الأرشيف أداة للتعبير البصري في الفن المعاصر

ليس تكويناً مغلقاً ولا يتجه نحو الماضي بقدر ما يتجه إلى المستقبل

من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت
من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت
TT

الأرشيف أداة للتعبير البصري في الفن المعاصر

من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت
من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت

لعل من التوصيفات الدالة على الاستعمال الفني المعاصر للأرشيف، بما هو شكل للتأليف بين مكونات قادمة من مصادر شتى، ذلك الذي يُنظر إليه بوصفه «مُنتَجاً رمزياً»، غير منفصل عن الإخراج الفني للأعمال في بنيتها، كما في مضامينها. ذلك ما تبرزه، التركيبات الفنية المعاصرة، التي اتخذت فيها المواد الأرشيفية (كتب وصحف وملابس وأغراض مكتبية وصور فوتوغرافية ودفاتر دراسية وأجهزة تقنية عتيقة...) تجليات جمالية عديدة، لتبرير تقديمها، أي أن رحلة المادة الخارجة من حيز الاستعمال والحاضرة في شكل وثيقة بجوهر رمزي، لا تشكل سوى منطلق لفهم الذاكرة، ومنحها شكلاً للحضور، الذي يتداخل فيه التأويل بإعادة البناء البصري.
والحق أن الأرشيف ليس تكويناً مغلقاً ولا يتجه نحو الماضي، بقدر ما هو موجه نحو المستقبل وإلى الصيرورة، والرهان في النهاية هو على اختراق هشاشة الممحو والمتلاشي بفعل الزمن، بمنحه صلابة الشيء المحسوس، المنتشل من الشظايا المتبقية، الذي ينفذ أثره لعمق الحواس، ومن ثم إعادة تجميعه ضمن «منجز»، أي صناعة صورة متخيلة لإيحائه، بل وإعادة اكتشافه، لتتجمع في عمقه بقايا المعنى الثاوي في قعر الذاكرة. يمكن أن نستحضر في سياق الانتقال من الأرشيف الجاهز إلى الأرشيف «الرمزي» حكاية النحات الذي صعقته ملاحظة ناظر إلى تحفته، حين علق: «لم أكن أعتقد أن الصخرة كانت تخبئ هذا التمثال»، فالأرشيف المتخلق في إهاب تركيب فني ليس شيئاً آخر إلا قدرة الفنان على إعادة إنتاجه من جديد.
وتبرز أعمال الفنان الفرنسي «كريستيان بولتانسكي»، هذا الشغف بإعادة صناعة الأرشيف واكتشاف عمقه، بما هو أداة لتعرية الماضي وتمثيل الغياب، ليس فقط لدرء النسيان، وإنما لجعل شواهد الذاكرة منتجة لحياة أخرى مصطنعة، بوصفها امتحاناً للتلاشي، وسرعان ما ستتحول الصور العائلية والمتعلقات الشخصية من أوراق وملابس... منطلقاً لتشكيل لوحات وأعمال تجهيز عن طفولة الفنان المتصلة بملاحقة اليهود في الحرب العالمية الثانية من قبل النظام النازي. تبدو الأغراض مغمورة بظلال ما جرى لأصحابها وتحمل معها وقع قدومها من نهايات ملتبسة، بيد أنها تنتعش بجواراتها المستحدثة في زمن وفضاء مختلفين، فتكون ذاتها إنما في انفصال عما جرى، وتوهب للنظر لتجعل الماضي مقترناً ليس بها تحديداً وإنما بذاكرة المشاهد الشخصية، وما تختزنه من صور مشابهة.
في تجهيزات عديدة لبولتانسكي تتخذ الصور الفوتوغرافية للوجوه موضوعاً لعشرات المجاورات، بين شخصيات لا يعرفها المشاهد، تمتد أحياناً على جدران رواق العرض بكاملها، وأحياناً توضع على حوامل من أحجام كبيرة، بعضها متداخلة وأخرى متنائية قليلاً، وغير مرتبة، لتقول العدد والهيئة والغرق في قدر التكرار المأساوي للمحكية ذاتها. في إحدى هذه التجهيزات الفوتوغرافية، بعنوان: «الموتى السويسريون» يعيد بولتانسكي رصف صور من غابوا في ظروف متماثلة من يهود سويسريين زمن الحرب وبقيت صورهم في أرشيف الصحف، أعاد تجميعها لتوضع فيما يشبه إعلان حضور جماعي رمزي بعد التغييب القسري، إن القصد بتعبير الفنان، هو الانتباه، وتركيز النظر في: «الذاكرة الصغيرة العاطفية، التي هي على النقيض من الذاكرة الكبيرة المحفوظة في الكتب، هشة للغاية، وتختفي مع الموت».
