مجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»

تعلي من قيم التنوير وترسم الخطوط العريضة لفقه الأنوار

جامعة ستراسبورغ بفرنسا
جامعة ستراسبورغ بفرنسا
TT

مجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»

جامعة ستراسبورغ بفرنسا
جامعة ستراسبورغ بفرنسا

أعترف بأني أمضيت أوقاتاً ممتعة مع العدد الثامن من هذه المجلة الباريسية التجديدية الرصينة، التي أصبحت راسخة الآن بعد كل ما قدمته في أعدادها السابقة. وهي مجلة فصلية تصدر عن «رابطة الإسلام في القرن الحادي والعشرين» التي تعقد مؤتمرات دورية في قصر «اليونيسكو» بباريس، ويشارك فيها عشرات المثقفين العرب والمسلمين والفرنسيين.
وتهدف هذه الرابطة الطموحة إلى التوصل إلى فهم ليبرالي وحداثي تنويري للإسلام. نقصد الفهم الذي يخرجنا من ظلمات العصور الوسطى، ويكون لائقاً بالقرن الحادي والعشرين وروح الأزمنة الحديثة. وهذا أحوج ما نكون إليه اليوم بعد كل هذا الانتشار المخيف للحركات الأصولية والظلامية المتزمتة التي أصبحت عبئاً علينا وعلى العالم بأسره. وبالتالي فالمعركة الكبرى الجارية حالياً في العالم العربي والإسلامي كله هي أولاً معركة فكرية قبل أن تكون سياسية. ذلك لأن الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. وإذا ما ربحنا هذه المعركة التنويرية فكرياً فسوف نربحها سياسياً حتماً في مرحلة لاحقة. عندئذ سوف يندلع الربيع العربي الحقيقي!
يدشن العدد البروفسور فرنسيس ميسنير، الأستاذ في جامعة ستراسبورغ بفرنسا، مقدماً مداخلة مهمة ومضيئة حقاً. إنه يتحدث لنا عن حصول ثورة معرفية في أوروبا فيما يخص الإسلام. فقد ابتدأت الدول الأوروبية تدرك أهمية هذا الدين العظيم. نقول ذلك وبخاصة أنها تحتوي على جاليات إسلامية ضخمة تعد بالملايين، وأغلبية جالياتنا متنورة ومتعايشة بشكل سلمي مع هذه المجتمعات الأوروبية العلمانية الحداثية. ولكن ينبغي الاعتراف بأنه توجد في داخلها أقليات كبيرة مضادة للفهم الأنواري للإسلام، وخاضعة للفهم التكفيري الظلامي القديم. وبالتالي فالمعركة التنويرية الكبرى التي يخوضها المثقفون والمثقفات في العالم العربي تدور رحاها أيضاً على أرض القارة الأوروبية ذاتها. وهذه ظاهرة ما كانت معروفة سابقاً قبل عشر سنوات أو عشرين سنة. وهذا يعني أن الأصولية الإسلامية أصبحت مشكلة عالمية، ولم تعد محصورة بالنطاق العربي أو الإسلامي.
لهذا السبب، يشرح لنا الباحث الكبير كيفية إنشاء كليات حديثة في مختلف الجامعات الأوروبية، بغية تعليم الدين الإسلامي بطريقة علمية تحترم عقول البشر، لا بطريقة تقليدية خرافية عفا عليها الزمن. وهي على غرار كليات اللاهوت الكاثوليكية والبروتستانتية العريقة التي تعلم الدين المسيحي بطريقة حديثة منذ زمن طويل. والآن جاء دور الإسلام؛ فما يعيشه اليوم عاشوه هم في القرون الماضية؛ حيث كان الصراع مندلعاً بين الفهم التنويري للدين المسيحي والفهم الظلامي القديم الراسخ الجذور.
ولهذا السبب، يقول لنا البروفسور فرنسيس ميسنير بأن الصراع على تعليم الدين المسيحي في فرنسا كان عنيفاً جداً إبان القرن التاسع عشر. وقد بلغ ذروته نحو عام 1885. وبالتالي فتجربة الفرنسيين مع الأصولية التكفيرية قديمة، وقد حلُّوها عن طريق التعليم التنويري اللاطائفي للدين. ولكن بعد أن حلُّوا مشكلتهم مع أصوليتهم الدينية أصبحوا الآن يواجهون أصولية أخرى. ولهذا السبب فإنهم يلحون على ضرورة تدريس التراث الإسلامي بطريقة علمانية عقلانية، كما فعلوا مع التراث المسيحي سابقاً. فهذه هي الطريقة الأنجع لحل مشكلة التطرف والإكراه في الدين. وقد نجحت معهم التجربة سابقاً، فلماذا لا تنجح معهم حاليا؟ وهم يقصدون بالمنهجية الحديثة الدراسة العقلانية للأديان أو للعقائد الدينية. إنهم يقصدون تدريس الدين بشكل تنويري متسامح، لا طائفي ولا مذهبي متعصب. وهذا ما يرفضه الأصوليون المنغلقون على أنفسهم داخل الدوغمائيات العقائدية المتحجرة.
كما يقصدون دراسة الدين من وجهة نظر فلسفية معمقة، كما فعل كانط وفولتير وجان جاك روسو وهيغل وماركس ونيتشه، وكبار فلاسفة التنوير الآخرين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وكما فعل بيرغسون وبول ريكور وهانز كونغ وعشرات غيرهم في القرن العشرين. هذا ما ينقصنا في العالم الإسلامي بشكل موجع الآن. تنقصنا الدراسة الفلسفية المعمقة للتراث الإسلامي الكبير.
باختصار شديد: إن الأمر يتعلق بطفرة أبيستمولوجية في ساحة الدراسات الإسلامية. إنها ثورة معرفية كبرى تحصل تحت أعيننا اليوم ولكن في أوروبا فقط للأسف الشديد. فمتى ستنتقل أنوارها إلى عالمنا العربي والإسلامي المعني الأول والأساسي بالمشكلة؟ الله أعلم. كل شيء بوقته. لا تستعجلوا ولا تستبقوا الأمور. المشكلة كبيرة أيها السادة؛ بل أكثر من كبيرة. أكاد أقول بأنها مشكلة تقصم الظهر. من يستطيع أن يواجه تراثه المقدس وجهاً لوجه وعيناً بعين؟ من يستطيع أن يدرسه بطريقة عقلانية، فلسفية، مضيئة؟ من يستطيع أن يخرج من ظلاميات القرون؟ أكاد أقول: من يستطيع أن يخرج من جلده؟ هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الأمة حالياً؛ بل ليس حالياً فقط، وإنما منذ الآن وحتى خمسين سنة قادمة! هنا تكمن بالضبط معركة الجهاد الأكبر التي نسيناها كلياً بسبب انشغالنا بالجهاد الأصغر فقط.
