لماذا انتحر ستيفان زفايغ؟

قبل ثمانين سنة وضع حداً لحياته في عز الحرب العالمية الثانية

ستيفان زفايغ
ستيفان زفايغ
TT

لماذا انتحر ستيفان زفايغ؟

ستيفان زفايغ
ستيفان زفايغ

قبل ثمانين سنة بالضبط وضع الكاتب العالمي الشهير ستيفان زفايغ حداً لحياته في مدينة بتروبوليس بالبرازيل في عز الحرب العالمية الثانية. الكاتب الأكثر شعبية في فرنسا، بالاضافة إلى شكسبير وأغاثا كريستي، لم يستطع أن يتحمل صعود النازية والفاشية في أوروبا، فكان أن قتل نفسه عن طريق تجرع السم الزعاف ليلة 22 فبراير (شباط) 1942. لقد انهار من أول صدمة، ما السبب وراء ذلك؟ تفسيري على النحو التالي: على عكس ما نظن فإن أبناء الأغنياء يعانون من هشاشة نفسية كبيرة، خلافاً لأبناء الفقراء؛ أبناء الأغنياء ضعفاء أمام المِحن، وأبناء الفقراء أقوياء، نعم أولاد الأغنياء ناعمون أكثر من اللزوم، لذلك فإنهم ينتحرون من أول صدمة، من أول اشتباك جِدّي مع الحياة، وذلك على عكس أبناء الفقراء الذين عركتهم الحياة وقَسَت عليهم فصلب عودهم وأصبحوا قادرين على الصمود أمام كوارث الوجود. مشكلة ستيفن زفايغ هي أنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، كان أبوه مليونيرياً كبيراً، وكانت أمه ابنة أحد كبار المصرفيين في فيينا، كان غنياً بشكل فاحش من كلتا الجهتين: الأب والأم، لذا لم يضطر إلى العمل ساعة واحدة طيلة حياته كلها، لم تعركه الحياة ولم يعركها، ولم ير منها إلا الوجه السهل الضاحك المبتسم، ولذلك انتحر من أول صدمة.
يقول ستيفان زفايغ موضحاً وضعه وفجيعته:
«كنت قد وُلدت عام 1881 في أحضان إمبراطورية كبيرة وجبارة، ولكنني أُجبرت على تركها يوماً ما وكأني مجرم! كل أعمالي الأدبية في لغتها الأصلية (الألمانية) أُحرقت وتحولت إلى رماد (على يد النازيين)، وبعدئذ أصبحت مشرداً غريباً في كل مكان، أوروبا ضاعت بالنسبة لي، لقد كنت شاهداً على أكبر هزيمة للعقل في التاريخ. والسبب هو طاعون الطواعين والداء العضال: عَنيتُ التعصب القومي الشوفيني الأعمى، لقد سمّم تلك الزهرة المتفتحة اليانعة للثقافة الأوروبية».
هذا ما قاله ستيفان زفايغ في تلك الأيام العصيبة التي شهدت صعود هتلر والنازية، بدءاً من عام 1933، وأنا مستعدّ لكي أبصم عليه بالعشرة مع فارق واحد هو أن طاعون الطواعين بالنسبة لنا ليس التعصب القومي، وإنما التعصب الديني الذي يفتك بالمشرق العربي والعالم الإسلامي كله فتكاً ذريعاً، كما فتكت النازية بروح أوروبا الحضارية. عندما فتحوا وصيته وجدوا مكتوباً فيها ما يلي:
«قبل أن أغادر هذه الحياة بمحض إرادتي وبكامل قواي العقلية والنقلية أشعر بالحاجة إلى أداء واجب أخير: إرسال أعمق آيات الشكر والاعتراف بالجميل إلى دولة البرازيل التي احتضنتني بعد أن انتحرت أوروبا؛ موطني الروحي، ولكن بعد ستين سنة من العمر تلزمني قوى خاصة جبارة لكي أستطيع بناء حياتي من جديد، وأنا استنفدت قواي بسبب سنوات التشرد الطويلة في البلدان والدروب، لهذا السبب أعتقد أنه من الأفضل أن أضع حداً لحياتي، ورأسي عالية مرفوعة. أخيراً أحيّي جميع أصدقائي وأرجو لهم أن يلمحوا أول خيوط الفجر بعد كل هذا الليل المدلهم الطويل! أما أنا فقد نفد صبري، ولذلك قررت أن أرحل قبلهم».
ماذا كانت ردود فعل الكُتاب والمثقفين على انتحاره؟
