«اقتتال الإخوة»... ومؤامرة «بوب» عميل الـ«سي آي إيه» لإطاحة صدام

تنشر فصلاً من كتاب «ربيع الكرد الدامي» لكامران قره داغي

أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)
أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)
TT

«اقتتال الإخوة»... ومؤامرة «بوب» عميل الـ«سي آي إيه» لإطاحة صدام

أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)
أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)

يروي الكاتب الكردي كامران قره داغي، في «ربيع الكرد الدامي... شاهد وشهادات على الانتفاضة الكردية»، (يصدر قريباً عن دار المدى - العراق)، مشاهداته الشخصية على مراحل مهمة من تاريخ العراق المعاصر، لا سيما ما يتعلق بأكراده والصراعات التي كانت تدور بينهم، وتحديداً الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الراحل جلال طالباني، وبين الأكراد ونظام الرئيس الراحل صدام حسين في بغداد. شغل قره داغي منصب مدير مكتب الرئيس الراحل جلال طالباني نحو عامين ونصف العام بعد انتخابه رئيساً للعراق في أعقاب الغزو الأميركي عام 2003.
«الشرق الأوسط» تنشر اليوم فصلاً من الكتاب يتناول فيه قره داغي ما يصفه بـ«اقتتال الإخوة» في كردستان ودور مسؤول في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) يعرفه الأكراد بـ«بوب» في تدبير مؤامرة لإطاحة حكم صدام.

الاقتتال الداخلي، أو كما سمّاه الكرد وقتها «اقتتال الإخوة»، بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، اندلع في مارس (آذار) 1994. وصفه البعض بأنه حرب أهلية، على رغم أن القتال ظل محصوراً بين المقاتلين خارج المدن والمناطق المأهولة بالسكان.
فجّر القتال حادث بدا أنه كان محلياً في بلدة قلعة دزة، كان سببه خلافاً على أرض بين طرفين ينتمي كل منهما إلى أحد الحزبين، فإذا به ينتشر بسرعة على نطاق واسع بين قوات البيشمركة التابعة للحزبين. هكذا بدأ «اقتتال الإخوة» الذي استمر نحو خمس سنوات، وأسفر عن سقوط آلاف الضحايا من الطرفين بين قتيل وجريح وترحيل عائلات من بعض المناطق التي يسطر عليها هذا الحزب أو ذاك وبعض هذه العائلات لم تستطع أو لم ترغب لاحقاً في العودة إلى مناطقها الأصلية.
يجوز القول إن هذا الاقتتال الكردي – الكردي كان الثاني بعد 1991. أما الأول فكان في 1992 بين قوات مشتركة لبيشمركة الحزبين من جهة ومقاتلي حزب العمال الكردستاني من جهة أخرى. لكن الفرق أن الآخر اقتصر على مناطق جبلية على الحدود مع تركيا، وانتهى وفقاً لصفقة بين حزبي (عبد الله) أوجلان و(جلال) طالباني، وقد أدى إلى تداعيات زادت الخلافات بين حزبي طالباني (الاتحاد الوطني) وبارزاني (الديمقراطي الكردستاني).
حادث قلعة دزة، على رغم محليته، تحوّل الشرارة التي أشعلت اقتتالاً كانت أسبابه كامنة منذ أجريت الانتخابات في مارس 1992 وأسفرت نتائجها عن اتفاق بين الحزبين الرئيسيين على تقاسم السلطة مناصفة، أو «فيفتي - فيفتي» وفقاً للتسمية المشهورة التي انتشرت على كل لسان في كردستان؛ الأمر الذي أدى في النهاية إلى شلل تام تقريباً في إدارة شؤون المنطقة، ضاعفته خلافات حادة على تقاسم موارد الجمارك والاستئثار بالعمليات التجارية في مناطق حدودية مع إيران وتركيا خاضعة لأحد الحزبين، ناهيك بالطبع عن الصراع التقليدي على النفوذ، وهو صراع بدأ عملياً منذ الانشقاق في صفوف «الديمقراطي الكردستاني» في منتصف الستينات من القرن الماضي. «اقتتال الإخوة» اقترن بحملات إعلامية محمومة بين وسائل إعلام الحزبين وصلت إلى حد المهاترات وتبادل الشتائم والتجريح الشخصي، حتى أن أنصار الحزبين صاروا يستخدمون لوني رايتي الحزبين في تحديد الولاءات. فمن يفضّل اللون الأصفر فهو حتماً موال لحزب بارزاني، ومن يفضّل اللون الأخضر فهو، بالدليل القاطع، موال لحزب طالباني.

