الشاعر السعودي محمد الماجد... قصائد مكتنفة بالإحالات التاريخية والأسطورية وبالإشارات

في أمسية شعرية قدم لها غسان الخنيزي

محمد الماجد في أمسيته الشعرية، وعلى اليسار غسان الخنيزي في حوارية عن تجربة الشاعر
محمد الماجد في أمسيته الشعرية، وعلى اليسار غسان الخنيزي في حوارية عن تجربة الشاعر
TT

الشاعر السعودي محمد الماجد... قصائد مكتنفة بالإحالات التاريخية والأسطورية وبالإشارات

محمد الماجد في أمسيته الشعرية، وعلى اليسار غسان الخنيزي في حوارية عن تجربة الشاعر
محمد الماجد في أمسيته الشعرية، وعلى اليسار غسان الخنيزي في حوارية عن تجربة الشاعر

ببسالة وجرأة، يخاطب الشاعر السعودي محمد الماجد امرؤ القيس: ترجّلْ
عليكَ من الشِّعر ما تستحقُ ترجّلْ/ فهذي القصيدةُ منذ البسوس/ ولا خيلَ فيها/ وهذي طرائدُها في الجبال/ ولا ذئبَ إلا أخوك المهلهلْ/ ترجّلْ.
هو: «موغل في متاهة القصيدة، قابضٌ على جوهر الشعر، محلقٌ بعيداً في مجراته وعوالمه التي لا يُدرك مداها ولا يُبلغ منتهاها»، كما يصفه الشاعر غسان الخنيزي في أمسية نُظمت له في القطيف مساء الجمعة، وحضرها جمهور كثيف من محبي الشعر.
قرأ الماجد قصائد تختلط فيها الفلسفة بالتاريخ والتراث، في «نَفَس شعري في غاية التفرد، ولغة بارعة ما برحت تحفر، بمغامرة الواثق ورؤية المقتدر، في الأسطورة التي نسميها ذاكرتنا الشعرية» كما وصفها الخنيزي، الذي عقد مناقشة تضيء على التجربة الشعرية لمحمد الماجد العازف دوماً عن الأضواء.
يقول الشاعر والفيلسوف الألماني نوفاليس، إنّ «الشعر يداوي الجراح التي يحدثها العقل»، وهذا ما تفعله قصائد محمد الماجد حين يلقيها متجاوزاً أشكال القصيدة المعروفة، واضعاً خلطته الخاصة التي تدمج النثرية والتفعيلة وابوذيات من الشعر العراقي الجميل.
بدأ محمد حسن الماجد، الحاصل على البكالوريوس في هندسة العمارة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وفيها واصل دراساته العليا؛ رحلته الأدبية عام 1989، حيث نشر بعض قصائده في الصحف والدوريات الأدبية السعودية والخليجية، وأطل على المشهد الثقافي عبر أمسيات أقيمت له في النادي الأدبي وجمعية الثقافة والفنون بالدمام، وفي معرض الكتاب بالرياض، ومع أسرة كتاب البحرين. صدرت له ثلاث مجموعات شعرية: ديوان «مسند الرمل»، و«كأنه هو»، و«أسفار ابن عواض». مع ثلاث مجموعات مخطوطة.
وبرأي الشاعر والمترجم والكاتب عبد الوهاب أبو زيد، فإن صدور «مسند الرمل»، الصادر عن دار «الانتشار» اللبنانية عام 2007، وهو الديوان الشعري الأول لمجمد الماجد، «لفت الأنظار إلى تجربة شعرية متميزة ومهمة في مشهدنا الشعري المحلي الذي يبدو أن النقاد المعروفين والمكرسين قد نفضوا أيديهم منه تماماً، وأعلنوا انفضاض سامرهم عنه منذ زمن ليس بالقريب. لقد شكل ديوان الأول لهذا الشاعر مفاجأة وصدمة سعيدة لكثيرين لم يعرفوه أو لم يقرأوا له شيئاً من قبل لعزوفه عن الأضواء وإيثاره العزلة».
أعقبه بعد عقدٍ من الزمن؛ صدور ديوانه الثاني الموسوم: «كأنه هو» عن دار «مسعى» بالبحرين عام 2017، وهو يستعد لصدور ديوانه الثالث الموسوم بـ«أسفار ابن عواض»، الذي سيصدر قريباً. والديوان الأخير هو سيرة شعرية، تسبر أغوار الشاعر الراحل محمد عواض الثبيتي، أحد رواد التجربة الحداثية السعودية، ويقع في 210 صفحة، وسيصدر عن نادي الطائف الأدبي بالتعاون مع دار «صوفيا» الكويتية، ويأتي هذا العمل كمعظم نتاج الماجد المنشور كمجاورة ومنادمة وعقد حوار بين الشعر الموزون والسرد الشعري، ويتألف من ستة فصول: مقام حجاز، ومعاذ الخبت، وحريقٌ، محاقٌ، نيازك، والسّيل، والمنازل، والفصل الأخير بعنوان: عن أخي الشعر، عن الأبدية وأحزان هوازن.
