كرة القدم والمثقفون... استعلاء وازدراء وشغف خجول

مشكلتها تكمن في أصولها «الشعبية» فاحتقرتها النخبة «البرجوازية»

كرة القدم والمثقفون... استعلاء وازدراء وشغف خجول
TT

كرة القدم والمثقفون... استعلاء وازدراء وشغف خجول

كرة القدم والمثقفون... استعلاء وازدراء وشغف خجول

على الرغم من مكانتها الاجتماعية والثقافية المركزية لا تزال كرة القدم كمادة بحثية قليلة التداول، فلا الفلسفة ولا علم الاجتماع ولا العلوم الأخرى أخذت بمحمل الجدّ ظاهرة شغف الشعوب بهذه الرياضة، ولم ينتبه أحد لدراستها وتحليلها.
وفي الغرب بالذات، كانت العلاقة بين الرياضة والمثقفين دائماً معقدة، ففي فرنسا الشغف بكرة القدم في تقدير النخبة ظاهرة تافهة، صبيانية، بل مسيئة للذكاء. الفيلسوف الفرنسي جان كلود ميشيا مؤلف كتاب «أجمل هدف... كان تمريرة» يشرح بأن هذه النخبة الفكرية فقدت التواصل مع القاعدة، بل خانتها لأنها تعاملت مع هذه الرياضة بتكبر وعجرفة. وفي بريطانيا سخط المحافظون على «الملهاة الشعبية» التي تضيع وقت عمال مصانع النسيج، وقارن الشاعر روديارد كيبلينغ هواة هذه الرياضة بـ«أرواح صغيرة يمكن أن يشبعها الحمقى الموحلون الذين يمارسون هذه الرياضة»... المفارقة السوسيولوجية هي أن ولادة هذه الرياضة كانت في بريطانيا على يد نخبة «بوبليك سكولز» قبل أن يروج لها أرباب العمل بين أوساط مستأجريهم لحثّهم على ممارسة الرياضة ومنعهم من التردّد على الحانات وتعاطي الخمور. وهذه النخبة تحولت بعدها إلى رياضات أكثر «نبلاً» كالغولف، التنس أو ركوب الخيل، وهي الخلفية التاريخية التي ترويها سلسلة «أنجليش غام» على منصة «نتفليكس». في البرازيل ورغم شعبية هذه الرياضة، فإن النخبة الفكرية لم تتبن نفس مشاعر الشغف والحماس، الشاعر الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس كان يقول ساخراً: «ما الذي يجده العالم في 22 فتى يركضون بسراويلهم القصيرة وراء كرة بينما يكفي أن يشتروا 22 كرة؟».