ما سلف أحداث معروفة كَتب عنها بتفاصيل كبيرة سياسيون وكتّاب ومحللون كرد وأجانب في مقالات وكتب ومذكرات وذكريات شخصيات كردية معنية ومشاركة في الأحداث، وقد أجمع في العموم من كتب عنها على وصفها بأنها «مؤسفة» و«مأساوية» و«كارثية». شخصياً سأتناول في هذه السطور تطورات وقصصاً كنت شاهداً ومطلعاً عليها. أكتفي بتأكيد ما هو معروف عن الاقتتال الدموي الذي كانت تتخلله فترات هدنة قصيرة سرعان ما تنهار.
الحق أن تفاقم الوضع والتوتر بين الحزبين الرئيسيين (في إقليم كردستان) والتمسك بتطبيق مبدأ الـ«فيفتي - فيفتي»، الذي كان ملزماً للجميع من القمة إلى القاعدة، في اتخاذ أبسط القرارات إن على صعيد الحكومة أو مؤسسات الإقليم، كان كله يحمل مؤشرات إلى أن الاقتتال كان سينشب عاجلاً وليس آجلاً. في أحد دفاتري الذي سجّلت فيه ملاحظاتي عن لقاء لي مع أول رئيس للوزراء في الإدارة الموحدة الدكتور فؤاد معصوم في أربيل عام 1993 أنه شكا بمرارة من أن ملء الشواغر الإدارية وصولاً حتى إلى تعيين عامل لحديقة، كان يجب أن يتم باتفاق بين المسؤول المعني ونائبه المنتميين إلى حزبين مختلفين؛ لأن كلاً منهما يشك في أن الآخر قد اختار شخصاً من أنصار حزبه ما كان يؤدي إما إلى نقاش طويل عبثي أو إلى تعيين عاملين يختار المسؤول الأول أحدهما ويختار نائبه العامل الآخر.
في ضوء هذه التطورات المقلقة وبعد عودتي إلى لندن من أنقرة في مطلع ديسمبر (كانون الأول) 1993، وجّهت رسالة إلى بارزاني وطالباني ضمّنتها ملاحظاتي المبنية على لقاءات كنت أجريتها في واشنطن وأنقرة مع مسؤولين أميركيين وأتراك معنيين بالشأن الكردي، وتحليلاً عن الاحتمالات المتوقعة في حال تفاقمت أزمة العلاقات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين. ركّزت خصوصاً على موقف تركيا من تورط أو توريط «العمال الكردستاني» في الصراع بين الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق. الأتراك، وتحديداً وزير الخارجية حكمت تشيتين (ومن مارس/ آذار 1995 جمع بين الوزارة ونيابة رئيس الوزراء) ووكيل الوزارة أوزدم سانبيرك والمسؤول المباشر عن الملف الكردي في الوزارة جنك دوعاتبة وآخرون، أكدوا أنهم يمتلكون معلومات دقيقة عن استعداد «العمال الكردستاني» للتدخل في أي قتال مقبل في كردستان العراق إلى جانب حزب طالباني ظاهرياً، لكن لتحقيق هدف أبعد يتمثل في الانتشار والسيطرة على مناطق في عمق كردستان العراقية، وشددوا على أن جميع الخيارات بالنسبة إليهم مطروحة بما فيها التدخل العسكري لمنع هذا الاحتمال. الأميركيون، من جهتهم، شعروا بالقلق وحذّروا من التداعيات الخطيرة المحتملة للاقتتال الكردي، وكانوا طبعاً يوصلون رسائلهم في هذا الشأن إلى القيادات الكردية مباشرة.
في رسالتي إلى طالباني وبارزاني (نص واحد ولكن لكل منهما على حدة) أشرت خصوصاً إلى مغبّة استخدام ورقة «العمال الكردستاني» في الصراع بين الحزبين. لم أتلق أي رد فعل من طالباني، لكنني تلقيت بعد أيام رسالة مطبوعة مختصرة من بارزاني وصلتني عبر الفاكس أدناه نصها:
«الأخ العزيز كامران قره داغي المحترم
تسلّمت رسالتكم ولا أخفي عليكم إعجابي بمضمونها وارتياحي من ملاحظاتكم القيّمة وأستطيع أن أقول بأنني لم أجد في الرسالة نقطة واحدة تتعارض مع توجهاتنا.
لقد اعتبرناها وثيقة مهمة ودُرست في اجتماع المكتب السياسي وتم تقييمها بإيجابية عالية.
مع فائق التقدير
أخوكم مسعود بارزاني في 13-12-1993».
وسيمر أكثر من خمسة أعوام أخرى بعد اندلاع القتال - الذي كان قد توقف نهائياً وفقاً لاتفاق بين الحزبين برعاية أميركية في 1998، قبل أن يقول لي «مام جلال» عندما التقيته أثناء زيارة له إلى لندن في منزل عديله الدكتور لطيف رشيد، وكان ثلاثة أو أربعة أشخاص قريبين منه حاضرين في الغرفة بينهم الدكتور فؤاد معصوم «كاك كامران... أعترف بأن رأيك في خصوص تركيا والـ(بي كي كي) كان صحيحاً».
- سنوات الاقتتال في كردستان
في عملي الإعلامي كنت أعد أخباراً وتقارير عن تطورات الاقتتال الداخلي معتمداً على معلومات أحصل عليها عبر اتصالاتي مع مصادر كثيرة في كردستان من أصدقاء ومعارف الحزبين الرئيسيين وصحافيين كرد وأجانب، في مقدمهم الدكتور أحمد الجلبي الذي كان من أهم مصادري، وكان وقتها يقوم بدور الوساطة بين الحزبين ولا يتردد في التوجه إلى مناطق القتال للاتصال مع القادة الميدانيين للطرفين معرّضاً أحياناً حياته للخطر وسط تبادل إطلاق النار. كان هو وعدد من مساعديه في المؤتمر الوطني العراقي مفوضين من الطرفين المتقاتلين بالانتقال دون التعرض لهم بين المناطق التي يسيطران عليها. وكنت أُسهم بين حين وآخر في كتابة عمود رأي كنت أنتقد فيه بشدة الحزبين المتصارعين، وكان ذلك يغضبهما وغالباً ما كان ممثلوهما، وأكثرهم أصدقاء، يتصلون بي للتعبير عن استيائهم من كتاباتي وحتى من كشفي معلومات تزعجهما كنت أحصل عليها من أطراف ثالثة. على الرغم من اندلاع القتال استمر برلمان كردستان في عقد جلساته برئاسة الراحل جوهر نامق القيادي في «الديمقراطي الكردستاني» الذي شغل المنصب فيما كان منصب رئيس وزراء الإدارة الموحدة يشغله الدكتور فؤاد معصوم القيادي في «الوطني الكردستاني»، وفقاً لاتفاق المناصفة. لكن قيادة الحزب الأخير أعلنت أن النواب المنتمين إليه أحرار في حضور أم عدم حضور جلسات البرلمان، فقرر عدد قليل منهم الحضور، بينما كانت الغالبية من الحضور من أعضاء الحزب الأول. ويُشار هنا إلى أن نواباً من الحزبين تركوا مقاعد البرلمان ليرتدوا زي البيشمركة والتحقوا بمقاتلي حزبيهما. لاحقاً عندما سيطرت قوات «الديمقراطي الكردستاني» على أربيل، اعتُقل معصوم وظلّ محتجزاً نحو ثلاثة أسابيع، ثم رفع الحجز عنه فغادر أربيل إلى السليمانية. وعندما سألته، بعد سنوات، عن فترة احتجازه، قال، إنه لم يكن مسجوناً، بل محجوزاً في بيت وعومل باحترام. في الأثناء، انتشرت إشاعات بأن السيدة هيرو إبراهيم أحمد، زوجة الراحل جلال طالباني، اعتُقلت أيضاً. طالباني شخصياً أبلغني بأنها معتقلة لدى «الديمقراطي الكردستاني». وتعليقاً على انتقادي بإيصال الوضع إلى حد الاقتتال، رد عليّ بعصبية: لماذا لا تنتقد بارزاني الذي سمح باعتقال هيرو؟ في مساء ذلك اليوم استطعت الاتصال شخصياً ببارزاني وأبلغته أن طالباني قلق جداً بسبب اعتقال زوجته من قبل حزبه، فنفى اعتقالها. وتبيّن فعلاً أنها لم تُعتقل واستطاعت مع بدء القتال أن تغادر إلى السليمانية.
