مجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»

تعلي من قيم التنوير وترسم الخطوط العريضة لفقه الأنوار

جامعة ستراسبورغ بفرنسا
جامعة ستراسبورغ بفرنسا
TT

مجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»

جامعة ستراسبورغ بفرنسا
جامعة ستراسبورغ بفرنسا

أعترف بأني أمضيت أوقاتاً ممتعة مع العدد الثامن من هذه المجلة الباريسية التجديدية الرصينة، التي أصبحت راسخة الآن بعد كل ما قدمته في أعدادها السابقة. وهي مجلة فصلية تصدر عن «رابطة الإسلام في القرن الحادي والعشرين» التي تعقد مؤتمرات دورية في قصر «اليونيسكو» بباريس، ويشارك فيها عشرات المثقفين العرب والمسلمين والفرنسيين.
وتهدف هذه الرابطة الطموحة إلى التوصل إلى فهم ليبرالي وحداثي تنويري للإسلام. نقصد الفهم الذي يخرجنا من ظلمات العصور الوسطى، ويكون لائقاً بالقرن الحادي والعشرين وروح الأزمنة الحديثة. وهذا أحوج ما نكون إليه اليوم بعد كل هذا الانتشار المخيف للحركات الأصولية والظلامية المتزمتة التي أصبحت عبئاً علينا وعلى العالم بأسره. وبالتالي فالمعركة الكبرى الجارية حالياً في العالم العربي والإسلامي كله هي أولاً معركة فكرية قبل أن تكون سياسية. ذلك لأن الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. وإذا ما ربحنا هذه المعركة التنويرية فكرياً فسوف نربحها سياسياً حتماً في مرحلة لاحقة. عندئذ سوف يندلع الربيع العربي الحقيقي!
يدشن العدد البروفسور فرنسيس ميسنير، الأستاذ في جامعة ستراسبورغ بفرنسا، مقدماً مداخلة مهمة ومضيئة حقاً. إنه يتحدث لنا عن حصول ثورة معرفية في أوروبا فيما يخص الإسلام. فقد ابتدأت الدول الأوروبية تدرك أهمية هذا الدين العظيم. نقول ذلك وبخاصة أنها تحتوي على جاليات إسلامية ضخمة تعد بالملايين، وأغلبية جالياتنا متنورة ومتعايشة بشكل سلمي مع هذه المجتمعات الأوروبية العلمانية الحداثية. ولكن ينبغي الاعتراف بأنه توجد في داخلها أقليات كبيرة مضادة للفهم الأنواري للإسلام، وخاضعة للفهم التكفيري الظلامي القديم. وبالتالي فالمعركة التنويرية الكبرى التي يخوضها المثقفون والمثقفات في العالم العربي تدور رحاها أيضاً على أرض القارة الأوروبية ذاتها. وهذه ظاهرة ما كانت معروفة سابقاً قبل عشر سنوات أو عشرين سنة. وهذا يعني أن الأصولية الإسلامية أصبحت مشكلة عالمية، ولم تعد محصورة بالنطاق العربي أو الإسلامي.
لهذا السبب، يشرح لنا الباحث الكبير كيفية إنشاء كليات حديثة في مختلف الجامعات الأوروبية، بغية تعليم الدين الإسلامي بطريقة علمية تحترم عقول البشر، لا بطريقة تقليدية خرافية عفا عليها الزمن. وهي على غرار كليات اللاهوت الكاثوليكية والبروتستانتية العريقة التي تعلم الدين المسيحي بطريقة حديثة منذ زمن طويل. والآن جاء دور الإسلام؛ فما يعيشه اليوم عاشوه هم في القرون الماضية؛ حيث كان الصراع مندلعاً بين الفهم التنويري للدين المسيحي والفهم الظلامي القديم الراسخ الجذور.