تستند التقنية، في تعاطي الفن المعاصر مع كتل الأرشيف أساساً على مبدأ «الكولاج»، وذلك ما تجلى في عمل فنانين عديدين على غرار بولتانسكي، نجده عند آبي واربورغ، في العشرينيات من القرن الماضي، وأنطوني مونتاداس بعد ذلك بسنوات، قبل أن تتحول المادة الأرشيفية عند أمثال فيرونيك غروساي، وبيير ألشينسكي، إلى حوامل للتجهيز أو «اللوحة التركيب»، حيث تستعمل الصناديق والعلب والأدراج الملتقطة من أسواق المتلاشيات والسلع المستعملة، إلى قاعدة لتثبيت رسومات أو تصاوير صباغية أو صور فوتوغرافية، كما تتحول وثائق ورقية إلى سند لتحويرات رسمية أو صباغية على سطح الكتابة، بحيث تطمسها وتبقي على إيحائها، تشوهها وتحيل عليها، في سعي للحفاظ للوثيقة العدلية أو التجارية أو المدرسية أو الدفتر الشخصي، على ذاكراتها الصغيرة، وجعلها أداة في تأليف القصد الفني.
وبمقارنة أعمال فنانين من قبيل اللبناني «ريان ثابت» والمغربي «منير الفاطمي» في السياق العربي، يمكن الوقوف على الطاقة الإيهامية الناجمة عن إحداث المفارقة بين الحامل العتيق وما ألحق به من تدخل تصويري من جهة، والسعي إلى الاسترسال في تمثيل المحتوى الثاوي في السند الأرشيفي من جهة ثانية، وفي الحالتين معاً يبقى المشاهد إزاء حقيقة أن التوسل بالوثيقة كان لأجل توظيف ما تمثله من: مزيج بين الندرة والعراقة والحس الإشكالي، فتاريخ العائلة بات مصدراً لأرشيف مؤسس في عمل ريان ثابت البصري، كان ثمة جد اسمه «فائق بُرخش» عمل قبل قرن وبضع سنوات مساعداً ومترجماً للمستكشف الألماني البارون «ماكس أوبنهايم»، في حيز جغرافي يسمى «تل حلف» بسوريا، ورث عنه الفنان ألبوم صور عائلية ومذكرات، شكلت الخامة المولدة لمشاريع حملت عناوين: «تاريخ قصير للبنان» و«الجثة الأجمل» و«فتات»، في النهاية ما يجمع بين هذه العناوين -المشاريع هو اتصالها بكنه السلالة والذات والجسد المستخلص من الالتباس، في عمل بعنوان: «قبرص» يَمثُل قارب معلَّق، هش، وبادي الشيخوخة، متروك على اليابسة، قارب عائلي نُذر لهجرة ارتكست، لم يصمد الوعاء الخشبي أمام عنفوان الموج، فعادت العائلة إلى مرفئها اللبناني، ثم، لبث هناك، مستكيناً لخيبته، الحكاية يرويها ريان في غير ما معرض للعمل التجهيزي، لكن ما لا يحكيه هو تمثُّل «ما بعد» الوضع المعلق للقارب، الموضوع في ميزان الكابح المعدني، حلمُ العودة الراسخ في القرار العميق، بحيث يماثل رغبة السفر في مخيلة اللبنانيين، الوجود هنا وهناك وعيش العودة ولو تخييلياً، والارتحال ولو على أجنحة الحلم، وضعٌ نادر بين شعوب العالم، حيث الوجود في النهاية يكون في «الما بين».