- مؤتمر باريس
مع تصعيد الحملات الإعلامية بين الحزبين واستمرار القتال، ازداد قلق الكرد وأصدقائهم وأطراف دولية معنية بالاستقرار في المنطقة الكردية، حيث كانت هذه الأطراف تنفذ مشاريع لإعادة البناء، إضافة إلى تقديم المساعدات الإنسانية. بدأت جهود من أجل إنهاء القتال وإعادة السلام بادر إليها كتّاب ومثقفون ورجال أعمال في أوروبا وأميركا أيضاً. شخصياً حضرت اجتماعين في لندن مع فريق ضم السياسي البارز الدكتور محمود عثمان ورجل الأعمال دارا عطار والأكاديمي القانوني الدكتور نوري طالباني والناشط البارز في أميركا الراحل الدكتور نجم الدين كريم. في كردستان نفسها، انطلق حراك بادر إليه مثقفون غير حزبيين وآخرون من أنصار الحزبين في أربيل والسليمانية، قاده كتّاب وصحافيون وأكاديميون، وذلك في إطار الضغط على الطرفين المتصارعين لإنهاء القتال. أدت الضغوط الخارجية والداخلية، التي لعب أحمد الجلبي دوراً ملموساً فيها، إلى اتفاق بين الحزبين على وقف النار كان عبارة عن هدنة هشة جرت خلالها جهود لإحلال السلام وتفعيل الإدارة الموحدة. في إطار تلك الجهود عُقد في باريس، في منتصف يوليو (تموز) 1994، لقاءً بين حزبي طالباني وبارزاني بمبادرة من السيدة الفرنسية الأولى دانيال ميتران والمعهد الكردي في باريس الذي كان وما زال يرأسه الشخصية الكردية التركية كيندال نيزان، وشارك فيه ممثلون عن وزارة الخارجية التركية. وعلى رغم آمال عقدها كثيرون في كردستان، فإن اللقاء لم يسفر عملياً عن اتفاق جدي بين الطرفين. وكنت وجّهت في 11 يوليو 1994 رسالة إلى أعضاء الوفدين الكرديين الذين كنت أعرفهم ويعرفونني شخصياً ضمنتها اقتراحات لتحقيق اتفاق دائم يعيد الأمن والاستقرار إلى كردستان وتؤدي إلى حكم يعتمد الديمقراطية والتعددية والفصل بين السلطات وفرض سلطة القانون. كانت اقتراحاتي في الواقع نوعاً من التمنيات المفرطة في التفاؤل. هنا فقرات من الرسالة التي علمت أن أعضاء الوفدين تلقوا نسخاً منها:
«اقتراحي الأول كان يدعو إلى الفصل الكامل بين الأحزاب والسلطة وقلت إن هذا يعني: «1) المحاكم، لا الأحزاب، هي التي تحاكم، 2) البرلمان، لا الأحزاب، هو الذي يقرر السياسات ويراقب تنفيذها، 3) الحكومة، لا الأحزاب، هي التي تنفذ».
إلى ذلك، اقترحت التحضير لإجراء انتخابات جديدة خلال مدة أقصاها عام واحد على أساس المناطق وليس التمثيل النسبي. تماديت في التمنيات باقتراح آخر يدعو بارزاني وطالباني إلى أن يقتصر دورهما على زعامة حزبيهما ورسم السياسات، على أن تخضع قوات البيشمركة إلى سلطة الحكومة حصراً. كذلك تضمنت رسالتي اقتراحات على صعيد عمل المؤسسات الحكومية وتوفير الخدمات وتحسين ظروف المعيشة للسكان ومكافحة الفساد، وهي مشاكل رئيسية ما زال إقليم كردستان يواجهها. وفي إشارة إلى تخريب العلاقات بين الحزبين، كتبت «كفّوا عن الحملات الإعلامية السرية والعملية لكن شجعوا الانتقاد البنّاء، بما في ذلك الموجّه إلى زعيمي الحزبين وأعضاء الحكومة والبرلمان، في الصحافة والتلفزيون والإذاعة ولا تعصموا زعماءكم عن الخطأ، وعلّموا الشعب العلانية والصراحة والانتقاد». كذلك كتبت «كفّوا عن التجسس بين الأحزاب والتآمر بعضكم ضد بعضكم الآخر»، و«اشرحوا للناس أن الكيان الكردي هو مشروع مشترك بينهم والقيادات الكردية وليس قائماً على مبدأ العلاقة بين حاكم ومحكوم». وعلى صعيد مشروع الدولة، كتبت «قولوا إنكم عراقيون وابنوا سلطتكم بموجب نصيحة الإمام علي: اعمل ليومك واعمل لغدك. من فضائل هذا الطرح أنكم لا تظهرون بوصفكم الطرف الانفصالي فتستعدون عليكم بعضَ من يمكن أن يكونوا حلفاءكم من العراقيين وسائر العرب. ولهذا الطرح فضيلة أخرى هي إبقاء المجتمع مشدوداً إلى فكرة الدولة حتى ولو كانت دولة سيئة. من دون هذا الانشداد (وفي ظل التجربة شبه الدولتية الكردية اقتصادياً وتكوينياً) لا يجد الكرد ما ينشدّون إليه غير الولاءات القرابية والعشائرية. حتى التنظيم السياسي، في هذه الحال، لا يعدو عن كونه وعاءً عصرياً لهذه الولاءات». كذلك حذّرت من آيديولوجيات غير واقعية، تحديداً آيديولوجية «كردستان الكبرى» التي اعتبرت أنها في تلك الظروف (وحتى الآن كما أثبتت تجربة استفتاء الاستقلال في 2017)، أنها «تباعد بينكم وفهم العالم المعاصر. فهذا العالم لا يحب كثيراً الكلام العاصف عن تغيير الخرائط (وهذا ما يبرهن عليه خصوصاً الواقع منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي وما سمّي يوماً بالمعسكر الاشتراكي). بدلاً من ذلك، أكّدوا على همومكم الملحة في كردستان العراق والتطور يجب أن يأتي طبيعياً. انظروا إلى العرب الذين جرّبوا جميع أنواع الوحدة: تقدمية – تقدمية وتقدمية – رجعية ورجعية – رجعية وإلى غير ذلك، وكلها فشلت لأنها تقوم على آيديولوجية الفكرة القومية الكبرى. لم تنجح سوى الوحدة الخليجية (مجلس التعاون الخليجي) لأنها قامت على المصلحة العملية البحت)». في الإطار، شجّعت على مد الجسور في اتجاه دول الخليج البعيدة عن التعامل مع الآخرين على أساس آيديولوجي «ضاعفوا جهودكم من أجل إقامة علاقات مع الدول الخليجية. لا تيأسوا من الفشل مرة ومرتين وأكثر. واصلوا المحاولات على رغم كل شيء. فالمبدأ الذي يجب أن تؤمنوا به هو أننا في حاجة إلى العالم والأصدقاء والحلفاء وليس العكس. لا شيء يأتي من تلقاء نفسه. إنها قضيتكم وليست قضيتهم، وعليكم أن تقنعوهم بأن دعم قضيتنا هو في مصلحتهم».