ولهذا السبب، يقول لنا البروفسور فرنسيس ميسنير بأن الصراع على تعليم الدين المسيحي في فرنسا كان عنيفاً جداً إبان القرن التاسع عشر. وقد بلغ ذروته نحو عام 1885. وبالتالي فتجربة الفرنسيين مع الأصولية التكفيرية قديمة، وقد حلُّوها عن طريق التعليم التنويري اللاطائفي للدين. ولكن بعد أن حلُّوا مشكلتهم مع أصوليتهم الدينية أصبحوا الآن يواجهون أصولية أخرى. ولهذا السبب فإنهم يلحون على ضرورة تدريس التراث الإسلامي بطريقة علمانية عقلانية، كما فعلوا مع التراث المسيحي سابقاً. فهذه هي الطريقة الأنجع لحل مشكلة التطرف والإكراه في الدين. وقد نجحت معهم التجربة سابقاً، فلماذا لا تنجح معهم حاليا؟ وهم يقصدون بالمنهجية الحديثة الدراسة العقلانية للأديان أو للعقائد الدينية. إنهم يقصدون تدريس الدين بشكل تنويري متسامح، لا طائفي ولا مذهبي متعصب. وهذا ما يرفضه الأصوليون المنغلقون على أنفسهم داخل الدوغمائيات العقائدية المتحجرة.
كما يقصدون دراسة الدين من وجهة نظر فلسفية معمقة، كما فعل كانط وفولتير وجان جاك روسو وهيغل وماركس ونيتشه، وكبار فلاسفة التنوير الآخرين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وكما فعل بيرغسون وبول ريكور وهانز كونغ وعشرات غيرهم في القرن العشرين. هذا ما ينقصنا في العالم الإسلامي بشكل موجع الآن. تنقصنا الدراسة الفلسفية المعمقة للتراث الإسلامي الكبير.
باختصار شديد: إن الأمر يتعلق بطفرة أبيستمولوجية في ساحة الدراسات الإسلامية. إنها ثورة معرفية كبرى تحصل تحت أعيننا اليوم ولكن في أوروبا فقط للأسف الشديد. فمتى ستنتقل أنوارها إلى عالمنا العربي والإسلامي المعني الأول والأساسي بالمشكلة؟ الله أعلم. كل شيء بوقته. لا تستعجلوا ولا تستبقوا الأمور. المشكلة كبيرة أيها السادة؛ بل أكثر من كبيرة. أكاد أقول بأنها مشكلة تقصم الظهر. من يستطيع أن يواجه تراثه المقدس وجهاً لوجه وعيناً بعين؟ من يستطيع أن يدرسه بطريقة عقلانية، فلسفية، مضيئة؟ من يستطيع أن يخرج من ظلاميات القرون؟ أكاد أقول: من يستطيع أن يخرج من جلده؟ هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الأمة حالياً؛ بل ليس حالياً فقط، وإنما منذ الآن وحتى خمسين سنة قادمة! هنا تكمن بالضبط معركة الجهاد الأكبر التي نسيناها كلياً بسبب انشغالنا بالجهاد الأصغر فقط.
على أي حال، لهذا السبب دشنوا مؤخراً المعهد الفرنسي للدراسات الإسلامية، في فرنسا، بتاريخ 2 فبراير (شباط) 2022. ووضعوا على رأس هذا المعهد الكبير الدكتورة سعاد عيادة. وحسناً فعلوا. فهي فيلسوفة معروفة، ومن أصول إسلامية مغربية قحة. وهي بالمناسبة زوجة الفيلسوف كريستيان جامبيه المختص الكبير بالفلسفة الإسلامية.
والآن دعونا ننتقل إلى المبحث الثاني من هذا العدد القيم لمجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»، وقد كتبته الباحثة الجزائرية والفيلسوفة المعروفة رزيقة عدناني، المهتمة جداً بإصلاح الفكر الديني في الجزائر والعالم الإسلامي كله. وبما أنها جزائرية فقد شهدت بأم عينيها طيلة العشرية السوداء (1990- 2000) الدمار الهائل المرعب الناتج عن الفهم الأصولي الظلامي للإسلام وحركاته المتطرفة العمياء. وبالتالي فهي تعرف عم تتحدث بالضبط. عنوان بحثها: «كيف يمكن أن يتعايش المسلمون مع بعضهم البعض؟»، ثم كيف يمكن أن نفهم الآن هذه العبارة الشهيرة في تاريخ الإسلام: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وهي عبارة قرآنية بامتياز. ترى الباحثة أنه يحق لنا؛ بل يجب علينا، أن نطبق هذا المبدأ الأخلاقي الرفيع على أنفسنا، ولكن لا يحق لنا أن نلاحق الآخرين ونتحول إلى بوليس ديني يراقبهم في كل حركاتهم وسكناتهم. فالقرآن الكريم لم يأمر بذلك، ولكن أمر به الفقهاء بالدرجة الأولى. القرآن يترك لك هامشاً من الحرية وهم لا يتركون. إنهم يراقبونك في كل شاردة وواردة، ويتحولون إلى بوليس فوق البوليس، أو إلى «شرطة أخلاق» كما حصل في إيران مؤخراً مع فاجعة الشابة البريئة مهسا أميني. لماذا شرطة أخلاق يا أخي؟ هل الأخلاق بحاجة إلى شرطة؟ إذا لم تكن مستبطنة في الداخل من قبل الإنسان أو الإنسانة فلا تساوي قشرة بصلة، حتى ولو لبست ألف حجاب!
تقول لنا الدكتورة رزيقة عدناني بأن القرآن الكريم لم يطالب بملاحقة الآخرين، بدليل هذه الآية الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون» (المائدة: 105). بمعنى: اهتموا بأنفسكم، ولا تحشروا أنفكم بشؤون الآخرين ومراقبتهم وملاحقتهم. ولكن المشكلة هي أن العلامة تقي الدين السيوطي، قال بأن هذه الآية منسوخة. ثم أضاف: «منسوخة ولكن يمكن تلاوتها والتعبد بها»، بمعنى أنه لا يدعو إلى حذفها من القرآن. كثر خيره! يدعو فقط إلى إبطال مفعولها وعدم الأخذ بها. (بين قوسين: لاحظوا أن كل الآيات الكريمة الداعية إلى التسامح والانفتاح على الآخر، واحترام كل العقائد والأديان، والدعوة إلى التعايش السلمي بين الأقوام والشعوب، لا تحظى بإعجاب فقهائنا الأجلاء!).
أعجبني تعليق الفيلسوفة رزيقة عدناني على موقف السيوطي. قالت ما معناه: نحن في القرن الحادي والعشرين نقول العكس تماماً، ولا نعتبر هذه الآية الكريمة منسوخة أبداً؛ لماذا؟ لأنها تناسبنا وتناسب القيم الإنسانية والحضارية للعصور الحديثة. وبالتالي فسوف نعمل بها ونهتدي بهديها.
والآن دعوني أنتقل إلى المداخلة الثالثة والأخيرة التي ختمت العدد كله. وهي للباحثة اللبنانية المعروفة الدكتورة ريتا فرج. وفيها تتحدث عن رائدة من رواد النهضة والاستنارة في لبنان والعالم العربي كله: نظيرة زين الدين. أعترف بأني لم أكن قد سمعت باسمها من قبل قط. ولذلك أفدت كثيراً من قراءة هذا البحث القيم جداً، والمعروض بطريقة منهجية علمية واضحة، على الرغم من كثافة الأفكار والمحاور المطروقة وتشعبها.
لا أستطيع الدخول في التفاصيل، وإلا لكتبت عدة مقالات عن مبحث ريتا فرج. ولكن بالمختصر المفيد يمكن أن نقول ما يلي: كانت هذه الرائدة النسائية الكبيرة قد صدمت المجتمع الإسلامي التقليدي، عندما نشرت كتابها «السفور والحجاب» عام 1928، وهي لا تزال في العشرين من عمرها فقط! وقد رد عليها الشيوخ التقليديون بحدة وهاجموها بعنف، فأصدرت كتاباً ثانياً عام 1929 ترد فيه على هجماتهم، ثم سكتت نهائياً بعد أن أرعبوها. كان عنوانه: «الفتاة والشيوخ». لاحظ، ما أجمل هذا العنوان! هل يمكن للفتاة أن تتحدى الشيوخ؟ هل يمكن للمرأة أن تفتح فمها في مجتمع ذكري بطريركي لاهوتي، يهيمن عليه رجال الدين بشكل مطلق؟ والأخطر من ذلك: هل يمكن أن تفتح فمها فيما يخص الشؤون الدينية؟ شيء لا يكاد يصدق. شيء رائع فعلاً. يمكن القول بأنها كانت سابقة لأوانها كبقية الرواد الكبار. ولكن كفاها فخراً أنها تجرأت على تحدي الفكر الرجعي التقليدي الذي كان مهيمناً على مجتمعاتنا في ذلك الزمان.