في تقديمه للديوان المذكور، يقول الناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي «لنا أن ننزّل تجربة الشاعر محمد الماجد منزلتها من حيث إنها محاولة ناضجة لتمثُّل تجربة الثبيتي، لا باعتبارها صوراً ولغة تتذرع بالمجاز وتتدرع بالاستعارة تلوح في هذه القصيدة أو تلك، وإنما باعتبارها علامات تحيل إلى عوالم متداخلة ومتشابكة، متناقضة ومتكاملة تستعيد تاريخاً للجزيرة العربية موغلاً في القدم، تستعيده رجالاً ونساءً، جبالاً وسهولاً، مدناً وقرى، وفيافي تتذاءب في أطرافها النيران وتعوي في بطون أوديتها الذئاب وتتقافز في شعاف جبالها الأيائل».
في قراءته عبر المحاورة لتجربة الشاعر الماجد، يتناول الشاعر غسان الخنيزي قضايا الشعر عند محمد الماجد، متسائلاً: من هو الأجدر بالحديث عن الشعر؟
ليجيب: قد يقول قائل: ليس الشاعر وما يحمل من أهواء وخلائقَ هوائية بطبيعة الحال، فقد اتفقنا في لحظة غفل على توسم الخير في ذلك النفر المختلف عليه والمتنازع حول جدارته من (الغاوين): نقصد المستمعين، والقراء، والمتذوقين، والنقاد. ولكن ماذا عن القصائد ذاتها؟ ماذا لو أن الشاعر، وهو يبعث الحياة فيها، مودعاً إياها أصغريه، (قلبه ولسانه)، يكون قد سلمها أيضاً إدراكاته وأفهامه، التي بدورها تؤيد قولَ الشاعر أبو الفتح البستي: «أفهامُ أهلِ الفَهمِ إن قِستَها - دوائرٌ فهمُكَ فيها نُقَطْ»؟.
غسان الخنيزي، رأى أن الشاعر الماجد دائماً ما يوصف بأنه «نَفَسٌ شعري في غاية التفرد، ولغة بارعة ما برحت تحفر، بمغامرة الواثق ورؤية المقتدر، في الأسطورة التي نسميها».
ويضيف «ربما لم نأنس كثيراً ولم نألف (بذاكرتنا المغيبة وقراءتنا الكسلى) أن نرى، من قبل، في تجربة شعرية واحدة أو متنٍ شعري واحد كل ذلك جنباً إلى جنب: المقاطع الشعرية في النص الواحد وهي تتنقل؛ بل تتراقص بأريحية عذبة، وبزخمٍ لا يُجارى، تباعاً تباعاً، تتبادل المواقعَ، و(كل شيءٍ بقدَرٍ) محسوبٍ كما لو بأدوات هِنداسٍ عليم، ماخرة عُباب البحور والقوافي كيف ما شاء لها وعابرة مجيئاً وإياباً ما بين الشعر التناظري والمرسل، مستعرضة خبرة كتابية وذخيرة ثقافية ندرك، ونحن نلحظها، ونُسَرُّ بها، ونمتنُ لنَعمائها، أنه قد صاحب تحصيلها وتكاثرها: ليالٍ طوالْ صبغها الكثير من الغم على ما فات من تفتق إشراقات وبنات فكر، والهم ترقباً وتشوقاً لما سيأتي منها».
من قصيدة «الجدارية» التي ألقاها الماجد في الأمسية:
ترجّلْ
عليكَ من الشِّعر ما تستحقُ ترجّلْ
فهذي القصيدةُ منذ البسوس
ولا خيلَ فيها
وهذي طرائدُها في الجبال
ولا ذئبَ إلا أخوك المهلهلْ
ترجّلْ
وقُل للقصيدة
يا أختُ ماذا على الجَمْر
إن مسّه طارقُ الريح ليلاً
وماذا عليَّ وقد هاجني مطرٌ:
دونكَ البابُ، بابُ القصيدةِ، فادخل مُطِرتَ
وعرّج على نار ليلى
تعللْ
لا قيسَ في الدارِ؟
لا شِعْرَ تحت الخباء؟
ويا ليلُ... يا ليلُ
إني حملتكِ والشِّعرَ حمْلَ الهوادج
وارتبت في النوق
حتى لوين ذراع العشيِّ
وأردفنَ جمراً
وكنتِ على الجَمْر
أمضى من النار نصْلاً
وأعجَلْ
فهلّا شهرتِ لنا مطلعاً من الشِّعْر نغمد فيه الكلامْ
وهلّا نصبتِ لنا شَرَكاً من يمامْ
وطار اليمامْ
غناءً يهيج حتى رخام المقابر
طار اليمام
تحدث أبوك السحاب
- وماذا أقول؟
- قصيدةُ عشقٍ
دِلالٌ من الشِّعر
إمّا جرت في عروق الربابة
فاض (الحجازُ) على ضفتيها
فأبكى وأثكَلْ
مطالعُ تضربُ أوتادها في العراء
ومسرى ضباءْ
غيومٌ تعاودني كلّما
كسرتُ جراري على بئر ماء
بروقٌ تئنّ
وعشقٌ مزمّلْ
كأن شتاءَ القصيدة باكَرنا بالبديع
وأنّ جناساً أتانا محمّلْ


