إعادة ترتيب البيت في شعرية الألفية الثانية

احتفظت بمسافة عن البناء التقليدي وتمسكت بالوزن والقافية

من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي
من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي
TT

إعادة ترتيب البيت في شعرية الألفية الثانية

من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي
من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي

شهدت التسعينات من القرن الماضي، في الجزيرة العربية والخليج، بروز شعرية مختلفة تمثلت في قصيدة النثر التي كسرت هيمنة قصيدة التفعيلة بعد أن تربع الشكل التفعيلي على عرش القصيدة طوال السبعينات والثمانينات من ذلك القرن على وجه التقريب. برزت قصيدة النثر لعدة أسباب، كان من أهمها سعي الشعراء لتجديد لغة القصيدة وبنيتها بعد أن بدا أن اللغة الشعرية أنهكتها عقود من الاستعمال، وصار من الصعب اجتراح جديد في تلك اللغة أو الأبنية. ذلك السبب نفسه كان وراء انتشار التفعيلة في السبعينات والثمانينات، وهو الآن وراء تحول آخر لم يلغِ ما سبقه، لكنه أضاف إليه على نحو يشي بشعور مشابه لذلك الذي أدى إلى التحولات السابقة.
مع بدء الألفية الثانية (وهناك من يقول إنها الثالثة) بدأت ملامح التحول إلى شعرية جديدة تلوح في الأفق، وتزاحم ما سبقها بنشر عدة دواوين لشعراء حققوا مكانة على الخريطة الشعرية، سواء في السعودية أو دول منطقة الخليج العربي الأخرى. الملمح الرئيس لتلك الشعرية المختلفة أو الجديدة هو استعادة الشكل المعروف بالتناظري أو العمودي، شكل الوزن والقافية والإيقاع الثابت غالباً. قصائد الشعراء الذين أشير إليهم هنا، وهم شعراء سعوديون، تستعيد ذلك الشكل في خروج واضح وربما حاد، ليس على قصيدة النثر فحسب، وإنما على قصيدة التفعيلة أيضاً، القصيدة احتفظت بالوزن وإلى حد ما بالقافية، لكنها غيرت عدد التفعيلات في أسطر القصيدة. هنا يستعاد البيت الشعري في مجمل الأعمال، ومع البحر الشعري الواحد (وإن نوّع البعض في البحور في القصيدة الواحدة). غير أن هذه الاستعادة للشكل الذي سأسميه البيتي وإن شاعت تسميته بالعمودي، لم تعنِ العودة للقصيدة بصورتها القديمة أو للقصيدة العمودية كما عُرفت في التراث العربي؛ أي الشكل التقليدي للقصيدة، بل إن هذه العودة أو الاستعادة تضمنت خروجاً حتى على الشكل البيتي بشكله الأحدث لدى شعراء معاصرين، مثل غازي القصيبي وجاسم الصحيح وغيرهما.
ما نجده لدى شعراء سعوديين آخرين، مثل عبد الوهاب أبو زيد ومحمد إبراهيم يعقوب وعبد اللطيف بن يوسف وهيفاء الجبري وحاتم الزهراني وسلطان السبهان وحيدر العبد الله، وغيرهم، هو خروج متعمد على الكثير مما اتسمت به القصيدة التناظرية، سواء من حيث المجازات أو المفردات أو معمار النص الشعري، على تفاوت بين الشعراء والقصائد في مدى ذلك الخروج وقيمته، لكن من المهم هنا أن أؤكد أيضاً أن الظاهرة المشار إليها لم تعنِ أن كل القصائد التي كتبها أولئك الشعراء تنسحب عليها سمات تلك الظاهرة؛ فلدى بعض أولئك الشعراء قصائد أقرب إلى قصائد التفعيلة أو ما عُرف بالشعر الحر، لكني أظن أن الغالب على المنتج الشعري لديهم أو لدى معظمهم هو الاحتفاظ بالوزن والقافية. وستقتصر أمثلتي على ذلك المنتج كما يتجلى في مقاربة القصائد لثيمة واحدة اخترتها لأهميتها، وزيادة في إيضاح ما تسعى هذه الملاحظات إلى إيضاحه. تلك الثيمة هي الشعر نفسه؛ إذ يتحول إلى ثيمة أو موضوعة للقصائد.
يقول عبد الوهاب أبو زيد في قصيدة من ديوان حديث بعنوان: «عشاء وحيد لروحي الوحيدة» (2021)... عنوان القصيدة: «إذا كان شعر»، ويلاحظ التصريع أو توافق القافية بين شطري مطلع القصيدة:
إذا كان شعر فليكن مفرداً حرّا
كومض شهاب في سماواته مرّا
أبيّاً فلا يحني له المال هامة
ولا يُشترى إذ أتعس الشعر ما يُشرى

لتنتهي بالتأكيد على حرية الشعر؛ إذ يطالب الناس بألا يقيدوا الشعر:
ولا ترسفوا في القيد من ليس كائناً
إذا لم يكن ما بينكم مفرداً حرا

