مجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»

تعلي من قيم التنوير وترسم الخطوط العريضة لفقه الأنوار

جامعة ستراسبورغ بفرنسا
جامعة ستراسبورغ بفرنسا
TT

مجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»

جامعة ستراسبورغ بفرنسا
جامعة ستراسبورغ بفرنسا

أعترف بأني أمضيت أوقاتاً ممتعة مع العدد الثامن من هذه المجلة الباريسية التجديدية الرصينة، التي أصبحت راسخة الآن بعد كل ما قدمته في أعدادها السابقة. وهي مجلة فصلية تصدر عن «رابطة الإسلام في القرن الحادي والعشرين» التي تعقد مؤتمرات دورية في قصر «اليونيسكو» بباريس، ويشارك فيها عشرات المثقفين العرب والمسلمين والفرنسيين.
وتهدف هذه الرابطة الطموحة إلى التوصل إلى فهم ليبرالي وحداثي تنويري للإسلام. نقصد الفهم الذي يخرجنا من ظلمات العصور الوسطى، ويكون لائقاً بالقرن الحادي والعشرين وروح الأزمنة الحديثة. وهذا أحوج ما نكون إليه اليوم بعد كل هذا الانتشار المخيف للحركات الأصولية والظلامية المتزمتة التي أصبحت عبئاً علينا وعلى العالم بأسره. وبالتالي فالمعركة الكبرى الجارية حالياً في العالم العربي والإسلامي كله هي أولاً معركة فكرية قبل أن تكون سياسية. ذلك لأن الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. وإذا ما ربحنا هذه المعركة التنويرية فكرياً فسوف نربحها سياسياً حتماً في مرحلة لاحقة. عندئذ سوف يندلع الربيع العربي الحقيقي!
يدشن العدد البروفسور فرنسيس ميسنير، الأستاذ في جامعة ستراسبورغ بفرنسا، مقدماً مداخلة مهمة ومضيئة حقاً. إنه يتحدث لنا عن حصول ثورة معرفية في أوروبا فيما يخص الإسلام. فقد ابتدأت الدول الأوروبية تدرك أهمية هذا الدين العظيم. نقول ذلك وبخاصة أنها تحتوي على جاليات إسلامية ضخمة تعد بالملايين، وأغلبية جالياتنا متنورة ومتعايشة بشكل سلمي مع هذه المجتمعات الأوروبية العلمانية الحداثية. ولكن ينبغي الاعتراف بأنه توجد في داخلها أقليات كبيرة مضادة للفهم الأنواري للإسلام، وخاضعة للفهم التكفيري الظلامي القديم. وبالتالي فالمعركة التنويرية الكبرى التي يخوضها المثقفون والمثقفات في العالم العربي تدور رحاها أيضاً على أرض القارة الأوروبية ذاتها. وهذه ظاهرة ما كانت معروفة سابقاً قبل عشر سنوات أو عشرين سنة. وهذا يعني أن الأصولية الإسلامية أصبحت مشكلة عالمية، ولم تعد محصورة بالنطاق العربي أو الإسلامي.
لهذا السبب، يشرح لنا الباحث الكبير كيفية إنشاء كليات حديثة في مختلف الجامعات الأوروبية، بغية تعليم الدين الإسلامي بطريقة علمية تحترم عقول البشر، لا بطريقة تقليدية خرافية عفا عليها الزمن. وهي على غرار كليات اللاهوت الكاثوليكية والبروتستانتية العريقة التي تعلم الدين المسيحي بطريقة حديثة منذ زمن طويل. والآن جاء دور الإسلام؛ فما يعيشه اليوم عاشوه هم في القرون الماضية؛ حيث كان الصراع مندلعاً بين الفهم التنويري للدين المسيحي والفهم الظلامي القديم الراسخ الجذور.
