أحفاد تولستوي ودوستويفسكي يواجهون حرباً ثقافية ساخنة

صار الأدب الروسي ما بعد الاتحاد السوفياتي ثقباً أسود للقارئ العربي

أحفاد تولستوي ودوستويفسكي يواجهون حرباً ثقافية ساخنة
TT

أحفاد تولستوي ودوستويفسكي يواجهون حرباً ثقافية ساخنة

أحفاد تولستوي ودوستويفسكي يواجهون حرباً ثقافية ساخنة

لا أظنُّ أنّ نابوكوف جانَب الصواب أو كان منقاداً انقياداً أعمى لإملاءات جيناته الروسية أو فروض نوستالجيا الطفولة والشباب عندما وصف الأدب الروسي بأنّه «الألعاب النارية التي أضاءت عالم الأدب العالمي بأنوارها المبهرة». هذا استحقاق كامل ومنصفٌ تماماً للأدب الروسي.
يتّفق معظم النقّاد والمشتغلين في حقول الأدب والرواية وتاريخ الأفكار والثقافة، على أنّ الأدب الروسي - وبخاصة في الحقبة القيصرية – هو أحد الروافد الحيوية التي ساهمت في تشكيل الرواية العالمية. كلّ الكُتّاب العالميين (حتى لو كانوا من أولئك الموصوفين بغُلاة مروّجي فكر ما بعد الحداثة) صرّحوا بأنهم شرعوا في القراءة الأدبية الجادة المقترنة بالمتعة بعد أن وقعت أعمال الكُتّاب الروس العظام (تولستوي، دوستويفسكي، غوغول، تشيكوف،،،) بين أيديهم. أظنُّ أننا نتفقُ في أنّ هؤلاء الكتّاب يمثلون الجوهرة في تاج الأدب الروسي الذي طاله الكثير من العبث الايديولوجي في إطار ما يسمى «الواقعية الاشتراكية» في حقبة الاتحاد السوفياتي. المثال العالمي يصحُّ في عالمنا العربي؛ إذ من النادر للغاية أن نعثر على محبّ للأدب في العالم العربي لم يبدأ سلسلة قراءاته الأدبية بقراءة أحد روائع الترجمات العربية للأدب الروسي. هل بيننا من يمكن أن ينسى الجهود العظيمة لمترجمي الأدب الروسي إلى العربية من أمثال سامي الدروبي وضياء نافع وحياة شرارة وغائب طعمة فرمان،،،؟
كثيرون منّا قرأوا في - شبابهم الأوّل أو فيما بعد - الأدب العالمي بكلّ كلاسيكياته المعروفة؛ لكن تبقى للأدب الروسي في الحقبة القيصرية سطوته الكبرى ولذّته السحرية. إذا كان كلّ الأدباء الروس قد خرجوا من معطف غوغول فلن يكون من قبيل المبالغة أنّ القرّاء العالميين خرجوا من جبة تولستوي. ثمّة عنصر روحي غريب في الأدب الروسي إبان الحقبة القيصرية يجعل هذا الأدب عصياً على التجاوز بفعل مقادير الزمن، كما يجعل من القراءات الأولى لذلك الأدب لصيقة بالروح والعقل. هل يمكن أن ننسى «آنا كارينينا»؟ هل يمكن أن نتغافل عن «راسكولنيكوف» دوستويفسكي؟ حتى لو أعدنا قراءة أعمال الأدب الروسي الأولى التي قرأناها من قبل فسنقرأها بكلّ الشغف الروحي والانغماس الكامل في عوالمها كما فعلنا من قبل. ربما لهذا السبب صارت هذه الأعمال شاخصاً رئيسياً في صناعة روح الأمة الروسية التي ما كان في استطاعة المتغيرات السياسية اللاحقة أن تدجّنها أو تدخلها عنوة في إطار آيديولوجي ضيق لا يسعها ولا ترتاحُ إليه.