المفارقة الواضحة هنا هي أن الشاعر اختار قيود الشعر المعروفة وهو يطالب بتحرير الشعر، التحرير الذي كان وراء الخروج على بنية القصيدة التقليدية حين بدأت حركة الحداثة لدى جيل بدر شاكر السياب، فعُرف شعرهم بالشعر الحر. ولربما أن أبو زيد لا يرى قيد الوزن والقافية قيداً حقيقياً، وإنما هو معنيّ بقيود معنوية تطالب الشعر بالخضوع للمادة.
القلق على مآلات الشعر هو ما يكمن خلف العديد من قصائد محمد إبراهيم يعقوب. في ديوان مبكر له عنوانه: «تراتيل العزلة» يعود لعام 2005، ينظم يعقوب قصيدة بعنوان: «تجليات أخرى» مطلعها:
بمن سوف أنجو... زورق الليل مغمد
وفي لجتي سيفان ناي وموعد

تتضمن بيته البديع:
صعدت المرايا... كلما خلتُ بهجة
تنبهت أن الفقد ما كان يصعد

لتنتهي القصيدة بقوله:
أنا لعنة الطوفان... أقصى رغائبي
ظهوري على أرض بها الشعر سيد!

تطرح هذه الأبيات من قصيدتي أبو زيد ويعقوب سؤالاً حول الهواجس التي دفعت بهؤلاء الشعراء وغيرهم إلى تبني الشكل التقليدي في القصيدة: هل هو الشعور باستنفاد قصيدة النثر والقصيدة التفعيلية لجماليات ودلالات لغتهما الشعرية، أو هو القلق على وضع الشعر، والرغبة من ثم في استعادة مكانته عبر إيقاع وشكل شعريين هما أقرب إلى الجمهور من حيث هما مألوفان ومن التراث؟ الاحتمال الأخير يفرض نفسه، لكنه لا يكفي لتفسير الظاهرة، الأمر الذي يجعل الاحتمال الأول وارداً بقوة، وقد يكون السببان مجتمعين وراء التغير الحاصل؛ ذلك أن اللغة التي تبناها بعض الشعراء ليست مما يعين على تحقيق هدف الجماهيرية، وإن عمل الإيقاع على اجتذاب البعض إلى النص الشعري.
قصائد محمد يعقوب، مثلاً، أنموذج لشعرية يصعب على عامة المتلقين التفاعل معها؛ فهي لغة تبحث عن رهافة المجاز وجدة التراكيب وما تحدثه من دهشة، وهو يذهب في هذا إلى أبعد مما يذهب آخرون. في قصيدة بعنوان: «أعراس المواقيت» من مجموعته «جمر مَن مرّوا» (2010)، يقول في مطلعها:
أفقنا على سكرة مرتين وسرنا لأرواحنا خطوتين

إلى أن يقول:
أناشيدنا ما تبقى لنا
من الحب والخبز والبين بين
مددنا يداً للكلام العصيّ فلما تعبنا مددنا اليدين
في البيتين الأخيرين تحديد لهوية الشعر، ووصف لمحاولات الوصول إليه نظماً وتلقياً. الشعر هو خلاصة الحب والعيش وما بينهما من تفاصيل الحياة، والشعر كلام عصيّ نسعى له مرة، وحين نتعب لا نتوقف، بل نواصل السعي (وهي مفارقة خارجة عن مألوف التعبير؛ لأننا نتوقع أن تكون نتيجة التعب التوقف). إنها صور للشعر لا يتيسر لكل المتلقين استكناهها مثلما أن الشاعر لم يصل إليها بيسر؛ فهي كلام عصيّ على الجميع. تناظرية الشكل هنا وفي قصائد أخرى ليعقوب تتأسس على مقاربة الشعر من حيث هو كلام عصيّ. يؤكد ذلك ما نجد في أحدث دواوين الشاعر، وهو: «مجازفة العارف» (2022)؛ إذ يتكرر التمحور حول الشعر وتلقيه في قصيدة بعنوان: «إرث شخصي»، وإن على نحو مخاتل وعصيّ. القصيدة هنا تنزيل سماوي، استراق للسمع كالذي فعله الجن في الآية القرآنية:
وجودك لم يروَ
استرقت قصيدة من العالم العلويّ
فانهال عالم
(هكذا رسم البيت في الديوان، وكان يمكن للشاعر أن يكتب النص على شكل بيتي هو:
وجودك لم يرو استرقت قصيدة
من العالم العلوي فانهال عالم)

ويمضي النص إلى أن نصل إلى قوله مخاطباً الشاعر في نفسه:
نجيّاً...
تربي الهامشي وتحتفي
بكل جنوح لم تقله المعاجم