أولاً لقد وقع عليهم الخبر كالصاعقة، ولم يصدقوا في بداية الأمر. كيف يمكن أن ينتحر كاتب شهير طبقت سمعته أرجاء العالم الأربعة؟ بعضهم شتموه تقريباً، أو هاجموه بقسوة منقطعة النظير. نذكر من بينهم الكاتب الفرنسي الشهير جورج برنانوس، والكاتب الألماني الذي لا يقل شهرة توماس مان. كان جورج برنانوس الذي يعيش في البرازيل أيضاً قد استقبل في مزرعته ستيفان زفايغ قبل أربعة أيام فقط من انتحاره، وقد وجده كئيباً جداً، وربما منهاراً فاضطر إلى تقويته ودعم معنوياته، لكنه ما كان يعلم أنه وطّن نفسه على الانتحار، ولذلك عندما سمع بالخبر قال ما معناه: هذا عمل شائن، هذه عقلية انهزامية لا تليق بمثقف كبير؛ وذلك لأن الكاتب الكبير مكلف برسالة سامية في الحياة هي أن يدل الآخرين على الطريق، إنه منارة للآخرين، ومن ثم لقد أخل ستيفن زفائغ بواجبه بوصفه كاتباً تجاه ملايين القراء الذين كانوا يتابعونه ويحبونه ويتخذونه مثالاً وقدوة. علاوة على ذلك فإن الانتحار لا يجوز إطلاقاً في هذه الأزمنة العصيبة التي نعيشها. الكاتب الحقيقي، المفكر الحقيقي، لا ينهزم من الساحة في عز المعمعة ولا يتركها للأوغاد، وإنما يصمد ويشجع الآخرين على الصمود، ثم يقول بأن انتحار زفايغ يتجاوز حالته الشخصية نظراً لشهرته العالمية، ولهذا السبب يختتم الكاتب الفرنسي الشهير كلامه قائلاً: لا عذر لستيفان زفايغ ولا تفهم ولا تفاهم لعملية انتحاره، لقد وجه ضربة موجعة لقضية الحرية التي تناضل بكل ضراوة ضد النازية. ما هكذا يفعل الكُتاب الكبار يا ستيفان زفايغ!
أما توماس مان فقد كان رد فعله أكثر قسوة وأكثر عنفاً وتعنيفاً، لقد انفجر بالغضب انفجاراً عارماً عندما سمع النبأ قائلاً ما معناه: عيبٌ عليك! لماذا فعلت ذلك؟ لماذا ارتكبت تلك الخطيئة العمياء التي لا خطيئة بعدها؟! يا لها من عقلية انهزامية! يا لها من عقلية أنانية! يا له من خور وجبن! عيب على الرجال، الكُتاب الذين عضّهم الجوع من أمثالنا يحق لهم أن ينتحروا يا ستيفان زفايغ، أما أنت؟! شخص مليونير وينتحر! والله شيء مخجل. لكن الأخطر من ذلك هو أن توماس مان راح يشكك في مصداقية الدوافع التي ذكرها زفايغ في رسالته، ففي رأيه أن هذه الرسالة ناقصة جداً ولا تعطينا السبب الحقيقي لانتحاره، إنه يتحجج بالنازية والليل الطويل البهيم، وما إلى ذلك من كلام فارغ وبلاغيات جوفاء، ولكن توماس مان لا «يستسيغ» هذا الكلام حرفياً. في رأيه يوجد سبب آخر لانتحار الرجل، إنه لا يستبعد وجود فضيحة معينة كانت تتهدده، وربما فضيحة جنسية لأنه كان فعلاً زير نساء، ومن ثم فربما تورط في قضية أكبر منه، ولذلك وجد نفسه مدفوعاً دفعاً إلى الانتحار لتحاشي انفجار هذه الفضيحة كالقنبلة الموقوتة. والشيء الذي يدعم فرضية توماس مان هو أن زفايغ كان يعرف جيداً أن هتلر سوف يُهزم في نهاية المطاف بعد أن نزلت أمريكا بكل ثقلها في المعركة. ثم إنه كان يعيش في أقاصي الأرض، في البرازيل، بعيداً جداً عن أي خطر. بقيت نقطة أخيرة: الكثيرون كانوا يعيبون عليه أنه كان عُصابياً، ولكن هل كان سيصبح كاتباً كبيراً لولا أنه كان هيجانياً جنونياً؟
والآن لنقل كلمة واحدة عن زوجته «لوت» التي أقنعها بالانتحار معه وهو يكبرها بأكثر من ربع قرن، كانت في الرابعة والثلاثين فقط، وهو في الستين، فلماذا أجبرها على الانتحار معه؟ يا أخي إذا كنت تريد أن تنتحر فأنت حر: انتحر وحدك! لماذا تجر زوجتك المسكينة معك إلى الهاوية؟! لماذا لا تتركها تعيش حياتها وهي لا تزال في عز الشباب؟ هنا أيضاً سر الأسرار ومجهول المجاهيل.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بريطانيا: حافلة أم دراجة؟... اشتراك جديد يُشعل المنافسة على وسيلة نقل أرخص

ركوب الدراجة الكهربائية قد يكون الأرخص (غيتي)
ركوب الدراجة الكهربائية قد يكون الأرخص (غيتي)
TT

بريطانيا: حافلة أم دراجة؟... اشتراك جديد يُشعل المنافسة على وسيلة نقل أرخص

ركوب الدراجة الكهربائية قد يكون الأرخص (غيتي)
ركوب الدراجة الكهربائية قد يكون الأرخص (غيتي)

يستمتع جيمس، الأنيق دائماً، برحلته اليومية التي تستغرق 15 دقيقة إلى المنزل قادماً من العمل، لكنه لا يستقل الحافلة ولا القطار ولا الترام، بل دراجة كهربائية. وقال الشاب البالغ 23 عاماً، من سالفورد في مانشستر الكبرى ببريطانيا: «بهذه الطريقة أتجنب زحام ساعة الذروة والازدحام الشديد»، حسب صحيفة «بي بي سي» البريطانية.

وعلاوة على ذلك، يوفر جيمس المال، وهو أمر يحرص عليه بلا شك كونه حديث التخرج في الجامعة. وشرح قائلاً: «من حيث التكلفة، فإن 4 جنيهات إسترلينية يومياً في المواصلات مبلغ معقول، خصوصاً في ظل أزمة غلاء المعيشة».

جيمس واحد من بين عدد من الشباب الذين يُشاهدون اليوم يتنقلون في شوارع بعض المدن البريطانية على دراجات كهربائية (خضراء) مستأجرة، تديرها شركة «لايم» الأميركية. كما تُقدم شركات أخرى، مثل «فوريست» و«بولت»، بالإضافة إلى بعض المجالس المحلية، برامج مماثلة.

وعلى ما يبدو، ترمي خطوة شركة «لايم» الأخيرة إلى محاولة المساهمة في تغيير عادات التنقل لدى الركاب، وليس فقط أولئك الذين يستخدمون الدراجات الهوائية للترفيه.

يذكر أن الشركة أطلقت خدمة «لايم برايم»، نهاية فبراير (شباط)، وهي عبارة عن اشتراك شهري يمنح للركاب في سالفورد ونوتنغهام ولندن وأكسفورد وميلتون كينز، بسعر ثابت لأول 20 دقيقة من الرحلة، وبعد ذلك، يُحاسب الركاب بالدقيقة بسعر مخفّض.

ومع أن البعض قد اعتبر «لايم» في السابق باهظة الثمن نسبياً، فإن الاشتراك الجديد يبدو أنه يسعى إلى خفض تكلفة الرحلات الفردية باستخدام الحافلات ووسائل النقل العام الأخرى.

في سالفورد، تبلغ تكلفة استخدام «لايم برايم» 1.50 جنيه إسترليني لأول 20 دقيقة، مع رسوم شهرية قدرها 2.99 جنيه إسترليني. وللمقارنة، تبلغ تكلفة التذكرة الفردية من سالفورد إلى مانشستر 2 جنيه إسترليني بالحافلة، و2.80 جنيه إسترليني بالترام، مع الإشارة إلى أن التذاكر الموسمية قد تكون أرخص.

ويقودنا هذا إلى السؤال: هل ستُقدم المزيد من الشركات والمجالس على جعل أسعار الدراجات البخارية الكهربائية والدراجات الكهربائية تتماشى مع أسعار الحافلات ووسائل النقل العام التقليدية الأخرى؟ وهل يمكن أن يُغير ذلك طريقة تنقلنا إلى العمل في المدن؟


طرق بسيطة لتحسين جودة النوم

قلة النوم تؤدي إلى تراجع جودة الحياة بشكل عام (جامعة ميشيغان)
قلة النوم تؤدي إلى تراجع جودة الحياة بشكل عام (جامعة ميشيغان)
TT

طرق بسيطة لتحسين جودة النوم

قلة النوم تؤدي إلى تراجع جودة الحياة بشكل عام (جامعة ميشيغان)
قلة النوم تؤدي إلى تراجع جودة الحياة بشكل عام (جامعة ميشيغان)

يعاني كثيرون من صعوبة النوم أو الاستمرار فيه بانتظام، وهي مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالنعاس أو انخفاض الطاقة خلال اليوم لتؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة وجودة الحياة. وبجانب تغييرات نمط الحياة وتجنب العادات السلبية التي قد تضر بالنوم، تشير الدراسات إلى أن بعض المكملات والعناصر الطبيعية قد تلعب دوراً مهماً في تعزيز الراحة الليلية وتحسين جودة النوم.

ويؤكد خبراء النوم أن أفضل الوسائل الطبيعية هي تلك المدعومة بالأبحاث العلمية وتوصيات المتخصصين، إذ يمكن أن تساعد على الاسترخاء وتحسين النوم بشكل ملحوظ دون اللجوء إلى الأدوية، حسب مجلة «Prevention» الأميركية.

وتشير الدكتورة شيلبي هاريس، المتخصصة في طب النوم السلوكي بالولايات المتحدة، إلى أن قلة النوم أو سوء جودته قد يؤدي إلى تفاقم القلق والاكتئاب، وإضعاف الذاكرة، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، بالإضافة إلى تباطؤ الأداء الذهني وتراجع جودة الحياة بشكل عام.

من جانبه، يؤكد الدكتور أبهيناف سينغ، مدير مركز «إنديانا» للنوم بالولايات المتحدة، أن النوم هو العملية التي يستعيد فيها الجسم نشاطه ويُصلح نفسه، وأن كل أجهزة الجسم تعتمد عليه من الرأس إلى القدمين للحفاظ على الصحة والطاقة.

وتشير الأبحاث إلى أن بعض المكملات الطبيعية يمكن أن تسهم في تحسين النوم وتعزيز الاسترخاء، خصوصاً لدى من يواجهون صعوبة في النوم أو الاستمرار فيه.

ومن أبرز هذه المكملات هرمون الميلاتونين، الذي يفرزه الجسم طبيعياً لتنظيم الساعة البيولوجية، ويُعد من أكثر المكملات شيوعاً، إذ أظهرت أبحاث أنه يقلل الوقت اللازم للخلود إلى النوم ويحسن مدته، لا سيما لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات في مواعيد النوم. ويأتي أيضاً مستخلص الكرز الحامض، الذي تشير الأبحاث إلى أنه قد يطيل مدة النوم العميق ويحسن كفاءته، فضلاً عن رفع مستويات الميلاتونين وتقليل الالتهابات، ما ينعكس إيجاباً على جودة النوم.

ومن المكملات المهمة أيضاً المغنيسيوم، المعدن الأساسي الذي يساعد على تهدئة الجهاز العصبي وإرخاء الجسم، ما يعزز القدرة على النوم بشكل أفضل. ويمكن الحصول عليه من أطعمة مثل اللوز، والسبانخ، وبذور اليقطين، والأفوكادو، والموز، والشوكولاته الداكنة، وبذور الشيا، والشوفان، والزبادي. كما يُعد البابونج عشباً مهدئاً شائع الاستخدام، وغالباً ما يُتناول كشاي، وقد أظهرت الدراسات أنه يساعد على تقليل الاستيقاظ الليلي، مما يدعم النوم العميق والمستقر.

تحسين جودة النوم

وتشير الدراسات أيضاً إلى أهمية مكمل «5-هيدروكسي تريبتوفان» (5-HTP)، الذي يساهم في إنتاج السيروتونين، الذي يتحول بدوره إلى الميلاتونين، أحد الهرمونات الأساسية لتنظيم النوم، وقد أظهرت الأبحاث أنه يحسن جودة النوم، خصوصاً لدى كبار السن. ويُستخدم اللافندر كذلك بفضل خصائصه المهدئة، سواء في العلاج العطري أو ضمن المشروبات العشبية، وتشير الأبحاث إلى أنه يخفف أعراض اضطرابات النوم ويحسن جودته.

كما يُعرف جذر الناردين بكونه مكملاً عشبياً استخدم منذ آلاف السنين لتعزيز الاسترخاء وتحسين النوم، ويتميز بتأثيره المهدئ مقارنة بغيره من الوسائل الطبيعية، رغم أنه قد يسبب النعاس في اليوم التالي، كما أن الأدلة العلمية حول فعاليته لا تزال محدودة. ورغم الفوائد المحتملة لهذه المكملات الطبيعية، ينصح الخبراء باستشارة الطبيب قبل استخدامها، لضمان السلامة وتجنب أي آثار جانبية أو تداخل محتمل مع أدوية أخرى، ما يجعلها خياراً داعماً للنوم ضمن أسلوب حياة صحي ومتوازن.


عادات يجب التخلي عنها لاستعادة النشاط في الربيع

التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
TT

عادات يجب التخلي عنها لاستعادة النشاط في الربيع

التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)

مع انتهاء فصل الشتاء وحلول الربيع، يجد كثيرون أنفسهم مرتبطين بعادات يومية اكتسبوها خلال الأشهر الباردة، مثل قضاء وقت أطول داخل المنزل أو الإفراط في شرب القهوة. ورغم أن هذه العادات قد تبدو مريحة، فإنها غالباً ما تؤثر سلباً على مستويات الطاقة والحالة المزاجية، وتحرم الإنسان من الاستمتاع بأجواء الربيع المنعشة.

ويقدم خبراء الصحة النفسية مجموعة من العادات التي يُنصح بالتخلي عنها مع تغير الفصول، إلى جانب بدائل بسيطة تساعد على تحسين جودة الحياة وتعزيز النشاط. وحسب مجلة «Real Simple» الأميركية، تقول الدكتورة هيلاري بيلوتو، المُعالجة النفسية بالولايات المتحدة، إنه خلال الشتاء يميل الجسم بشكل طبيعي إلى النوم لفترات أطول بسبب قلة ضوء النهار، وهو أمر بيولوجي طبيعي، لكن استمرار هذه العادة مع حلول الربيع قد يحرم الجسم من فوائد ضوء الصباح، الذي يعزز إفراز السيروتونين المسؤول عن تحسين المزاج والطاقة. وتوصي بيلوتو بالالتزام بمواعيد نوم واستيقاظ منتظمة، والتعرض لضوء الشمس صباحاً لتعزيز النشاط وتحسين جودة النوم ليلاً.

شعور بالعزلة

ومع تحسن الطقس، قد يظل البعض معتادين على البقاء في الأماكن المغلقة، ما قد يؤدي إلى شعور بالعزلة والانفصال عن الحياة المحيطة. وتنصح الدكتورة كلوي بين، المُعالجة النفسية في الولايات المتحدة، بالبدء بخطوات بسيطة، مثل فتح النوافذ أو أخذ استراحة قصيرة في الخارج، أو المشي حول المنزل، فحتى التعرض القصير للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة والشعور بالحيوية.

كما يزداد اللجوء إلى المشروبات الساخنة خلال الشتاء، وخصوصاً القهوة، لكن الإفراط في تناول الكافيين قد يخلق دورة من النشاط المؤقت يعقبها شعور بالتعب، ما يعيق النوم الجيد ويزيد الحاجة لمزيد من الكافيين في اليوم التالي. وينصح الخبراء بتقليل الكمية تدريجياً واستبدال القهوة بعد الظهر بمشروبات منزوعة الكافيين أو الشاي، للحفاظ على روتين نوم صحي وطاقة مستمرة طوال اليوم.

ومع قصر النهار وبرودة الطقس، يصبح البقاء في المنزل خياراً مغرياً، لكن تكرار إلغاء الخطط قد يؤدي تدريجياً إلى العزلة. ويؤكد الخبراء أن التواصل الاجتماعي ضروري لتخفيف التوتر وتعزيز الدعم النفسي، وينصحون خلال فصل الربيع بالالتزام بخطط بسيطة أو تقليل مدة اللقاءات بدلاً من إلغائها بالكامل، مع التفكير في السبب الحقيقي وراء الرغبة في البقاء في المنزل، سواء كانت حاجة للراحة أو الرغبة في تجنب التوتر.

وتعد قلة الحركة خلال الشتاء أمراً شائعاً، لكنها قد تؤثر سلباً على المزاج وتزيد مستويات التوتر. وينصح الخبراء بالبدء بخطوات صغيرة، مثل المشي لمدة قصيرة أو أداء تمارين خفيفة في المنزل، أو تخصيص دقائق قليلة للتمدد، فهذه الخطوات تساعد على بناء روتين تدريجي ومستدام وتخلق شعوراً بالإنجاز والحيوية.

كما أن تراكم الأشياء غير المرتبة في المنزل قد يزيد الضغط النفسي؛ إذ يرسل إشارات مستمرة للدماغ بوجود مهام غير مكتملة. ومع حلول الربيع، يُنصح بالتعامل مع الفوضى تدريجياً، مثل ترتيب درج واحد أو رف واحد في كل مرة، ما يعزز شعور النظام والراحة النفسية.

ورغم سهولة طلب الطعام الجاهز، فإن الاعتماد المستمر عليه قد يقلل من الوعي بنوعية الطعام الذي نتناوله ويزيد النفقات اليومية؛ لذلك يوصي الخبراء بتجهيز مكونات بسيطة في المطبخ لإعداد وجبات سريعة، مع أخذ لحظة للتفكير فيما يحتاجه الجسم فعلياً قبل طلب الطعام، سواء كانت الراحة أو التوفير في الوقت.

ويشدد الخبراء على أن الهدف ليس التخلي عن هذه العادات فجأة، بل إدخال تغييرات صغيرة ومستدامة تدريجياً. فهذه الخطوات البسيطة والمتواصلة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في تحسين المزاج وزيادة النشاط، والاستمتاع بأجواء الربيع بأفضل شكل ممكن.