البير كامو

شيوع فكرة كرة القدم كـ«أفيون للشعوب» التي أطلقتها مدرسة «فرانكفورت» في السنوات الستين، والتي انتقدت بشّدة المكانة المهمة التي تحظى بها هذه الرياضة في الأوساط الإعلامية والسياسية والاجتماعية، وجدت صدى كبيراً في فرنسا مع حركة مايو 68، حيث كانت النخبة الفكرية الموالية لليسار تناهض كل مظاهر الليبيرالية التي تجسّدها هذه الرياضة بأنديتها ذات الميزانيات الضخمة، أو لاعبيها وأجورهم الفاحشة، والتسويق المفرط الذي يحيط بهذه الرياضة. النائب الفرنسي دانيال كونبنديت أحد أقطاب حركة مايو 68 والذي كان أيضاً لاعباً هاوياً ثم رئيس نادٍ لكرة القدم كتب في مذكراته «مزاج داني» (دار نشر روبرت لافون): «كنا نعيش في وسط يعتبر كرة القدم هواية (غير لائقة) بناشط سياسي مثقف». ويواصل النائب: «أذكر أني كنت أسافر لألمانيا لأمارس هوايتي بحرية، وبعيداً عن الأنظار، أما صحيفة «ليكيب» (المتخصّصة في كرة القدم) فكنا نقرأها في البيت... سراً». بعض الأحداث السياسية التي شهدها العالم في تلك الفترة عزّز مواقف تلك النخبة التي سخّرت شعبية هذه الرياضة وكمّ العواطف القوية التي تحيط بها لتمرير رسائلها الآيديولوجية.
جان بول سارتر ورفيقاه لويس أرغون ورولان بارت أطلقوا نداء لمقاطعة مباريات كأس العالم التي نظمت في الأرجنتين عام 1978؛ احتجاجاً على سياسة الجنرال فيديلا. أما مارغريت دوراس فقد انتهزت فرصة حوار مع اللاعب الأسطورة ميشال بلاتيني لتصفي حساباتها مع الرياضة «التي سلبت»، حسب رأيها، عقول الجماهير، حتى قال بلاتيني إن «ساعة مع مارغريت دوراس كانت أصعب من أي مقابلة رياضية» خضاها في حياته.
وإن كان الفريق الأول قد حاول استغلال هذه الرياضة ليفرض آيديولوجيته، فإن الفريق الثاني قد تجاهلها، بل قلّل من قيمتها واستهزأ بها. «بيار بوردو» أحد أقطاب علم الاجتماع الفرنسي وصف زملاءه من الباحثين في مجال علم الاجتماع الرياضي بـ«الأذلاء» الذين لم يحصلوا على تقدير ذويهم، على اعتبار أن الرياضة كمادة بحثية تفتقد لكل شرعية أكاديمية، وإن كان هو نفسه قد درس ظاهرة العنف في الملاعب إلا أنه قال: «يصعب دراسة وتحليل الرياضة بطريقة علمية... لأنها مادة تخلو من العمق... لا أحد يريد أن يهتم بهذا الموضوع؛ لكيلا يقال إنه يفتقد للذوق الرفيع»، وهنا يشير الباحث للصّور النمطية المتحيزة التي غالباً ما يتم ربطها بعالم كرة القدم كصورة المشّجع السّكير المتحدر من أوساط شعبية، والذي غالباً ما يقدم على أنه عنيف، محدود الذكاء أو متعصب لفريقه.
أسباب أخرى يكشفها المؤرخ ألفريد واهل الذي يعتبر من الباحثين الأوائل الذين اهتموا بدراسة كرة القدم، حيث نشر عدة دراسات قيمّة أهمها: «قصة كأس العالم أو العولمة الناجحة». في حوار مع صحيفة «لوموند» قال الباحث: «العزوف لم يكن اختيارياً بل مفروضاً، حيث إن الموضوع لم يكن ببساطة يهم دور النشر، فكلما كنت أعرض مؤلفاتي وبحوثي أتلقى الإجابة نفسها: «الأشخاص الذين يقرأون المؤلفات الجامعية لا يهتمون بكرة القدم ومن يهتم بكرة القدم لا يقرأ...». والواقع، يُلخص الباحث مشكلة كرة القدم ببساطة تكمن في أصولها «الشعبية»، وهو ما يفسر مشاعر الازدراء والمواجهة التي لَقِيتْها من النخبة «البرجوازية» لعقود طويلة ولا تزال. فنجوم هذه الرياضة مثلاً حسب هذه النخبة، وإن كانوا قد نجحوا في تكوين رأسمال شعبي ومالي ورمزي مهم فإن رأسمالهم الثقافي يبقى ضعيفاً. بعض الأوساط وصلت إلى درجات قصوى من الهجوم، فالفيلسوف الفرنسي آلان فنكلكرفت وصف فريق كرة القدم مثلاً بـ«الحمقى الأغنياء»، كما تحولت الأخطاء اللّغوية التي كان يرتكبها اللاعب الدولي المعتزل فرانك ريبيري إلى موضوع سخرية واستهتار، في إشارة للصورة النمطية التي تتداولها بعض وسائل الإعلام عن لاعبي كرة القدم على أنهم يفتقدون للثقافة، وأحياناً حتى إلى الذكاء.