الشعر هنا ليس استراقاً لكلام سماوي فحسب، بل هو احتفاء أيضاً بالمهمش وبما لا تضمه المعاجم من الألفاظ المرفوضة. المهمش والجانح من مفردات تقع ضمن الأسس التي قامت عليها قصيدة النثر، ويتضح هنا أنها أساس أيضاً لشعرية لا تتردد في الانتظام في بحور الشعر التقليدية. هذا مع أن ترتيب الأسطر في الديوان لا يوحي بأن الأبيات منتظمة ضمن تلك البحور، كأنما هي محاولة للاحتفاظ بمسافة عن البناء التقليدي الذي قد يوهم بعض القراء بأنهم يقرأون قصائد تقليدية، لكن هذه وإن تكررت في غير مجموعة شعرية، فإنها تظل مسألة هامشية؛ لأن الإيقاع أقوى من رسم البيت على الصفحة، ودلالات الشعر وجمالياته أقوى من الإيقاع.
الأمثلة من شعراء آخرين كثيرة، وليست أقل أهمية أو قدرة على تمثيل الظاهرة المشار إليها، لكن المساحة تضيق عن استيعابها.

* جزء من ورقة أُلقيت
بمهرجان الشعر الخليجي بالبحرين في نوفمبر الماضي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».


حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم، ويتحدثون عن انطباعهم حول المقصد السياحي المصري الذي زاروه.

وتتضمن الحملة مقاطع فيديو في أماكن متنوعة، من بينها مقاصد تاريخية مثل المعابد والأهرامات ومناطق السياحة الثقافية عموماً، وكذلك مقاطع فيديو في السواحل المصرية؛ حيث السياحة البيئية والشاطئية والعلاجية وسياحة المؤتمرات.

وتأتي هذه الحملة، التي تنفذها الهيئة العامة للتنشيط السياحي بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، في إطار توجيهات وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بضرورة توثيق ونقل تجارب السائحين من مختلف الجنسيات بشكل يومي خلال زيارتهم الحالية لمصر، بما يعكس ما تنعم به البلاد من أمن وأمان واستقرار، ويبرز استمتاع الزائرين بتجاربهم السياحية، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتسعى الحملة الإعلامية المصوّرة، التي انطلقت الخميس، إلى إبراز الأجواء الإيجابية والحركة السياحية بالوجهات المصرية؛ حيث تعتمد على تصوير مقاطع فيديو قصيرة مع السائحين بشكل يومي في عدد من الوجهات السياحية المختلفة، يتم نشرها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة والهيئة والاتحاد والغرف السياحية.

كما تهدف المقاطع إلى التعرف على ردود فعل السائحين وانطباعاتهم، بما يُسهم في رصد مؤشرات الحركة السياحية في ظل الأحداث الإقليمية الراهنة، ودعم الجهود المبذولة للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزائرين، وتعزيز تجربة السائح بالمقصد السياحي المصري.

فيديو من الحملة الترويجية أمام الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

وأكد رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن المقاطع التي يتم تصويرها مع السائحين تؤكد أن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري ما زالت تعكس شعورهم بالأمن والأمان خلال الزيارة، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على نقل تجارب أكبر عدد من السائحين في الوجهات السياحية المصرية المختلفة.

ولفتت سوزان مصطفى، رئيس الإدارة المركزية للتسويق السياحي بالهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إلى أن هذه المقاطع تتيح نقل صورة حية ومباشرة للحركة السياحية في مصر، من خلال عرض التجارب الحقيقية للسائحين وانطباعاتهم خلال زيارتهم، وإبراز ما يتمتع به المقصد السياحي المصري من مقومات سياحية متنوعة وبيئة آمنة ومستقرة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، هذه الحملة «من أهم أدوات الترويج حالياً، وهي خطوة توثق تجربة السائحين في المقصد السياحي المصري».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السائح لم يعد يعتمد على الإعلانات التقليدية، ولكنه ينجذب أكثر للتجارب الحقيقية، فحين نقدم تجارب حية وواقعية تنتقل بسهولة للسائحين الآخرين، وكأن السائح بمنزلة سفير لمصر في الخارج؛ يتحدّث عنها ويبرز تجربته فيها، بما يجذب سائحين آخرين إليها».

الغردقة من المقاصد السياحية المصرية الجاذبة للأجانب (وزارة السياحة والآثار)

وعدّ كارم أن «الهدف الأساسي من هذه الحملة توجيه رسالة بأن مصر دولة آمنة مستقرة تتمتع بالتنوع السياحي من حضارة وتاريخ وطبيعة، ما يُسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية للمقصد السياحي، وهو ما أتوقع أن ينعكس على زيادة معدلات الزائرين ومعدلات الإشغالات والإقبال على المقصد السياحي المصري».

ويُمثل قطاع السياحة أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، ووصل عدد السائحين الذين زاروا مصر العام الماضي إلى نحو 19 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم تحققه من قبل، وتطمح مصر لجذب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031، من خلال برامج ترويجية متنوعة، من بينها برنامج أطلق قبل فترة بعنوان «تنوع لا يضاهى» لتأكيد تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري.