هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

صورة العصور السحيقة بوصفها أداة سياسية وسلاح هيمنة

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس
TT

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة. يهرع القرّاء في أنحاء المعمورة إلى اقتناء مؤلفات كتّاب أمثال ستيفن بينكر ويوفال نوح هراري، باحثين في دهاليز عصور الصيد والجمع السحيقة عن إجابات لأسئلة الحاضر المقلقة. لكن المؤرخ البارز ستيفانوس جيرولانوس، أستاذ التاريخ بجامعة نيويورك ومدير معهد ريمارك، يقتحم هذا المشهد بكتابه المثير للجدل: «اختراع ما قبل التاريخ: الإمبراطورية، والعنف، وهوسنا بأصول البشر»*، مجادلاً بأن ما نسميه «ما قبل التاريخ» ليس مجرد حقبة زمنية غابرة نكتشفها بالمعاول، بقدر ما هو اختراع فكري وُلد في قلب عصر التنوير الأوروبي، وظل يُستخدم منذ ذلك الحين أداةً آيديولوجية لتمرير سياسات الاستعمار، وتبرير العنصرية، بل حتى الإبادة الجماعية. وخلاصة قوله إن كل ما نظنه عن الإنسان الأول يعكس مخاوفنا وطموحاتنا الآنيّة أكثر مما ينبئ عن حقيقة الماضي البعيد، فكأنما حوَّلنا العلم إلى مرآة نرجسية نحدق فيها فلا نرى إلا ما نريد.

غلاف الكتاب

تبدأ رحلة الكتاب الاستقصائية من منتصف القرن الثامن عشر، على حافة تلك اللحظة الحرجة التي بدأ فيها العقل الأوروبي فك ارتباطه بالسردية الدينية للخلق الأول. فقبل ذلك الزمن، كان الكتاب المقدس يوفر تسلسلاً زمنياً قصيراً وواضحاً للوجود البشري. ومع تمدد الرقعة الاستعمارية، وجد الأوروبيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام شعوب في الأميركتين وأفريقيا لم يرد لهم ذكر في النص المقدس، فانبثقت أسئلة وجودية شائكة: من أين أتى هؤلاء؟ عندئذ وُلدت فكرة «حالة الطبيعة». ويشرح جيرولانوس كيف أن فلاسفة مثل توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو إنما صاغوا تصورات خيالية عن الإنسان الأول بهدف تدعيم نظرياتهم السياسية فحسب. ففي تصور هوبز، كان الإنسان الأول غارقاً في صراع دائم، «حرب الكل ضد الكل»، مما شرعن الحاجة إلى سلطة استبدادية تحمي البشر من غرائزهم. أما روسو فقد ابتدع أسطورة «الهمجي النبيل» الذي أفسدته الحضارة، وقيدت فطرتَه الملكيةُ الخاصة.

ولم تلبث هذه التصورات أن تجاوزت كونها جدالات نظرية في صالونات باريس ولندن، لتتحول إلى ما يشبه بياناً استعمارياً. فقد صُنفت الشعوب الأصلية على أنهم «بشر يعيشون في حالة الطبيعة»، بمعنى أنهم يجسدون طفولة الجنس البشري التي تسبق التاريخ المدون. وقد منح هذا التصنيف الرجل الأبيض صفة الإنسان «البالغ» العقلاني، وجعل من السطو على أراضي الغير «مهمة حضارية» راقية تهدف إلى تهذيب هؤلاء «الأطفال» أو إزاحتهم إذا هم أبوا الانصياع لقوانين التقدم.

ومع بزوغ القرن التاسع عشر، انتقل الهوس بما قبل التاريخ من حقل الفلسفة إلى مجالات الجيولوجيا وعلم الأحياء. وقد أدى اكتشاف الطبقات الأرضية والحفريات، ثم طرح نظرية التطور الداروينية، إلى تكريس مفهوم «الزمن العميق». وهكذا، تمدد عمر البشرية من آلاف السنين الضيقة وفق الرواية التوراتية إلى ملايين السنين المترامية. غير أن هذا الكشف العلمي الهائل سرعان ما سقط في شرك التراتبية العرقية. ويصف جيرولانوس كيف تضافرت جهود الأنثروبولوجيا مع علوم الحفريات لتكريس فكرة أن البشرية تمر بمراحل حتمية للتطور: من «الهمجية» في العصر الحجري، إلى «البربرية» في العصر البرونزي، ووصولاً إلى «الحضارة» في العصر الحديدي وما تلاه، ويرى أن هذا التقسيم الثلاثي الشهير تجاوز مجرد توصيف الأدوات ليصبح حكماً قيمياً على الأمم، حيث صُوِّر السكان الأصليون في المستعمرات بوصفهم حفريات حية، أو بقايا بشرية تجمدت في الزمن.