بورخيس

في سجل آخر، يمكن أن يفسر العلاقة المعقدة بين النخبة الفكرية وكرة القدم، نجد «مأزق المعارضة التقليدية بين العقل والعاطفة». فالتعامل مع مثل هذه المواضيع يطرح أيضاً مشكلة التعامل مع سيل جارف من المشاعر القوية، وهو ما يخيف المثقفين؛ لأنها قد تكون خطوة مُحبطة للعقل والحكمة وباباً مفتوحاً نحو كل التجاوزات. هذه «المصّيدة العاطفية» التي يخافها المفكرون تحدث عنها بإسهاب الكاتب والفيلسوف مارك بلرمان في كتاب «كرة القدم.. الوباء العاطفي» (دار نشر لاباسيون) والذي يضيف بأن النخبة لا تريد أن تكون مثل الجماهير، هي تريد التحكم وترويض عواطفها، ولذا فلا يعقل أن تنساق لعواطف قوية كالعامة.
على أن الوضع لم يكن كذلك منذ البداية، ولا سيما مع بعض الأدباء الذين لم يخفوا شغفهم بالساحرة المستديرة: ألبير كامو الأديب الفرنسي والحارس السابق لفريق راسينغ الجزائري كتب مادحاً كرة القدم: «لم أعرف في أي مجال آخر باستثناء الرياضة الجماعية، هذا الشعور القوي بالأمل والتضامن الذي يصاحب أيام التدريب الطويلة إلى غاية الفوز أو الهزيمة. المبادئ التي أعرفها تعلمتها في ملاعب كرة القدم وفي خشبات المسرح وهي بالنسبة لي المدرسة الحقيقية»، الدلالة الرمزية القوية قد تكون غلاف روايته الأخيرة «الرجل الأول» الذي يمثله وهو يتوسط زملاءه من فريق كرة القدم.
أما فيرديناند سيلين فقد وجد في كرة القدم وسيلة للتعبير عن وحدة بطل روايته «موت بالتقسيط» بردامو حيث كتب: «في كرة القدم كنت أحظى بالمكان المناسب، كنت أوقف الأهداف... لا أحد كان يزعجني». كرة القدم حاضرة أيضاً في أعمال راينر ماريا ريلكه وفلاديمير نابوكوف، وعند المعاصرين أمثال الكاتب الفرنسي فرنسوا بيغودو في روايته «اللعب الصحيح»، والبريطاني نيك هورنبي الذي تعتبر سيرته الذاتية «البطاقة الصفراء» سرداً لحياته كمشجع لنادي أرسنال وكثيرون.
في فرنسا، وحسب الباحث المتخصص في تاريخ كرة القدم ألفريد واهل، بدأت الكرة المستديرة تجلب انتباه العلوم الاجتماعية ابتداءً من عام 1998، تاريخ تتويج فرنسا بطلة لكأس العالم. هنا وفجأة، كما يشرح الباحث، بدأنا نشهد توافد مثقفين على وسائل الإعلام وقد تخلصوا من عقدهم وازدرائهم لهذه الرياضة للحديث عن هذه الظاهرة بوصفهم خبراء، وانطلاقاً من هذه اللحظة أصبح التعامل مع ظاهرة كرة القدم أمراً مشروعاً.
هذا لا يعني أن دراسة وتحليل هذه الرياضة الشعبية كان دائماً موضوعياً، ففي كثير من الأحيان -كما يشرح باحث علم الاجتماع ستيفان بيو في كتابه «سوسيولوجيا كرة القدم» (دار نشر لاديكوفرت)- كان هذا الموضوع يتعرض لاختراق من قبل تأثيرات سياسية واقتصادية وإعلامية وثقافية لتغيير مسار الخطاب العلمي البحت. والعيب ليس في كرة القدم لأنها رياضة، نبيلة ولا نقاش في ذلك، المشكلة -حسب الكاتب- تكمن في المنظومة المحيطة بها، والتي تعطيها هذه النخبة شرعية حين تتحدث عن مزايا هذه الرياضة دون التطرق إلى عيوبها حتى وصلنا إلى مرحلة نشهد فيها امتلاء الملاعب عن آخرها، بينما لا أحد يظهر حين يتعلق الأمر بالإدلاء بصوته في صناديق الاقتراع. الكاتب أدرج بعض الأمثلة حيث انتقد الفيلسوف آلان فينكلكروت الذي استعمل مختصرات فكرية خطيرة حين ربط بين النشيد الوطني في الملاعب والوفاء للهوية الوطنية عند اللاعبين المتّحدرين من أصول مهاجرة، وكذلك الفيلسوف إدغار موران الذي قارن، حسب رأي الكاتب، بطريقة مبالغ فيها، بين الإبداع الفني وكرة القدم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
TT

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)

ضمن الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام حالياً في مصر للمرة الثالثة، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، ورعاية وزارة الثقافة المصرية، تنافس مسرحية «مرسل إلى»، التي نالت جائزة «المركز الأول» في المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية، وجائزة «أفضل تصميم ديكور» في المهرجان القومي للمسرح في دورته الـ18، على جائزة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي.

عرض «مرسل إلى» يطرح مفهوم «الحرب والسلام»، ويسلط الضوء على الصراع بين دولتي فرنسا وألمانيا، من خلال أحداث ذات أبعاد فلسفية، ومشاعر إنسانية دارت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، من منظور جندي فرنسي، يسترجع معاناته وأزماته وأسباب اندلاع الحرب.

وعن كواليس كتابة «مرسل إلى» واختياره ثيمة الطرح الإنساني، قال المؤلف طه زغلول إن أفكار النصوص بالنسبة له في البداية تكون عبارة عن أسئلة، يحتاج إلى مشاركتها مع غيره كي يجد لها إجابة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «السؤال في نص (مرسل إلى) انشغل به الناس خلال الفترة الماضية، وهو (هل سيتعرض العالم لحرب عالمية ثالثة؟)، ومن هنا كانت بداية كتابة نص (مرسل إلى)، الذي تحول بعد ذلك لمسرحية تتناول (الأزمات الإنسانية) التي تفرزها الحروب».

لقطة من العرض المسرحي «مرسل إلى» (مهرجان المسرح العربي)

وكشف زغلول، الذي كتب النص قبل 4 سنوات، أنه كان محظوظاً كون مخرج العرض هو محمد فرج، لافتاً إلى أن المشكلة التي تواجه جيله من المؤلفين، تتمثل في أن «أغلب المخرجين يهتمون بتقديم صورة معينة بغض النظر عن الأفكار المكتوبة، وأن المميز والمختلف في محمد فرج أنه قدم صورة مسرحية مذهلة بناءً على النص المسرحي المكتوب»، على حد تعبيره.

وأوضح زغلول أن «مرسل إلى» هو المشروع الثاني الذي جمعه بالمخرج محمد فرج بعد مسرحية «مائة وثلاثون قطعة»، التي عرضت العام الماضي، وحصلت على جوائز عدة، منوهاً بأن فريق العمل أقرب إلى فرقة مسرحية لأن غالبية العناصر مشتركة في العرضين، وفي مقدمتها مصمم الديكور محمد طلعت الذي كانت له بصمة واضحة شكلت إضافة للتجربة.

وعن أهم المراجع التي استعان بها في كتابة النص، قال زغلول: «استعنت ببعض مراجع عن الحربين العالميتين الأولى والثانية»، لافتاً إلى أن النص ليس تأريخاً لفترة زمنية أو لحدث معين، بل يناقش فكرة تأثير الحروب على الأفراد والناس العادية، وأن أغلب نصوصه تستند إلى وقائع تاريخية حقيقية.

ويؤكد زغلول أن الميزانية المحدودة، خصوصاً للعروض الخاصة، وعروض الجامعة، والثقافة الجماهيرية، تؤثر على مستوى العروض، موضحاً أنه كلما كانت الميزانية أكبر كانت مساحة الإبداع أكبر، لكن صناع مسرحية «مرسل إلى»، خصوصاً المخرج محمد فرج ومصمم الديكور محمد طلعت، استطاعوا استغلال الميزانية المحدودة بأفضل طريقة ممكنة.

تناول العرض المسرحي الحرب من منظور فلسفي (مهرجان المسرح العربي)

وعن اختياره «القضايا الإنسانية» لتسليط الضوء عليها في كتاباته، أكد زغلول أن الإنسان هو الإنسان في كل وقت وأرض، مخاوفه واحدة واحتياجاته واحدة، لذلك عندما اختار واقعة تاريخية حصلت قبل عشرات السنين «فإنني أرى أنها تلمس الواقع الذي نعيشه، كما أنني أتعمق في سرد الأفكار كي تصل للناس دون قيود»، حسب قوله.

وعن توقعه نيل جائزة من مهرجان «المسرح العربي» في دورته الـ16 التي تختتم فعالياتها الجمعة، أكد زغلول الذي حصد «المركز الأول» في مسابقة التأليف في الدورة الـ10 من المهرجان نفسه، أن الجوائز بشكل عام تعبّر عن وجهة نظر وذائقة لجنة التحكيم، لكن ما يشغله دائماً هو تقديم الكثير من الأعمال المميزة التي تدعو الناس للتفكير، وتشعرهم بالمتعة الفنية.

مسرحية «مرسل إلى»، لفرقة «بيت ثقافة السنبلاوين»، وإنتاج الإدارة العامة للمسرح، من تأليف طه زغلول، وإخراج محمد فرج، وشارك بها مجموعة كبيرة من الممثلين، من بينهم محمود الحسيني، وشموع وائل، وطلعت حسين، ومحمد صبح، وعاصم الجوهري، وأحمد علاء، وطارق المصري، ومحمد سليمان، ومحمد هاشم، وآية أشرف.


«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
TT

«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)

تحت شعار «عربياً هنا الفن»، المستوحى من كلمات الشاعر محمود درويش: «هذه لغتي، معجزتي، عصاي السحرية»، في احتفاءٍ باللغة العربية بوصفها قوة ثقافية حيّة تُشكّل التعبير الفني، يقيم معرض «فن القاهرة» دورته السابعة في المتحف المصري الكبير، بمشاركة أكثر من 700 عمل فني لنحو 300 فنان من 15 دولة، بينهم رموز للفن في الدول العربية، وكذلك فنانو المهجر.

ويحتفي المعرض هذا العام بالفنان جرجس لطفي، تقديراً لإسهاماته الراسخة في المشهد الفني المصري وتأثيره العميق في أجيال من الفنانين.

وضمن فعاليات النسخة السابعة، التي تُقام في الفترة من 22 إلى 26 يناير (كانون الثاني) الحالي، يقدّم «فن القاهرة» معرضاً متحفياً فردياً للفنانة إنجي أفلاطون، مستمداً من مقتنيات متحف الفن الحديث، ليُعيد تسليط الضوء على إرثها الفني، ويؤكد دور المجموعات المتحفية بوصفها أرشيفاً حيّاً في حوار مستمر مع الحاضر، وذلك بالتعاون بين «مبادرة فن القاهرة» ووزارة الثقافة المصرية، وفق بيان لمؤسس المعرض.

ويقول مؤسس ومدير «فن القاهرة»، محمد يونس، إن هذا المعرض هو الوحيد في مصر المكرّس حصرياً للفنان العربي، سواء كان مقيماً في العالم العربي أو في المهجر ويمثّل فنانين عرباً على الساحة الدولية.

«فن القاهرة» يتضمن أعمالاً لأجيال مختلفة (إدارة المعرض)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأعمال التي يتضمنها المعرض هي نتاج حكايات وتجارب وقضايا إنسانية تعبّر عن مشاعر الفنان العربي، من الفرح إلى القلق، أينما كان موقعه. كما تشهد هذه الدورة مشاركات من هولندا والنرويج عبر فنانين عرب، في تأكيد على حضور الفن العربي عالمياً».

وتشارك في المعرض صالات عرض فني من مصر تقدم أعمالاً لفنانين من أجيال مختلفة ومدارس فنية متنوعة، تتناول التاريخ الاجتماعي، والذاكرة السياسية، والتجريب المادي، واللغة البصرية المعاصرة. كما تشارك فيه «غاليريهات» من لبنان بأعمال تستكشف مفاهيم الهوية، واللغة، والاغتراب، والسرد الفني عبر أجيال ووسائط متعددة.

وكذلك تشارك صالات عرض من الأردن بأعمال تعكس ممارسات فنية تمزج بين التجريد والتشخيص والتجربة الإنسانية المعيشية في المشرق العربي. كما تشارك صالات من أبوظبي ودبي وهولندا والنرويج والبحرين.

وينظّم المعرض أنشطة ثقافية ضمن برنامج «حوار»، تتناول العلاقة بين الفن والجمهور وسوق الفن في الوطن العربي والدور المؤسسي في إبراز الفن العربي وتأكيد خصوصية هذا الفن وسماته المميزة.

ويشير يونس إلى أن «القاهرة هي الحاضنة الطبيعية لمعرض (فن القاهرة)، والأنشطة الثقافية المرافقة للمعرض، سواء للزوار أو المقتنين، تعكس حيوية المدينة وغناها الفني. من خلال متاحفها، وإرثها الثقافي، والفنانين والمعارض الموازية المقامة في أماكن تاريخية وقصور، يتجلّى تنوّع وثراء المشهد الفني العربي وقدرته على التواصل الحقيقي مع الجمهور».

معرض «فن القاهرة» شهد مشاركات واسعة في دوراته السابقة (إدارة المعرض)

وتُعدّ الدورة السابعة هي أولى الدورات التي تُقام في المتحف المصري الكبير بعد افتتاحه الرسمي، إذ كان قد احتضن من قبل ثلاث دورات للمعرض خلال فترة افتتاحه التجريبي. وحول خصوصية المتحف وملاءمته لاستضافة «فن القاهرة» يقول مؤسس ومدير المعرض: «يُعدّ المتحف المصري الكبير البيت الجدير لفن القاهرة، حيث استضاف ثلاث دورات قبل افتتاحه الرسمي. وتأتي النسخة السابعة متزامنة مع افتتاحه الرسمي، ليشكّل ذلك محطة مهمة واستثنائية».

ورأى يونس أن «الدخول إلى المتحف يضع الزائر في حالة فخر واعتزاز بتاريخ عظيم، ووجود فن القاهرة المعني بالمشهد الفني العربي المعاصر داخل هذا الصرح الثقافي العالمي، يؤكد دور القاهرة عربياً وعالمياً بوصفها مركزاً حضارياً وفنياً وثقافياً. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك بزخم أكبر، وحضور جماهيري أوسع، وتفاعل أعمق مع المعرض».


معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
TT

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

تُقدّم الفنانة تارا الخازن، في معرضها الفردي «بين الأنفاس»، صوراً عن لبنان الذي تراه حالة داخلية تتشكَّل بين شهيق وزفير. المعرض، المُقام في صالة «بلو روز» بمنطقة التباريس البيروتية حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، يُحاول التقاط اللحظة الفاصلة التي يُعلّق فيها الإنسان حياته مؤقّتاً كي يستمرّ. وبين الأعمال، تصبح الصورة وقفة ومحاولة فَهْم.

تعود فكرة المعرض إلى مسير طويل قطعته الفنانة عبر لبنان في ربيع 2023. كان الهدف الحركة نفسها. وفي يومياتها، تكتب عن الحاجة إلى الركض. إلى فكّ قبضة رغبات قديمة. إلى التقاط نَفَس كامل. هذا الدافع الشخصي تحوَّل إلى بنية عمل. فالكاميرا وسيلة نجاة، وحين تضيق الحياة، يُختصر العالم في إطار يُمكن احتماله.

صور تارا الخازن تبحث عن مساحة للفهم (الشرق الأوسط)

يبحث «بين الأنفاس» عن التفاصيل التي تمرّ عادة من دون انتباه. صورة «عيد ميلاد أمي» في تنورين مثلاً، التي تُسجّل احتفالاً عائلياً، تضعنا أمام علاقة مضطربة مع الزمن. فالاحتفال محاولة لتثبيت شيء يتفلّت. كأنّ الصورة تقول إنّ العائلة في بلد قَلِق تصبح شكلاً من أشكال الصمود الرمزي، فيحتفل أفرادها كي لا ينهاروا، ويخلقون مناسبة لإقناع أنفسهم بأنّ الاستمرارية لا تزال ممكنة.

في أعمال أخرى، تنتقل تارا الخازن من البشر إلى الأشياء من دون أن تغادر الفكرة الأساسية. في «طيور من سلك» بصيدا، نرى مجسّمات تشبه الطيران. الصورة لا تُحمَّل معنى مباشراً لتترك للمُشاهد أن يقرأ ثمن الحرّية حين تُصنَع من مواد قاسية. إنها صورة عن الرغبة والمخيّلة التي تحاول التعويض في بلد يُتقن اختراع رموز للانعتاق فيما الواقع يُضيِّق الخناق.

الشارع والسوق يحضران في المعرض على هيئة مساحات للعيش الممكن. في «شارع علي» و«سوق صيدا»، لا تُراقب الفنانة من الأعلى ولا تبحث عن غرابة مُفتعلة. الكاميرا قريبة ومتأنّية، تتبع الوجوه والحركات والازدحام والفوضى الممتدَّة. تُريد معنى آخر للمعرض أن يتكشّف، فيفهم زائره أنّ الحياة تُصاغ في هذا العادي المُتكرّر الذي يتطلَّب جهداً هائلاً للاستمرار، وليس فقط في اللحظات الاستثنائية.

الشارع يُصوَّر مثل إيقاع حياة يُعاد كلّ يوم (تارا الخازن)

تبلغ هذه المقاربة ذروتها في «أطفال عليا» من عكار. صورة لا تستدرج العاطفة بسهولة ولا تُقدّم الطفولة على أنها مساحة براءة مصقولة. الأطفال واقفون بين عالمَيْن. بين اللعب والوعي المُبكر، وبين الخفَّة والثقل. قوة الصورة في ما لا تقوله. في الأسئلة التي تتركها معلّقة حول ما يُحمَّل لهؤلاء الصغار من أدوار قبل أوانها. وحول الفارق بين ما يُفترض أن تكونه الطفولة وما يُفرَض عليها أن تكون.

ثم تأتي «اصطدمتُ بجدار» من اللقلوق بمثابة اعتراف بصري. هي لحظة داخلية أكثر من كونها صورة عن المكان. فالجدار نفسي، مما يجعلها صورة عن الوصول إلى حدّ ما، وربما التعب من الحركة نفسها. ومع ذلك لا تصرخ، فتترك الوجع مستتراً ومضبوطاً، كأنّ الفنانة تعي أنّ التعب لا يحتاج دائماً إلى إعلان كي يكون صريحاً.

يصبح النظر فعلاً بديلاً عن الكلام (تارا الخازن)

يتوسَّع المعرض أيضاً ليشمل فعل المُشاركة. تحويل الطابق العلوي إلى مساحة تصوير تُتيح للزائرين الجلوس أمام العدسة، ينقلهم من موقع المُشاهدة إلى موقع الظهور. ومع ذلك، لا تُعدّ الفكرة تفاعلية بالمعنى الشائع. إنها فكرية. فإذا كانت الصور قد بدأت على أنها وسيلة لتماسُك الفنانة، فهي تتحوَّل إلى مساحة مشتركة وأرشيف يتكوَّن أمام العيون ويؤكّد أنّ الضعف الإنساني جماعي.

تختبر الصورة قدرتها على الإمساك بما يتفلّت (الشرق الأوسط)

يأتي «بين الأنفاس» في لحظة مفصلية من تجربة تارا الخازن، حيث تتعامل مع الصورة على أنها مساحة اختبار. ليس البحث عن موضوع كبير هو ما يلفت في أعمالها، وإنما الإصرار على التفاصيل المُنفلتة، والإقرار بأنّ الرؤية نفسها عمل جارٍ وليس نتيجة نهائية. هذا التردُّد الإيجابي، إن صحَّ التعبير، يمنح الصور قيمتها. فهي لا تدَّعي السيطرة على الواقع وإنما تتركه في حالته الأولى بين الوضوح والالتباس.

القراءة القيّميّة لكامي حجّار لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة (الشرق الأوسط)

يُواكب التنسيق القيّمي للمتخصّصة في فنون الإعلام الجديد والممارسات المعاصرة، كامي حجّار، هذا المنحى من دون أن يطغى عليه. فالقراءة القيّميّة لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة ولا تدفعها إلى استعراض مفاهيمي. ثمة ثقة واضحة بالصورة وبقدرتها على الكلام من داخلها. وذلك يظهر في ترتيب الأعمال وفي فتح مساحة مُشاركة للجمهور.

قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف (الشرق الأوسط)

يقترح «بين الأنفاس» أن نمنح الصورة حقّها في أن تكون فعل تفكير. وهو اقتراح يكتسب أهميته اليوم لندرته في عصر يُطالِب الفنّ بأن يشرح نفسه سريعاً. فما يفعله هذا المعرض فعلياً هو أبعد من الدفاع عن البطء. إنه يُواجه فكرة باتت تحكُم علاقتنا بالصور كلّها، وليس بالفنّ وحده. فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى. والأهم أنه يتعامل مع الذاكرة على أنها شيء قيد التكوُّن. فالصور المُختارة، بين العائلة والشارع والأطفال والاصطدام بالجدار، تلتقط آليات العيش في لبنان عوض جَمْع حكاياته. وذلك يجعل المعرض أكثر من تجربة شخصية. إنه قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف، حتى صار التكيُّف بذاته سؤالاً.