ولهذا السبب، يقول لنا البروفسور فرنسيس ميسنير بأن الصراع على تعليم الدين المسيحي في فرنسا كان عنيفاً جداً إبان القرن التاسع عشر. وقد بلغ ذروته نحو عام 1885. وبالتالي فتجربة الفرنسيين مع الأصولية التكفيرية قديمة، وقد حلُّوها عن طريق التعليم التنويري اللاطائفي للدين. ولكن بعد أن حلُّوا مشكلتهم مع أصوليتهم الدينية أصبحوا الآن يواجهون أصولية أخرى. ولهذا السبب فإنهم يلحون على ضرورة تدريس التراث الإسلامي بطريقة علمانية عقلانية، كما فعلوا مع التراث المسيحي سابقاً. فهذه هي الطريقة الأنجع لحل مشكلة التطرف والإكراه في الدين. وقد نجحت معهم التجربة سابقاً، فلماذا لا تنجح معهم حاليا؟ وهم يقصدون بالمنهجية الحديثة الدراسة العقلانية للأديان أو للعقائد الدينية. إنهم يقصدون تدريس الدين بشكل تنويري متسامح، لا طائفي ولا مذهبي متعصب. وهذا ما يرفضه الأصوليون المنغلقون على أنفسهم داخل الدوغمائيات العقائدية المتحجرة.
كما يقصدون دراسة الدين من وجهة نظر فلسفية معمقة، كما فعل كانط وفولتير وجان جاك روسو وهيغل وماركس ونيتشه، وكبار فلاسفة التنوير الآخرين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وكما فعل بيرغسون وبول ريكور وهانز كونغ وعشرات غيرهم في القرن العشرين. هذا ما ينقصنا في العالم الإسلامي بشكل موجع الآن. تنقصنا الدراسة الفلسفية المعمقة للتراث الإسلامي الكبير.
باختصار شديد: إن الأمر يتعلق بطفرة أبيستمولوجية في ساحة الدراسات الإسلامية. إنها ثورة معرفية كبرى تحصل تحت أعيننا اليوم ولكن في أوروبا فقط للأسف الشديد. فمتى ستنتقل أنوارها إلى عالمنا العربي والإسلامي المعني الأول والأساسي بالمشكلة؟ الله أعلم. كل شيء بوقته. لا تستعجلوا ولا تستبقوا الأمور. المشكلة كبيرة أيها السادة؛ بل أكثر من كبيرة. أكاد أقول بأنها مشكلة تقصم الظهر. من يستطيع أن يواجه تراثه المقدس وجهاً لوجه وعيناً بعين؟ من يستطيع أن يدرسه بطريقة عقلانية، فلسفية، مضيئة؟ من يستطيع أن يخرج من ظلاميات القرون؟ أكاد أقول: من يستطيع أن يخرج من جلده؟ هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الأمة حالياً؛ بل ليس حالياً فقط، وإنما منذ الآن وحتى خمسين سنة قادمة! هنا تكمن بالضبط معركة الجهاد الأكبر التي نسيناها كلياً بسبب انشغالنا بالجهاد الأصغر فقط.
على أي حال، لهذا السبب دشنوا مؤخراً المعهد الفرنسي للدراسات الإسلامية، في فرنسا، بتاريخ 2 فبراير (شباط) 2022. ووضعوا على رأس هذا المعهد الكبير الدكتورة سعاد عيادة. وحسناً فعلوا. فهي فيلسوفة معروفة، ومن أصول إسلامية مغربية قحة. وهي بالمناسبة زوجة الفيلسوف كريستيان جامبيه المختص الكبير بالفلسفة الإسلامية.
والآن دعونا ننتقل إلى المبحث الثاني من هذا العدد القيم لمجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»، وقد كتبته الباحثة الجزائرية والفيلسوفة المعروفة رزيقة عدناني، المهتمة جداً بإصلاح الفكر الديني في الجزائر والعالم الإسلامي كله. وبما أنها جزائرية فقد شهدت بأم عينيها طيلة العشرية السوداء (1990- 2000) الدمار الهائل المرعب الناتج عن الفهم الأصولي الظلامي للإسلام وحركاته المتطرفة العمياء. وبالتالي فهي تعرف عم تتحدث بالضبط. عنوان بحثها: «كيف يمكن أن يتعايش المسلمون مع بعضهم البعض؟»