بينما يعيد منير الفاطمي إلى دائرة الاستعمال، ما انتهت صلاحيته، من الوثائق والصور الشمسية إلى المواد والآليات، سيما تلك المتصلة منها بجوهر الكتابة والطباعة والتسجيل والإرسال والتواصل، من الآلات الكاتبة المعدنية العتيقة، والآليات المطبعية التقليدية، إلى أشرطة الفيديو والأسطوانات إلى الكتب القديمة والأرشيف الوثائقي. ويتحدث الفنان في هذا السياق عن انشغال معرفي قبل أن يكون جمالياً يسمه بـ«أركيولوجيا الوسائط»، ويحتل الكابل المتصل بالأطباق وباللاقطات الهوائية مركزاً ملحوظاً في الاشتغال، إذ يتحول إلى مادة محورية في التركيبات المتصلة بالبورتريهات والصيغ التجريدية والتنصيبات الاستعارية، بحيث ترتصف تنصيبات الكتل المتنامية في غير ما عمل عبر المادة ذاتها، مختصرة عالم ما قبل الفورة اللاسلكية. في هذه التركيبات يبدو اشتغال منير الفاطمي منصباً على استكناه المغزى الثاوي في: «عديم الجدوى» و«المتجاوز»، المستمر في البروز بما هو استعارة على وجود ما، لم ينتهِ كلياً، إنما فقد فعاليته، وتحول إلى ذكاء قاصر، ووجود متحفي يبرهن على نهم التطور، الطاحن والجهنمي، الذي يحول العالم من حولنا تدريجياً إلى ظواهر سريعة الانقراض.
في العمل المسمى «تشريح» الذي قدم بمعرض «وايل غاليري» بجنيف سنة 2019. تتمدد كتلة الكابلات البيضاء والسوداء مشكلة حلقات متشابكة، مثلما أعضاء جسد، على طاولة تشريح معدنية، تتجلى الكتلة في وضع جثة، لم يبق من فائدة لها إلا ما تقدمه من أسرار عن أسباب موتها، يستعير الفنان في هذا السياق تعبير «بروس ستيرلانج» عن «الوسائط الميتة»، في مسعى لتبيين الغواية المتفاقمة في المجتمع المعاصر، للوسائط التي لا تفتأ تنتج بدائل متسارعة في تقنياتها وموادها وإمكاناتها، فتتراكم مخلفاتها مثلما الجثث، أو الأشباح أو الأقنعة، لصور تبقى هي ذاتها في حقيقتها المهيمنة على العالم والموجهة له. ولعله لم يكن مصادفة أن توضع الجثة (الشبح-القناع)، على المشرحة، ما دام الأمر في النهاية يتصل باستلاب لا يخلو من توظيف إجرامي، إنها الذريعة التخييلية ذاتها التي جعلت التكوين البصري للصورة التي أنجزها الفنان لصدام حسين المشكلة من الكابلات (الخاصة بالأطباق اللاقطة)، تتخذ عنوان: «المجرم» ليس لأنه كان دموياً فقط، وإنما لأنه كان مسكوناً بهواجس المراقبة والتبليغ.
هكذا تعكس صلة الأرشيف بأدبيات الأداء في التجهيزات واللوحات المعاصرة والفيديو والفوتوغرافيا وتركيبات الكولاج، صيغاً مستحدثة للتعبير البصري، يستعير قواعد الكتابة اللفظية، فالمدونة اللغوية أرشيف في صلتها بدلالة المحفوظ، سواء استعمل أو خرج من التداول، والأرشيف مدونة للبصري، حيث يحفظ اللقطات والمشاهد والصور خارج سياقاتها التاريخية بوصفها وثائق لبرهنة تشكيلية ذات كنه مفهومي، من هنا يراوح الأرشيف بين كونه شيئاً وظيفياً، خرج من حيز الاستعمال عبر التطور المتسارع للتقنية، وبين كونه سجلاً لوثائق كتابية وسمعية بصرية، مما يجعل من وجوده البرزخي هذا المكون من المادة والتسجيل، موضوعاً للتأويل الفني المعاصر، وأداة للتأليف التصويري داخله، ضمن مستويين، أولهما متصل بالتحول من الاشتغال عل الأرشيف الجاهز، إلى صناعة أرشيف خاص في المشروع الفني، والثاني متصل بجعل الوثيقة أداة وسنداً في الآن نفسه داخل العمل الفني، بحيث لا يتحقق التكوين البصري إلا بوجود الوثيقة وتدخلها في إنتاج الأثر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصريون يتنفسون الصعداء بعد تخفيف «الإغلاق المبكر»

مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

مصريون يتنفسون الصعداء بعد تخفيف «الإغلاق المبكر»

مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

مع مدّ ساعات عمل المحال والمولات والمقاهي في مصر حتى الـ11 مساءً، سارع الشاب العشريني عبد الله السيد إلى التشاور مع أصدقائه لوضع خطط لتحركاتهم اليومية واستعادة سهراتهم المعتادة، ما بين مقاهي وسط القاهرة وزيارة الأماكن والأحياء التراثية، مثل شارع المعز وحي الأزهر.

وأعلن رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مساء الخميس، تخفيف مواعيد إغلاق المحال التجارية من الساعة الـ9 إلى الـ11 مساءً يومياً، بدءاً من 10 وحتى 27 أبريل (نيسان) الحالي، مع استمرار الاستثناء من مواعيد الإغلاق بالنسبة للأماكن السياحية، والصيدليات، ومحال البقالة، والمنشآت السياحية، وأفران الخبز، والمطاعم المصنفة منشآت سياحية.

وأثار قرار تعديل مواعيد إغلاق المحال فرحة لافتة لدى قطاعات واسعة من المصريين. وقال عبد الله السيد، الذي يعيش في حي شبرا بالقاهرة ويعمل في إحدى الشركات الخاصة في الحي نفسه، إن القرار أعاد إليه وإلى أصدقائه ما وصفه بـ«متعة السهر».

منطقة وسط القاهرة تشهد إقبالاً لافتاً من الزائرين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وقال السيد لـ«الشرق الأوسط» إن «إغلاق المحال والمقاهي في الـ9 مساءً أصابني وأصدقائي بإحباط كبير، لذلك بدأنا، مع تعديل المواعيد إلى الـ11 مساءً، في وضع خطط لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة. فقد قررنا أن نسهر يومياً في مقاهي وسط البلد حتى إغلاقها، ثم نتوجه إلى حي الأزهر لاستكمال السهرة»، مؤكداً أن «فرحة تعديل مواعيد إغلاق المحال طالت جميع من أعرفهم».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت، في وقت سابق، تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر، بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «إغلاق المحال التجارية والمقاهي في الـ9 مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية»، إلى جانب «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع، لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية والارتفاع العالمي في أسعار الطاقة.

