«اقتتال الإخوة»... ومؤامرة «بوب» عميل الـ«سي آي إيه» لإطاحة صدام

تنشر فصلاً من كتاب «ربيع الكرد الدامي» لكامران قره داغي

أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)
أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)
TT

«اقتتال الإخوة»... ومؤامرة «بوب» عميل الـ«سي آي إيه» لإطاحة صدام

أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)
أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)

يروي الكاتب الكردي كامران قره داغي، في «ربيع الكرد الدامي... شاهد وشهادات على الانتفاضة الكردية»، (يصدر قريباً عن دار المدى - العراق)، مشاهداته الشخصية على مراحل مهمة من تاريخ العراق المعاصر، لا سيما ما يتعلق بأكراده والصراعات التي كانت تدور بينهم، وتحديداً الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الراحل جلال طالباني، وبين الأكراد ونظام الرئيس الراحل صدام حسين في بغداد. شغل قره داغي منصب مدير مكتب الرئيس الراحل جلال طالباني نحو عامين ونصف العام بعد انتخابه رئيساً للعراق في أعقاب الغزو الأميركي عام 2003.
«الشرق الأوسط» تنشر اليوم فصلاً من الكتاب يتناول فيه قره داغي ما يصفه بـ«اقتتال الإخوة» في كردستان ودور مسؤول في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) يعرفه الأكراد بـ«بوب» في تدبير مؤامرة لإطاحة حكم صدام.

الاقتتال الداخلي، أو كما سمّاه الكرد وقتها «اقتتال الإخوة»، بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، اندلع في مارس (آذار) 1994. وصفه البعض بأنه حرب أهلية، على رغم أن القتال ظل محصوراً بين المقاتلين خارج المدن والمناطق المأهولة بالسكان.
فجّر القتال حادث بدا أنه كان محلياً في بلدة قلعة دزة، كان سببه خلافاً على أرض بين طرفين ينتمي كل منهما إلى أحد الحزبين، فإذا به ينتشر بسرعة على نطاق واسع بين قوات البيشمركة التابعة للحزبين. هكذا بدأ «اقتتال الإخوة» الذي استمر نحو خمس سنوات، وأسفر عن سقوط آلاف الضحايا من الطرفين بين قتيل وجريح وترحيل عائلات من بعض المناطق التي يسطر عليها هذا الحزب أو ذاك وبعض هذه العائلات لم تستطع أو لم ترغب لاحقاً في العودة إلى مناطقها الأصلية.
يجوز القول إن هذا الاقتتال الكردي – الكردي كان الثاني بعد 1991. أما الأول فكان في 1992 بين قوات مشتركة لبيشمركة الحزبين من جهة ومقاتلي حزب العمال الكردستاني من جهة أخرى. لكن الفرق أن الآخر اقتصر على مناطق جبلية على الحدود مع تركيا، وانتهى وفقاً لصفقة بين حزبي (عبد الله) أوجلان و(جلال) طالباني، وقد أدى إلى تداعيات زادت الخلافات بين حزبي طالباني (الاتحاد الوطني) وبارزاني (الديمقراطي الكردستاني).
حادث قلعة دزة، على رغم محليته، تحوّل الشرارة التي أشعلت اقتتالاً كانت أسبابه كامنة منذ أجريت الانتخابات في مارس 1992 وأسفرت نتائجها عن اتفاق بين الحزبين الرئيسيين على تقاسم السلطة مناصفة، أو «فيفتي - فيفتي» وفقاً للتسمية المشهورة التي انتشرت على كل لسان في كردستان؛ الأمر الذي أدى في النهاية إلى شلل تام تقريباً في إدارة شؤون المنطقة، ضاعفته خلافات حادة على تقاسم موارد الجمارك والاستئثار بالعمليات التجارية في مناطق حدودية مع إيران وتركيا خاضعة لأحد الحزبين، ناهيك بالطبع عن الصراع التقليدي على النفوذ، وهو صراع بدأ عملياً منذ الانشقاق في صفوف «الديمقراطي الكردستاني» في منتصف الستينات من القرن الماضي. «اقتتال الإخوة» اقترن بحملات إعلامية محمومة بين وسائل إعلام الحزبين وصلت إلى حد المهاترات وتبادل الشتائم والتجريح الشخصي، حتى أن أنصار الحزبين صاروا يستخدمون لوني رايتي الحزبين في تحديد الولاءات. فمن يفضّل اللون الأصفر فهو حتماً موال لحزب بارزاني، ومن يفضّل اللون الأخضر فهو، بالدليل القاطع، موال لحزب طالباني.

