الأرشيف أداة للتعبير البصري في الفن المعاصر

ليس تكويناً مغلقاً ولا يتجه نحو الماضي بقدر ما يتجه إلى المستقبل

من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت
من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت
TT

الأرشيف أداة للتعبير البصري في الفن المعاصر

من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت
من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت

لعل من التوصيفات الدالة على الاستعمال الفني المعاصر للأرشيف، بما هو شكل للتأليف بين مكونات قادمة من مصادر شتى، ذلك الذي يُنظر إليه بوصفه «مُنتَجاً رمزياً»، غير منفصل عن الإخراج الفني للأعمال في بنيتها، كما في مضامينها. ذلك ما تبرزه، التركيبات الفنية المعاصرة، التي اتخذت فيها المواد الأرشيفية (كتب وصحف وملابس وأغراض مكتبية وصور فوتوغرافية ودفاتر دراسية وأجهزة تقنية عتيقة...) تجليات جمالية عديدة، لتبرير تقديمها، أي أن رحلة المادة الخارجة من حيز الاستعمال والحاضرة في شكل وثيقة بجوهر رمزي، لا تشكل سوى منطلق لفهم الذاكرة، ومنحها شكلاً للحضور، الذي يتداخل فيه التأويل بإعادة البناء البصري.
والحق أن الأرشيف ليس تكويناً مغلقاً ولا يتجه نحو الماضي، بقدر ما هو موجه نحو المستقبل وإلى الصيرورة، والرهان في النهاية هو على اختراق هشاشة الممحو والمتلاشي بفعل الزمن، بمنحه صلابة الشيء المحسوس، المنتشل من الشظايا المتبقية، الذي ينفذ أثره لعمق الحواس، ومن ثم إعادة تجميعه ضمن «منجز»، أي صناعة صورة متخيلة لإيحائه، بل وإعادة اكتشافه، لتتجمع في عمقه بقايا المعنى الثاوي في قعر الذاكرة. يمكن أن نستحضر في سياق الانتقال من الأرشيف الجاهز إلى الأرشيف «الرمزي» حكاية النحات الذي صعقته ملاحظة ناظر إلى تحفته، حين علق: «لم أكن أعتقد أن الصخرة كانت تخبئ هذا التمثال»، فالأرشيف المتخلق في إهاب تركيب فني ليس شيئاً آخر إلا قدرة الفنان على إعادة إنتاجه من جديد.
وتبرز أعمال الفنان الفرنسي «كريستيان بولتانسكي»، هذا الشغف بإعادة صناعة الأرشيف واكتشاف عمقه، بما هو أداة لتعرية الماضي وتمثيل الغياب، ليس فقط لدرء النسيان، وإنما لجعل شواهد الذاكرة منتجة لحياة أخرى مصطنعة، بوصفها امتحاناً للتلاشي، وسرعان ما ستتحول الصور العائلية والمتعلقات الشخصية من أوراق وملابس... منطلقاً لتشكيل لوحات وأعمال تجهيز عن طفولة الفنان المتصلة بملاحقة اليهود في الحرب العالمية الثانية من قبل النظام النازي. تبدو الأغراض مغمورة بظلال ما جرى لأصحابها وتحمل معها وقع قدومها من نهايات ملتبسة، بيد أنها تنتعش بجواراتها المستحدثة في زمن وفضاء مختلفين، فتكون ذاتها إنما في انفصال عما جرى، وتوهب للنظر لتجعل الماضي مقترناً ليس بها تحديداً وإنما بذاكرة المشاهد الشخصية، وما تختزنه من صور مشابهة.