إغلاق المحال والمولات والكافيهات الساعة 11 مساءً يُبهج المصريين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة أن «تخفيف مواعيد الإغلاق أفرح كثيراً من المصريين، وسينعكس بشكل إيجابي على كثيرٍ من الأنشطة الاقتصادية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الفترة ما بين الـ9 والـ11 مساءً تُعد وقتاً حيوياً للأنشطة التجارية؛ إذ تمثل ذروة الإقبال، لذلك سيسهم تعديل مواعيد الإغلاق في انتعاش حركة البيع لكثير من الأنشطة، خصوصاً أن المواعيد الجديدة تقترب من مواعيد الإغلاق الطبيعية لبعض الأنشطة قبل تأثيرات الحرب وخطط الترشيد، والتي كانت عند الـ10 مساءً في الشتاء والـ11 مساءً صيفاً».

وأكد العمدة أن «كثيراً من الأنشطة الترفيهية، مثل المطاعم والمقاهي، ستشهد رواجاً كبيراً وتستعيد جانباً من مسارها الطبيعي، كما سيقلّ التأثير السلبي على العمالة الليلية التي تأثرت بمواعيد الإغلاق السابقة».

ومن بين الذين أبهجهم قرار مدّ ساعات عمل المحال حتى الـ11 مساءً، الخمسيني سعيد حسان، الذي يمتلك محل حلاقة رجالي في وسط القاهرة ويقيم على مقربة من مكان عمله. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اليوم الأول للمواعيد الجديدة كان مبهجاً، سواء من حيث إقبال الزبائن حتى الـ11 مساءً، أو من حيث الأثر النفسي لأجواء السهر ووجود الناس في الشوارع». وأضاف أنه، إلى جانب الخسائر التي تكبّدها بسبب مواعيد الإغلاق السابقة، فإنه أيضاً «يحب السهر بعد العمل في المقاهي القريبة».

خبراء مصريون طالبوا بعدم التشدد في الإجراءات التقشفية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأسهم قرار الحكومة المصرية بتعديل مواعيد إغلاق المحال إلى الـ11 مساءً، مع استثناء الأماكن السياحية من تلك المواعيد، في إحداث انتعاشة ملحوظة في الإقبال على عدد من المواقع الأثرية والأحياء التراثية، مثل السيدة زينب، والحسين، وشارع المعز، وفق الخبير السياحي الدكتور زين الشيخ.

وقال الشيخ لـ«الشرق الأوسط» إن «اليوم الأول لبدء تطبيق المواعيد الجديدة لإغلاق المحال (الجمعة) كان له تأثير إيجابي كبير على القطاع السياحي، خصوصاً السياحة الثقافية؛ إذ شهدت الأحياء التراثية، مثل الأزهر، وشارع المعز، والقاهرة الفاطمية، إقبالاً لافتاً»، مؤكداً أن «الحياة عادت إلى طبيعتها بدرجة كبيرة في هذه الأماكن، ورصدنا حالة من الانبساط والفرحة لدى السائحين والمصريين الذين يفضلون السهر فيها». وأضاف أن «مدّ مواعيد الإغلاق كان له تأثير إيجابي على مبيعات البازارات منذ اليوم الأول».


«الفيلم العربي ببرلين» يبرز معاناة مجتمعات عربية في دورته الـ17

إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)
إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)
TT

«الفيلم العربي ببرلين» يبرز معاناة مجتمعات عربية في دورته الـ17

إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)
إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)

تركّز اختيارات الدورة الـ17 من مهرجان «الفيلم العربي في برلين» على معاناة الشعوب العربية بشكل أساسي، ضمن أقسام المهرجان الذي تحتضنه العاصمة الألمانية خلال الفترة من 22 إلى 28 أبريل (نيسان) الحالي.

ويُكرِّم المهرجان في نسخته الجديدة المخرجين الراحلين يوسف شاهين، وداود عبد السيد، بالإضافة إلى المخرج الفلسطيني محمد بكري. كما يحلُّ مصمِّم المناظر أنسي أبو سيف ضيفَ شرفٍ على الدورة، مع عرض فيلمي «وداعاً بونابرت»، و«أرض الأحلام»، اللذين شارك فيهما. وتحضر السينما المصرية أيضاً من خلال عرض فيلمي «الست» لمنى زكي و«كولونيا» لمحمد صيام ضمن الفعاليات.