، ثم كيف يمكن أن نفهم الآن هذه العبارة الشهيرة في تاريخ الإسلام: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وهي عبارة قرآنية بامتياز. ترى الباحثة أنه يحق لنا؛ بل يجب علينا، أن نطبق هذا المبدأ الأخلاقي الرفيع على أنفسنا، ولكن لا يحق لنا أن نلاحق الآخرين ونتحول إلى بوليس ديني يراقبهم في كل حركاتهم وسكناتهم. فالقرآن الكريم لم يأمر بذلك، ولكن أمر به الفقهاء بالدرجة الأولى. القرآن يترك لك هامشاً من الحرية وهم لا يتركون. إنهم يراقبونك في كل شاردة وواردة، ويتحولون إلى بوليس فوق البوليس، أو إلى «شرطة أخلاق» كما حصل في إيران مؤخراً مع فاجعة الشابة البريئة مهسا أميني. لماذا شرطة أخلاق يا أخي؟ هل الأخلاق بحاجة إلى شرطة؟ إذا لم تكن مستبطنة في الداخل من قبل الإنسان أو الإنسانة فلا تساوي قشرة بصلة، حتى ولو لبست ألف حجاب!
تقول لنا الدكتورة رزيقة عدناني بأن القرآن الكريم لم يطالب بملاحقة الآخرين، بدليل هذه الآية الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون» (المائدة: 105). بمعنى: اهتموا بأنفسكم، ولا تحشروا أنفكم بشؤون الآخرين ومراقبتهم وملاحقتهم. ولكن المشكلة هي أن العلامة تقي الدين السيوطي، قال بأن هذه الآية منسوخة. ثم أضاف: «منسوخة ولكن يمكن تلاوتها والتعبد بها»، بمعنى أنه لا يدعو إلى حذفها من القرآن. كثر خيره! يدعو فقط إلى إبطال مفعولها وعدم الأخذ بها. (بين قوسين: لاحظوا أن كل الآيات الكريمة الداعية إلى التسامح والانفتاح على الآخر، واحترام كل العقائد والأديان، والدعوة إلى التعايش السلمي بين الأقوام والشعوب، لا تحظى بإعجاب فقهائنا الأجلاء!).
أعجبني تعليق الفيلسوفة رزيقة عدناني على موقف السيوطي. قالت ما معناه: نحن في القرن الحادي والعشرين نقول العكس تماماً، ولا نعتبر هذه الآية الكريمة منسوخة أبداً؛ لماذا؟ لأنها تناسبنا وتناسب القيم الإنسانية والحضارية للعصور الحديثة. وبالتالي فسوف نعمل بها ونهتدي بهديها.
والآن دعوني أنتقل إلى المداخلة الثالثة والأخيرة التي ختمت العدد كله. وهي للباحثة اللبنانية المعروفة الدكتورة ريتا فرج. وفيها تتحدث عن رائدة من رواد النهضة والاستنارة في لبنان والعالم العربي كله: نظيرة زين الدين. أعترف بأني لم أكن قد سمعت باسمها من قبل قط. ولذلك أفدت كثيراً من قراءة هذا البحث القيم جداً، والمعروض بطريقة منهجية علمية واضحة، على الرغم من كثافة الأفكار والمحاور المطروقة وتشعبها.
لا أستطيع الدخول في التفاصيل، وإلا لكتبت عدة مقالات عن مبحث ريتا فرج. ولكن بالمختصر المفيد يمكن أن نقول ما يلي: كانت هذه الرائدة النسائية الكبيرة قد صدمت المجتمع الإسلامي التقليدي، عندما نشرت كتابها «السفور والحجاب» عام 1928، وهي لا تزال في العشرين من عمرها فقط! وقد رد عليها الشيوخ التقليديون بحدة وهاجموها بعنف، فأصدرت كتاباً ثانياً عام 1929 ترد فيه على هجماتهم، ثم سكتت نهائياً بعد أن أرعبوها. كان عنوانه: «الفتاة والشيوخ». لاحظ، ما أجمل هذا العنوان! هل يمكن للفتاة أن تتحدى الشيوخ؟ هل يمكن للمرأة أن تفتح فمها في مجتمع ذكري بطريركي لاهوتي، يهيمن عليه رجال الدين بشكل مطلق؟ والأخطر من ذلك: هل يمكن أن تفتح فمها فيما يخص الشؤون الدينية؟ شيء لا يكاد يصدق. شيء رائع فعلاً. يمكن القول بأنها كانت سابقة لأوانها كبقية الرواد الكبار. ولكن كفاها فخراً أنها تجرأت على تحدي الفكر الرجعي التقليدي الذي كان مهيمناً على مجتمعاتنا في ذلك الزمان.