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
TT

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث «غزة في القلب» الذي افتُتح، الخميس، في مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بحضور عدد كبير من الكُتَّاب والفنانين المصريِّين والعرب، خصوصاً من فلسطين.

الجدارية الأولى، وهي عبارة عن 30 متراً متصلة، تشغل مساحة حائطين بمركز الهناجر، أما الجدارية الثانية فتصل مساحتها إلى 16 متراً وتضم 8 قطع، طول كل قطعة متران، وفق الفنان عبد الرازق عكاشة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «الجدارية الصغيرة تعبِّر عن يوميات منفصلة، كل لوحة تحكي عن حدث أو حالة معينة. هناك مشهد لشاب وشابة يتزوجان، وفي النشرة التالية وجدتهما قد استُشهدا، وهي لوحة مؤثرة جداً؛ لذلك اخترتها لغلاف كتاب المعرض».

«جدارية غزة» تضمنت مشاهد إنسانية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «اللوحة الثانية مشهد لجنازة الشهيد التي تتكرَّر كل يوم، وفي هذه الجنازة هناك نور يخرج من داخل اللوحة، وهناك كثير من المشاهد التي تؤكد أنَّ غزة قضية إنسانية مهمة جداً في ضمير العالم اليوم».

أمام لوحة «على باب مستشفى المعمدان» وقف الروائي المصري الكبير إبراهيم عبد المجيد يتأمل العمل، وكتب معلقاً عليه: «هل تتذكر ما يوحي به اسم المعمدان، هو الملاك المُرسَل قبل المسيح ليمهِّد له الأرض، هو رمز الطهارة والنقاء، مهما نزل به من كوارث»، مضيفاً على صفحته بـ«فيسبوك»: «لوحة تجسِّد جلوس الحزانى، بألوان بين الأسود والأزرق والأحمر، والمزج بين الأزرق والأحمر في لون البنفسج، ونظرات الأعين الصغيرة البارزة وسط الظلام، مؤكدة الأمل».