لقد استُخدم شعار «البقاء للأصلح» لتبرير العنف الإمبراطوري. فإذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي، فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له. ويقتبس جيرولانوس عبارات صادمة من قادة عسكريين ومنظّرين رأوا في إبادة شعوب بأكملها مجرد عملية بيولوجية محضة، لا تختلف عن انقراض أنواع حيوانية لصالح أنواع أكثر كفاءة وقدرة على التكيف.

ولعل من أمتع فصول الكتاب ذلك الذي يتناول إنسان «النياندرتال»، حيث يتتبع جيرولانوس تغيرات صورته عبر العقود لتلبية أجندات سياسية راهنة. في البدء، صور إنسان نياندرتال كوحش غبي ومنحني الظهر لتأكيد تفوق الإنسان العاقل (الهوموسابين). أما اليوم، فنشهد إعادة رسم لملامحه بمواصفات أوروبية، شقراء وزرقاء العينين، حتى لقد باتت بعض جماعات اليمين المتطرف في الغرب تتخذه رمزاً لـ«العرق الأبيض الأصلي» المهدَّد في بقائه بفعل الهجرة. كما يسلط الكتاب الضوء على مفهوم «قشرة الحضارة الرقيقة»، تلك الفكرة التي شاعت بعد الحرب العالمية الأولى، والتي تزعم أن الإنسان الحديث لا يزال يضمر في أعماقه ذلك «الهمجي» الذي تحكمه الغريزة والعنف. وقد استثمرت الدول هذه الفكرة لتبرير وحشيتها في الحروب؛ فما دام أن «الإنسان عدواني بطبعه» منذ عصور ما قبل التاريخ، فإن ممارسة العنف ما هي إلا عودة حتمية إلى «الحقيقة» البشرية المدفونة، فيغدو مفهوم ما قبل التاريخ شماعة نعلق عليها كوارثنا السياسية المصنوعة بأيدينا.

لا يكتفي جيرولانوس بالغوص في الماضي، بل يوجه سهام نقده اللاذع إلى المشهد الثقافي المعاصر، مهاجماً بحدة ظاهرة «التاريخ الكبير» التي يمثلها يوفال نوح هراري في كتابه «الإنسان العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري». يرى جيرولانوس أن هؤلاء الكتاب يمارسون نوعاً من «الحكواتية العلمية»؛ إذ ينتقون حقائق منتزعة من سياقاتها في علم الوراثة والآثار لبناء روايات شمولية تبدو مقنعة ظاهرياً، غير أنها تفتقر إلى العمق التاريخي المنهجي وتعيد إنتاج الخطيئة الفكرية ذاتها: إيهامنا بأن الطبيعة البشرية ثابتة ومحددة سلفاً منذ مئات آلاف السنين. وهذا الضرب من التفكير، وفقاً لجيرولانوس، يقتل الفعل السياسي في مهده، ويوظف «علوم الأصول» بوصفه أداة لشرعنة الأوضاع القائمة، وإجهاض أي رغبة في التغيير. فإذا كانت الرأسمالية أو العنف أو اللامساواة مسطورة في حمضنا النووي منذ العصر الحجري، فما جدوى أي محاولة لتغيير المجتمع الآن؟

إذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له

يتوقف الكتاب أمام مفارقة تكنولوجية مذهلة. مع صعود الطيران الحربي، ذاع تهديد عسكري أميركي شهير على لسان الجنرال كورتيس ليماي، وتردد في صراعات لاحقة وصولاً إلى دونالد ترمب: «سنعيدهم إلى العصر الحجري ». ويتساءل جيرولانوس بمرارة: كيف لأحدث التكنولوجيات (الطائرات والقنابل) أن تُستخدم لإلغاء زمن الآخرين وإعادتهم إلى نقطة الصفر الوجودي؟ إن هذا التفكير يفترض ضمناً أن ثمة شعوباً تقبع بالفعل في «ما قبل التاريخ» أو على مشارفه، وأن العنف التكنولوجي هو اللغة الوحيدة الممكنة للتعامل معهم.