عانت روسيا – الأمّة استحالات جيوسياسية كبرى نجمت عن سطوة الاتحاد السوفياتي الجبارة لكونه قوة عظمى أعادت رسم المشهد العالمي على كلّ الصعد، ثمّ حصل ما حصل في بداية تسعينات القرن الماضي عندما تفكّكت المنظومة السوفياتية (أو جرى تفكيكها بالأصح) بفعل ألاعيب عتاة السياسة العالمية وتخاذل بعض الروس من داخل قلب الأمة الروسية. يلاحظ المتابع لشأن الأدب الروسي، أنّ ترجمات إبداعات الأدب الروسي إلى العربية إبان الحقبة السوفياتية كانت معقولة وإن انطوت على أسماء محدّدة ذوات توجهات تخدم الرؤية الفلسفية والسياسية لمنظومة الحكم (وهذا ما تفعله كلّ منظومات الحكم بأساليب مختلفة حتى لو تلفّعت بمسميات من قبيل الليبرالية)، فضلاً عن تخصّص بعض المترجمين العرب في ترجمة الأدب الروسي؛ لكنْ حصلت قطيعة ترجمية مع حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي بحيث صار الأدب الروسي ثقباً أسود للقارئ العربي الذي ما عاد يعرفُ كيف انعكست مفاعيل انكفاء الاتحاد الروسي إلى حدود «فيدرالية روسية» على طبيعة العيش وتفكير الروس ورؤيتهم للعالم، وكذلك كيف انخذلت أرواحهم التي كانت تتوق لخطف لذّات العالم بدل الوقوف في طوابير طويلة لنيل بعض «الزبدة» مثلاً، ثم اكتشفوا الحقيقة الصارخة: سياسات السوق الحرة أكذوبة كبرى مثل كلّ الآيديولوجيات، وأنّ غير القادرين على صناعة حياة فضلى لهم بإرادتهم الذاتية لن يقدّم لهم الآخرون سوى أكياس من «الملابس المستعملة» بعد أن أوهموهم بفراديس موعودة ما كانت إلا سراباً.
لا بد في هذا الشأن من التنويه بجهود مترجمين عرب معاصرين للأدب الروسي، ولعلّ في مقدّمتهم الدكتور تحسين رزاق عزيز، الذي يعمل بجهود حثيثة في ترجمة عيّنات منتخبة من الأدب الروسي المعاصر بما يمكن أن يقدّم صورة معقولة عن طبيعة الحراك السائد في هذا الأدب الذي نشرت دار «المدى» العراقية أعمالاً عديدة ممثلة له، منها «صبية من متروبول» للروائية لودميلا بيتروشفيسكايا، «ميديا وأبناؤها» و«الجنازة المرحة» للكاتبة لودميلا أولينسكايا، «لاوروس» و«الطيار» للكاتب يفغيني فودولازكين، «ذهبُ العصيان» للكاتب أليكسي إيفانوف.
قراءة أعمال أحفاد تولستوي المعاصرين تجربة رائعة، وأراها تتقدّمُ كثيراً على أعمال روائية عالمية معاصرة بدت لي عقب الانتهاء من قراءتها ضرباً من ملاعبة العبث؛ لأنها تفتقد ذلك الزاد الروحي المُشبِع الذي مكّن الروائيين الروس المعاصرين من الجلوس إلى مائدة تولستوي العظيم ومشاركتنا بأطايب الصنائع الأدبية.
في مقابل أحفاد تولستوي وديستويفسكي، المخلصين لجماليات الفن الروائي، شاع في العقديْن الأخيرين من الحقبة السوفياتية نمطٌ روائي يمكن وصفه بالانتماء إلى ثقافة القيعان المجتمعية Underground Culture. يختصُّ هذا النمط الروائي بخصيصتين مميزتين: محاولة الإيغال في تعتيم صورة العوالم الديستوبية للمجتمع السوفياتي بما يجعل الفن الروائي منطوياً على حمولة سياسية مباشرة، وتكثيف المفردات اليومية السائدة وعدّها بديلاً موضوعياً وجمالياً عن اللغة الرفيعة. ربما يكون فلاديمير سوروكين Vladimir Sorokin، مهندس النفط الروسي المولود عام 1955، الممثل الأخلص لهذه الثقافة. لا ينفي سوروكين إخلاصه وتمثيله للثقافة الديستوبية الحالكة، وتسويغه لفعلته هذه أنّ تاريخ القرن العشرين يضمّ الكثير من الكليشيهات الثقافية الجاهزة التي يمكن أن تضبب وقائع التاريخ الحقيقية.