الروائي إبراهيم عبد المجيد أمام لوحة «مستشفى المعمدان» (صفحته على «فيسبوك»)

وحول الدفقة الشعورية في الأعمال التي اتسمت بالتلقائية الشديدة والحرية والانطلاقة، يؤكد الفنان أنَّ هذه الأعمال جاءت متأثرة بشكل مباشر بالأحداث التي وقعت في غزة وتابعها بحزن شديد، موضحاً: «كنت أشاهد الأخبار المحزنة والمأساوية في غزة وأنا أرسم، ولا أستطيع منع دموعي من النزول على علب الألوان التي أعمل بها».

حالة من المشاعر المتدفقة التي ترصد مأساة غزة، وآثار الحرب، وقصص الناجين من هذه الحرب بطريقة فنية مفعمة بالشجن تُجسِّدها لوحات المعرض، التي تنتقل بين التفاصيل المختلفة للبيوت والوجوه، وحتى الصور الشخصية الخاصة بحياة البسطاء في غزة.

جانب من افتتاح المعرض (صفحة الفنان على «فيسبوك»)

ويلفت الفنان إلى أنَّ غزة بالنسبة له حالة إنسانية، مطالباً بتصحيح المفاهيم والخطاب الذي يُروِّجه البعض عن غزة بوصفها قضيةً لها علاقة بالدين، قائلاً: «أتعامل مع قضية غزة بوصفها قضيةً إنسانيةً، خصوصاً وأنا أوجِّه خطابي للغرب، فمنذ 1993 وأنا أعيش في فرنسا، وأكرس جزءاً كبيراً من أعمالي للتعبير عن القضية الفلسطينية».

جنازة الشهيد مشهد متكرِّر في غزة رصده الفنان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «غزة قطعة صغيرة من فلسطين العظيمة بما تمثله من عمق حضاري آشوري وكنعاني تشبه الحضارة المصرية العريقة بالضبط، ففلسطين أرض الحضارة ومهد للديانات، ولكنها أيضاً وطن للإنسانية. الحضور الإنساني في فلسطين هو الجانب الأهم الذي أحب التركيز عليه دوماً».

اللوحات حملت كثيراً من المعاني المُعبِّرة عن مأساة غزة (فيسبوك)

وأشار الفنان إلى ردود فعل كثيرة لمسها من زائرين أجانب من أميركا وفرنسا، وأفراد من البعثة الدبلوماسية اليابانية بمصر، عبَّروا له عن شعورهم بمعنى اللوحات، وما تمثله من تعبير عن مأساة مفجعة للإنسانية، مؤكداً أنَّ الفنَّ قادرٌ على توصيل المعنى والشعور الحقيقي لما حدث ويحدث في غزة، وما يعانيه أهلها من آلام وأوجاع، في مقابل ما تقدمه وسائل الإعلام بشكل غير حقيقي أحياناً.

وهنا يشير الفنان إلى إشكالية مهمة مفادها بأن «الفن ليس قوى ناعمة كما يقولون عنه، ولكنه قوى موازية قادرة على التعبير عن الواقع ورصده، مُحمَّلاً بالمشاعر والأحاسيس الصادقة».


مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
TT

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

أكّد المخرج السويسري مارسيل فايس أنّ فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج، عبر متابعة المعالجين والمرضى من مسافة آمنة، لكن صعوبة العثور على أشخاص مستعدّين للظهور في لحظات ضعف شديدة دفعته إلى إعادة صياغة الفكرة بالكامل.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ التحوّل الحقيقي جاء بالتوازي مع أزمة شخصية عميقة عاشها بعد وفاة شقيقه، حيث سيطر عليه خوف شديد من الموت وشعور مستمرّ بعدم الاستقرار النفسي، مؤكداً أنه بعد أكثر من 20 عاماً من العمل في الأفلام الوثائقية المليئة بمشاعر البوح، شعر أنّ الوقت حان ليضع نفسه في قلب التجربة.

يرصد فيلم «أفتح عقلي» رحلة شخصية عميقة يخوضها فايس بعد وفاة شقيقه، إذ يجد نفسه غارقاً في دائرة من الخوف والقلق، لا سيما الخوف من الموت، إلى جانب ضغوط متزايدة في حياته العائلية.

