هل يجوز لنا أن ندّعي امتلاك الحقيقة؟

ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
TT

هل يجوز لنا أن ندّعي امتلاك الحقيقة؟

ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)

السائدُ بين الناس في جميع الحضارات أنّ الهويّة تُبنى على الحقيقة. ما من أحدٍ يرغب، وهو يَنعم بوعيه الكامل، في بناء ذاتيّته على الضلال. حتّى الانحراف الذي نعاينه في فكر الآخرين وفي مسلكهم إنّما يرمز في مداركهم إلى عين الحقيقة. غالباً ما تكون الحقيقة التي أدافع عنها ضلالاً في نظر الآخرين، والحقيقة التي ينتصرون لها زيفاً في نظري. ومن ثمّ، يَتبيّن للجميع أنّ الحقيقة مَطلبُ الإنسان الأوّل والأخير، حتّى لو أفصح الناسُ عن هذا المطلب في صُوَر شتّى، وكيفيّات متباينة، وتعابير مختلفة. غير أنّ اعتصام الجميع بمطلب الحقيقة يستثير فينا استفساراً فلسفيّاً خطيراً: إذا كان الجميع يُصرّون على معرفة الحقيقة وإدراكها والاعتصام بها والسير على هديها، فيكف يُعقَل أنّ الناس يختلفون اختلافاً مُربكاً في مسائل الفكر وقضايا الاعتقاد وأنماط المسلك؟
لا يخفى على أحد التعليلُ الإقصائيُّ الذي يستجلي الاحتمالات المعرفيّة الثلاثة: إمّا أن يكون الجميع على ضلال، وإمّا أن تكون فرقةٌ واحدةٌ ناجيةً وسائرُ الملَل على ضلال، وإمّا أن يكون الجميع على حقّ. غير أنّ الاحتمال الثالث هذا يستوجب القول إنّ الحقيقة التي يدّعي الجميعُ الانتسابَ إليها إنّما تتحقّق في معرفة نسبيّة ناقصة لا تؤهّلنا لادّعاء الإمساك بالحقيقة. لا بدّ، والحال هذه، من التذكير بأنّ الادّعاء المعرفيّ المهيمن في جميع المجتمعات يميل إلى تأييد الاحتمال الثاني الذي يؤثِر انتسابَ الذات إلى الحقيقة، وإعراضَ الآخرين عنها. في جميع الأحوال، لا نستطيع أن نفصل فصلاً قاطعاً في هذه المسألة، إذ إنّ العقدة الأصليّة تكمن في استحالة تعريف الحقيقة تعريفاً جامعاً مانعاً. وهذا ما أودّ أن أبيّنه في التحليل الفلسفيّ الوجيز الذي أسوقه هنا.
وعليه، يجب أن نبدأ فنتدبّر بعض القواعد المنهجيّة الضروريّة الخليقة بإرشادنا إلى السبيل الفكريّ الأقوم والأنسب. ذلك بأنّ منهجيّة التفكير تؤثّر تأثيراً بالغاً في الخلاصات التي يمكن أن يُفضي إليها العقلُ المتأمّلُ في مقام الحقيقة. تقضي القاعدة الأولى بأن يراعي الإنسانُ أحكامَ الوضعيّة التاريخيّة التي تكتنف الحقيقة. فالتاريخ البشريّ التعدّديّ التلمّسيّ النسبيّ هو الموضع الوحيد الذي يختبر فيه الإنسانُ الحقيقةَ. لا يمكننا أن ننفصل عن قرائن هذا العالم حتّى نختبر الحقيقة المطلقة في ملء كمالها. لا ضرورة هنا للتذكير بنقديّة كانط الصائبة حين رسم أنّ كلّ معرفة تبدأ على المستوى الحسّيّ الخاضع لقوانين الزمان والمكان.
من طبيعة أحكام الوضعيّة التاريخيّة أن يتّضع الناسُ حين يتحدّثون عن الحقيقة، حقيقتهم الذاتيّة وحقيقة الآخرين والحقيقة بحدّ ذاتها. من مقتضيات الاتّضاع المعرفيّ أوّلاً أن يعترف الناسُ بأنّ كلّ حقيقة من حقائق الوجود لا تستقيم إلّا بارتباطها الوثيق بالقرائن التاريخيّة التي نشأت فيها. ومن ثمّ، فإنّها تخضع لمنطق الصيرورة التاريخيّة وحركة التبدّل والتطوّر. من هذه المقتضيات ثانياً أنّ الحقيقة ترتبط بالنيّات التي تنطوي في أفعال الناس. بيد أنّ هذه النيّات أشبهُ بمقاصد منحجبة تخضع لقانون الظهور التدرّجيّ، والاستنضاج المرحليّ، والاستيضاح المتنامي. ليست النيّة الدفينة واضحةَ المعالم في أذهان الأفراد الفاعلين في التاريخ، ولا في مدارك الذين يعاينون أثر هذه الأفعال. لذلك لا يجوز لنا أن نتسرّع في الحكم القاطع على حقيقة هذا الفعل أو ذاك، ما دام على اقترانٍ وثيقٍ بفكرةٍ منحجبةٍ ما برحت في طور الظهور النامي.