يرى سوروكين أنّ روسيا لم تدفن ماضيها كما فعلت ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، وأنّ من أهمّ واجباته هو تعرية الماضي السوفياتي تمهيداً لدفنه، وهذا ما اعتمده في رواياته الأولى وبخاصة في ثلاثية الثلج Ice Triology، ثم في يوم أوبريتشنيك Day of the Opritechnik، ثم في العاصفة الثلجية The Blizzard، وكلها ذات محمولات سياسية معارضة للسياسة الرسمية الروسية (ومنها السياسة البوتينية).
جاءت الحملة العسكرية الروسية على أوكرانيا لتعجّل في وتيرة ضخّ الزيت على نار الحرب «الثقافية» الباردة التي عاودها الغرب بالضد من روسيا، وكان من نتائج هذه الحرب الثقافية تسريع وتيرة ترجمة بعض الأعمال الروائية الروسية (المعارضة للسياسة البوتينية) إلى الإنجليزية، وهكذا شهدنا في بضعة أشهر قليلة من بدء النزاع الروسي – الأوكراني ترجمة عمليْن لسوروكين إلى الإنجليزية:
- العمل الأول عنوانه «تيلوريا» Telluria، وهو رواية مستقبلية - فنتازية - ديستوبية - كولاجية تضمّ خمسين فصلاً لا رابطة روائية بينها، يتراوح طول الفصل الواحد من بضع كلمات في مقطع واحد مفرد إلى عشرة أو عشرين صفحة. يمثل مركّب التيليريوم - ذي المواصفات شبيهة عقار LSD الذي يعدُّ أحد المكيفات العقلية الفعالة – العنصر الرابط بين كلّ أجزاء الرواية.
- العمل الثاني عنوانه قلوبهم الأربعة Their Four Hearts، وهو عمل روائي ساخر يحكي عن مناسيب العنف والطاقة الجنسية المخبوءة في أرواح مواطني الدولة السوفياتية «الشمولية». ثمة أربعة أبطال روائيين: رجل عجوز، شاب يافع، رجل، امرأة، يجمع هؤلاء مسعى غامض ينطوي على أفعال جنسية وحشية ذات طبيعة عشوائية تشملُ غرباء غير معروفين لهؤلاء الأربعة وحتى أعضاء من أسَرِهِم، وفي ثنايا هذه الأفعال العنفية يتحاور الأربعة بشأن قضايا كثيرة تخصُّ الحياة داخل الدولة السوفياتية.
في مقابل هذا التيسير واسع النطاق لأعمال سوروكين صرنا نشهدُ نوعاً من التعتيم المقصود على أدب تولستوي ودوستويفسكي وأحفادهم. هل يسعى الغربيون لإحلال سوروكين محلّ أعاظم الأدباء الروس؟ أظنّهم يسعون لذلك. هم لا يبتغون الجدارة الأدبية ولا يلتفتون إليها بقدر ما يريدون تحجيم القدرة الروسية على كلّ الجبهات (الاقتصادية والعسكرية على وجه التخصيص). هل سينجح الغربيون في مسعاهم؟ أظنّ الأمر رهيناً بقدرتهم ورغبتهم في دفع فواتير الزمّار*، وقبل هذا بوجود روسٍ يرغبون في القيام بدور الزمّار.
* الإشارة هنا إلى كتاب «من الذي دفع للزمّار: المخابرات المركزية الأميركية والحرب الباردة الثقافية) Who Paid the Piper?: CIA and the Cultural Cold War لمؤلفه فرانسيس ستونر سوندرز.
الكتاب منشور عام 2000، وقد ظهرت ترجمته العربية عن المركز القومي للترجمة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة السعودية الرياض خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، مع تنوع تشهده بين حي وآخر في الميزات المختلفة، والمظاهر الجاذبة.