مقالات ذات صلة

من محمد علي كلاي إلى جيانكارلو إسبوزيتو... مشاهير أجانب اعتنقوا الإسلام

يوميات الشرق مجموعة من نجوم الفن والرياضة الذين اعتنقوا الإسلام (أ.ف.ب/ نتفليكس/ إنستغرام/ إكس) p-circle 01:39

من محمد علي كلاي إلى جيانكارلو إسبوزيتو... مشاهير أجانب اعتنقوا الإسلام

أشهرَ الممثل الأميركي جيانكرلو إسبوزيتو إسلامه قبل أيام ونطق بالشهادتَين. سبقَه إلى ذلك نجوم كثُر من عالم الفن والرياضة.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا مسلمون يتجمّعون في المسجد الكبير بباريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أثار صدور بيانين مختلفين حول موعد بدء شهر رمضان في فرنسا حالة من الحيرة في أوساط المسلمين. والاختلاف هو إذا كان بداية رمضان يوم الأربعاء أم يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم رجل يصلي في مسجد خلال شهر رمضان (رويترز)

تراجع طفيف في عدد ساعات الصيام خلال رمضان 2026

يتهيأ المسلمون بمختلف أنحاء العالم لإحياء شهر رمضان لعام 2026 في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن عدد ساعات الصيام سيكون هذا العام أقل بقليل من 2025 

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا ميريما أفديتش تحمل العلم الصربي خلال المسيرة (رويترز)

مظاهرة جامعية تمنح الطلاب المسلمين في صربيا شعوراً بالانتماء

كان الانضمام إلى الآلاف في نوفي ساد لحظة مهمة بالنسبة إلى أفديتش؛ وهي طالبة تنتمي إلى أقلية البوشناق المسلمة الصغيرة في صربيا وترتدي ‌الحجاب.

«الشرق الأوسط» (نوفي بازار (صربيا))
أوروبا جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

طلب عميد «المسجد الكبير» في باريس، شمس الدين حفيز، من الأئمة التابعين للمسجد الدعاء لفرنسا في نهاية خطب الجمعة.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الأسد قد يُنقذ البشر من حوادث الطرق

الأسد لا يظهر في الطريق لكن أثره يصل إليه (أ.ب)
الأسد لا يظهر في الطريق لكن أثره يصل إليه (أ.ب)
TT

الأسد قد يُنقذ البشر من حوادث الطرق

الأسد لا يظهر في الطريق لكن أثره يصل إليه (أ.ب)
الأسد لا يظهر في الطريق لكن أثره يصل إليه (أ.ب)

تُرى، هل ثمة فائدة تُرجى من العيش إلى جانب الحيوانات المفترسة في مكان واحد؟ ربما تبدو العيوب واضحة للعيان؛ فأيّ شخص يعيش على مقربة من هذه المخلوقات الشرسة قد يتعرَّض ببساطة للافتراس. وقد يرى علماء البيئة، من جانبهم، أنها فرصة لا تُعوّض لمتابعة جهود حماية الأنواع الحية، أو التأكد من أنّ حيوانات بعينها لا تزال بعيدة عن حافة الانقراض.

لكن فريقاً بحثياً في الولايات المتحدة وجد أنّ الحيوانات المفترسة الكبيرة تنطوي على فائدة مباشرة للبشر، تتمثَّل في المساعدة على الحدّ من حوادث الطرق.

ويقول باحثون من معهد «شركاء علوم حماية الأنواع الحية» في ولاية واشنطن الأميركية، بعد دراسة تأثير وجود الأسود الجبلية في منطقة شبه جزيرة أولمبيك في واشنطن، إنّ وجود هذه الحيوانات المفترسة، وهي فصيلة من السنوريات التي تعيش في أميركا الشمالية، أسهم في تغيير سلوكيات الغزلان والأيائل في المنطقة، على نحو انعكس إيجاباً على معدلات حوادث تصادم السيارات بالحيوانات البرية على الطرق السريعة، وفق الدراسة التي نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن دورية «سيل برس» العلمية المتخصّصة في علوم الأنواع الحيّة.

غابة فيها أسد ليست الغابة نفسها في عيون الغزلان (أ.ب)

من جهته، يقول مدير معهد «شركاء علوم حماية الأنواع الحية»، رئيس فريق الدراسة، جاستن سوراشي، لموقع «بوبولار ساينس» المتخصّص في البحوث العلمية: «وجدنا أنّ الحيوانات المفترسة الكبيرة تجعل الطرق أكثر أماناً، من خلال تأثيرها على سلوكيات الفرائس والمساحات التي تتحرّك في نطاقها في الأماكن البرية».