من هذه المقتضيات ثالثاً أنّ الحقيقة تقترن بوجهة نظر القائلين بها، أي بالبيئة الثقافيّة التي يحيون فيها، وبالطبقة الاجتماعيّة التي ينتمون إليها، وبالاختبارات الذاتيّة التي أينعت في وعيهم، وبالانتظارات الطموحيّة التي يحتضنونها. من هذه المقتضيات رابعاً أنّ الحقيقة مقترنةٌ باللغة، واللغة لغاتٌ وألسنةٌ في أرجاء المسكونة الفسيحة. بما أنّ لكلّ لغة آفاقها وحدودها، فإنّ الحقيقة نسبيّةٌ في أصلها، أي منتسبةٌ إلى حدود اللغة التي نشأت فيها، ترسم لنا صورةً عن الواقع تَغلب عليها سماتُ الجزئيّة والاقتطاعيّة والانتقائيّة والمنظاريّة. اللغة صورةُ العالم في قرائن التعبير المقيَّد بهويّة الجماعة الثقافيّة. على غرار اللغة، لا يمكن الحقيقة أن تستقبل جميع تصوّرات الواقع، إذ إنّ طاقاتها التعبيريّة، على عظمتها وبهائها وغناها، لا تستوعب اختبارات الحياة في تنوّع تجلّياتها.
من هذه المقتضيات خامساً أنّ الحقيقة مفطورةٌ على التأويليّة، إذ إنّ الاختبار الإنسانيّ يستند على الدوام إلى حقلٍ من الفهم السابق الذي يتقدّم على صوغ الحقيقة وإدراكها. يعني هذا القول أنّ الوعي الإنسانيّ يعتنق الحقيقة قبل أن ينطق بها، أي أنّه يتصوّر الكون والعالم والحياة والوجود والإنسان والتاريخ تصوّراً متقدّماً على جميع الحقائق التي يناصرها، إذ إنّه وعيٌ منغرسٌ في وضعيّة الانتماء الثقافيّ التاريخيّ الضروريّ منذ هبة الولادة التي فُرضت عليه فرضاً. ذلك بأنّ الإنسان العارف ينخرط في موضوع معرفته انخراطاً ذاتيّاً، فيدرك الحقيقة بحسب بنيته الإدراكيّة. لكلّ إنسانٍ بنيتُه الاختباريّة في قول الحقيقة، على ما كان يذهب إليه توما الأكوينيّ (1225 - 1274) إنّ «الأمور التي يَعرفها الإنسانُ إنّما يأتيها بحسب الكيفيّة المعرفيّة التي فُطرت عليها ذاتُه العارفةُ» (الخلاصة اللاهوتيّة). ومن ثمّ، لا يجوز أن تنشأ معرفةٌ إنسانيّةٌ محايدةٌ، موضوعيّةٌ، مطلقةُ الصلاحية، منسلخةٌ عن بنية الإنسان العارف.
من هذه المقتضيات سادساً أنّ الحقيقة حواريّةٌ في صميم جوهرها. ذلك بأنّ المعرفة لا تُكتسَب اكتساباً منعزلاً عن سياق التنوّع الإنسانيّ الكونيّ، بل في قرائن المواجهة التقابسيّة المغنية بين الأفراد. أغنى الحقائق تلك التي يفوز بها الناس شيئاً فشيئاً بالتضامن الصادق، والتحاور المنفتح، والتقابس المعقود على استنطاق وقائع الوجود من غير تشويه أو تضليل أو هيمنة. وحده نهج المساءلة والإجابة خليقٌ باستنباط أفضل صيَغ الحقيقة التاريخيّة الممكنة.