وعلى الرغم من وجود إحدى فعاليات «الحوامة» في حي حطين (شمال الرياض) أثناء تصدِّي وزارة الدفاع السعودية لـ4 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه العاصمة، أُقيمت «الحوامة» في الحي ذاته بمشاركة العوائل، والأطفال الذين جابوا البيوت طلباً للحلوى وسط أجواء يغمرها الفرح والبساطة، ويسودها الأمن والاستقرار.

ونظّمت مؤسسة الحوامة هذه الفعالية، التي انطلقت عام 2015 كمبادرة بسيطة بين جيران الحي، وتحولت مع مرور السنوات إلى تجربة مجتمعية ينتظرها كثيرون كل عام.

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

وترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد، وارتبطت هذه المناسبة بعادات الجيران وتقاربهم، قبل أن تتراجع ممارستها مع تغير أنماط الحياة، غير أن إحياءها في مدينة الرياض جاء بدافع من مجموعة من سكان المنطقة لإعادة هذه العادة إلى الواجهة، والحفاظ على هذا الموروث الشعبي من الاندثار، وتلقت توسعاً تدريجياً عاماً بعد آخر.

وقالت نجلاء المنقور، المديرة التنفيذية لـ«الحوامة»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهدف من الفعالية لا يقتصر على الترفيه فقط، بل يمتد إلى إحياء الموروث الشعبي وتعريف الأجيال الجديدة به، إضافة إلى تعزيز روح الجيرة والتواصل الاجتماعي، خصوصاً في ظل تراجع هذه المظاهر في الحياة اليومية».

وأضافت المنقور أن «رسوم المشاركة، البالغة نحو 185 ريالاً (49 دولاراً)، تمثل مساهمة مجتمعية لدعم إقامة الفعالية، في غياب الرعايات الرسمية»، مشيرةً إلى أنها «تُستخدم لتغطية تكاليف التنظيم، بما في ذلك تجهيز الشوارع، وتركيب الإنارة والزينة، وإعداد أكياس الحلوى والأنشطة المصاحبة، بما يضمن تجربة آمنة ومنظمة للأطفال».

تحولت «الحوامة» من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات (تصوير: تركي العقيلي)

وشهدت «الحوامة» منذ انطلاقتها إقبالاً متزايداً، إذ تحولت من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات، ويتم خلالها توزيع الحلوى على الأطفال والعروض الترفيهية والثقافية المرتبطة بالتراث الشعبي، بالإضافة إلى الشوارع المزينة بالأنوار.

وبحسب المنقور، يحرص كثيرون على تكرار التجربة لما تحمله من أجواء تراثية واجتماعية مميزة، لكن تنظيم الفعالية لا يخلو من التحديات، حيث يحمل كثيراً من الجهد المطلوب لإقامتها سنوياً، ومع ذلك، يواصل فريق عمل المؤسسة الحفاظ على هذا التقليد وإحياءه بروح معاصرة.

وأكدت نجلاء حرصها على إقامة «الحوامة» في كل عام، واستيفاء التراخيص اللازمة من «أمانة الرياض»، إيماناً منها بأهمية استمرار هذا الموروث، مُنوِّهة أنه رغم التحديات، فإن الحماس الذي تبديه الأطفال والعائلات يدفعها إلى مواصلة العمل سنوياً بإصرار وشغف، وتسعى لتطوير الفعالية تدريجياً في السنوات المقبلة، مع الحفاظ على طابعها التراثي.


بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.


محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
TT

محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)

تحدث المؤلف محمد سيد بشير عن كواليس كتابته مسلسل «الست موناليزا»، الذي عُرض في موسم الدراما الرمضاني الحالي، وحقق جدلاً وحضوراً لافتاً، مؤكداً أن «الفكرة بدأت من رغبته في تقديم قضية لها علاقة بالمرأة، وأن هذا الشعور نتج من الحكايات التي تدور من حوله أو اطلع عليها عامة»، كما تحدث بشير عن علاقته بالمخرج محمد سامي، وتفاصيل الأيام الأخيرة من تصوير «الست موناليزا»، خصوصاً بعد وفاة والد الفنانة مي عمر بطلة العمل.

وقال محمد سيد بشير، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت حكاية (الست موناليزا) عندما تم التوافق بيني وبين الفنانة مي عمر على طرح قضية تخص المرأة، وشعرنا أن أحداث (الست موناليزا) هي هدفنا المشترك لتنفيذ الفكرة».

يذكر أن مسلسل «الست موناليزا»، مستوحى من قصة حقيقية، حسبما أكد الكاتب محمد سيد بشير، من بطولة مي عمر، وأحمد مجدي، وشيماء سيف، وسوسن بدر، ومحمد محمود، ومصطفى عماد، وإنجي المقدم، ومحمود عزب، ووفاء عامر، وإخراج محمد علي.