على أي حال، لهذا السبب دشنوا مؤخراً المعهد الفرنسي للدراسات الإسلامية، في فرنسا، بتاريخ 2 فبراير (شباط) 2022. ووضعوا على رأس هذا المعهد الكبير الدكتورة سعاد عيادة. وحسناً فعلوا. فهي فيلسوفة معروفة، ومن أصول إسلامية مغربية قحة. وهي بالمناسبة زوجة الفيلسوف كريستيان جامبيه المختص الكبير بالفلسفة الإسلامية.
والآن دعونا ننتقل إلى المبحث الثاني من هذا العدد القيم لمجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»، وقد كتبته الباحثة الجزائرية والفيلسوفة المعروفة رزيقة عدناني، المهتمة جداً بإصلاح الفكر الديني في الجزائر والعالم الإسلامي كله. وبما أنها جزائرية فقد شهدت بأم عينيها طيلة العشرية السوداء (1990- 2000) الدمار الهائل المرعب الناتج عن الفهم الأصولي الظلامي للإسلام وحركاته المتطرفة العمياء. وبالتالي فهي تعرف عم تتحدث بالضبط. عنوان بحثها: «كيف يمكن أن يتعايش المسلمون مع بعضهم البعض؟»، ثم كيف يمكن أن نفهم الآن هذه العبارة الشهيرة في تاريخ الإسلام: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وهي عبارة قرآنية بامتياز. ترى الباحثة أنه يحق لنا؛ بل يجب علينا، أن نطبق هذا المبدأ الأخلاقي الرفيع على أنفسنا، ولكن لا يحق لنا أن نلاحق الآخرين ونتحول إلى بوليس ديني يراقبهم في كل حركاتهم وسكناتهم. فالقرآن الكريم لم يأمر بذلك، ولكن أمر به الفقهاء بالدرجة الأولى. القرآن يترك لك هامشاً من الحرية وهم لا يتركون. إنهم يراقبونك في كل شاردة وواردة، ويتحولون إلى بوليس فوق البوليس، أو إلى «شرطة أخلاق» كما حصل في إيران مؤخراً مع فاجعة الشابة البريئة مهسا أميني. لماذا شرطة أخلاق يا أخي؟ هل الأخلاق بحاجة إلى شرطة؟ إذا لم تكن مستبطنة في الداخل من قبل الإنسان أو الإنسانة فلا تساوي قشرة بصلة، حتى ولو لبست ألف حجاب!
تقول لنا الدكتورة رزيقة عدناني بأن القرآن الكريم لم يطالب بملاحقة الآخرين، بدليل هذه الآية الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون» (المائدة: 105). بمعنى: اهتموا بأنفسكم، ولا تحشروا أنفكم بشؤون الآخرين ومراقبتهم وملاحقتهم. ولكن المشكلة هي أن العلامة تقي الدين السيوطي، قال بأن هذه الآية منسوخة. ثم أضاف: «منسوخة ولكن يمكن تلاوتها والتعبد بها»، بمعنى أنه لا يدعو إلى حذفها من القرآن. كثر خيره! يدعو فقط إلى إبطال مفعولها وعدم الأخذ بها. (بين قوسين: لاحظوا أن كل الآيات الكريمة الداعية إلى التسامح والانفتاح على الآخر، واحترام كل العقائد والأديان، والدعوة إلى التعايش السلمي بين الأقوام والشعوب، لا تحظى بإعجاب فقهائنا الأجلاء!).
أعجبني تعليق الفيلسوفة رزيقة عدناني على موقف السيوطي. قالت ما معناه: نحن في القرن الحادي والعشرين نقول العكس تماماً، ولا نعتبر هذه الآية الكريمة منسوخة أبداً؛ لماذا؟ لأنها تناسبنا وتناسب القيم الإنسانية والحضارية للعصور الحديثة. وبالتالي فسوف نعمل بها ونهتدي بهديها.
والآن دعوني أنتقل إلى المداخلة الثالثة والأخيرة التي ختمت العدد كله. وهي للباحثة اللبنانية المعروفة الدكتورة ريتا فرج. وفيها تتحدث عن رائدة من رواد النهضة والاستنارة في لبنان والعالم العربي كله: نظيرة زين الدين. أعترف بأني لم أكن قد سمعت باسمها من قبل قط. ولذلك أفدت كثيراً من قراءة هذا البحث القيم جداً، والمعروض بطريقة منهجية علمية واضحة، على الرغم من كثافة الأفكار والمحاور المطروقة وتشعبها.
لا أستطيع الدخول في التفاصيل، وإلا لكتبت عدة مقالات عن مبحث ريتا فرج. ولكن بالمختصر المفيد يمكن أن نقول ما يلي: كانت هذه الرائدة النسائية الكبيرة قد صدمت المجتمع الإسلامي التقليدي، عندما نشرت كتابها «السفور والحجاب» عام 1928، وهي لا تزال في العشرين من عمرها فقط! وقد رد عليها الشيوخ التقليديون بحدة وهاجموها بعنف، فأصدرت كتاباً ثانياً عام 1929 ترد فيه على هجماتهم، ثم سكتت نهائياً بعد أن أرعبوها. كان عنوانه: «الفتاة والشيوخ». لاحظ، ما أجمل هذا العنوان! هل يمكن للفتاة أن تتحدى الشيوخ؟ هل يمكن للمرأة أن تفتح فمها في مجتمع ذكري بطريركي لاهوتي، يهيمن عليه رجال الدين بشكل مطلق؟ والأخطر من ذلك: هل يمكن أن تفتح فمها فيما يخص الشؤون الدينية؟ شيء لا يكاد يصدق. شيء رائع فعلاً. يمكن القول بأنها كانت سابقة لأوانها كبقية الرواد الكبار. ولكن كفاها فخراً أنها تجرأت على تحدي الفكر الرجعي التقليدي الذي كان مهيمناً على مجتمعاتنا في ذلك الزمان.