- بوب يخدع الكرد
في مطلع 1995، تسلّم روبرت بايير، الذي اشتهر بين الكرد باسمه المختصر «بوب»، مهمة محطة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في كردستان، للتنسيق مع الجماعات العراقية المعارضة لنظام صدام حسين، وأقام مع فريقه في منتجع بيرمام (صلاح الدين). عمل «بوب» في الـ«سي آي إيه» 21 عاماً (1976 - 1997)، قبل أن يترك الجهاز ويمتهن الكتابة والتدريس الجامعي. طوال بقائه في كردستان، سعى بوب دون جدوى إلى إقناع إدارة الرئيس الأميركي وقتها بيل كلينتون بدعم خطة لإطاحة صدام. لاحقاً، استدعي بوب إلى واشنطن، حيث حققت معه وكالة التحقيقات الفيدرالية لتخطيطه لاغتيال صدام حسين من قبل ضباط عراقيين في الجيش، وهي عملية كشفتها الأجهزة الأمنية العراقية التي استطاعت اختراق المجموعة المتآمرة.
على صعيد آخر، كانت خطة بوب تقوم على دعم أميركي لمجموعة من قوات متعاونة في الجيش العراقي وأخرى تابعة للمؤتمر الوطني العراقي والبيشمركة، خصوصاً التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، لإطاحة صدام حسين. لكن رفض إدارة كلينتون دعم خطته لم يحبط عزمه على تنفيذها بشن هجوم على قوات عراقية عبر خطوط وقف النار بين الكرد وبغداد، واستمر في تقديم خطته على أنها مدعومة من واشنطن. وبحسب روايات سمعتها من شخصيات، منهم الراحلان جلال طالباني وأحمد الجلبي وهوشيار زيباري، كان الاعتقاد في البداية، أن بوب مفوض من واشنطن المفترض، بحسب بوب، أن تقدّم دعماً جوياً يتزامن مع هجوم تشنه قوات مشتركة للحزبين والمؤتمر الوطني العراقي ضد القوات العراقية. أضاف طالباني، في روايته لي، أن اجتماعاً مشتركاً لممثلي المكتبين السياسيين تم فيه الاستماع إلى بوب شخصياً، وإثر ذلك تم الاتفاق على حشد قوات من بيشمركة الحزبين لشن الهجوم. ما حدث بعد ذلك أن الحزب الديمقراطي الكردستاني قرر فجأة، قبل ساعة الصفر، الانسحاب وعدم المشاركة في الخطة. أكد لي هذه الرواية الراحل أحمد الجلبي أيضاً. ومن دون الدخول في تفاصيل القصة وتداعياتها، أكتب فقط ما أعرفه وسمعته من شخصيات مشاركة في تلك الأحداث. وقتها، وكما سمعت من «كاك هوشيار» الذي كان آنذاك مسؤولاً عن العلاقات الخارجية لحزبه ومقيما في واشنطن، أنه أدرك في ضوء اتصالات أجراها في العاصمة الأميركية أن بوب لم يكن مفوضاً من قبلها. وإثر ذلك، أبلغ زيباري قيادة حزبه بالأمر، فكان قرارها الانسحاب من الخطة.
وزيادة في تأكيد هذه الروايات، أجريت في أثناء كتابة هذه السطور، وتحديداً في 9-6-2021، اتصالاً مع «كاك هوشيار» فأكدها، مضيفاً تفاصيل وافق على نشرها. قال، إن بوب زار وقتها مسعود بارزاني ليشرح له خطة إطاحة صدام حسين ومفادها شن هجوم من كردستان على مواقع للقوات العراقية ليتزامن ذلك مع تحرك لقوات عراقية متعاونة في الداخل تستخدم الدبابات للهجوم على القوات الموالية لصدام، في حين يقوم الطيران الأميركي بقصف دبابات القوات الموالية لصدام. ورداً على سؤال بارزاني كيف ستميّز الطائرات الأميركية بين الدبابات الصديقة والدبابات المعادية، قال بوب، إن الأولى ستستخدم لوناً مختلفاً لتمييزها. زيباري أشار أيضاً إلى أن الجلبي واللواء وقتها وفيق السامرائي، الذي شغل منصب نائب رئيس الاستخبارات العسكرية في العراق وفرّ مع عائلته لاحقاً بمساعدة الكرد إلى كردستان وانضم إلى المعارضة العراقية، كانا أكدا أيضاً أن قوات عراقية في الداخل متعاونة ومستعدة للتحرك ضد صدام. تابع زيباري أن بوب، بعدما عرض خطته على بارزاني، أكد ضرورة الحفاظ على السرية وشدد تحديداً على عدم «إبلاغ هوشيار بالأمر». وزاد زيباري، أن طلب بوب الغريب أثار شكوك بارزاني. وما أن غادر بوب حتى «اتصل بي بارزاني وروى ما قاله بوب وطلب مني أن أجري اتصالات مع الجهات المعنية في البيت الأبيض والبنتاغون والخارجية لمعرفة الحقيقة. إثر ذلك اتصلت بشخصية في فريق مجلس الأمن القومي، فقال، إنه سيستفسر ويعود إليّ. وبالفعل بعد نحو ساعتين تسلّمت رسالة مكتوبة مختصرة في سطور قليلة باسم أنتوني ليك الذي كان وقتها مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس كلينتون مفادها أن الإدارة الأميركية لا علاقة لها بالموضوع وأن أي تحرك في هذا الإطار تتحمل مسؤوليته الجهات التي تقوم به وليست مسؤولية الإدارة الأميركية. أضاف زيباري، أنه «في ضوء هذا التطور اتصلت بكاك مسعود وأبلغته برسالة ليك التي علمت لاحقاً أنها أُرسلت إلى طالباني والجلبي أيضاً. إثر ذلك، اتخذ كاك مسعود قراره بالانسحاب من العملية».
لكن ذلك لم يثنِ قيادة «الوطني الكردستاني» عن المضي في تنفيذ الخطة. وبالفعل قامت مجموعة من قواته بقيادة كوسرت رسول علي وقوات المؤتمر الوطني بالهجوم على مواقع الجيش العراقي. لم تستغرق المواجهة وقتاً طويلاً، قبل أن تنتهي بهزيمة هذه القوات واستسلام أو أسر عدد من الجنود. وطبعاً لم تتحرك أي قوات «صديقة» داخل العراق لإطاحة صدام. وذات صباح في أحد أيام فبراير (شباط) 1995، كنت في مكتبي في الجريدة عندما تلقيت اتصالاً من الجلبي الذي كان يستخدم جهاز «ثريا». قال مبتهجاً إنه يكلمني من مواقع تمت السيطرة عليها قبل قليل تابعة للجيش العراقي عبر خط وقف النار، وإن ضباطاً ونحو 600 جندي استسلموا إثر مواجهة لم تبدِ القوات العراقية خلالها مقاومة تُذكر. وتابع، أن «كاك كوسرت» يقف إلى جانبه، فأعطاه جهاز الهاتف ليتكلم معي. أكد «كاك كوسرت» لي ما قاله الجلبي، مضيفاً أن المعركة حُسمت بسرعة وأظهرت انهيار معنويات القوات العراقية. سألته ماذا بعد ذلك، فقال، إنهم لم يقرروا بعد. وقتها نشرت الخبر وأشرت فيه إلى الاتصال الذي تلقيته من الجلبي وكوسرت. العملية لم تستمر، وعاد الطرفان لاحقاً إلى مواقعهما السابقة. وهكذا انتهت مغامرة بوب العميل «المارق» للاستخبارات المركزية الأميركية!