وبينما يحتفي المهرجان بالسينما السودانية عبر برنامج «بقعة ضوء»، تبرز اختيارات لأعمال سينمائية توثِّق وترصد وتتناول معاناة المجتمعات العربية بشكل واضح في مختلف البرامج. وتنطلق فعاليات المهرجان بعرض فيلم «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر، الذي يتناول إحدى السنوات المفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية.

ومن بين الأفلام المعروضة «حكايات الأرض الجريحة» للمخرج العراقي عباس فاضل، الذي يوثِّق الحرب الإسرائيلية على لبنان وصمود أهالي الجنوب اللبناني في مواجهة الاحتلال، كما تبرز قصة المصوّرة الفلسطينية فاطمة حسونة من قطاع غزة، التي اغتيلت مع عائلتها خلال الحرب، من خلال فيلم «ضع روحك على يدك وامش»، الذي يوثّق أيامها مع عائلتها خلال الحرب.

فيلم «الست» سيُعرض ضمن فعاليات المهرجان (حساب الكاتب أحمد مراد على فيسبوك)

ويرصد فيلم «الأسود على نهر دجلة» للمخرج زرادشت أحمد جانباً من الحياة في الموصل بعد خروج تنظيم «داعش» الإرهابي، بينما تدور أحداث الفيلم السعودي «هوبال» في الفترة التي تلت حرب الخليج الثانية، ويتناول قصة عائلة بدوية تقرِّر العيش في عزلة تامة وسط الصحراء، جرَّاء اعتقاد الجد بقرب قيام الساعة.

وقال المدير الفني للمهرجان، إسكندر أحمد عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، إن الدورة الجديدة تُركِّز على إنتاجات السينما العربية بين عامي 2024 و2026، بما يعكس نبض السينما العربية المعاصرة. وأشار إلى أن قسم «بقعة ضوء» يحمل طابعاً مختلفاً كل عام؛ إذ يُركِّز على فكرة أو بلد بعينه، وقد وقع الاختيار هذا العام على السينما السودانية. وأضاف أنهم اتخذوا قراراً بعدم إعداد البرنامج داخلياً، بل دعوا المنتج والمخرج طلال عفيفي لتولّي هذه المهمة، في خطوة تهدف إلى تقديم رؤية أصيلة من داخل التجربة السودانية نفسها، لا من خارجها.

وأوضح أن البرنامج يجمع بين الأفلام الكلاسيكية والمعاصرة التي تُوحِّدها فكرة واحدة، من خلال عرض أفلام مرمَّمة من البدايات الأولى للتجربة السينمائية هناك، إلى جانب أعمال حديثة مثل «ملكة القطن» لسوزانا ميرغني، و«أوفسايد الخرطوم» لمروة زين، و«أكاشا» لحجوج كوكا... وغيرها.

وأضاف أن الدورة الجديدة تتضمَّن استحداث قسم رابع، هذا العام، تحت عنوان «نادي الفيلم العربي»، بهدف توسيع نطاق الأنشطة خارج إطار العروض التقليدية. ويسعى هذا القسم إلى إحداث تفاعل مباشر مع الجمهور العربي في المهجر، خصوصاً في برلين، من خلال ورش عمل تُركِّز على قراءة الأفلام وتحليلها، واستخدام السينما بوصفها أداة للتمكين والتخيُّل. وسيحضر المشاركون العروض، ثم يكتبون تحليلات أو مقالات تعكس علاقتهم الشخصية بالسينما، ودورها في استكشاف الذات.