إذا تقيّد الناسُ بمثل هذه الأحكام، استطاعوا أن ينهجوا نهجاً سلاميّاً في تدبّر تنوّع التصوّرات الفكريّة المبثوثة في أرجاء المسكونة قاطبة. ولكن هل يضطرّنا ذلك كلُّه إلى التنكّر للحقيقة التي نركن إليها ونعتصم بها ومنها نغترف معاني حياتنا؟ ليس المطلوب انتباذ الحقيقة التي تعوّدنا الاستناد إليها، بل التمييز بين ضربَين من الحقيقة: الحقيقة الاقتضائيّة، والحقيقة الاعتقاديّة. تدلّ الأولى على جميع الخلاصات العلميّة التي أفضى إليها النموذج المعرفيّ السائد في حقبةٍ من حقَب التاريخ الإنسانيّ، في حين تشير الثانية إلى التصوّرات الاستنسابيّة التي يرتاح إليها الناسُ في حقولٍ شتّى من الوعي والإدراك والاختبار. يقيني أنّ معظم حقائق الوجود اعتقاديّة، في حين تقتصر الحقائق الاقتضائيّة على بضعة من مسلّمات علميّة قاهرة التي لا يجوز أن يرفضها عاقلٌ، ولو أنّ الخلفيّات المعرفيّة الإبّيستِمولوجيّة الناظمة لا تني تتغيّر وتتطوّر وفقاً لاتّساع رقعة الاختبار العلميّ وتبدّل قوانين الفضاء الذي تنشط فيه هذه الاختبارات.
أمّا الاعتقاديّات فتملأ الوعي الإنسانيّ الفرديّ والجماعيّ، وذلك بخلاف ما يعتقد معظمُ الناس. في العلوم الإنسانيّة، وفي الفنّيّات، وفي الدِّينيّات، وفي الاجتماعيّات، لا يستقرّ الناسُ على رأي واحد، إذ تخضع أحكامُهم لمبدأ التأويل التاريخيّ. مَن منّا يستطيع أن يجزم جزماً قاطعاً تفسيرَ أثر الإمبراطوريّة الرومانيّة في تاريخ البشريّة؟ مَن منّا يستطيع أن يبتّ بتّاً حاسماً طبيعة الفائدة التي جنتها الحضارة من اكتساح الأُوروبّيّين الأرضَ الأمِيركيّة في القرن الخامس عشر؟ مَن منّا يستطيع أن يقرّر قراراً مطلقاً فيعلن أنّ معزوفة بيتهوفن أعذب من معزوفة موتسارت؟ أو أنّ ملحمة غيلغامش أرقى من ملحمة هوميروس؟ أو أنّ رسومات القرون الوسيطة أجملُ من ابتكارات التكعيبيّين المعاصرة؟
حتّى في المسائل الطبّيّة أو القرارات الحياتيّة أو الاختيارات الوجوديّة لا يستطيع الناس أن يقطعوا أمراً من الأمور من غير أن يستندوا عفويّاً إلى الاستنسابيّة الذاتيّة التي تُلهم وعيهم وتوجّه مداركَهم. مَن منّا يجرؤ فيفاضل بين حياة الأمّ أو حياة الجنين في حال خطر الموت المحدِق؟ أو بين المصابين بـ«كورونا» في حال عجز المستشفى عن معالجة الجميع؟ أو بين الاستثمار في الطاقة البيئيّة النظيفة المتجدّدة المحدودة الإمكانات، والطاقة النوويّة الواسعة المجالات في حال العزم على استنقاذ الناس الغارقين في ظلمات الفقر والجهل؟
لن أطيل اللائحة التي قد تبلغ حدود الاستفسار عن أحقّيّة المعتقد الدِّينيّ هذا أو ذاك، أو المذهب السياسيّ هذا أو ذاك، أو المسلك الاجتماعيّ هذا أو ذاك. جلُّ المسألة أنّ قرارات الإنسان الحياتيّة الأساسيّة إنّما تنسلك في حقل الحقيقة الاعتقاديّة، ولو أنّ معظم الناس، حرصاً منهم على أعظميّة قرارهم وصوناً لمنعتهم النفسيّة القائمة على التيقّن اليوميّ من صحّة الاعتناق، يرفضون حصرَ حقائقهم في حقل الاعتباريّات الذاتيّة النسبيّة. غير أنّ مثل هذا الحصر لا يُبطل بهجة الإنسان بما يركن إليه من حقائق، شرطَ أن تحترم حقائقُه هذه أصولَ التعامل الإنسانيّ المبنيّ على مبادئ شرعية حقوق الإنسان الكونيّة وقيَمها الهادية. لستُ من الذين يظنّون أنّ اعتقاديّة الحقيقة تُهين مُعتنقَها. غير أنّي لا أقبل أن يُهين مدّعي الإمساك بالحقيقة المطلقة كرامةَ الناس حين يَفرض عليهم استعلاءَه المرَضي الخبيث. ليست كرامة الحقيقة في المفاضلة بين صفتها الاعتقاديّة وصفتها الاقتضائيّة، بل في حرص الإنسان على احترام الكرامة الإنسانيّة في شخصه وفي شخص الآخرين.