مقالات ذات صلة

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

ثقافة وفنون «المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة...

عمر شهريار
ثقافة وفنون الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي و...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ستيفانوس جيرولانوس

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة.

ندى حطيط
كتب المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن

سوسن الأبطح
ثقافة وفنون دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس
TT

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة. يهرع القرّاء في أنحاء المعمورة إلى اقتناء مؤلفات كتّاب أمثال ستيفن بينكر ويوفال نوح هراري، باحثين في دهاليز عصور الصيد والجمع السحيقة عن إجابات لأسئلة الحاضر المقلقة. لكن المؤرخ البارز ستيفانوس جيرولانوس، أستاذ التاريخ بجامعة نيويورك ومدير معهد ريمارك، يقتحم هذا المشهد بكتابه المثير للجدل: «اختراع ما قبل التاريخ: الإمبراطورية، والعنف، وهوسنا بأصول البشر»*، مجادلاً بأن ما نسميه «ما قبل التاريخ» ليس مجرد حقبة زمنية غابرة نكتشفها بالمعاول، بقدر ما هو اختراع فكري وُلد في قلب عصر التنوير الأوروبي، وظل يُستخدم منذ ذلك الحين أداةً آيديولوجية لتمرير سياسات الاستعمار، وتبرير العنصرية، بل حتى الإبادة الجماعية. وخلاصة قوله إن كل ما نظنه عن الإنسان الأول يعكس مخاوفنا وطموحاتنا الآنيّة أكثر مما ينبئ عن حقيقة الماضي البعيد، فكأنما حوَّلنا العلم إلى مرآة نرجسية نحدق فيها فلا نرى إلا ما نريد.

غلاف الكتاب

تبدأ رحلة الكتاب الاستقصائية من منتصف القرن الثامن عشر، على حافة تلك اللحظة الحرجة التي بدأ فيها العقل الأوروبي فك ارتباطه بالسردية الدينية للخلق الأول. فقبل ذلك الزمن، كان الكتاب المقدس يوفر تسلسلاً زمنياً قصيراً وواضحاً للوجود البشري. ومع تمدد الرقعة الاستعمارية، وجد الأوروبيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام شعوب في الأميركتين وأفريقيا لم يرد لهم ذكر في النص المقدس، فانبثقت أسئلة وجودية شائكة: من أين أتى هؤلاء؟ عندئذ وُلدت فكرة «حالة الطبيعة». ويشرح جيرولانوس كيف أن فلاسفة مثل توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو إنما صاغوا تصورات خيالية عن الإنسان الأول بهدف تدعيم نظرياتهم السياسية فحسب. ففي تصور هوبز، كان الإنسان الأول غارقاً في صراع دائم، «حرب الكل ضد الكل»، مما شرعن الحاجة إلى سلطة استبدادية تحمي البشر من غرائزهم. أما روسو فقد ابتدع أسطورة «الهمجي النبيل» الذي أفسدته الحضارة، وقيدت فطرتَه الملكيةُ الخاصة.

ولم تلبث هذه التصورات أن تجاوزت كونها جدالات نظرية في صالونات باريس ولندن، لتتحول إلى ما يشبه بياناً استعمارياً. فقد صُنفت الشعوب الأصلية على أنهم «بشر يعيشون في حالة الطبيعة»، بمعنى أنهم يجسدون طفولة الجنس البشري التي تسبق التاريخ المدون. وقد منح هذا التصنيف الرجل الأبيض صفة الإنسان «البالغ» العقلاني، وجعل من السطو على أراضي الغير «مهمة حضارية» راقية تهدف إلى تهذيب هؤلاء «الأطفال» أو إزاحتهم إذا هم أبوا الانصياع لقوانين التقدم.

ومع بزوغ القرن التاسع عشر، انتقل الهوس بما قبل التاريخ من حقل الفلسفة إلى مجالات الجيولوجيا وعلم الأحياء. وقد أدى اكتشاف الطبقات الأرضية والحفريات، ثم طرح نظرية التطور الداروينية، إلى تكريس مفهوم «الزمن العميق». وهكذا، تمدد عمر البشرية من آلاف السنين الضيقة وفق الرواية التوراتية إلى ملايين السنين المترامية. غير أن هذا الكشف العلمي الهائل سرعان ما سقط في شرك التراتبية العرقية. ويصف جيرولانوس كيف تضافرت جهود الأنثروبولوجيا مع علوم الحفريات لتكريس فكرة أن البشرية تمر بمراحل حتمية للتطور: من «الهمجية» في العصر الحجري، إلى «البربرية» في العصر البرونزي، ووصولاً إلى «الحضارة» في العصر الحديدي وما تلاه، ويرى أن هذا التقسيم الثلاثي الشهير تجاوز مجرد توصيف الأدوات ليصبح حكماً قيمياً على الأمم، حيث صُوِّر السكان الأصليون في المستعمرات بوصفهم حفريات حية، أو بقايا بشرية تجمدت في الزمن.