ما سلف أحداث معروفة كَتب عنها بتفاصيل كبيرة سياسيون وكتّاب ومحللون كرد وأجانب في مقالات وكتب ومذكرات وذكريات شخصيات كردية معنية ومشاركة في الأحداث، وقد أجمع في العموم من كتب عنها على وصفها بأنها «مؤسفة» و«مأساوية» و«كارثية». شخصياً سأتناول في هذه السطور تطورات وقصصاً كنت شاهداً ومطلعاً عليها. أكتفي بتأكيد ما هو معروف عن الاقتتال الدموي الذي كانت تتخلله فترات هدنة قصيرة سرعان ما تنهار.
الحق أن تفاقم الوضع والتوتر بين الحزبين الرئيسيين (في إقليم كردستان) والتمسك بتطبيق مبدأ الـ«فيفتي - فيفتي»، الذي كان ملزماً للجميع من القمة إلى القاعدة، في اتخاذ أبسط القرارات إن على صعيد الحكومة أو مؤسسات الإقليم، كان كله يحمل مؤشرات إلى أن الاقتتال كان سينشب عاجلاً وليس آجلاً. في أحد دفاتري الذي سجّلت فيه ملاحظاتي عن لقاء لي مع أول رئيس للوزراء في الإدارة الموحدة الدكتور فؤاد معصوم في أربيل عام 1993 أنه شكا بمرارة من أن ملء الشواغر الإدارية وصولاً حتى إلى تعيين عامل لحديقة، كان يجب أن يتم باتفاق بين المسؤول المعني ونائبه المنتميين إلى حزبين مختلفين؛ لأن كلاً منهما يشك في أن الآخر قد اختار شخصاً من أنصار حزبه ما كان يؤدي إما إلى نقاش طويل عبثي أو إلى تعيين عاملين يختار المسؤول الأول أحدهما ويختار نائبه العامل الآخر.
في ضوء هذه التطورات المقلقة وبعد عودتي إلى لندن من أنقرة في مطلع ديسمبر (كانون الأول) 1993، وجّهت رسالة إلى بارزاني وطالباني ضمّنتها ملاحظاتي المبنية على لقاءات كنت أجريتها في واشنطن وأنقرة مع مسؤولين أميركيين وأتراك معنيين بالشأن الكردي، وتحليلاً عن الاحتمالات المتوقعة في حال تفاقمت أزمة العلاقات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين. ركّزت خصوصاً على موقف تركيا من تورط أو توريط «العمال الكردستاني» في الصراع بين الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق. الأتراك، وتحديداً وزير الخارجية حكمت تشيتين (ومن مارس/ آذار 1995 جمع بين الوزارة ونيابة رئيس الوزراء) ووكيل الوزارة أوزدم سانبيرك والمسؤول المباشر عن الملف الكردي في الوزارة جنك دوعاتبة وآخرون، أكدوا أنهم يمتلكون معلومات دقيقة عن استعداد «العمال الكردستاني» للتدخل في أي قتال مقبل في كردستان العراق إلى جانب حزب طالباني ظاهرياً، لكن لتحقيق هدف أبعد يتمثل في الانتشار والسيطرة على مناطق في عمق كردستان العراقية، وشددوا على أن جميع الخيارات بالنسبة إليهم مطروحة بما فيها التدخل العسكري لمنع هذا الاحتمال. الأميركيون، من جهتهم، شعروا بالقلق وحذّروا من التداعيات الخطيرة المحتملة للاقتتال الكردي، وكانوا طبعاً يوصلون رسائلهم في هذا الشأن إلى القيادات الكردية مباشرة.
في رسالتي إلى طالباني وبارزاني (نص واحد ولكن لكل منهما على حدة) أشرت خصوصاً إلى مغبّة استخدام ورقة «العمال الكردستاني» في الصراع بين الحزبين. لم أتلق أي رد فعل من طالباني، لكنني تلقيت بعد أيام رسالة مطبوعة مختصرة من بارزاني وصلتني عبر الفاكس أدناه نصها:
«الأخ العزيز كامران قره داغي المحترم
تسلّمت رسالتكم ولا أخفي عليكم إعجابي بمضمونها وارتياحي من ملاحظاتكم القيّمة وأستطيع أن أقول بأنني لم أجد في الرسالة نقطة واحدة تتعارض مع توجهاتنا.
لقد اعتبرناها وثيقة مهمة ودُرست في اجتماع المكتب السياسي وتم تقييمها بإيجابية عالية.
مع فائق التقدير
أخوكم مسعود بارزاني في 13-12-1993».