- مفكر لبناني


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بيروت تخلع الأسوَد وتنتقل إلى الضوء... عرضٌ تعبيريّ راقص يروي الحكاية

عرضٌ للباليه المعاصر بعنوان «أسود» يجسّد الانتقال من العتمة إلى الضوء (الشرق الأوسط)
عرضٌ للباليه المعاصر بعنوان «أسود» يجسّد الانتقال من العتمة إلى الضوء (الشرق الأوسط)
TT

بيروت تخلع الأسوَد وتنتقل إلى الضوء... عرضٌ تعبيريّ راقص يروي الحكاية

عرضٌ للباليه المعاصر بعنوان «أسود» يجسّد الانتقال من العتمة إلى الضوء (الشرق الأوسط)
عرضٌ للباليه المعاصر بعنوان «أسود» يجسّد الانتقال من العتمة إلى الضوء (الشرق الأوسط)

هي حكاية العبور من العتمة إلى النور تلك التي يرويها عرض «أسوَد» للباليه المعاصر على خشبة مسرح «مترو المدينة» في بيروت. ينطلق العرض مساء 17 يوليو (تموز) على أن يستمر 3 ليالٍ متتالية.

تتحدّث جنى يونس، المديرة الفنية لـ«فرقة بيروت للباليه المعاصر» لـ«الشرق الأوسط» عن خصوصية المشروع، موضحةً أنه «قبل أي شيء، بمثابة تحيّة لقدرة البشر على تخطّي الشدائد والعبور نحو الضوء والقوّة».

ملصق العرض الراقص الذي يستضيفه مسرح «مترو المدينة» في بيروت (فرقة بيروت للباليه المعاصر)

في ظلّ مخاوف من حرب وشيكة قد تندلع في لبنان، يتدرّب راقصو العرض الستّة يومياً منذ أكثر من شهر. يخلعون القلق قبل الدخول إلى الاستوديو، «وإلّا فسنجلس من دون أن نقوم بشيء»، تقول جنى يونس. تُقيم ورفاق الفرقة البيروتيّة في فقاعة من الرقص والموسيقى.

قصة الانتقال من الظلام إلى النور يحكيها الراقصون بأجسادهم، كما تعبّر عنها بنية العَرض المستوحاة من شعر «الهايكو» الياباني. على مدى 35 دقيقة، يجد مشاهدو عرض «أسوَد» أنفسهم أمام مجموعة من المشاهد التعبيريّة القصيرة المتتالية، التي تعود لتتكامل ضمن حلقة واحدة في النهاية؛ وكأنها أبياتٌ مبعثرة من قصيدة، تلتقي لتكتمل الصورة في الختام. وفي طيّات الخطوات المتناسقة والتناغم الاستثنائي بين الراقصين، رسالةٌ تحمل أبعاداً نفسية مفادُها بأنّ الصراعات البشريّة، داخليّةً كانت أو مع الآخرين، فإنها لا تطفئ الأمل بالخلاص.

يحمل العرض رسائل نفسية وإنسانية خلف الخطوات الراقصة (الشرق الأوسط)

تنبثق الحركات الراقصة من تقنيات الباليه، إلّا أنّ الأجساد تتحرّر من القواعد الفنية الصارمة، لتملأ مساحة الخشبة وتروي القصة من دون قيود. تنتقد يونس ما تسمّيه «عصر اللا حركة الذي يسود عالم الرقص حالياً»، لافتةً إلى أنّ «أسود» يستند إلى كثيرٍ من الحركة والتعبير الجسديَّين، مع الحفاظ على تقنياتٍ على قدرٍ عالٍ من الاحتراف.

أما تسمية «أسود» فتعتبرها يونس «بديهيّة، لأننا نعبّر عن الخروج منه إلى ما هو أفضل». إنّها قصة أمل سيجد الجمهور نفسه منخرطاً فيها ومتمسّكاً بها، بفضل الأداء الراقص الذي يثبّت الانتقال من الضيق إلى الوساعة. ثم تأتي الموسيقى بوتيرتها التصاعديّة لتُكمل المشهد. هي من تأليف الملحّنة والمغنّية الفلسطينية الشابّة ماكي مكّوك، وعلى الرغم من كونها إلكترونية فإنّ روحها شرقيّة ولا تخلو من بعض العبارات العربيّة.