في تجهيزات عديدة لبولتانسكي تتخذ الصور الفوتوغرافية للوجوه موضوعاً لعشرات المجاورات، بين شخصيات لا يعرفها المشاهد، تمتد أحياناً على جدران رواق العرض بكاملها، وأحياناً توضع على حوامل من أحجام كبيرة، بعضها متداخلة وأخرى متنائية قليلاً، وغير مرتبة، لتقول العدد والهيئة والغرق في قدر التكرار المأساوي للمحكية ذاتها. في إحدى هذه التجهيزات الفوتوغرافية، بعنوان: «الموتى السويسريون» يعيد بولتانسكي رصف صور من غابوا في ظروف متماثلة من يهود سويسريين زمن الحرب وبقيت صورهم في أرشيف الصحف، أعاد تجميعها لتوضع فيما يشبه إعلان حضور جماعي رمزي بعد التغييب القسري، إن القصد بتعبير الفنان، هو الانتباه، وتركيز النظر في: «الذاكرة الصغيرة العاطفية، التي هي على النقيض من الذاكرة الكبيرة المحفوظة في الكتب، هشة للغاية، وتختفي مع الموت».
تستند التقنية، في تعاطي الفن المعاصر مع كتل الأرشيف أساساً على مبدأ «الكولاج»، وذلك ما تجلى في عمل فنانين عديدين على غرار بولتانسكي، نجده عند آبي واربورغ، في العشرينيات من القرن الماضي، وأنطوني مونتاداس بعد ذلك بسنوات، قبل أن تتحول المادة الأرشيفية عند أمثال فيرونيك غروساي، وبيير ألشينسكي، إلى حوامل للتجهيز أو «اللوحة التركيب»، حيث تستعمل الصناديق والعلب والأدراج الملتقطة من أسواق المتلاشيات والسلع المستعملة، إلى قاعدة لتثبيت رسومات أو تصاوير صباغية أو صور فوتوغرافية، كما تتحول وثائق ورقية إلى سند لتحويرات رسمية أو صباغية على سطح الكتابة، بحيث تطمسها وتبقي على إيحائها، تشوهها وتحيل عليها، في سعي للحفاظ للوثيقة العدلية أو التجارية أو المدرسية أو الدفتر الشخصي، على ذاكراتها الصغيرة، وجعلها أداة في تأليف القصد الفني.
وبمقارنة أعمال فنانين من قبيل اللبناني «ريان ثابت» والمغربي «منير الفاطمي» في السياق العربي، يمكن الوقوف على الطاقة الإيهامية الناجمة عن إحداث المفارقة بين الحامل العتيق وما ألحق به من تدخل تصويري من جهة، والسعي إلى الاسترسال في تمثيل المحتوى الثاوي في السند الأرشيفي من جهة ثانية، وفي الحالتين معاً يبقى المشاهد إزاء حقيقة أن التوسل بالوثيقة كان لأجل توظيف ما تمثله من: مزيج بين الندرة والعراقة والحس الإشكالي، فتاريخ العائلة بات مصدراً لأرشيف مؤسس في عمل ريان ثابت البصري، كان ثمة جد اسمه «فائق بُرخش» عمل قبل قرن وبضع سنوات مساعداً ومترجماً للمستكشف الألماني البارون «ماكس أوبنهايم»، في حيز جغرافي يسمى «تل حلف» بسوريا، ورث عنه الفنان ألبوم صور عائلية ومذكرات، شكلت الخامة المولدة لمشاريع حملت عناوين: «تاريخ قصير للبنان» و«الجثة الأجمل» و«فتات»، في النهاية ما يجمع بين هذه العناوين -المشاريع هو اتصالها بكنه السلالة والذات والجسد المستخلص من الالتباس، في عمل بعنوان: «قبرص» يَمثُل قارب معلَّق، هش، وبادي الشيخوخة، متروك على اليابسة، قارب عائلي نُذر لهجرة ارتكست، لم يصمد الوعاء الخشبي أمام عنفوان الموج، فعادت العائلة إلى مرفئها اللبناني، ثم، لبث هناك، مستكيناً لخيبته، الحكاية يرويها ريان في غير ما معرض للعمل التجهيزي، لكن ما لا يحكيه هو تمثُّل «ما بعد» الوضع المعلق للقارب، الموضوع في ميزان الكابح المعدني، حلمُ العودة الراسخ في القرار العميق، بحيث يماثل رغبة السفر في مخيلة اللبنانيين، الوجود هنا وهناك وعيش العودة ولو تخييلياً، والارتحال ولو على أجنحة الحلم، وضعٌ نادر بين شعوب العالم، حيث الوجود في النهاية يكون في «الما بين».