وسيمر أكثر من خمسة أعوام أخرى بعد اندلاع القتال - الذي كان قد توقف نهائياً وفقاً لاتفاق بين الحزبين برعاية أميركية في 1998، قبل أن يقول لي «مام جلال» عندما التقيته أثناء زيارة له إلى لندن في منزل عديله الدكتور لطيف رشيد، وكان ثلاثة أو أربعة أشخاص قريبين منه حاضرين في الغرفة بينهم الدكتور فؤاد معصوم «كاك كامران... أعترف بأن رأيك في خصوص تركيا والـ(بي كي كي) كان صحيحاً».
- سنوات الاقتتال في كردستان
في عملي الإعلامي كنت أعد أخباراً وتقارير عن تطورات الاقتتال الداخلي معتمداً على معلومات أحصل عليها عبر اتصالاتي مع مصادر كثيرة في كردستان من أصدقاء ومعارف الحزبين الرئيسيين وصحافيين كرد وأجانب، في مقدمهم الدكتور أحمد الجلبي الذي كان من أهم مصادري، وكان وقتها يقوم بدور الوساطة بين الحزبين ولا يتردد في التوجه إلى مناطق القتال للاتصال مع القادة الميدانيين للطرفين معرّضاً أحياناً حياته للخطر وسط تبادل إطلاق النار. كان هو وعدد من مساعديه في المؤتمر الوطني العراقي مفوضين من الطرفين المتقاتلين بالانتقال دون التعرض لهم بين المناطق التي يسيطران عليها. وكنت أُسهم بين حين وآخر في كتابة عمود رأي كنت أنتقد فيه بشدة الحزبين المتصارعين، وكان ذلك يغضبهما وغالباً ما كان ممثلوهما، وأكثرهم أصدقاء، يتصلون بي للتعبير عن استيائهم من كتاباتي وحتى من كشفي معلومات تزعجهما كنت أحصل عليها من أطراف ثالثة. على الرغم من اندلاع القتال استمر برلمان كردستان في عقد جلساته برئاسة الراحل جوهر نامق القيادي في «الديمقراطي الكردستاني» الذي شغل المنصب فيما كان منصب رئيس وزراء الإدارة الموحدة يشغله الدكتور فؤاد معصوم القيادي في «الوطني الكردستاني»، وفقاً لاتفاق المناصفة. لكن قيادة الحزب الأخير أعلنت أن النواب المنتمين إليه أحرار في حضور أم عدم حضور جلسات البرلمان، فقرر عدد قليل منهم الحضور، بينما كانت الغالبية من الحضور من أعضاء الحزب الأول. ويُشار هنا إلى أن نواباً من الحزبين تركوا مقاعد البرلمان ليرتدوا زي البيشمركة والتحقوا بمقاتلي حزبيهما. لاحقاً عندما سيطرت قوات «الديمقراطي الكردستاني» على أربيل، اعتُقل معصوم وظلّ محتجزاً نحو ثلاثة أسابيع، ثم رفع الحجز عنه فغادر أربيل إلى السليمانية. وعندما سألته، بعد سنوات، عن فترة احتجازه، قال، إنه لم يكن مسجوناً، بل محجوزاً في بيت وعومل باحترام. في الأثناء، انتشرت إشاعات بأن السيدة هيرو إبراهيم أحمد، زوجة الراحل جلال طالباني، اعتُقلت أيضاً. طالباني شخصياً أبلغني بأنها معتقلة لدى «الديمقراطي الكردستاني». وتعليقاً على انتقادي بإيصال الوضع إلى حد الاقتتال، رد عليّ بعصبية: لماذا لا تنتقد بارزاني الذي سمح باعتقال هيرو؟ في مساء ذلك اليوم استطعت الاتصال شخصياً ببارزاني وأبلغته أن طالباني قلق جداً بسبب اعتقال زوجته من قبل حزبه، فنفى اعتقالها. وتبيّن فعلاً أنها لم تُعتقل واستطاعت مع بدء القتال أن تغادر إلى السليمانية.
- مؤتمر باريس
مع تصعيد الحملات الإعلامية بين الحزبين واستمرار القتال، ازداد قلق الكرد وأصدقائهم وأطراف دولية معنية بالاستقرار في المنطقة الكردية، حيث كانت هذه الأطراف تنفذ مشاريع لإعادة البناء، إضافة إلى تقديم المساعدات الإنسانية. بدأت جهود من أجل إنهاء القتال وإعادة السلام بادر إليها كتّاب ومثقفون ورجال أعمال في أوروبا وأميركا أيضاً. شخصياً حضرت اجتماعين في لندن مع فريق ضم السياسي البارز الدكتور محمود عثمان ورجل الأعمال دارا عطار والأكاديمي القانوني الدكتور نوري طالباني والناشط البارز في أميركا الراحل الدكتور نجم الدين