يختتم جيرولانوس كتابه بدعوة جذرية إلى التوقف عن التماس أنفسنا في مرايا الماضي السحيق، واعتناق نوع من التواضع الراديكالي إزاء غموض البدايات. إن شظايا العظام ورسوم الكهوف الصامتة لا تملك لغة بذاتها، ونحن من نمنحها ألسنة لتنطق بما نريد سماعه، ونصنع الماضي على مقاس حاضرنا لنبرر سطوتنا وهيمنتنا. إن «اختراع ما قبل التاريخ» مراجعة أخلاقية شاملة للمسار الفكري الغربي، ومرافعة نارية ضد سوء استخدام العلم، وحثٌّ صريح على أن نبني قيمنا ونصوغ مستقبلنا انطلاقاً من تطلعاتنا الإنسانية، لا من خرافاتٍ مختلَقة عمّا كان يفعله أسلافنا قبل مئات آلاف السنين. إنه ضروري لكل من يريد فهم كيف تُصنع الأفكار، وكيف تُستخدم الأسلحة النظريّة لتشكيل العالم الذي نعيش فيه.


مقالات ذات صلة

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها...

إيميت ليندنر
ثقافة وفنون جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوحة أموية من الحجم الضخم، تحتلّ وسطها صورة دائرية تمثل امرأة ترفع بين يديها وشاحاً مليئاً بالفاكهة.

محمود الزيباوي

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟
TT

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي معقد، جعلتا منها دائماً محوراً فاعلاً ومنفعلاً بالتحولات. فالجغرافيا تمنح هذا المشرق موقعه الاستراتيجي كعقدة مواصلات وممر دولي للتجارة ولخطوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين من تقاطع الممالك والإمبراطوريات، بينما تسعى السياسة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الفريد، عاشت البلاد في قلب الاضطرابات والتوترات، إذ يعكس استقرارها هدوءاً إقليمياً شاملاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة.

طوال تاريخ ممتد لـ54 عاماً، اختُزلت جغرافية البلاد وتاريخها وسياساتها في حدود أسرة الأسد، وفرض عليها «القائد الخالد» ووريثه كيقين ثابت مستمر «إلى الأبد».

إلى أن كانت لحظة سقوط «الأبد» السوري ذات ديسمبر (2024)، التي يكتب عنها الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقين «أن ما يأتي من دمشق قدر لا مفر منه في بيروت». «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» الصادر حديثاً (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وسردية مهمة تمزج بين الرصد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية ولادة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد.

ليس منير الربيع مراقباً بعيداً. مساره الصحافي، وإقامته في بلد عانى طويلاً من الوصاية السورية، وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطياف السورية، كلها منحته مقعداً في الصف الأول لرصد الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المشرق العربي عام 2024 في نص يتوزع على محورين متكاملين: تشريح بنيوي لانهيار نظام آل الأسد، ورصد لرؤية أحمد الشرع في بناء سوريا الجديدة وإعادة تموضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية.

خواء النظام السابق

يقدم الربيع قراءة مفادها أن السقوط السريع للنظام السابق في 11 يوماً كان ثمرة اهتراء طويل وتآكل أصاب مفاصل «دولة المخابرات» من الداخل. الجيش العربي السوري بغياب مظلة الحلفاء - الروس بطائراتهم، الإيرانيون ومستشاروهم، «حزب الله»، وألوية «فاطميون» و«زينبيون» - انتهوا كمنظومة هرِمة متصدعة، «أذلت الجندي في معيشته» فتلاشت الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده إلا بالتجاهل والإهمال. السقوط إذاً لم يكن فشلاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما كان خواءً وجودياً لمنظومة بنيت أركانها على القمع والولاء، لا على الكفاءة والمهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلال داخلي» دمّر البلاد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته أن بقاء النظام بعد 2015 لم يكن دليلاً على عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك المظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو.

يرسم محور الكتاب الأول صورة شاملة - بالقدر الذي تسمح به راهنية الحدث - للمشهد السوري عشية السقوط. : «كيف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بين عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كان ممتداً تحت القشرة طوال الوقت، وأن قناعة السوريين بأن «الظلم أبدي والموت أبدي» كانت الوهم الأخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر.