عن هذا الخيار الموسيقي تتحدّث جنى يونس: «حرصنا على أن تكون أصليّة أي أن تكون مكتوبة خصيصاً من أجل عرضِنا، وأن تحمل الطابع الشرقي كوننا أبناء بيروت وكون فننا طالعاً من هذه المدينة العربية التي تحمل فرقتُنا اسمَها».

جنى يونس وينس بييرغارد المديران الفنيان لفرقة بيروت للباليه المعاصر (الشرق الأوسط)

لم يأتِ انتقاء موضوع العرض الراقص عبثاً، فهو يعبّر عن صلب قضية جنى يونس و«فرقة بيروت للباليه المعاصر». بقناعةٍ تسلّحت بها الفرقة منذ انطلاقتها عام 2018، تقول الراقصة ومصمّمة الرقص اللبنانية: «محتوى العرض هو انعكاس لإيماني الشخصيّ بأنه يمكن أن ينبثق شيء جميل من هذا المكان المعتم». وتتابع بشغف وحماسة: «دعوتي، لا بل قضيّتي، هي البقاء في بيروت وصناعة أعمالٍ هنا، نصدّرها إلى الخارج بدل أن نصدّر الأشخاص والأدمغة والمواهب».

على طريقتها وبقوّة الرقص، تضيء الفرقةُ المدينة وتبعث فيها الأمل. تستعدّ لجولة أوروبية، وهي غالباً ما تحمل عروضَها إلى الخارج، لكن لا ميناء بديلاً عن بيروت. من أبرز تلك الرحلات، زيارة إلى كوبا الخريف الماضي تعاونت خلالها «فرقة بيروت للباليه المعاصر» مع فرقة من الراقصين الكوبيّين، فقدّموا مجموعة من العروض المشتركة.

من زيارة الفرقة إلى كوبا حيث انضمّ إليها راقصون كوبيّون في عرضٍ مشترك (فرقة بيروت للباليه المعاصر)

جرى توثيق تلك التجربة بكاميرا المخرج نويل بول، لتتحوّل إلى وثائقي قصير بعنوان «Making Movement» (صناعة الحركة). بهذا الفيلم يُفتتح عرضُ «أسود»، ثم يليه وثائقي قصير آخر بعنوان «One for the Dreamers» (من أجل الحالمين). اللغة التي توحّد الفيلمَين هي الرقص، أما موضوع الفيلم الثاني فهو الخروج من منطقة الأمان والدوائر الضيّقة التي تقيّد حرية الإنسان، وفق ما تشرح جنى يونس. ويتلاقى ذلك مع الطرح الذي يقدّمه عرض «أسوَد».

لا تنحصر أعمال «فرقة بيروت للباليه المعاصر» بخشبة المسرح، وتوضح جنى يونس: «نحن نعمل ضمن أبعادٍ عدّة منها المسرح، والشاشة، والاستوديو، إضافةً إلى الفضاء الرقمي والسوشيال ميديا. الأمر متعب لكنه يتيح لنا الوصول إلى قواعد جماهيريّة متعددة».

لقطة من وثائقي «One for the Dreamers» (الشرق الأوسط)

منذ تأسيسها، تركّز الفرقة على سرد الحكايات من خلال الرقص، مما يتيح الوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور. وفي السياق، تؤكّد يونس أن «لدى الرقص قدرة فائقة على الغوص في الأعماق البشريّة وتشريح المشاعر الإنسانية».

في عروضها على الخشبة، تعتمد الفرقة الديناميّةَ مفتاحاً، وتضع نصب عينيها هدف تحويل التعبير الراقص التجريدي إلى رسالة ذات معاني غير متوقّعة إنما واضحة. أما على الشاشة، فغالباً ما تخوض شراكاتٍ ساعيةً إلى الارتقاء بالمحتوى والتواصل، وذلك من خلال تدريب الفنانين على الأداء الراقص في الفيديو كليبات والأفلام القصيرة والإعلانات.

توضح يونس أن استوديو «فرقة بيروت للباليه المعاصر» ليس مدرسة لتعليم الرقص، إلّا أنّه تحوّل مع الوقت إلى ملتقى للمواهب الراقصة من بيروت والمنطقة.