وأوضح أنّ الغزلان، على سبيل المثال، تُغيّر نطاق تحركها في الغابات، وكذلك أوقات تحركها، في حال وجود الأسود الجبلية، ممّا يقلل مرات مرورها على الطرق السريعة وتحرّكاتها ليلاً، وهو التوقيت الذي تحدث فيه معظم حوادث الطرق الخطيرة.

وأشار إلى أنّ وجود الأسود الجبلية في شبه جزيرة أولمبيك «أدّى إلى الحد من معدلات حوادث تصادم الغزلان بالسيارات بنسبة 76 في المائة، مقارنةً بالأوقات التي تتراجع فيها أعداد الأُسود».

وأضاف: «من هذا المنطلق، فإن الأُسود الجبلية وغيرها من الضواري تُسدي خدمة للأنظمة البيئية في صورة تحسين السلامة على الطرق بالنسبة إلى البشر»، لا سيما أنّ الفريق البحثي وجد أنّ الغزلان تنشط بشكل أكبر خلال ساعات النهار في الأماكن التي تنتشر فيها الأُسود، بدلاً من ساعات الليل التي تكثر فيها حوادث الطرق. كما أنها تقضي مدّةً أطول في بيئتها الطبيعية داخل الغابات، بعيداً عن شبكات الطرق في المناطق المدنية.

ويرى مدير مبادرة «بوما بروغرام فور بانثيرا» المعنية بالحفاظ على الأسود الجبلية، وأحد المشاركين في الدراسة، الباحث مارك إيلبروك، أنّ الأُسود تُسهم بشكل أكبر في الحد من حوادث الطرق عن طريق إخافة الغزلان، وليس افتراسها. وأشار إلى أنه بفضل عامل الخوف، تؤدّي الأُسود الجبلية الدور الإيجابي نفسه الذي تؤدّيه المسارات المخصّصة لعبور الأنواع البرّية، والمعروفة باسم جسور الحياة البرّية في المناطق العمرانية.

واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات كاميرات مزودة بأجهزة استشعار للحركة في 503 مواقع بمختلف أنحاء شبه جزيرة أولمبيك، رُكبت في إطار 7 مشروعات بحثية تُنفذ في أنحاء شبه الجزيرة.

للأسد ظلّ أطول من المسافة التي يمشيها (أ.ب)

وفي إطار هذه المشروعات، ثُبتت الكاميرات على مسافات متساوية، بفاصل يصل إلى 1.1 كيلومتر، وعلى ارتفاع 17 بوصة من سطح الأرض، بما يتيح لها رصد الفصائل المفترسة المتوسّطة إلى الكبيرة.

كما حرص الباحثون على جمع بيانات إضافية من أطواق مجهزة بأجهزة لتحديد المواقع، ثُبتت على الأُسود الجبلية التي تعيش في المنطقة، من يناير (كانون الثاني) 2020 حتى سبتمبر (أيلول) 2022.

وتحتوي قاعدة بيانات المشروع البحثي على معلومات تخصّ 59 حيواناً صُنِّفت بين كبيرة ومتوسّطة الحجم، وقُسّمت وفق أعمارها إلى حيوانات بالغة وشبه بالغة.

وفي إطار الدراسة، جمع الفريق البحثي أيضاً بيانات من هيئة النقل في ولاية واشنطن عن حوادث تصادم السيارات بالحيوانات البرّية في 7 مقاطعات بشبه جزيرة أولمبيك، على مدار 5 سنوات، من يوليو (تموز) 2020 حتى يونيو (حزيران) 2025.

وتبيّن خلال تلك المدّة أنّ غالبية حوادث الطرق تعلّقت بالغزلان، بواقع 1690 حادثة، تلتها الأيائل بـ178 حادثة، ثم حيوانات برّية من فصائل أخرى بـ67 حادثة، ممّا دفع الفريق البحثي إلى التركيز على الحوادث المتعلّقة بالغزلان تحديداً.