كريم. في كردستان نفسها، انطلق حراك بادر إليه مثقفون غير حزبيين وآخرون من أنصار الحزبين في أربيل والسليمانية، قاده كتّاب وصحافيون وأكاديميون، وذلك في إطار الضغط على الطرفين المتصارعين لإنهاء القتال. أدت الضغوط الخارجية والداخلية، التي لعب أحمد الجلبي دوراً ملموساً فيها، إلى اتفاق بين الحزبين على وقف النار كان عبارة عن هدنة هشة جرت خلالها جهود لإحلال السلام وتفعيل الإدارة الموحدة. في إطار تلك الجهود عُقد في باريس، في منتصف يوليو (تموز) 1994، لقاءً بين حزبي طالباني وبارزاني بمبادرة من السيدة الفرنسية الأولى دانيال ميتران والمعهد الكردي في باريس الذي كان وما زال يرأسه الشخصية الكردية التركية كيندال نيزان، وشارك فيه ممثلون عن وزارة الخارجية التركية. وعلى رغم آمال عقدها كثيرون في كردستان، فإن اللقاء لم يسفر عملياً عن اتفاق جدي بين الطرفين. وكنت وجّهت في 11 يوليو 1994 رسالة إلى أعضاء الوفدين الكرديين الذين كنت أعرفهم ويعرفونني شخصياً ضمنتها اقتراحات لتحقيق اتفاق دائم يعيد الأمن والاستقرار إلى كردستان وتؤدي إلى حكم يعتمد الديمقراطية والتعددية والفصل بين السلطات وفرض سلطة القانون. كانت اقتراحاتي في الواقع نوعاً من التمنيات المفرطة في التفاؤل. هنا فقرات من الرسالة التي علمت أن أعضاء الوفدين تلقوا نسخاً منها:
«اقتراحي الأول كان يدعو إلى الفصل الكامل بين الأحزاب والسلطة وقلت إن هذا يعني: «1) المحاكم، لا الأحزاب، هي التي تحاكم، 2) البرلمان، لا الأحزاب، هو الذي يقرر السياسات ويراقب تنفيذها، 3) الحكومة، لا الأحزاب، هي التي تنفذ».
إلى ذلك، اقترحت التحضير لإجراء انتخابات جديدة خلال مدة أقصاها عام واحد على أساس المناطق وليس التمثيل النسبي. تماديت في التمنيات باقتراح آخر يدعو بارزاني وطالباني إلى أن يقتصر دورهما على زعامة حزبيهما ورسم السياسات، على أن تخضع قوات البيشمركة إلى سلطة الحكومة حصراً. كذلك تضمنت رسالتي اقتراحات على صعيد عمل المؤسسات الحكومية وتوفير الخدمات وتحسين ظروف المعيشة للسكان ومكافحة الفساد، وهي مشاكل رئيسية ما زال إقليم كردستان يواجهها. وفي إشارة إلى تخريب العلاقات بين الحزبين، كتبت «كفّوا عن الحملات الإعلامية السرية والعملية لكن شجعوا الانتقاد البنّاء، بما في ذلك الموجّه إلى زعيمي الحزبين وأعضاء الحكومة والبرلمان، في الصحافة والتلفزيون والإذاعة ولا تعصموا زعماءكم عن الخطأ، وعلّموا الشعب العلانية والصراحة والانتقاد». كذلك كتبت «كفّوا عن التجسس بين الأحزاب والتآمر بعضكم ضد بعضكم الآخر»، و«اشرحوا للناس أن الكيان الكردي هو مشروع مشترك بينهم والقيادات الكردية وليس قائماً على مبدأ العلاقة بين حاكم ومحكوم». وعلى صعيد مشروع الدولة، كتبت «قولوا إنكم عراقيون وابنوا سلطتكم بموجب نصيحة الإمام علي: اعمل ليومك واعمل لغدك. من فضائل هذا الطرح أنكم لا تظهرون بوصفكم الطرف الانفصالي فتستعدون عليكم بعضَ من يمكن أن يكونوا حلفاءكم من العراقيين وسائر العرب. ولهذا الطرح فضيلة أخرى هي إبقاء المجتمع مشدوداً إلى فكرة الدولة حتى ولو كانت دولة سيئة. من دون هذا الانشداد (وفي ظل التجربة شبه الدولتية الكردية اقتصادياً وتكوينياً) لا يجد الكرد ما ينشدّون إليه غير الولاءات القرابية والعشائرية. حتى التنظيم السياسي، في هذه الحال، لا يعدو عن كونه وعاءً عصرياً لهذه الولاءات». كذلك حذّرت من آيديولوجيات غير واقعية، تحديداً آيديولوجية «كردستان الكبرى» التي اعتبرت أنها في تلك الظروف (وحتى الآن