وتدفعه هذه الأزمة إلى البحث عن طرق غير تقليدية للعلاج، فيقرّر خوض تجربة العلاج باستخدام مواد مؤثّرة على الوعي في إطار علمي وروحي، ويوجّه الكاميرا نحو نفسه لتوثيق هذه الرحلة بكلّ ما تحمله من هشاشة وصدق.

مخرج الفيلم وبطله (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج أنّ علاقته بفكرة الموت كانت في البداية قائمة على تصور قاسٍ ومجرَّد، وهو ما خلق لديه حالة من الهلع تكاد تشبه الاختناق، مشيراً إلى أنه أدرك لاحقاً أنّ هذا الخوف لم يكن نابعاً فقط من الفقد، بل من الصمت الذي أحاط بموضوع الموت داخل عائلته، حيث لم يكن يُناقش أو يُواجه بشكل مباشر.

وأوضح: «إحدى التجارب التي خضتها في مدينة بازل شكّلت لحظة مفصلية، إذ شعرت خلالها أنّ كلّ الحواس تتجمَّع في نقطة واحدة، في إحساس يُشبه ضوءاً أبيض كثيفاً. ورغم صعوبة وصفه بالكلمات، فإنه منحني شعوراً بالاكتمال والهدوء، وجعلني أنظر إلى الموت بصورة مختلفة».

وقال مارسيل فايس إن «العلاج باستخدام هذه المواد ليس تجربة سهلة أو خالية من المخاطر، إذ يتطلَّب تقييماً دقيقاً قبل الدخول فيه، خصوصاً فيما يتعلّق بالتاريخ النفسي للفرد، مثل وجود حالات ذهان أو فصام، سواء لدى الشخص نفسه أو في العائلة».

ولفت إلى أنّ «الخطّ الفاصل بين الشفاء والخطر يظلُّ هشاً للغاية، وهذه المواد لا تُقدّم حلولاً مباشرة، بل تفتح أبواباً، وما يُفتَح ليس دائماً مريحاً، فقد يكون مخيفاً ومربكاً»، مؤكداً أنّ العامل الحاسم يكمن في السياق، لجهة الإعداد المسبق، وطبيعة البيئة، والدعم المقدَّم، وما يحدث بعد التجربة من عملية استيعاب ودمج.

وأشار إلى أنّ شقيقه الراحل كان حاضراً في كلّ تفاصيل الفيلم، ليس فقط على شكل ذكرى، بل جزء من رؤيته للعالم، وفي مخاوفه وتساؤلاته، موضحاً أنّ هذه المواد كانت بالنسبة إليه مرتبطة بالفقد والدمار، خصوصاً بعد تجربته السابقة في تصوير فيلم عن إدمان شقيقه خلال دراستهما، وهو ما ترك أثراً عميقاً داخله.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح المخرج السويسري أنه واجه خلال رحلته لحظات شعر فيها بأنه قد يفقد السيطرة تماماً، خصوصاً خلال تجربة العلاج في الأمازون، إذ عَلِقَ في دائرة من الأفكار المتكرّرة التي لم يستطع الخروج منها، وهو ما بدأ بشكل عابر ثم تحوَّل إلى شعور بالتهديد والذعر، حتى راوده خوف حقيقي من ألا يعود كما كان، أو أن يفقد قدرته على رعاية أطفاله، لافتاً إلى أنّ التجربة الداخلية كانت شديدة القسوة.

وأكد أن استخدام الرسوم المتحرّكة في الفيلم جاء من الحاجة إلى التعبير عن حالات داخلية لا يمكن تصويرها بالكاميرا التقليدية، موضحاً أنه لم يكن يرغب في تصوير التجربة بشكل مباشر، بل في نقل الإحساس بها، ولذلك عمل مع فريق الرسوم على تحويل مشاعر مثل الخوف والقلق والتوتّر إلى أشكال بصرية محسوسة، بحيث يصبح ما هو غير مرئي قابلاً للإدراك.

وأشار إلى أن «الكاميرا كانت في بعض الأحيان عنصراً مزعجاً، خصوصاً في التجارب الأولى، حيث كنت أشعر بأنها تعوق اندماجي الكامل في التجربة، لكنها في مراحل لاحقة أصبحت أقل حضوراً، بل وأحياناً مصدراً للإحساس بالثبات».