ويصف بشير الفنانة مي عمر بأنها «فنانة محترفة ومهنية جداً، ومن أمهر مَن عملت معهم في الدراما، فهي دؤوبة بشكل لا يوصف، وقبل بداية التصوير جمعتنا جلسات عمل مطولة فيما يتعلق بكل تفاصيل السيناريو، وهذا أفاد الشخصية التي خرجت للناس طبيعية على الشاشة ونالت إعجابهم».

الملصق الترويجي لمسلسل «الست موناليزا» (الشركة المنتجة)

وعن تعمده جذب الناس واستفزازهم عبر إظهار البطلة ساذجة وغبية أحياناً، أوضح بشير أنه عرض الشخصية بكل تفاصيلها، مضيفاً: «لدينا فئات بالمجتمع لا تملك الوعي الكافي، و(موناليزا) كانت طيبة، وليس لديها إدراك بالشخصيات السامة بالمجتمع، ولم تكن ساذجة كما يقال، لذلك كانت ضحية لهم».

ويستكمل بشير حديثه قائلاً: «(موناليزا) كانت تملك مشكلة فقد أسرتها منذ الصغر، ولذلك كانت متعلقة بكل مَن تحبهم وقلقة من فكرة ابتعادهم، وعندما أحبت (حسن) كان لديها هذه الأزمة ولم تكن ترغب في فقدانه، وبالتالي كانت تصدقه وتجد له مبررات طوال الوقت، وهذا الأمر استفز الجمهور الذي يرى المشكلة من منظوره ومدى وعيه وتربيته، ولا يعرفون أن هناك شخصيات بهذا الشكل فعلاً، ويملكون هذا الشعور»، مؤكداً أن الطيبة هي السبب في إيصال بعض الفتيات لمثل هذا المصير والتدمير المعنوي.

وعن استعانته أو تأثره أثناء الكتابة ببعض أبطال حوادث حقيقية شهيرة انتشرت أخيراً على «السوشيال ميديا» من بينها حادث «عروس المنوفية»، خصوصاً شخصيتي «الحماة والزوج»، نفى محمد سيد بشير هذا الأمر، مؤكداً أن «نهاية القصة الحقيقية التي استوحى منها (الست موناليزا) كانت أسوأ مما شاهده الناس، وأن هذا النوع من القصص كثير جداً، فقد عرض علينا بعد المسلسل أسوأ من ذلك وأتمنى ألا يخوض أحد مثل هذه التجربة مطلقاً».

كواليس مسلسل «الست موناليزا» (فيسبوك)

وكشف المؤلف المصري أن نهاية العمل كانت مكتوبة منذ البداية وقبل التصوير، ولم يحصل تعديلات أثناء العرض مثلما يعتقد البعض، مضيفاً: «عندما حدثت أزمة وفاة والد مي عمر، كان قد بقي 3 أيام تصوير ومروا بصعوبة بالغة، ولكن في حقيقة الأمر مي عمر كانت بطلة وقوية، وعلى قدر المسؤولية لاستكمالها التصوير في هذه الظروف، وعلى الرغم من قسوة الموقف لكنها عبرت بالعمل وفريقه لبر الأمان».

وعن حديث البعض عن وجود تدخلات مستمرة بالعمل من ناحية المخرج محمد سامي زوج الفنانة مي عمر، قال بشير إن «المخرج محمد سامي بالنسبة لي (الأب الروحي) وأول عمل لي ضمن ورشة كان من إخراجه، ولم أرَ منه أي تدخلات في (الست موناليزا) بل كان يعطينا رأيه ونتناقش معه ويدعمنا طوال الوقت، كما أنني حريص على التواصل معه دوماً للحديث عن أعمالي»، لافتاً إلى أن «السوشيال ميديا»، بالغت في هذا الجانب، خصوصاً أنه العمل الأول لمي عمر بعيداً عن محمد سامي سواء في الإخراج أو الكتابة.

ونفى محمد سيد بشير أن يكون المؤلف في أي عمل هو العامل الأساسي في تغيير جلد الفنان وتقديمه على الشاشة بشكل مختلف، مؤكداً أنه من أنصار العمل الجماعي، وأن جميع صناع العمل الدرامي يفضلون التغيير عادة، كما أن فريق (الست موناليزا)، كان يرغب في تقديم دراما مختلفة تنال رضا واستحسان الناس».