كما أثبتت تجربة استفتاء الاستقلال في 2017)، أنها «تباعد بينكم وفهم العالم المعاصر. فهذا العالم لا يحب كثيراً الكلام العاصف عن تغيير الخرائط (وهذا ما يبرهن عليه خصوصاً الواقع منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي وما سمّي يوماً بالمعسكر الاشتراكي). بدلاً من ذلك، أكّدوا على همومكم الملحة في كردستان العراق والتطور يجب أن يأتي طبيعياً. انظروا إلى العرب الذين جرّبوا جميع أنواع الوحدة: تقدمية – تقدمية وتقدمية – رجعية ورجعية – رجعية وإلى غير ذلك، وكلها فشلت لأنها تقوم على آيديولوجية الفكرة القومية الكبرى. لم تنجح سوى الوحدة الخليجية (مجلس التعاون الخليجي) لأنها قامت على المصلحة العملية البحت)». في الإطار، شجّعت على مد الجسور في اتجاه دول الخليج البعيدة عن التعامل مع الآخرين على أساس آيديولوجي «ضاعفوا جهودكم من أجل إقامة علاقات مع الدول الخليجية. لا تيأسوا من الفشل مرة ومرتين وأكثر. واصلوا المحاولات على رغم كل شيء. فالمبدأ الذي يجب أن تؤمنوا به هو أننا في حاجة إلى العالم والأصدقاء والحلفاء وليس العكس. لا شيء يأتي من تلقاء نفسه. إنها قضيتكم وليست قضيتهم، وعليكم أن تقنعوهم بأن دعم قضيتنا هو في مصلحتهم».
- بوب يخدع الكرد
في مطلع 1995، تسلّم روبرت بايير، الذي اشتهر بين الكرد باسمه المختصر «بوب»، مهمة محطة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في كردستان، للتنسيق مع الجماعات العراقية المعارضة لنظام صدام حسين، وأقام مع فريقه في منتجع بيرمام (صلاح الدين). عمل «بوب» في الـ«سي آي إيه» 21 عاماً (1976 - 1997)، قبل أن يترك الجهاز ويمتهن الكتابة والتدريس الجامعي. طوال بقائه في كردستان، سعى بوب دون جدوى إلى إقناع إدارة الرئيس الأميركي وقتها بيل كلينتون بدعم خطة لإطاحة صدام. لاحقاً، استدعي بوب إلى واشنطن، حيث حققت معه وكالة التحقيقات الفيدرالية لتخطيطه لاغتيال صدام حسين من قبل ضباط عراقيين في الجيش، وهي عملية كشفتها الأجهزة الأمنية العراقية التي استطاعت اختراق المجموعة المتآمرة.
على صعيد آخر، كانت خطة بوب تقوم على دعم أميركي لمجموعة من قوات متعاونة في الجيش العراقي وأخرى تابعة للمؤتمر الوطني العراقي والبيشمركة، خصوصاً التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، لإطاحة صدام حسين. لكن رفض إدارة كلينتون دعم خطته لم يحبط عزمه على تنفيذها بشن هجوم على قوات عراقية عبر خطوط وقف النار بين الكرد وبغداد، واستمر في تقديم خطته على أنها مدعومة من واشنطن. وبحسب روايات سمعتها من شخصيات، منهم الراحلان جلال طالباني وأحمد الجلبي وهوشيار زيباري، كان الاعتقاد في البداية، أن بوب مفوض من واشنطن المفترض، بحسب بوب، أن تقدّم دعماً جوياً يتزامن مع هجوم تشنه قوات مشتركة للحزبين والمؤتمر الوطني العراقي ضد القوات العراقية. أضاف طالباني، في روايته لي، أن اجتماعاً مشتركاً لممثلي المكتبين السياسيين تم فيه الاستماع إلى بوب شخصياً، وإثر ذلك تم الاتفاق على حشد قوات من بيشمركة الحزبين لشن الهجوم. ما حدث بعد ذلك أن الحزب الديمقراطي الكردستاني قرر فجأة، قبل ساعة الصفر، الانسحاب وعدم المشاركة في الخطة. أكد لي هذه الرواية الراحل أحمد الجلبي أيضاً. ومن دون الدخول في تفاصيل القصة وتداعياتها، أكتب فقط ما أعرفه وسمعته من شخصيات مشاركة في تلك الأحداث. وقتها، وكما سمعت من «كاك هوشيار» الذي كان آنذاك مسؤولاً عن العلاقات الخارجية لحزبه ومقيما في واشنطن، أنه أدرك في ضوء اتصالات أجراها في العاصمة الأميركية أن بوب لم يكن مفوضاً من قبلها. وإثر ذلك، أبلغ زيباري قيادة حزبه بالأمر، فكان قرارها الانسحاب من الخطة.