بينما يعيد منير الفاطمي إلى دائرة الاستعمال، ما انتهت صلاحيته، من الوثائق والصور الشمسية إلى المواد والآليات، سيما تلك المتصلة منها بجوهر الكتابة والطباعة والتسجيل والإرسال والتواصل، من الآلات الكاتبة المعدنية العتيقة، والآليات المطبعية التقليدية، إلى أشرطة الفيديو والأسطوانات إلى الكتب القديمة والأرشيف الوثائقي. ويتحدث الفنان في هذا السياق عن انشغال معرفي قبل أن يكون جمالياً يسمه بـ«أركيولوجيا الوسائط»، ويحتل الكابل المتصل بالأطباق وباللاقطات الهوائية مركزاً ملحوظاً في الاشتغال، إذ يتحول إلى مادة محورية في التركيبات المتصلة بالبورتريهات والصيغ التجريدية والتنصيبات الاستعارية، بحيث ترتصف تنصيبات الكتل المتنامية في غير ما عمل عبر المادة ذاتها، مختصرة عالم ما قبل الفورة اللاسلكية. في هذه التركيبات يبدو اشتغال منير الفاطمي منصباً على استكناه المغزى الثاوي في: «عديم الجدوى» و«المتجاوز»، المستمر في البروز بما هو استعارة على وجود ما، لم ينتهِ كلياً، إنما فقد فعاليته، وتحول إلى ذكاء قاصر، ووجود متحفي يبرهن على نهم التطور، الطاحن والجهنمي، الذي يحول العالم من حولنا تدريجياً إلى ظواهر سريعة الانقراض.
في العمل المسمى «تشريح» الذي قدم بمعرض «وايل غاليري» بجنيف سنة 2019. تتمدد كتلة الكابلات البيضاء والسوداء مشكلة حلقات متشابكة، مثلما أعضاء جسد، على طاولة تشريح معدنية، تتجلى الكتلة في وضع جثة، لم يبق من فائدة لها إلا ما تقدمه من أسرار عن أسباب موتها، يستعير الفنان في هذا السياق تعبير «بروس ستيرلانج» عن «الوسائط الميتة»، في مسعى لتبيين الغواية المتفاقمة في المجتمع المعاصر، للوسائط التي لا تفتأ تنتج بدائل متسارعة في تقنياتها وموادها وإمكاناتها، فتتراكم مخلفاتها مثلما الجثث، أو الأشباح أو الأقنعة، لصور تبقى هي ذاتها في حقيقتها المهيمنة على العالم والموجهة له. ولعله لم يكن مصادفة أن توضع الجثة (الشبح-القناع)، على المشرحة، ما دام الأمر في النهاية يتصل باستلاب لا يخلو من توظيف إجرامي، إنها الذريعة التخييلية ذاتها التي جعلت التكوين البصري للصورة التي أنجزها الفنان لصدام حسين المشكلة من الكابلات (الخاصة بالأطباق اللاقطة)، تتخذ عنوان: «المجرم» ليس لأنه كان دموياً فقط، وإنما لأنه كان مسكوناً بهواجس المراقبة والتبليغ.
هكذا تعكس صلة الأرشيف بأدبيات الأداء في التجهيزات واللوحات المعاصرة والفيديو والفوتوغرافيا وتركيبات الكولاج، صيغاً مستحدثة للتعبير البصري، يستعير قواعد الكتابة اللفظية، فالمدونة اللغوية أرشيف في صلتها بدلالة المحفوظ، سواء استعمل أو خرج من التداول، والأرشيف مدونة للبصري، حيث يحفظ اللقطات والمشاهد والصور خارج سياقاتها التاريخية بوصفها وثائق لبرهنة تشكيلية ذات كنه مفهومي، من هنا يراوح الأرشيف بين كونه شيئاً وظيفياً، خرج من حيز الاستعمال عبر التطور المتسارع للتقنية، وبين كونه سجلاً لوثائق كتابية وسمعية بصرية، مما يجعل من وجوده البرزخي هذا المكون من المادة والتسجيل، موضوعاً للتأويل الفني المعاصر، وأداة للتأليف التصويري داخله، ضمن مستويين، أولهما متصل بالتحول من الاشتغال عل الأرشيف الجاهز، إلى صناعة أرشيف خاص في المشروع الفني، والثاني متصل بجعل الوثيقة أداة وسنداً في الآن نفسه داخل العمل الفني، بحيث لا يتحقق التكوين البصري إلا بوجود الوثيقة وتدخلها في إنتاج الأثر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».