مقالات ذات صلة

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أوروبا مسلمون يتجمّعون في المسجد الكبير بباريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أثار صدور بيانين مختلفين حول موعد بدء شهر رمضان في فرنسا حالة من الحيرة في أوساط المسلمين. والاختلاف هو إذا كان بداية رمضان يوم الأربعاء أم يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم رجل يصلي في مسجد خلال شهر رمضان (رويترز)

تراجع طفيف في عدد ساعات الصيام خلال رمضان 2026

يتهيأ المسلمون بمختلف أنحاء العالم لإحياء شهر رمضان لعام 2026 في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن عدد ساعات الصيام سيكون هذا العام أقل بقليل من 2025 

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا ميريما أفديتش تحمل العلم الصربي خلال المسيرة (رويترز)

مظاهرة جامعية تمنح الطلاب المسلمين في صربيا شعوراً بالانتماء

كان الانضمام إلى الآلاف في نوفي ساد لحظة مهمة بالنسبة إلى أفديتش؛ وهي طالبة تنتمي إلى أقلية البوشناق المسلمة الصغيرة في صربيا وترتدي ‌الحجاب.

«الشرق الأوسط» (نوفي بازار (صربيا))
أوروبا جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

طلب عميد «المسجد الكبير» في باريس، شمس الدين حفيز، من الأئمة التابعين للمسجد الدعاء لفرنسا في نهاية خطب الجمعة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق جانب من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في نسخته الأولى (واس)

بينالي الفنون الإسلامية في جدة... حوار المقدس والمعاصر

يجري العمل على قدم وساق لتقديم النسخة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في 25 من يناير القادم، ما الذي يتم إعداده للزائر؟

عبير مشخص (لندن)

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.