وزيادة في تأكيد هذه الروايات، أجريت في أثناء كتابة هذه السطور، وتحديداً في 9-6-2021، اتصالاً مع «كاك هوشيار» فأكدها، مضيفاً تفاصيل وافق على نشرها. قال، إن بوب زار وقتها مسعود بارزاني ليشرح له خطة إطاحة صدام حسين ومفادها شن هجوم من كردستان على مواقع للقوات العراقية ليتزامن ذلك مع تحرك لقوات عراقية متعاونة في الداخل تستخدم الدبابات للهجوم على القوات الموالية لصدام، في حين يقوم الطيران الأميركي بقصف دبابات القوات الموالية لصدام. ورداً على سؤال بارزاني كيف ستميّز الطائرات الأميركية بين الدبابات الصديقة والدبابات المعادية، قال بوب، إن الأولى ستستخدم لوناً مختلفاً لتمييزها. زيباري أشار أيضاً إلى أن الجلبي واللواء وقتها وفيق السامرائي، الذي شغل منصب نائب رئيس الاستخبارات العسكرية في العراق وفرّ مع عائلته لاحقاً بمساعدة الكرد إلى كردستان وانضم إلى المعارضة العراقية، كانا أكدا أيضاً أن قوات عراقية في الداخل متعاونة ومستعدة للتحرك ضد صدام. تابع زيباري أن بوب، بعدما عرض خطته على بارزاني، أكد ضرورة الحفاظ على السرية وشدد تحديداً على عدم «إبلاغ هوشيار بالأمر». وزاد زيباري، أن طلب بوب الغريب أثار شكوك بارزاني. وما أن غادر بوب حتى «اتصل بي بارزاني وروى ما قاله بوب وطلب مني أن أجري اتصالات مع الجهات المعنية في البيت الأبيض والبنتاغون والخارجية لمعرفة الحقيقة. إثر ذلك اتصلت بشخصية في فريق مجلس الأمن القومي، فقال، إنه سيستفسر ويعود إليّ. وبالفعل بعد نحو ساعتين تسلّمت رسالة مكتوبة مختصرة في سطور قليلة باسم أنتوني ليك الذي كان وقتها مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس كلينتون مفادها أن الإدارة الأميركية لا علاقة لها بالموضوع وأن أي تحرك في هذا الإطار تتحمل مسؤوليته الجهات التي تقوم به وليست مسؤولية الإدارة الأميركية. أضاف زيباري، أنه «في ضوء هذا التطور اتصلت بكاك مسعود وأبلغته برسالة ليك التي علمت لاحقاً أنها أُرسلت إلى طالباني والجلبي أيضاً. إثر ذلك، اتخذ كاك مسعود قراره بالانسحاب من العملية».
لكن ذلك لم يثنِ قيادة «الوطني الكردستاني» عن المضي في تنفيذ الخطة. وبالفعل قامت مجموعة من قواته بقيادة كوسرت رسول علي وقوات المؤتمر الوطني بالهجوم على مواقع الجيش العراقي. لم تستغرق المواجهة وقتاً طويلاً، قبل أن تنتهي بهزيمة هذه القوات واستسلام أو أسر عدد من الجنود. وطبعاً لم تتحرك أي قوات «صديقة» داخل العراق لإطاحة صدام. وذات صباح في أحد أيام فبراير (شباط) 1995، كنت في مكتبي في الجريدة عندما تلقيت اتصالاً من الجلبي الذي كان يستخدم جهاز «ثريا». قال مبتهجاً إنه يكلمني من مواقع تمت السيطرة عليها قبل قليل تابعة للجيش العراقي عبر خط وقف النار، وإن ضباطاً ونحو 600 جندي استسلموا إثر مواجهة لم تبدِ القوات العراقية خلالها مقاومة تُذكر. وتابع، أن «كاك كوسرت» يقف إلى جانبه، فأعطاه جهاز الهاتف ليتكلم معي. أكد «كاك كوسرت» لي ما قاله الجلبي، مضيفاً أن المعركة حُسمت بسرعة وأظهرت انهيار معنويات القوات العراقية. سألته ماذا بعد ذلك، فقال، إنهم لم يقرروا بعد. وقتها نشرت الخبر وأشرت فيه إلى الاتصال الذي تلقيته من الجلبي وكوسرت. العملية لم تستمر، وعاد الطرفان لاحقاً إلى مواقعهما السابقة. وهكذا انتهت مغامرة بوب العميل «المارق» للاستخبارات المركزية الأميركية!


مقالات ذات صلة

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

كتب هما كاتوزيان

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية...

ندى حطيط
كتب معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا

رشا أحمد (القاهرة)
كتب رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان
TT

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت إلى ثورة عام 1979 عبر منظور يربط بين هشاشة البنى المؤسسية والنزوع السلطوي المتعاقب، متجاوزاً الطرح الاختزالي الذي يرى في أحداث تلك الحقبة مجرد صعود فجائي للتيار الديني، ليُقدِّم بدلاً من ذلك أطروحةً سوسيولوجيةً ونفسيةً معقدةً تبحث في جذور الانقطاع التاريخي والمفهوم المثير للجدل الذي يسميه «المجتمع قصير المدى».

تُستمَد القوة النظرية للكتاب من التقاطه الأوهام البنيوية المشتركة بين الأنظمة الشمولية المختلفة، مبيناً كيف تلتقي راديكالية الدولة مع الراديكالية الآيديولوجية المعارضة في نقطة إنكار الواقع المجتمعي، ومبرزاً التناقض الجوهري بين رغبة السلطات المتعاقبة في الضبط المطلق، ونزوع المجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري.

يتتبع كاتوزيان بكفاءة عالية، وعبر لغة تجمع بين التجريد الفلسفي والتوثيق التاريخي، فترات التَّحوُّل الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث بدءاً من سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بالانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى اللحظة الشمولية - المستمرة - التي توجت أحداث السبعينات.

وفي تفكيكه لـ«الثورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُحدِّد المفارقة في أنَّ التحديث المادي المفروض من الأعلى، والمتمثِّل في شَقِّ الطرق وبناء الجامعات وتطوير الجيش، واكبه تجريفٌ كاملٌ للمؤسسات السياسية القادرة على استيعاب التعددية، وهضم قنوات التعبير الشرعية.

ينكشف للمتأمل في فصول الكتاب منطق التفسير الفلسفي لظاهرة الاستبداد، حيث يؤصل لفكرة أنَّ السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها السريع بفعل العزلة النفسية التي تفرضها على الحاكم، ويصف كيف أدَّى سلوك الدولة البهلوية القائم على التسيير الأحادي والاعتماد على جهاز «السافاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بين الحكم والناس، لدرجة جعلت المجتمع يرفض الاعتراف بأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة.

يتيح هذا المنظور للقارئ فهم الثورة في 1979 بوصفها انفجاراً مجتمعياً شاملاً شاركت فيه القوى الليبرالية واليسارية والقومية جنباً إلى جنب مع رجال الدين، حيث توحَّدت هذه الأطياف المتناقضة على هدف هدم البنية القائمة، غافلة في الوقت ذاته عن طبيعة البديل المقبل ومآلات التمرُّد الأعزل عن الوعي المؤسسي.

يتجلى عمق التحليل عند مناقشة التداعيات الدولية والإقليمية التي أعقبت لحظة التحول الشاملة، خصوصاً حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية التي يصفها المؤلف بالحدث الكارثي الذي دفع بالبلاد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز من قبضة الراديكالية الدينية في الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بها السلطة الجديدة هذا المناخ الاستثنائي، مضافاً إليه ظرف الحرب الطويلة مع العراق، لفرض عملية أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير المؤسسات من العناصر غير المتماهية مع الآيديولوجيا الرسمية.

هذه القراءة الفلسفية لطبيعة السلطة الثورية تكشف كيف يتحوَّل التمرد على الطغيان، في غياب أطر قانونية راسخة، إلى صياغة طغيان جديد يستعير أدوات القمع السابقة ويغلفها بقداسة غيبية، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بمسوغات ميتافيزيقية أشد وطأة على الوعي الفردي والجمعي.

تتبدى في المقابل جوانب ضعف منهجية واضحة تحد من قدرة هذا العمل على تقديم دليل موضوعي مطلق لفهم الراهن الإيراني. إذ يسقط المؤلف في فخ الانحياز الفكري المسبق عند معالجته السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية، حيث يتجلى في ثنايا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن تعثر المساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق الأوسط، مغفلاً الدور البنيوي للآيديولوجيا التوسعية للنظام نفسه. هذا الخلل في التوازن التحليلي يضعف من رصانة الأطروحة الفلسفية حول المسؤولية السياسية والمجتمعية، ويجعل القراءة السياسية للأحداث الأخيرة تبدو مفتقرة إلى الحياد الأكاديمي الصارم، متغافلة عن حقيقة أن التطرف يغذي بعضه بعضاً في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والصراع على مجالات النفوذ الحيوي.

يؤخذ على الكتاب كذلك وقوعه في التعميم التاريخي المفرط من خلال تمديد مفهوم «المجتمع قصير المدى» - وهي النظرية التي يستخدمها المؤلف لوصف تكرار هدم البناء المؤسسي بالكامل، ثم إعادة تشييده من جديد على نحو يمنع تراكم الإنجاز القومي - ليشمل فترات التحول الكبرى كافة في إیران. وبينما يبدو هذا المفهوم فلسفياً وجذاباً من الناحية النظرية، فإنَّه يتناسى الخصائص الفريدة والتعقيدات السوسيولوجية التي ميَّزت كل حقبة على حدة، كاختلاف الديناميات بين الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906 وثورة 1979. يضاف إلى ذلك اختزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الوجدان الشعبي الثائر، والتركيز الزائد على سردية المجموعات السياسية الهامشية بدلاً من تشريح اللحظة الثورية ذاتها.