وختم المخرج السويسري بالتأكيد أنه واجه تساؤلات أخلاقية عميقة خلال صناعة الفيلم، لا سيما بما يتعلق بحدود الكشف عن الحياة الشخصية، موضحاً أنه صوَّر كثيراً من المواد التي لم تُستخدم لاحقاً، مثل تلك المتعلّقة بأطفاله، في محاولة لإيجاد توازن بين الصدق والحماية.


دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
TT

دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)

أظهرت تجربة سريرية عالمية نتائج واعدة لدواء جديد مبتكر لعلاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، أحد أكثر أنواع سرطان الثدي عدوانية وصعوبة في العلاج.

وأوضح الباحثون، بقيادة «المركز الوطني للسرطان» في سنغافورة، أن الدواء الجديد تفوَّق بشكل ملحوظ على العلاج الكيميائي التقليدي في تحسين معدلات البقاء على قيد الحياة وإبطاء تقدُّم المرض، ونُشرت النتائج، الخميس بدورية «Annals of Oncology».

ويُطلق على سرطان الثدي ثلاثي السلبية هذا الاسم؛ لأنَّه يفتقر إلى 3 مستقبلات رئيسية توجد عادة في أنواع أخرى من سرطان الثدي، وهي مستقبلات هرمون الإستروجين، ومستقبلات هرمون البروجستيرون، وبروتين «HER2». ويجعل هذا الغياب المرض غير مستجيب للعلاجات الهرمونية أو العلاجات الموجهة، ما يحدُّ من خيارات العلاج المتاحة ويجعل العلاج الكيميائي الخيار التقليدي الأساسي. ويتميَّز هذا النوع بسرعة النمو والانتشار، وبارتفاع احتمالية عودته بعد العلاج.

وأُجريت الدراسة ضمن تجربة سريرية دولية متعددة المراكز شملت 644 مريضاً من دول عدة حول العالم، من بينها الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وآسيا؛ بهدف تقييم فاعلية الدواء الجديد الذي يحمل اسم «داتوبوتاماب ديروكستيكان» (Dato-DXd).

ويعمل الدواء عبر استهداف بروتين يُعرف باسم «TROP2»، وهو موجود بكثرة على سطح كثير من الخلايا السرطانية. ويرتبط الدواء بهذا البروتين ثم يدخل إلى الخلية السرطانية، حاملاً مادة كيميائية قوية تقتلها من الداخل، مما يتيح توجيه العلاج مباشرة إلى الورم وتقليل الضرر على الخلايا السليمة في الجسم، وبالتالي تحسين الفاعلية، والحد من بعض الآثار الجانبية مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.

وأظهرت النتائج أنَّ الدواء الجديد حقَّق تفوقاً واضحاً على العلاج الكيميائي، حيث بلغ متوسط البقاء دون تطوُّر المرض 10.8 شهر مقارنة بـ5.6 شهر مع العلاج الكيميائي. وارتفع متوسط البقاء الكلي إلى 23.7 شهر مقابل 18.7 شهر في مجموعة العلاج التقليدي.

كما سجَّل الدواء معدل استجابة للعلاج بلغ 63 في المائة مقارنة بـ29 في المائة فقط مع العلاج الكيميائي، بينما استمرَّت الاستجابة لمدة أطول بلغت 12.3 شهر مقابل 7.1 شهر.

ومن حيث الأمان، كانت الآثار الجانبية الأكثر شيوعاً مع الدواء الجديد تشمل التهاب الفم، والغثيان، وتساقط الشعر، وانخفاض خلايا الدم البيضاء، إلا أنَّ نسبة المرضى الذين اضطروا إلى إيقاف العلاج كانت أقل بنسبة 4 في المائة مقارنة بالعلاج الكيميائي 7 في المائة.

ويشير الباحثون إلى أنَّ هذه النتائج تُمثِّل تقدماً مهماً في علاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، وهو نوع يرتبط بمعدلات انتكاس مرتفعة واستجابة محدودة للعلاجات التقليدية، خصوصاً لدى المرضى غير المؤهلين للعلاج المناعي أو العلاجات الموجهة.