مقالات ذات صلة

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أوروبا مسلمون يتجمّعون في المسجد الكبير بباريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أثار صدور بيانين مختلفين حول موعد بدء شهر رمضان في فرنسا حالة من الحيرة في أوساط المسلمين. والاختلاف هو إذا كان بداية رمضان يوم الأربعاء أم يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم رجل يصلي في مسجد خلال شهر رمضان (رويترز)

تراجع طفيف في عدد ساعات الصيام خلال رمضان 2026

يتهيأ المسلمون بمختلف أنحاء العالم لإحياء شهر رمضان لعام 2026 في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن عدد ساعات الصيام سيكون هذا العام أقل بقليل من 2025 

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا ميريما أفديتش تحمل العلم الصربي خلال المسيرة (رويترز)

مظاهرة جامعية تمنح الطلاب المسلمين في صربيا شعوراً بالانتماء

كان الانضمام إلى الآلاف في نوفي ساد لحظة مهمة بالنسبة إلى أفديتش؛ وهي طالبة تنتمي إلى أقلية البوشناق المسلمة الصغيرة في صربيا وترتدي ‌الحجاب.

«الشرق الأوسط» (نوفي بازار (صربيا))
أوروبا جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

طلب عميد «المسجد الكبير» في باريس، شمس الدين حفيز، من الأئمة التابعين للمسجد الدعاء لفرنسا في نهاية خطب الجمعة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق جانب من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في نسخته الأولى (واس)

بينالي الفنون الإسلامية في جدة... حوار المقدس والمعاصر

يجري العمل على قدم وساق لتقديم النسخة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في 25 من يناير القادم، ما الذي يتم إعداده للزائر؟

عبير مشخص (لندن)

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.


«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
TT

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

ساعتان وربع الساعة غنت خلالها عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها، بينما كانت ضاحية بيروت تتعرض لواحدة من أقسى أشكال القصف المتواصل،

الحفل مخصص في الأصل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، عبر تكريم كبيرات الغناء العربي بصوت عبير نعمة الملائكي، لليلة واحدة استثنائية، لكنه لم يأتِ كما خطط له. فهذه الليلة، وبسبب الظروف المأساوية التي تمر بها المنطقة العربية جاءت مؤثرة، وجمعت حشداً غفيراً أحب أن يتنفس شيئاً من الأمل والرجاء بالفن والموسيقى.

غنت عبير نعمة ترافقها «أوركسترا لندن العربية» بقيادة المايسترو باسل صالح، و«أوركسترا الحفلات الملكية الفيلهارمونية»، وجوقة نسائية رائدة تضم 70 مغنية. كانت في كل مرة تطل عارضة الأزياء الأسترالية اللبنانية جيسيكا قهواتي على الجمهور لتحكي قصة واحدة من النجمات الغائبات، وكأنها شهرزاد طالعة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تصحب الحاضرين إلى عالم من الحلم مع أسطورة جديدة. ثم تأتي عبير نعمة لتؤدي أغنيات مختارة لهذه العظيمة الراحلة وتعيد الجمهور إلى زمن جميل ولّى.

فيروز، أم كلثوم، أسمهان، صباح، وردة، ليلى مراد، وغيرهن، كن نجمات الأمسية وبطلاتها. ولم تكن من أغنية لفيروز أهم من «لبيروت» في تلك الليلة الحزينة اختارتها عبير لتؤدي تحيتها إلى مدينتها الجريحة. وقبل أن تغنيها توجهت إلى الجمهور بالإنجليزية قائلةً: «أنا آتية من لبنان. أنا آتية من بيروت. مدينة عانت كثيراً، وسقطت مرات عديدة، وهي تواجه الليلة واحدة من أصعب محطاتها لكنها في كل مرة تعود وتنهض»، ثم أدت الأغنية وكأنما من قلب محترق.