ويقول الباحث سوراشي: «أعتقد أنّ أهم النتائج التي أسفرت عنها هذه الدراسة هي إثبات أن التعايش مع الحيوانات المفترسة كبيرة الحجم يعود، على الأرجح، ببعض الفائدة على المجتمعات البشرية في الوقت الحالي، وأن هذه الفوائد قد لا تقتصر على زيادة معدلات السلامة على الطرق».

وأضاف: «تظلّ القيمة الحقيقية لأنشطة الافتراس في أي منطقة سؤالاً مطروحاً، وأعتقد أنها من المسائل التي بدأ مجتمع الحفاظ على الحياة البرّية للتو في النظر إليها واستكشافها».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كاميلا تكشف عن أصعب أيام مرض تشارلز: «أردتُ الكلام ولم أستطع»

كان السرّ مرضاً آخر... لكن بلا علاج (أرشيفية - أ.ف.ب)
كان السرّ مرضاً آخر... لكن بلا علاج (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

كاميلا تكشف عن أصعب أيام مرض تشارلز: «أردتُ الكلام ولم أستطع»

كان السرّ مرضاً آخر... لكن بلا علاج (أرشيفية - أ.ف.ب)
كان السرّ مرضاً آخر... لكن بلا علاج (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحدَّثت ملكة بريطانيا، كاميلا، علناً للمرة الأولى عن مدى صعوبة إبقاء تشخيص إصابة زوجها، الملك تشارلز، بالسرطان سراً في البداية.

وكان قصر بكنغهام قد أعلن، في فبراير (شباط) 2024، أنّ الملك يخضع للعلاج من نوع من السرطان لم يُكشف عنه. ولا يزال يتلقّى العلاج، لكنه صرَّح في ديسمبر (كانون الأول) بأن التشخيص المبكر والتدخّل الفعال أتاحا فرصاً لتقليص مدة العلاج.

وقبل أسبوع من إعلان القصر، زارت كاميلا مركزاً لدعم مرضى السرطان تابعاً لمؤسّسة «ماغي» في أحد مستشفيات لندن. وفي مقطع مصور نُشر نيابة عن المؤسّسة الخيرية، الأربعاء، قالت إنه كان من الصعب عدم التحدث عن مرض زوجها.

ونقلت «رويترز» عن كاميلا قولها للرئيسة التنفيذية لمؤسّسة «ماغي» التي ترأسها الملكة، لورا لي: «أذكر أنني جئت لرؤية مركز تابع لمؤسّسة (ماغي) بعد تشخيص إصابة الملك مباشرة. لم يستطع أحد أن يقول أي شيء في ذلك الوقت، وكان الأمر صعباً جداً».

وتابعت: «كدتُ أقول شيئاً، لكن كما تعلمون، شعرت بأنه ليس الوقت المناسب للحديث. نظرتُ إلى كلّ مَن كان يعاني وإلى جميع العلاقات، وأعتقد أن ذلك جعلني أدرك أكثر مدى أهمية هذه الأماكن».

وأضافت: «كنتُ أتوق بشدّة إلى التعبير عمّا بداخلي، لكن من الواضح أنني لم أستطع».

وفي فيلم أُنتج بمناسبة الذكرى الـ30 لإطلاق المؤسسة، تحدَّثت كاميلا عن رعاية «زوجها المريض»، وكيف كان مصمِّماً على مواصلة العمل.

وقالت: «انظروا إلى زوجي، لم يوقفه شيء... قال ببساطة: هذه هي طريقتي في التعامل مع الأمر».

وذكرت مؤسّسة «ماغي» أنّ الكشف عن خضوع تشارلز وزوجة ابنه كيت، أميرة ويلز، للعلاج من السرطان، واستعدادهما للتحدُّث علناً عن كيفية التعامل مع المرض، كان له تأثير إيجابي كبير في المرضى الآخرين.

وقالت لي: «لا شكَّ أنّ صراحة الملك بشأن تشخيصه ساعدت الآخرين على أن يكونوا أكثر انفتاحاً. والآن، أن نسمع رد فعل الملكة الطبيعي والمفهوم بصفتها زوجة، يسلط الضوء على أهمية حصول العائلة والأصدقاء على الدعم الذي يحتاجون إليه هم أيضاً».