لقد استُخدم شعار «البقاء للأصلح» لتبرير العنف الإمبراطوري. فإذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي، فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له. ويقتبس جيرولانوس عبارات صادمة من قادة عسكريين ومنظّرين رأوا في إبادة شعوب بأكملها مجرد عملية بيولوجية محضة، لا تختلف عن انقراض أنواع حيوانية لصالح أنواع أكثر كفاءة وقدرة على التكيف.

ولعل من أمتع فصول الكتاب ذلك الذي يتناول إنسان «النياندرتال»، حيث يتتبع جيرولانوس تغيرات صورته عبر العقود لتلبية أجندات سياسية راهنة. في البدء، صور إنسان نياندرتال كوحش غبي ومنحني الظهر لتأكيد تفوق الإنسان العاقل (الهوموسابين). أما اليوم، فنشهد إعادة رسم لملامحه بمواصفات أوروبية، شقراء وزرقاء العينين، حتى لقد باتت بعض جماعات اليمين المتطرف في الغرب تتخذه رمزاً لـ«العرق الأبيض الأصلي» المهدَّد في بقائه بفعل الهجرة. كما يسلط الكتاب الضوء على مفهوم «قشرة الحضارة الرقيقة»، تلك الفكرة التي شاعت بعد الحرب العالمية الأولى، والتي تزعم أن الإنسان الحديث لا يزال يضمر في أعماقه ذلك «الهمجي» الذي تحكمه الغريزة والعنف. وقد استثمرت الدول هذه الفكرة لتبرير وحشيتها في الحروب؛ فما دام أن «الإنسان عدواني بطبعه» منذ عصور ما قبل التاريخ، فإن ممارسة العنف ما هي إلا عودة حتمية إلى «الحقيقة» البشرية المدفونة، فيغدو مفهوم ما قبل التاريخ شماعة نعلق عليها كوارثنا السياسية المصنوعة بأيدينا.

لا يكتفي جيرولانوس بالغوص في الماضي، بل يوجه سهام نقده اللاذع إلى المشهد الثقافي المعاصر، مهاجماً بحدة ظاهرة «التاريخ الكبير» التي يمثلها يوفال نوح هراري في كتابه «الإنسان العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري». يرى جيرولانوس أن هؤلاء الكتاب يمارسون نوعاً من «الحكواتية العلمية»؛ إذ ينتقون حقائق منتزعة من سياقاتها في علم الوراثة والآثار لبناء روايات شمولية تبدو مقنعة ظاهرياً، غير أنها تفتقر إلى العمق التاريخي المنهجي وتعيد إنتاج الخطيئة الفكرية ذاتها: إيهامنا بأن الطبيعة البشرية ثابتة ومحددة سلفاً منذ مئات آلاف السنين. وهذا الضرب من التفكير، وفقاً لجيرولانوس، يقتل الفعل السياسي في مهده، ويوظف «علوم الأصول» بوصفه أداة لشرعنة الأوضاع القائمة، وإجهاض أي رغبة في التغيير. فإذا كانت الرأسمالية أو العنف أو اللامساواة مسطورة في حمضنا النووي منذ العصر الحجري، فما جدوى أي محاولة لتغيير المجتمع الآن؟

إذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له

يتوقف الكتاب أمام مفارقة تكنولوجية مذهلة. مع صعود الطيران الحربي، ذاع تهديد عسكري أميركي شهير على لسان الجنرال كورتيس ليماي، وتردد في صراعات لاحقة وصولاً إلى دونالد ترمب: «سنعيدهم إلى العصر الحجري ». ويتساءل جيرولانوس بمرارة: كيف لأحدث التكنولوجيات (الطائرات والقنابل) أن تُستخدم لإلغاء زمن الآخرين وإعادتهم إلى نقطة الصفر الوجودي؟ إن هذا التفكير يفترض ضمناً أن ثمة شعوباً تقبع بالفعل في «ما قبل التاريخ» أو على مشارفه، وأن العنف التكنولوجي هو اللغة الوحيدة الممكنة للتعامل معهم.

يختتم جيرولانوس كتابه بدعوة جذرية إلى التوقف عن التماس أنفسنا في مرايا الماضي السحيق، واعتناق نوع من التواضع الراديكالي إزاء غموض البدايات. إن شظايا العظام ورسوم الكهوف الصامتة لا تملك لغة بذاتها، ونحن من نمنحها ألسنة لتنطق بما نريد سماعه، ونصنع الماضي على مقاس حاضرنا لنبرر سطوتنا وهيمنتنا. إن «اختراع ما قبل التاريخ» مراجعة أخلاقية شاملة للمسار الفكري الغربي، ومرافعة نارية ضد سوء استخدام العلم، وحثٌّ صريح على أن نبني قيمنا ونصوغ مستقبلنا انطلاقاً من تطلعاتنا الإنسانية، لا من خرافاتٍ مختلَقة عمّا كان يفعله أسلافنا قبل مئات آلاف السنين. إنه ضروري لكل من يريد فهم كيف تُصنع الأفكار، وكيف تُستخدم الأسلحة النظريّة لتشكيل العالم الذي نعيش فيه.


المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل
TT

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن، وكتّاباً رجالاً سجلوا تجاربهن مع مثقفات أحبوهن أو عايشوهن.

وفي كل الأحوال، المرأة المثقفة كانت من بين البطلات اللواتي كن خياراً محبباً، في الروايات العربية خاصة عند الكاتبات، لكن الظاهرة نادراً ما درست. الكاتبة اليمنية هدى العطّاس اختارت 11 رواية، 4 منها كتبها رجال، والباقي لكاتبات نساء لدراستها النقدية في سوسيولوجيا الأدب وتحليل الخطاب، ما يفسح فرصة لتلمس الفرق بين كتابة الجنسين عن تجارب لها ما يجمعها.

«المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد» كتاب صادر، في بيروت عن «دار رياض الريّس»، وهو يتناول روايات من مصر، لبنان، سوريا، تونس، الجزائر، عمان، السعودية. ويغطي حقبة زمنية مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية، تمتد من خمسينات القرن الماضي حتى عام 2015.

الرجل يحمي المثقفة

من خلال النصوص المختارة، تعرض الكاتبة لنماذج مثقفات تناولتهن الروايات، انطلاقاً من اعتبار الأعمال الروائية منتجاً اجتماعياً - ثقافياً، وليس مجرد عمل فني. أمينة في «أنا حرّة» عند إحسان عبد القدوس تسعى لكسر قيود واقعها الاجتماعي، وهي التي غبنت منذ تخلى أهلها عنها في سنيها الأولى، ينتهي بها الأمر رغم طموحها لأن تتوارى خلف الرجل الذي أحبته. أما «طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عواد فتصوّر الفتاة المنحدرة من قرية في جنوب لبنان في ستينات القرن الماضي، مهجوسة بالمدينة (بيروت) التي هي بالنسبة لها صنو الانعتاق. لكن تحقق الحلم يتحول إلى اضطراب ومحن وضياع. أما زينب عبد الجبار في «تماس» للتونسية عروسية الناتولي فتمرّ بمخاضات طويلة، ولا تجد خلاصها، سوى في الكتابة كبدل عن ضائع. علوية صبح في «اسمه الغرام» تقدم أكثر من نموذج نسائي، فهناك الشاعرة، والأكاديمية، ومدرسة الرياضة. ورغم أن نهلا الأديبة والشاعرة تقفز فوق التابوهات، وتثأر للمقولات الجاهزة والتقاليد المكبلة، فإن علوية صبح لا تكافئ شجاعة بطلاتها، بل تعاقبهن، كما هي حال آخرين من الروائيين والروائيات.

سمات مشتركة للبطلات

بطلات الروايات يعشن مواجهات قاسية لإثبات وجودهن أو تحقيق طموحاتهن. مجابهات مع البيئة والموروثات، والخطاب الذكوري، حتى حين يعشن في دائرة الرجال المثقفين أنفسهم.

تشرح الكاتبة العطاس أن اختيارها وقع على نماذج روائية تتميز بحمولتها الاجتماعية في زمن محدد، كي تكون المقارنات منصفة. هي روايات نشرت على مدى 65 عاماً، كتبت في جغرافيات مختلفة، وعاشت بطلاتها في بيئات متباينة، من طبقات اجتماعية متفاوتة. أما الأحداث فغالباً ما تدور في المدينة. هؤلاء المثقفات، جامعيات، بينهن السنية والشيعية والمسيحية والدرزية، ميولهن السياسية إما يسارية، أو في الغالب بلا انتماء سياسي أو آيديولوجي. أربع فقط من النساء في الروايات المختارة انخرطن في العمل السياسي، وانتمين إلى أحزاب، أما الأخريات فلا يحفلن بالسياسة وشؤونها، وتبقى امرأة واحدة مجهولة الانتماء السياسي.العمل صنو الاستقلاليةلكن بعض الكاتبات، مثل رضوى عاشور في «فرج»، وإيمان حميدان في «خمسون غراماً من الجنة»، اعتبرن الرواية منصة لكشف الغطاء عن ممارسات السجون والمعتقلات وأجهزة المخابرات، وفضح زيف المنظومة السياسية بآيديولوجياتها وأحزابها، من يمينية أم يسارية.

مقابل ضعف الانخراط السياسي، فإن المثقفات في الروايات أظهرن حرصاً على مواصلة تعليمهن وتحصيل درجة جامعية. تقول المؤلفة: «في غمرة التحولات، وما أشاعته من تطلعات، صار التعليم الجسر الذي عبرت عليه فئات من النساء، لتغيير مصائرهن بالخروج من المجتمع التقليدي، واكتساب علم وثقافة عصريين وسلوك حديث».

نساء منشغلات بهاجس الاستقلال المادي، معظمهن، يردن الوصول إلى امتلاك خياراتهن، وحريتهن بالتخلص من الهيمنة الذكورية داخل العائلة، والمجتمع المحيط بهن.

الروائيون يعنفون بطلاتهم

تلاحظ المؤلفة أن الحضور النسائي يطغى على أعمال الروائيين الذكور، وحضور المرأة إما يكون قدسياً أو مشيطناً من خلال السرد، والنصوص نادراً ما تقدم شخصيات متوازنة، تتبنى وعياً نسوياً أو إدراكاً عميقاً لحقوقها. روايات تعكس أحكاماً، ووجهات نظر البيئة الاجتماعية والواقع الذي يتشكل فيه النص. أحياناً يحمّل الروائي الشخصية هواجسه، وعقده الذكورية، ورؤيته، ويعتبر الرواية منبراً للتعبير عما يدور في خاطره. حتى إنه من الصعب الفصل بين انحيازات الرجل الذكورية عن انحيازاته في الرواية التي يكتبها. مثلاً، عند الروائيين الرجال، تتعرض البطلات لمحاولات اغتصاب، أو تحرش جسدي، بينما هنّ يناضلن، ويكافحن، للفكاك من الواقع الذي ينتهك إنسانيتهن. تقول الباحثة العطاس: «لأن الجسد الأنثوي يحتل موقعاً قدسياً في الثقافة المجتمعية العربية، فإن انتهاكه يعتبر الرمز الأعلى لتحطيم الأنوثة المتمردة، وإعادتها إلى حظيرة مصيرها التقليدي. فأي من بطلات الروائيين لم تنفك من هذا المصير».

واجهت هذا المصير بطلة صنع الله إبراهيم، في روايته «وردة» من أقرب رفاقها الحزبيين المؤدلجين، في بيئة ماركسية يفترض أنها تدّعي تبني المساواة الإنسانية والعدالة. موقف مشابه تتعرض له أمينة بطلة إحسان عبد القدوس في «أنا حرّة» التي استطاعت أن تهرب ممن حاول اغتصابها بعد أن عضته وشجّت رأسه بإناء زجاجي. وفي لبنان، توفيق يوسف عواد يعرض بطلته تيمية في «طواحين بيروت» للتحرش والاغتصاب. واللافت أن البطلات يتعرضن لهذه التجاوزات في بيئات مختلفة وأعمار متفاوتة. فبطلة عواد مثلاً تعرضت للاغتصاب، وهي طفلة في الريف في قريتها النائية من الوصي عليها.