توجهت عبير نعمة لجمهورها بالقول: «أنا آتية من لبنان» (الشرق الأوسط)

توقفت عبير أكثر من مرة عن الغناء خلال الحفل، وكانت تدير ظهرها للجمهور لتمسح دمعة غدرت بها، أو تترك للجمهور أن يكمل. ليلة صعبة، لكن الحضور كان يقظاً ومتحمساً، ومتفهماً، ومواكباً، يستبق مغنيته إلى الكلمات ولا يترك مكاناً لفراغ.

«ليلة مع الأساطير» بدأت متأخرة عن الوقت المحدد، وكادت تنتهي قبل أن تشفي عبير نعمة عطش جمهورها إلى أغنياتها التي اختتمت بها الحفل، فكانت الأغنية الأثيرة «بصراحة»، ومن بعدها غنت نعمة من دون موسيقى «بلا ما نحس» وسط تصفيق عارم، لتنهي هذه الأمسية الدامعة بـ«تحية لمن رحلوا» وهي تصدح: «كل ما تقلي إنك جايه بصير بشوف الوقت مراية». تلك الأغنية التي أدتها سابقاً في «جوي أوردز» في السعودية.


«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
TT

«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

على موائد ممتدة بطول 20 شارعاً في مصر، قدم أهالي منطقة المطرية (شرق القاهرة) وجبات دسمة لعشرات الآلاف من الحاضرين في «إفطار المطرية» في نسخته الـ12، ومن بين هذه الوجبات «المحشي»، الذي شاركت في إعداده في اليوم السابق للإفطار سكرتيرة السفير الألماني في مصر، في لقطة دبلوماسية ذكية.

ونظم أهالي المطرية، الخميس، الحدث الرمضاني الأكبر في مصر، الذي يقام منتصف الشهر، منذ عام 2013، في تقليد نجح الأهالي في الحفاظ عليه، حتى تجاوز طابعه الشعبي والتكافلي، إلى طابع أشمل حيث يجتذب مسؤولين وسياسيين ودبلوماسيين.

واجتهدت السفارة الألمانية في مصر في استغلال الحدث بشكل أعمق من مجرد الحضور، إلى كونهم فاعلين في الحدث، لا متفرجين مثل غيرهم من الدبلوماسيين، فذهب فريق منهم الأربعاء إلى «عزبة حمادة» حيث يقام الإفطار، وشاركوا في التجهيزات.

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

وأظهر مقطع فيديو بثته السفارة الألمانية في القاهرة على صفحتها الرسمية، الخميس، سكرتيرة السفير الألماني وهي تقوم بإعداد المحشي مع سيدات المنطقة، ممن يعلمونها كيف تعده بينما يثنين على عمل السيدة الألمانية، وعلقوا عليه «تفتكروا السفارة الألمانية كانت فين إمبارح؟». وبعد ساعات شاركت السفارة صورة للدبلوماسية الألمانية نفسها وهي تتناول المحشي مع مثل مصري طريف «عمايل إيديا وحياة عينيه»، وحضر معها الاحتفالية نائب السفير الألماني أندرياس فيدلر.

وشارك في الإفطار دبلوماسيون آخرون في مقدمتهم السفير الدنماركي لدى مصر لارس بومان، ونائبة رئيس وفد الاتحاد الأوروبي آن شو، ممن صرحوا بأنهم سمعوا كثيراً عن هذا الحدث، ورغبوا في مشاهدته بأنفسهم والمشاركة فيه، مثنين على الأجواء المميزة للاحتفالية.

كما شارك سياح ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، من دول عدة في الفعالية، من السعودية والجزائر والسودان وماليزيا ودول أوروبية. ولأول مرة دوّن المنظمون عبارات ترحيبية بلغات روسية وإيطالية وفرنسية وإنجليزية وألمانية «حتى انتهت كل الحوائط في محيط الفعالية» حسب أحد شباب «15 رمضان»، علاء فريد، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنهم أرادوا أن يجد كل من يحضر الفعالية عبارات ترحب به بلغته.

سكرتيرة السفير الألماني لدى مصر خلال تناولها الإفطار في المطرية بعدما شاركت في إعداده (السفارة الألمانية في القاهرة)

وتضمن «إفطار المطرية» لأول مرة عروضاً فنية تابعة لوزارة الثقافة المصرية، من عروض أراجوز للأطفال، وإنشاد ديني وتنورة. وقالت وزارة الثقافة في بيان إن مشاركتها في الحدث لأول مرة يأتي «تنفيذاً لاستراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى التوسع في نطاق الفعاليات الثقافية والفنية والوصول بها إلى مختلف المناطق والتجمعات الجماهيرية، ومشاركة المواطنين احتفالاتهم ومناسباتهم المختلفة».

وعلق فريد بأنهم أرادوا أن يجعلوا اليوم ترفيهياً بالكامل ومتنوعاً لمن يقصده، وألا يكون مقتصراً فقط على الإفطار.

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، تفقدت الأربعاء التجهيزات لإعداد الإفطار السنوي، متوجة مجهودات أهالي المنطقة المتواصلة منذ سنوات في إخراج الحدث بإعلانها إشهار مؤسسة مجتمع مدني باسم «شباب 15 رمضان». واحتفى الأهالي بالوزيرة خلال زيارتها، والتف الأطفال حولها لالتقاط الصور التذكارية.

وشارك رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء طارق الهوبي، في إفطار المطرية، متفقداً التجهيزات ومشيداً بـ«روح التعاون والمشاركة المجتمعية التي تجسدها هذه المبادرة السنوية»، وفق بيان للهيئة، مؤكداً أن «ضمان سلامة الغذاء يمثل عنصراً أساسياً في نجاح مثل هذه المبادرات المجتمعية الكبرى».

وكان إفطار المطرية بدأ بتجمع للأصدقاء من أهالي المنطقة في أحد شوارع عزبة حمادة، وتطور سنوياً بالتمدد إلى شوارع محيطة، ثم بدأ يجتذب ضيوفاً من خارج المنطقة، ثم سياسيين ودبلوماسيين، حتى أصبح من العلامات المميزة لرمضان في مصر.

عرض الأراجوز من فعاليات وزارة الثقافة في إفطار المطرية (وزارة الثقافة المصرية)

وتتزين الشوارع بالغرافيتي والعبارات المُرحبة بالقادمين، والمعبرة عن روح رمضان في مصر، مثل «السر في التفاصيل» و«اللمة الحلوة» و«في قلوب هنا عمرانة»، ويمتد المطبخ في شوارع عدة، حيث تشوى اللحوم والدواجن، ويعد الأرز في أوانٍ ضخمة.

وضاعف أهالي المطرية هذا العام أعداد الوجبات، مع استمرار الحيز الجغرافي نفسه الممتد بطول 20 شارعاً ما مثل «تحدياً كبيراً لنا» حسب فريد، مشيراً إلى أن عدد الوجبات وصل إلى 120 ألف وجبة، مشيداً بالجهود الرسمية لمساعدتهم في إنجاح الفعالية، سواء في تقديم مواد عينية لهم من صندوق «تحيا مصر»، أو من خلال تأمين الفعالية من وزارة الداخلية، وتسهيل كافة الإجراءات والتصاريح من محافظة القاهرة.

وبخلاف المطابخ المفتوحة، يسخر كل مطبخ في منزل بالمنطقة جهوده لدعم الفعالية، التي لا تقتصر على الشارع، إذ يفتح الأهالي منازلهم للضيوف من الصحافيين والمؤثرين ممن يصطفون في الشرفات لالتقاط الصور وتسجيل الحدث.

وأشاد محافظ القاهرة إبراهيم صابر بـ«حالة الدفء والكرم والبهجة الموجودة بين أبناء الحى فى الإفطار الذى شارك به آلاف من الشيوخ والشباب والأطفال، وحرص على حضوره عدد من الوزراء والسفراء والمواطنين من خارج الحي، ليكون نموذجاً حياً للتلاحم الاجتماعي والمجتمعي، الذى يقدم صورة لمصر المترابطة والآمنة»، مؤكداً على أن إفطار المطرية يجسد روح المحبة ويظهر الترابط بين المواطنين بمصر فى رمضان»، وفق بيان للمحافظة.

وتصدرت صور وفيديوهات «إفطار المطرية» منصات «السوشيال ميديا»، وسط تركيز على عنصر «الأمن» في مصر، الذي مكن الفاعلين من إخراج هذا الحدث.