المهرجان يفتتح فعالياته بعرض « فلسطين 36» (الشركة المنتجة)

وفيما يتعلق بمعايير اختيار الأفلام، قال المدير الفني للمهرجان إن الدورة تضم أعمالاً من دول عربية عدة، من بينها مصر، ولبنان، والأردن، وفلسطين، والعراق، والسودان، والجزائر، والمغرب، وتونس، والسعودية، وقطر، بالإضافة إلى أفلام مُنتَجة في المهجر. وأضاف أن الموضوعات المطروحة تعكس الواقع الراهن في المنطقة، بما في ذلك الحروب والتدخلات الإمبريالية، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مع حضور قوي للقضية الفلسطينية.

وأوضح أن الأفلام المختارة تكشف أيضاً عن حالة من فقدان الثقة بالسرديات الكبرى المرتبطة بالحرية والديمقراطية، وما يصاحب ذلك من إحباط وغضب وتناقض في المعايير. ولفت إلى أنه، رغم الطابع النقدي الذي يغلب على هذه الأعمال، فإنها لا تخلو من محاولات للمقاومة والبقاء، بل تقدّم أيضاً رؤى مبتكرة لإعادة البناء والتعامل مع الأزمات بمختلف أبعادها.


طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
TT

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري طارق الدسوقي إنه شعر بالرهبة في أول يوم تصوير بمسلسل «علي كلاي»، الذي عُرض في موسم رمضان الماضي، بعد غيابه عن الساحة الفنية 14 عاماً.

وأكد، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أنه شعر بالخوف من المشاركة في عمل ينتمي إلى الدراما الشعبية، التي باتت تتعرض للهجوم في المواسم الماضية، لافتاً إلى افتقاده كبار الكُتّاب والنجوم الذين عمل معهم.

في البداية، قال الدسوقي إن شخصية «منصور الجوهري»، التي جسدها في مسلسل «علي كلاي» بموسم دراما رمضان الماضي، تُعد من أصعب أدوار المسلسل؛ لأن بقية الشخصيات واضحة، أما شخصيته فمركبة بصراعاتها النفسية؛ فبعد أن كان صاحب سطوة ونفوذ في سوق «التوفيقية»، من خلال عمله في تجارة قطع غيار السيارات، تعرض لمواقف كثيرة كسرته، وجعلته يقدم تنازلات إنسانية، أهمها عدم الاعتراف بابنته.

موضحاً أنه «عبَّر عن هذا الصراع من خلال ملامح وجهه، وحركة جسده، ونبرة صوته». وعن الشكل الخارجي للشخصية، أكد أن المخرج كان صاحب الرؤية فيها، من حيث الشعر الأبيض، واللحية، والنظارة.

ورغم تأكيد الدسوقي تراجع سمعة المسلسلات الشعبية في السنوات الأخيرة، بسبب حصرها في أعمال العنف و«البلطجة»، فإنه قرر عدم إصدار حكم مسبق على العمل إلا بعد قراءة نصف عدد الحلقات، ليتيقن أن العمل خالٍ تماماً من تلك المفردات السلبية، وأنه يحمل قيماً إنسانية واجتماعية مهمة.

الدسوقي وجد اختلافاً كبيراً في الأسلوب الفني بعد عودته من الغياب (حسابه على فيسبوك)

وبسبب غيابه عن أجواء تصوير الدراما التلفزيونية لنحو 14 عاماً، شعر الدسوقي بالرهبة في أول يوم تصوير «علي كلاي»، حتى إنه أحس كأنه كائن فضائي قادم من كوكب آخر، بعدما وجد كل شيء مختلفاً تماماً، سواء في أسلوب التصوير أو نظام العمل.

وأشار طارق إلى أنه تم بناء ديكور «سوق التوفيقية» في «مدينة الإنتاج الإعلامي»، وهو ما منح العمل مصداقية، وأسهم في معايشة جميع الفنانين لأدوارهم.