مع ذلك، كتاب كاتوزيان وثيقة فكرية بالغة الأهمية تحفز على التفكير النقدي في مصائر الأمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي والأصالة المنغلقة، وبين المطرقة والسندان في صراع الآيديولوجيات المتطرفة.

وينجح العمل في إثبات أنَّ الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد من رحم العقد الاجتماعي الحقيقي، ويستحيل تصنيعها عبر القوة العسكرية أو فرضها بواسطة الأجهزة الأمنية. لذلك فالإضافة الأساس لهذي المراجعة التاريخية تكمن في التذكير بأن الصراع المستمر في إيران، والذي يتجسد في الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحركات الرفض المتصاعدة، هو في جوهره كفاح طويل من أجل استعادة المجتمع صوته الذاتي، وإجبار الدولة على الخضوع لمنطق المساءلة الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أوهام الخلاص الثوري الزائف.


معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»
TT

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الذي يبوح بقلقه وأحلامه، والإنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة لا عاطفة عابرة.

الكتاب الصادر عام 2025 عن «دار كنعان» للدراسات والنشر في دمشق، في 512 صفحة، يفتح نافذة على جانب وجداني وفني من شخصية المخرج والممثل الراحل حاتم علي، الذي عرفه الجمهور من خلف الكاميرا بهندسته المتقنة للمشهد، وأمامها ممثلاً، فيما تكشف رسائله إلى الكاتبة السورية دلع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة المسرح والدراما والقضية.

وتقوم خصوصية الكتاب على أنه لا يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم ملامح سيرة غير اعتيادية لفنان في بداياته، قبل أن يعرفه الجمهور مخرجاً لأعمال تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، ففي هذه الرسائل يظهر حاتم علي شاباً في مقتبل العمر، منشغلاً بتدريبات المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، يكتب إلى دلع الرحبي لا ليحكي تفاصيل يومه فحسب، بل ليشاركها خطواته الأولى في الطريق إلى الفن.

وتبدو دلع الرحبي في هذه الرسائل شريكة فكر وحلم، تتلقى الحب بعقل الكاتبة المثقفة وقلب العاشقة، وتتابع ما يصنع خلف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومن هنا يتحول البوح الشخصي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بدأ وعي حاتم علي يتشكل من المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحداً من أبرز صناع الدراما السورية.

كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال سليمان، الصديق المقرب للعائلة، مشيراً إلى أن «الكتاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بين حاتم علي ودلع الرحبي، لا تتكون من فصل أو فصلين كما جرت العادة، بل من أربعة فصول، تعود إلى البدايات في المعهد العالي للفنون المسرحية وصولاً إلى مرحلة الزواج».

واعتبر سليمان أن الكتاب هو النقطة الأخيرة في مرحلة «أدب الرسائل» التي امتدت لمئات السنين، آخذاً القارئ في رحلة إلى زمن يمزج بين الشأن الشخصي والمسرحي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله».

تأخذ رسائل حاتم علي بعداً وجدانياً وفنياً؛ إذ يعبّر فيها عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة السريعة، ليبدو أقرب إلى مشروع حياة قائم على المشاركة والثقة، وقد مزج فيها بين حساسية الفنان الشاب، ولغة المتأمل، ووعي المبدع الذي يدرك أن الفن لا ينفصل عن التجربة الإنسانية.

وتكتسب الرسائل أهميتها أيضاً لأنها كتبت بخط اليد، قبل أن تغزو وسائل الاتصال الحديثة علاقات الناس ومشاعرهم، لذلك تحمل صفحاتها متعة الانتظار، ورائحة الورق، ودفء اليد التي كتبت، في امتداد لسلسلة «أدب الرسائل» التي عرفتها الثقافة العربية، من رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وغيرهما.

من خلال الرسائل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة المسرح منطلقاً أول لصقل موهبته في الإخراج والتمثيل، وركيزة لصناعة مخرج قدّم لاحقاً أعمالاً درامية خالدة في الدراما السورية الاجتماعية، وعكست صورة العائلة بكل دفئها.

كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مع تأثر علي برسائل غسان كنفاني، ومعايشته لبيئة المخيمات الفلسطينية في دمشق، وهو ما يفسر الزخم الإنساني والفني الذي ظهر لاحقاً في إخراجه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل الأيقوني الذي حمل ألم التهجير وضياع الهوية والحنين إلى الوطن، ونقل الوجدان العربي إلى مدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطين.

صحيح أن الكتاب رسائل حب، لكنه في الوقت نفسه يسرد سيرة فنان من خطواته الأولى، قبل أن يعرف العالم ذلك المخرج المبدع، فهو يصور الاجتهاد والعمل والقلق والأحلام.