تحسين الإضاءة يقي الأطفال من قِصر النظر

اللعب في الهواء الطلق يقلل خطر إصابة الأطفال بقصر النظر (جامعة يورك)
اللعب في الهواء الطلق يقلل خطر إصابة الأطفال بقصر النظر (جامعة يورك)
TT

تحسين الإضاءة يقي الأطفال من قِصر النظر

اللعب في الهواء الطلق يقلل خطر إصابة الأطفال بقصر النظر (جامعة يورك)
اللعب في الهواء الطلق يقلل خطر إصابة الأطفال بقصر النظر (جامعة يورك)

توصل باحثون بمستشفى سينسيناتي للأطفال وجامعة ألاباما ببرمنغهام بالولايات المتحدة إلى طريقة واعدة قد تسهم في حماية أبصار مئات الملايين من الأطفال حول العالم من قِصر النظر.

وأوضح الباحثون أن تحسين الإضاءة الداخلية قد يساعد على الوقاية من الإصابة بقِصر النظر، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، بدورية (Cell Reports Medicine)ويحدث قِصر النظر عندما تنمو مقلة العين بشكل مفرط من الأمام إلى الخلف، ما يمنع الصور من التركّز مباشرة على شبكية العين، فتظهر الأجسام البعيدة ضبابية. وعادةً ما يبدأ قِصر النظر في مرحلة الطفولة وقد يتفاقم خلال المراهقة. كما تزيد الدرجات الشديدة منه خطر الإصابة لاحقاً بمضاعفات تهدد البصر، مثل انفصال الشبكية والغلوكوما (المياه الزرقاء) والتنكس البقعي.

وتشير أبحاث سابقة إلى أن الأطفال الذين يقضون وقتاً أطول داخل المنازل أمام الشاشات، بدلاً من اللعب في الهواء الطلق، أكثر عُرضة للإصابة بقِصر النظر. ويتوقع بعض الخبراء أن يصل عدد المصابين به إلى نحو 5 مليارات شخص، أي نصف سكان العالم، بحلول عام 2050.

وركزت الدراسة على ما يُعرف بـ«الضوء النيلي» (indigo light)، وهو ضوء قصير الموجة يوجد بكثرة في ضوء الشمس، لكنه شبه غائب عن الإضاءة الداخلية، ولا سيما مصابيح «LED» البيضاء التقليدية.

وفي تجارب على حيوانات «زباب الشجر» (Tree Shrew)، التي تتميز بخصائص تشريحية وبصرية قريبة من الإنسان، وجد الباحثون أن التعرض للضوء النيلي منع ظهور قِصر النظر لديها. واستخدم الفريق نظارات دقيقة تُحدث إشارة قوية محفزة لقِصر النظر في إحدى العينين، بينما تُركت العين الأخرى للمقارنة. ثم عرّض الحيوانات لأطوال موجية مختلفة من الضوء، واستخدم أجهزة متخصصة لقياس طول محور العين وشكلها والتغيرات الانكسارية بمرور الوقت.

وتشير النتائج إلى أن الإضاءة الحديثة داخل المنازل قد تؤثر في نمو عين الطفل، إذ تختلف عن بيئة ضوء الشمس كامل الطيف التي تطور فيها الإنسان. وتبلغ ذروة إشعاع مصابيح «LED» البيضاء المعتادة نحو 450، لكنها توفر قدراً ضئيلاً جداً من «الضوء النيلي»، الذي يبدو أنه يحفز مستقبلات ضوئية تشارك في عمليات بيولوجية تتجاوز تكوين الصورة البصرية. وقال الباحثون إن قضاء الأطفال وقتاً أطول في الهواء الطلق يظل إحدى وسائل الوقاية المهمة، إذ يعرّض العين لضوء الشمس كامل الطيف، ويسمح لها بالتركيز على أجسام تقع على مسافات مختلفة.

ويرى الباحثون أن تحسين أنظمة الإضاءة قد يمثل وسيلة أخرى للوقاية. ففي عام 2021، أصبح مستشفى سينسيناتي للأطفال أول مستشفى يركّب نظام إضاءة كامل الطيف وقابلاً للبرمجة في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة، استناداً إلى دراسات سابقة حول تأثير الضوء في نمو العين، ولا تزال الأبحاث جارية لتقييم تأثير النظام الجديد. ووفق الفريق، تتوفر حالياً مصابيح متخصصة للمساعدة في تنظيم الساعة البيولوجية، لكن منتجات الإضاءة المصممة بالخصائص اللازمة للوقاية من قِصر النظر لا تزال محدودة الانتشار.