تحولات الإقليم

يرصد الربيع خروج «حزب الله» كلاعب أساسي من الأراضي السورية قبل انطلاق ما سُمي بعملية «ردع العدوان». الضربات الإسرائيلية المكثفة طالت كبار قادة الحرس الثوري الإيراني والحزب، تحديداً «فرقة الرضوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وكلها أحدثت تخلخلاً في البنية القيادية للمحور الداعم للنظام. هذا الإنهاك أجبر «حزب الله» على بدء إعادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركاً حلب ومحيطها في حالة فراغ شامل قبيل انطلاق العملية. توازى ذلك مع ضغوط أميركية وإسرائيلية برية وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية والإمدادات.

عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفساً براغماتياً بامتياز. انشغال موسكو بحربها المفتوحة في أوكرانيا قلص غطاء النظام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن الأهم أن اتصالات خلفية جرت بوساطة تركية بين فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد القوات الروسية وقواعدها (لا سيما حميميم) والحفاظ على عقودها الاستثمارية الاقتصادية، مقابل تجنب التصادم الميداني. هذا العرض قُبل من جانب موسكو، وتُرجم فعلياً بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات المعارضة في الثالث من ديسمبر.

«ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة

في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع العدوان» كانت ثمرة ثلاث سنوات من إعادة التنظيم، وتصحيح الأخطاء، وانتظار اللحظة المواتية. الشرع كان يردد في دائرته المقربة عبارة اختصرت فلسفته: «المعركة دوماً استعداد وفرصة». أي أن الاستعداد يمكن التحكم به، أما الفرصة المواتية فهي لحظة نادرة لا تتكرر، وعلى المرء أن يترصد متى وكيف يلتقطها. وفي الحروب، أحياناً لا ينتصر الأسرع، بل الأقدر على الانتظار.

يكشف الربيع النقاب عن عمل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بأشهر طويلة. فريق تقني داخل «هيئة تحرير الشام» صمم تطبيقاً إلكترونياً بدا للوهلة الأولى خيرياً، يزعم أنه تابع لإحدى المؤسسات المرتبطة بأسماء الأسد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلات الضباط والعناصر «تقديراً لتضحياتهم»، في بلد تراجعت فيه الرواتب إلى حدود لا تكفي لشراء الخبز، كان عرض 25 دولاراً إضافياً ومعونات غذائية وطبية مغرياً. كل ما كان مطلوباً تحميل التطبيق وتسجيل الاسم الكامل والرتبة العسكرية ومكان الخدمة. هكذا جُمعت قاعدة بيانات دقيقة كشفت أماكن توزع الوحدات العسكرية وعديدها وعتادها وسلاسل الأوامر.

لكن الذروة في هذا العمل الاستخباراتي كانت الاتصالات الليلية المباشرة. عنصر في غرفة عمليات السابع من نيسان أو ضابط في الفرقة الرابعة يتلقى اتصالاً من رقم دولي، يظهر على الشاشة بمقدمة أميركية. صوت المتصل هادئ ومباشر: يبلغه أن غرفة العمليات التابع لها، أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق، وعليه إخلاء المكان فوراً. لا يمنحه وقتاً طويلاً للتفكير، ينهي المكالمة، وبعد دقائق يهز انفجار محيط الموقع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مجرد هجوم بري تقليدي، بل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولي. الرسالة بنيت على معرفة دقيقة، وهذا ما جعلها قابلة للتصديق. خلال دقائق تفرغ الغرفة أو يتقلص عدد الموجودين فيها إلى الحد الأدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قوات «ردع العدوان». وهكذا لم يكن السلاح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما المعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.

يرسم المؤلف ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع

من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة

ينتقل الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري.

لكن التحدي الأكبر لرؤية طموحة كهذه يبقى داخلياً: كيف تطمئن الأكثرية السنية دون إثارة قلق الأقليات؟ الربيع يرى أن الشرع أدرك في دمشق أن نموذج إدلب لا يمكن نسخه استنساخاً على سوريا كلها. العاصمة بتنوعها الديني والطائفي والاجتماعي والثقافي تشكل صورة مكثفة لتعقيدات البلاد. معادلة الأكثرية والأقليات اهتزت بعنف مع أحداث الساحل والسويداء، ما وضع الشرع أمام امتحان أخلاقي وتاريخي. كان جوابه أن «الدولة تنظم الاختلاف وتمنع إدارة التوحش»، حيث عقلية الدولة تعني الاعتراف بالتعقيد لا تبسيطه، والفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين خطر تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الدولة لا يقوم على الانتصار العسكري وحده، بل على صوغ جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، لا على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر.

العلاقة مع لبنان

يفرد الربيع فصلاً كاملاً تحت عنوان «الخروج من إرث العلاقات اللبنانية - السورية» يحمل نبرة شخصية عميقة. كصحافي لبناني عاش طويلاً تحت وطأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلى علاقة ندية طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات والأحزاب اللبنانية سوريا للاستقواء بها في صراعاتها الداخلية.

في هذا المشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، لا في الصراع. ويخلص الربيع إلى أن القضايا العالقة بين بيروت ودمشق لم تعد شأناً ثنائياً فحسب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والتوازنات الإقليمية. لبنان الذي كان مُلهمَ المعارضات العربية وملجأَ المعارضين السوريين لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يبني معها شراكات استراتيجية في الاقتصاد والتجارة والخدمات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طائفية، تحمل دروساً يمكن لسوريا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بين الجماعات بدلاً من منطق الغلبة وفق معادلة «لا غالب ولا مغلوب».


محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني
TT

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري، ويقع في 226 صفحة. ويمثّل الكتاب رحلة فلسفية وعلمية تبحث في كيفية تحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة اتصال إلى بيئة فيزيائية موازية، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها التي تعيد تشكيل الوعي الإنساني. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بأن «الزمن» لم يعد مجرد وعاء للأحداث، بل أصبح متغيراً فيزيائياً واتصالياً يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تتناول التحولات العميقة لمفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي الإنساني؛ حيث يتناول الفصل الأول، بحثين، الأول بعنوان: «موضوع الزمن في بحوث الإعلام والاتصال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات الاتصال، ومعضلة «الزمن الحاضر»، وموضوع «الزّمن في بحوث الإعلام».

أما البحث الثاني في هذا الفصل، فيحمل عنوان: «من الزّمن الأدبي إلى الزّمن الميدياتيكي»، وفيه يتتبع تطور مفهوم الزمن وانتقاله من الزمن الشعري إلى الزمن الميدياتيكي ثمّ الزمن السيبراني اللحظي.

بينما يركز الفصل الثاني على: «الزمن اللولبي والاستقطاب السيبراني»، ويسلط الضوء على الظواهر السلوكية والسياسية الناتجة عن إدمان الإنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمن «الذباب الإلكتروني»، وظاهرة «ما بعد الحقيقة»، بالإضافة إلى دراسة المكونات الأنطولوجية للشبكات الرقمية الفاعلة.

الفصل الثالث، يحمل بحثين هما: «الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي المنغمس، والثقوب السّوداء الرّقميّة، والزّمن المشوّه. أما البحث الثاني فيحمل عنوان: «الزّمن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقمية» لتفسير الفضاء السيبراني؛ عبر إسقاط مفاهيم فيزيائية كونية كـ«الزمن الغائر»، و«القوّة والجاذبيّة: أنطولوجيا الفضاء السيبراني»، و«القوّة الخامسة»، و«شياطين الأنتروبيا السيبرانية» على آليات عمل الشبكة واستهلاكها لوعي المستخدم ووقتِه.

ما الذي يصنع الزّمن؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: ما الذي يصنع الزّمن حين لا تعود الساعة وحدها ما يقيسه؟ وفي إجابته يلاحظ أن هذا الكتاب «ليس كتاباً عن الزّمن، وإنْ لاح الزّمن العنصر الأبرز في عبورنا من فصل إلى فصل، ولا هو كتاب عن الميديا، على الرّغم مما قد يوحي به عنوان الكتاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن الميدياتيكي».

وفي مكان آخر يقول المؤلف: «إذا كان سؤال (الوجود) قد ارتبط في تاريخه الفلسفي الطويل بمقولات الحضور والثبات والتعيّن في المكان، فإنّ هذا السّؤال يواجه اليوم شروطاً مغايرة لإثارته، ذلك لأنّ (الوجود) لم يعد يُختبر فيما هو قائم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخل مجرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والتجربة والمعنى. والميديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مجرّد منظومة تقنيّة من الوسائط، بقدر ما نراها بُنى زمنيّة - إدراكيّة تدير إيقاع الظهور والاختفاء، والحضور والغياب، والقرب والبعد».

ويقول: «لقد سَلَكنا هذا المسار لنبيّن أنّ الزّمن الذي نعالجه، ليس زمناً فيزيائيّاً ولا سيكولوجيّاً فحسب، إنّه، في المقام الأوّل، زمن سيبرني تتشكّل أليافه داخل شروط ميدياتيكيّة تصنع طرائق الوجود. إنّه باختصار شديد صيغة وجود».

