المهرجان».

وتلفت إلى أن «البرنامج لم يكن قائماً على النجومية بقدر ما كان موجهاً نحو السينما المستقلة، والأفلام ذات الأسماء الكبيرة، إن وُجدت، تميل إلى الجانب الفني أكثر من التجاري، وتجد مكانها الطبيعي في أقسام محددة، وهو ما جعل المهرجان ينجح في جذب الجمهور إلى سينما فنية دون الاعتماد على منطق الأفلام الجماهيرية الضخمة».

اجتذب مهرجان «البحر الأحمر» عدداً من النجوم العالميين (إدارة المهرجان)

وتوضح مديرة البرنامج الدولي بمهرجان البحر الأحمر أن «برنامج المهرجان اختلف عن بقية البرامج الإقليمية بتركيزه على التنوع الواسع، فقد تضمّن سينما صامتة، وأفلاماً للأطفال، وأعمالاً فائزة في مهرجانات كبرى، وأفلام (كونغ فو)، وكوميديا، وأفلاماً شديدة القسوة والتحدي، وهذا التنوع هدفه أن يشعر الجميع بأنهم مرحَّب بهم»، وفق قولها.

وعن اختيار الأفلام بدافع «الرسالة التي تحملها»، تنفي هاليغان ذلك مؤكدة أن اختياراتها لم تُبنَ على الرغبة في إطلاق بيانات، بل على ما يقدمه كل فيلم بذاته. كما تشير إلى أن التعامل مع وكلاء المبيعات يجري بروح ودّية وتعاونية، ضمن مشهد شديد التنافسية.

وفيما يتعلق بضغوط العروض الأولى إقليمياً، ترى أن كل مهرجان يعمل ضمن إطاره الخاص، موضحة أن بعض الأفلام عُرضت، هذا العام، كعروض خاصة، رغم أنها لم تكن عروضاً أولى، نظراً لأهميتها، مشيرة إلى أن تقييم الفيلم يجرِ وفق ما يقدمه، لا وفق وضعه في سباق العروض الأولى.

وتُقيّم هاليغان موقع مهرجان «البحر الأحمر» على الخريطة الدولية بوصفه ظاهرة سريعة النمو، مشيرة إلى أنها لم تشهد مهرجاناً يحقق هذا القدر من التأثير في فترة زمنية قصيرة، وهو ما يجعل الجميع يعرفون المهرجان، وأن مستقبله يحمل إمكانات كبيرة.

وعن التحديات التي واجهتها، تشير إلى أن انضمامها المتأخر نسبياً جعل الوقت ضيقاً، لكنها تعبّر عن رضاها الكامل عن البرنامج وردود فعل الجمهور، وعَدَّت أن الإقبال فاق توقعاتها، لافتة إلى أنها لم تشعر بخسارة أفلام بعينها؛ لأن خسارة بعض العناوين أمر طبيعي في عالم البرمجة، وغالباً ما يكون مرتبطاً بمواعيد العرض، مستشهدة بالفيلم الوثائقي «إبيك: إلفيس بريسلي إن كونسرت»، الذي لم تتمكن من عرضه، هذا العام.

وتختتم فيونوالا هاليغان حديثها بتأكيد أن «قياس النجاح يجري من خلال تفاعل الجمهور، وامتلاء القاعات طوال أيام المهرجان»، وتصف ما حدث بأنه «لحظة سحرية»، موجّهة شكرها إلى جدة وجمهورها.