وبسؤاله عن التحول في ذوق الجمهور، الذي استبدل بالبطل المثقف أو المثالي البطل الشعبي، أجاب قائلاً: «هذه النوعية من الأعمال لها قطاع عريض من الجمهور، وقد سألت نفسي: هل لو كانت عودتي من خلال مسلسل آخر يحقق رغباتي والشكل الذي أطمح إليه، كان سيجد الصدى نفسه؟ ووجدت أن الإجابة لا، خصوصاً بعد النجاح الكبير الذي حققه المسلسل، والمردود الإيجابي لشخصيتي في العمل».

وعن أبرز مشاهد «الماستر سين» له، قال: «هناك مشاهد كثيرة، منها مشهد الصفعة على وجه أحمد العوضي، وهو المشهد الذي فكرت فيه كثيراً قبل تنفيذه، خوفاً من ردة فعل جمهور العوضي».

وأشار الدسوقي إلى أن العوضي هو من اتصل به هاتفياً للعمل معه، حيث أبلغه أنه كان يتمنى التعاون مع اثنين: أولهما الفنان أحمد عبد العزيز، الذي عمل معه في مسلسل «فهد البطل» بموسم رمضان الماضي، والثاني هو الفنان طارق الدسوقي.

وكشف طارق أنه ليس ضد الأعمال الدرامية الطويلة، ما دام العمل يحتمل، في بنائه الدرامي، أحداثاً يمكن عرضها في 30 أو 40 حلقة، وفي الوقت نفسه يتميز بالإيقاع السريع والتشويق، من دون أن يشعر المشاهد بالملل.

الدسوقي خلال مشاركته في مسرحية «الملك لير» (حسابه على فيسبوك)

ويفتقد طارق أسلوب العمل مع كبار المخرجين، أمثال نور الدمرداش، ومحمد فاضل، وإنعام محمد علي، وإسماعيل عبد الحافظ، حيث كان الهدوء والإتقان السمة الرئيسية في العمل، وهو ما يختلف تماماً عما يحدث الآن. كان المؤلف يطرح فكرته أولاً، ثم يُختار لها المخرج الأنسب، لتبدأ بعدها كتابة الحلقات كاملة. يلي ذلك ترشيح الأدوار، ثم تنطلق بروفات «الترابيزة» لمناقشة أدق تفاصيل العمل، قبل الانتقال إلى بروفات التنفيذ.

ويؤكد أن هذا النظام لم يعد موجوداً للأسف في الوقت الحالي، في ظل انتشار ورش الكتابة التي تتعدد فيها وجهات النظر، وعدم اكتمال عدد الحلقات قبل بدء التصوير، فضلاً عن كتابة بعض المشاهد في أثناء التصوير.

«الملك لير»

وكشف الدسوقي عن سعادته بالوقوف على خشبة «المسرح القومي» المصري، أحد أقدم وأعرق مسارح مصر، لتجسيد شخصية «غلوستر» في مسرحية «الملك لير» مع النجم يحيى الفخراني. وتُعد هذه هي المرة الثالثة التي تُقدم فيها المسرحية؛ إذ كانت المرة الأولى عام 2001، والثانية عام 2019.

وأضاف أن «الدور صعب ومركب، وتزداد صعوبته على المسرح مع المواجهة المباشرة مع الجمهور»، موضحاً أنه «قدم حتى الآن أكثر من 130 ليلة عرض، إضافة إلى تقديم المسرحية في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي، على خشبة أوبرا تونس التي تتَّسع لألفي مقعد».

وأعرب عن سعادته بالعمل مع الفخراني للمرة الأولى، لا سيما بعد تعاونه مع عدد كبير من النجوم، مثل نور الشريف، وحسين فهمي، ومحمود عبد العزيز، وأحمد زكي، وكمال الشناوي.

وفي ختام حديثه، أشار إلى أن الشخصية التي يتمنى تجسيدها هي «عمر بن عبد العزيز»، والتي سبق أن قدمها نور الشريف، ومحمود ياسين، مؤكداً أنها شخصية ثرية تحمل كل مقومات البطل التراجيدي.