وتعلق الباحثة: «كأنما صفة المثقف هي منجز ذكوري صرف في خطاب الروائي الرجل. وعليه، حينما تقتحم المرأة مساحات يظن أن الرجل قد مهدها وأنجزها، فإنها بالضرورة لن تقتحمها إلا مكسورة ناقصة».

وراء كل امرأة مثقفة رجل

في هذه الروايات الرجل هو الذي يأخذ بيد المرأة كي تتمكن من العبور، يرشدها برؤيته وخبرته لأنه سابق عليها. هكذا يفعل عبّاس بطل إحسان عبد القدوس في «أنا حرة»، إذ يقنع أمينة بأن غاية طموحها أن تكون حرّة، وعلى يديه تتلقى أول دروسها. والرجل هو أيضاً المنقذ للذاكرة الأنثوية. فهو الراعي الذي يوجه مصائر النساء. هذا ما نراه عند إبراهيم نصر الله وواسيني الأعرج. فقد جعل صنع الله بطله رشدي أميناً على ذاكرة وردة، وهي المعادل الموضوعي لمبادئه النضالية. أما الأعرج في روايته «سيدة المقام» فجعل من مريم معادلاً موضوعياً للجزائر، المدينة التي داسها المتطرفون على حين غرّة، ولغّموا شوارعها وطرقاتها بالقتل والإرهاب. فالراوي عند الأعرج مثقف، روائي وموسيقي، أخذ بيد مريم وشجعها على رقص الباليه، وأصبح أستاذها.

الروائيات ينهلن من عذاباتهن في الكتابة

الروائيات لهن الغلبة في عدد الروايات المدروسة في الكتاب، بسبب قلة الحضور الواضح للمرأة المثقفة في نصوص الروائيين الرجال.

فعند الروائيات، نجد النساء البطلات يبحثن عن ذواتهن المنعكسة في المرآة الاجتماعية، كأنهن ينتزعنها من ذلك الهشيم المتناثر. بحسب الباحثة، فإن «الروائية ربما تتقصد سلفاً أن تضع خريطة لمسيرتها في حقل تعبيري، هو الرواية، حيث تعلم مسبقاً الشراك والألغام المطمورة في داخلها. وهي معنية بتفجيرها غير هيابة بمخاطرها، ترفع الحجب لتعري المسكوت عنه، وتقتحم المحرمات الاجتماعية».

تعتبر الكاتبة أن الروائيات يصورن بطلات «تعشن تشظياً في الهوية وتمزقاً بين الخيارات الاجتماعية». إنهن نساء يعانين من اغتراب داخل المؤسسة الزوجية لأنها تجعلهن أسيرات التقاليد والعادات والقيم الجاهزة. لذلك، نجدهن ناقمات على هزال هذه المؤسسة وهشاشتها وتشوهها وزيفها. المرأة في المنطقة العربية هاجس للعار الاجتماعي، وهو ما يؤرق ذويها. لهذا، فإن ليلى في الرواية السعودية «امرأتان»، كما نازك السورية في «امرأة من طابقين»، وباني الجزائرية في «سيدة المقام»، يواجهن المصائر ذاتها. ليلى تساق إلى زواج من ابن عمها، بما يشبه ما ستعيشه نازك وباني.

نساء بمصائر متشابهة

عند الروائيات، النساء المثقفات يعشن اغتراباً، هذا نجده في رواية رضوى عاشور، وعند بيطار، كما لدى الروائية السعودية هناء حجازي، على تباين الظروف الاجتماعية في البيئات الثلاث. فليلى ومرام بطلتا رواية «امرأتان» تعيشان اغتراباً عميقاً، وتقاومان صنوفاً من الانتهاكات والعنف الممارس عليهما، وينتهي بهما الأمر إلى وضع حدّ لحياتهما.

علاقة حميمة تربط الروائيات بنساء رواياتهن. وغالباً ما تتداخل تجارب الروائيات بملامح البطلات، ويشتركن أيضاً في الكشف عن المسكوت عنه، والبوح. ومن بين المشتركات بين نساء الروايات المختارة، هو تعرضهن للعنف، وإن كان بأشكال مختلفة. فإن لم يكن عنفاً جسدياً، فهو عنف وقمع معنويان. فكما زُوّجت «ليلى» السعودية قسراً لابن عمها، حتى لا تتسبب بفضيحة لأهلها، في رواية «امرأتان» لهناء حجازي، وفي رواية علوية صبح «اسمه الغرام» استعان الأهل بخطّابة لتدبير زواج تقليدي لـ«نهلا» اللبنانية المسلمة، لمنعها من الزواج من حبيبها المسيحي. وهو أيضاً ما فعلته أسرة «نازك» السورية المسيحية في رواية «امرأة من طابقين» حين رفض أهلها حبيبها المسلم الذي تقدم لخطبتها، ودفعوها إلى الزواج بشاب من دينها وطائفتها.

العائلة شرارة العنف الأول

تظهر الروايات أن العائلة هي الحاضن الأول للعنف، الذي غالباً ما تواجه به المرأة المثقفة، ذات التطلعات الطموحة. وإن حظيت المرأة المتعلمة ببعض أشكال الدعم الأسري، يظل ضئيلاً. هكذا، ومع تنوع البيئات تبقى المرأة كائناً ناقصاً يخضع للمراقبة والتقويم. أما التعليم والثقافة اللذان تناضل النساء في سبيلهما، فغالباً ما يضاعفان ممارسة القهر والعنف عليها. روائيون وروائيات هموم رؤى مشتركة ثمة ما يجمع الكتّاب من الجنسين، فهم يكتبون غير منقطعين عن عوالمهم الداخلية، وتجاربهم الشخصية، ومحمولاتهم الثقافية. كما أن الروايات جميعها تُبقي التعليم مدماكاً أساسياً لإخراج المرأة من شرنقتها، وجعلها قادرة على تجاوز المظالم وكسر حلقة التعنيف التي تحيط بها. كذلك تتكرر تيمة العمل كوسيلة للوصول إلى الاستقلالية المادية وتعزيز إمكانية اتخاذ قرارات شخصية ومسؤولة. ومن المواضيع التي يشترك بها الجنسان مسألة الوعي الأنثوي للذات والكفاح من أجل الانتقال إلى مكان أفضل، وإن بدت الإخفاقات كثيرة، في أغلب الروايات.


الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.