ويضيف: «يصبح تفكير الفضاء السيبراني ممكناً في اتجاه الكفّ عن اعتباره تمدّداً تكنولوجيّاً فاحشاً؛ لأنّ جوهر التقنية في بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هايدجير، ليس تقنيّاً. من هنا، تنكشف حقيقة جديدة لحقل فيزيائي - سيبرني، يستدعي مفهوميّة مغايرة، ويؤسّس لإمكانية فيزياء لا تكتفي بوصف المادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حين يَسقط في مدار الجذب الرّقمي».

ويكمل قائلاً: «لا يعني أنّنا سنتجاوز القوانين الفيزيائيّة، أو أنْ نُجبر الفيزياء على الانسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إنّ همّ هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّلّ في استخدام لغة الفيزياء لفكّ معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثمّ، يُصبح ممكناً التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسراً مفاهيميّاً وعلميّاً يُدمج المبادئ الفيزيائيّة مع عالم التكنولوجيا والمعلومات ككيان أصبح جزءاً لا يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا من بوّابة الفلسفة».

والمؤلف، د. عبد الله الزين الحيدري، هو باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال، يعمل في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم، بجامعة قطر. وله عدد من الدراسات المنشورة، بينها: «الإعلام الجديد النظام والفوضى»، و«مصفوفة المفاهيم والمصطلحات في مقدّمة ابن خلدون»، و«الصورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون»، و«الزّمن: مقاربات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها.


«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية
TT

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنين» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه».

تدور الرواية حول «ليلى»، الشخصية المركزية التي تعاني اغتراباً وجودياً، وأزمات نفسية، وتشعر أنها غير مرئية من كل المحيطين بها، سواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها المهني الذي لم يتحقق كما كانت تطمح، وقد تذوقت مرارات الفقد أكثر من مرة، بدءاً من طفولتها حين فقدت والدتها، مروراً بفقد حبيبها الأول في أثناء دراستها الجامعية، وصولاً إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلى متاهة، لا استقرار فيها ولا ثوابت، وتعيش بإحساس مُمضّ أنها تمضي في الحياة دون أثر يُذكر.

ورغم زواجها من رجل يحبها، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس التيه انتقل معها إلى أسرتها الجديدة ومكانها المغاير، فأساس أزمتها يكمن في مدينتها الساحلية الهادئة، التي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها الأول بحثاً عن مصالحة ذلك العالم القديم، ومصالحة ذاتها بشكل أكبر، وبحثاً عن غفران للماضي؛ أن تغفر لمن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضاً ما ارتكبته من أخطاء.

الرواية قصيرة، أقرب إلى نوفيلا، وتتكون من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدة وحدات سردية. يأتي السرد في الفصل الأول باستخدام ضمير الراوي العليم، الذي يحكي عن «ليلى» من الخارج، ومن زمن وجودها في أوروبا، ثم قرارها المفاجئ العودة إلى الماضي. ويستعيد الراوي عبر كثير من الاسترجاعات ماضي الشخصية وما ينطوي عليه من توترات. في الفصل الثاني يتحول السرد إلى ضمير الأنا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزماتها. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الرواة، وتأتي كل وحدة سردية منه بصوت من مروا في حياة البطلة: الأب، والجدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في الأخير كل الشخصيات مأزومة وتائهة، فكل منهم كانت تحركه مخاوفه وهواجسه الخاصة، خصوصاً الخوف من ألا يكون كل منهم مرئياً.

من أجواء الرواية نقرأ:

«آدم، رافقني في كل مراحل المتاهة، دون أن أستدعيه، هو يعرف تماماً متى يجب أن يكون إلى جواري، وكأني متأصلة داخله مثل علامة ولادة خفية لا يراها أحد سواي. ورغم ذلك، أنا الذي خذلته. أول مرة حين تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب لا يطعم القلب، ولا يعترف بالمستقبل، ولا يبني حياة. وثانية حين قررت أن أختبئ في حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مشوشاً، وروحي محبوسة في جسد لم يعد نقياً. لكنه، وللعجب، لم يعطني ظهره، بل استقبلني فاتحاً ذراعَيه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني لماذا غبت، لماذا عدت وبداخلي جثة امرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...».