اليوم العالمي لـ«شجرة الزيتون»... ذكريات سعيدة تنازع «الحاضر المؤلم»

تغيرات المناخ نالت من إنتاجها

من محبي شجرة الزيتون الذين يستقبلون يومها العالمي بذكريات الماضي وتحديات الحاضر (المصدر: رابطة محبي شجر الزيتون باليونان «mia elia»)
من محبي شجرة الزيتون الذين يستقبلون يومها العالمي بذكريات الماضي وتحديات الحاضر (المصدر: رابطة محبي شجر الزيتون باليونان «mia elia»)
TT

اليوم العالمي لـ«شجرة الزيتون»... ذكريات سعيدة تنازع «الحاضر المؤلم»

من محبي شجرة الزيتون الذين يستقبلون يومها العالمي بذكريات الماضي وتحديات الحاضر (المصدر: رابطة محبي شجر الزيتون باليونان «mia elia»)
من محبي شجرة الزيتون الذين يستقبلون يومها العالمي بذكريات الماضي وتحديات الحاضر (المصدر: رابطة محبي شجر الزيتون باليونان «mia elia»)

احتفل العالم يوم «السبت» 26 نوفمبر (تشرين الثاني) باليوم العالمي لشجرة الزيتون، وهو اليوم الذي اختارته كل من اليونيسكو والمجلس الدولي للزيتون، ليكون اليوم العالمي للشجرة، في وقت هجر بعض المزارعين مزارع الزيتون، ولا يزال آخرون من بينهم خالد شوكت، متمسكين بإعطاء الشجرة كل الاهتمام والرعاية، رافضين التخلي عنها، بعد أن نال تغير المناخ من إنتاجها.
ويمتلك شوكت، ابن محافظة شمال سيناء المصرية، ذكريات سعيدة عند حصاد محصول الزيتون خلال فصل الصيف، وهذه الذكريات هي التي تنازع الحاضر المؤلم للشجرة، لتدفعه إلى التمسك بها، والبحث عن أدوات المقاومة في مواجهة تغيرات المناخ، التي بدأت تنال من إنتاجها.
وبينما احتفل العالم «السبت» باليوم العالمي لشجرة الزيتون، وهو اليوم الذي اختارته كل من اليونيسكو والمجلس الدولي للزيتون يوم 26 نوفمبر، ليكون اليوم العالمي للشجرة، وجد شوكت في هذه المناسبة الدولية، فرصة لتذكير أقرانه بفضل الشجرة عليهم، قائلاً بنبره يغلفها الحزن: «تذكروا أفضالها عليكم، ولا تُديروا لها ظهوركم، ودعونا نقاوم معاً ما تسببه تغيرات المناخ».
وانخفضت إنتاجية أشجار الزيتون إلى أكثر من النصف خلال المواسم الأخيرة، بسبب عدم استيفاء الشجرة لاحتياجات البرودة، بسبب ارتفاع درجة الحرارة، الأمر الذي يفرض معاملات خاصة، لم يعتد عليها بعض المزارعين، بحسب تقدير حسني الشيخ، الأستاذ بكلية الزراعة جامعة أسيوط (جنوب مصر).
وتحتاج أشجار الزيتون إلى عدد من ساعات البرودة في فصل الشتاء، حيث تحتاج في المتوسط ما بين 100 إلى 150 ساعة كي تزهر في الربيع. وبسبب تغير المناخ وتذبذب الحرارة خلال فصل الشتاء، لم يتحقق التزهير المطلوب للشجرة، وانخفض إنتاج المحصول في موسم 2021، وبدأ شوكت وأقرانه ممن تمسكوا بأشجارهم، يسألون عن أدوات للصمود يمكنهم الاعتماد عليها في مواجهة تلك التغيرات.
ويقول شوكت لـ«الشرق الأوسط»: «هناك إجراءات مختلفة في التسميد، وكذلك في تقليم الأشجار يمكن للمزارعين اتباعها لتقليل الأضرار، ونجحنا باستخدامها في تقليل الأضرار خلال موسم 2022». ويضيف: «قد تكون هذه الإجراءات مكلفة بعض الشيء، ولا تجعل أرباحنا من الشجرة بمعدلات الماضي نفسها، ولكن على الأقل تحافظ على حياة الشجرة واستمرارها».
ولشجرة الزيتون رصيد كبير في حياة شوكت وأقرانه دفعتهم للتمسك بها مع البحث عن عمل آخر إضافي لتأمين متطلبات الحياة. غير أن رصيدها البيئي والمعنوي يجب أن يدفع حكومات دول البحر المتوسط، التي تمتلك 98 في المائة من مجمل الأراضي المزروعة بالزيتون عالمياً، لتكون أحرص على هذه الشجرة التي توصف بـ«الشجرة المباركة».
وبالتزامن مع اليوم العالمي للشجرة (السبت)، أعادت مجموعة من محبي شجرة الزيتون في اليونان، تذكير العالم بأهمية الشجرة بيئياً ومعنوياً وغذائياً. وقال محبو الشجرة على موقعهم «mia elia»، إن هناك أسباب عدة تدفعهم للحرص على الاحتفال بهذا اليوم، ومنها أن أشجار الزيتون مفيدة للبيئة بطرق عديدة. فهي تساهم في الحفاظ على الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي، وتعمل على مكافحة الاحتباس الحراري والتصحر، حيث تشير الدلائل إلى أن زراعة الزيتون، يزيد من تثبيت ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في التربة.
كما أن هذه الشجرة المباركة، تُخرج الزيتون وزيت الزيتون، وكلاهما مغذيان للغاية وصحيان. وهما من المكونات الرئيسية في حمية البحر المتوسط. ويدرجها العديد من الطهاة المشهورين في وصفاتهم كدليل على الجودة العالية والقيمة الغذائية.
ويشتهر زيت الزيتون بخصائصه المضادة للأكسدة وقيمه العلاجية، وتُظهر الأبحاث أنه يمكن أن يمنع العديد من الأمراض، مثل السرطان ومشاكل القلب والتهاب المفاصل والسمنة.
وبالإضافة إلى هذه القيم الغذائية والبيئية، فإن هناك قيمة معنوية، تتمثل في أن شجرة الزيتون من أكثر الأشجار المحبوبة في تاريخ البشرية، حيث اعتبرها الناس مقدسة منذ العصور اليونانية القديمة، وكان غصنها دائماً رمزاً لطول العمر والسلام والوئام والنمو والبعث والصداقة. كما أنها ألهمت العديد من الفنانين والشعراء والكتاب في جميع أنحاء العالم.
ويقول محبو الشجرة على موقعهم: «نحن نحتفل دائماً بهذا اليوم على الطاولة مع العائلة والأصدقاء. نستمتع بالمأكولات الشهية محلية الصنع، المصنوعة من زيت الزيتون الطازج».
وكانت اليونيسكو قد أعلنت عن هذا اليوم (اليوم العالمي لشجرة الزيتون) في الدورة الأربعين للمؤتمر العام للمنظمة في عام 2019، بناءً على اقتراح من الحكومتين اللبنانية والتونسية. وتقول على موقعها: «تحتل شجرة الزيتون، وتحديداً غصن الزيتون، مكانة مهمة في أذهان الرجال والنساء. ومنذ العصور القديمة، كان يُستخدم هذا الغصن رمزاً للسلام والحكمة والوئام، وبالتالي هو مهم ليس فقط للبلدان التي تنمو فيها هذه الأشجار النبيلة، ولكن أيضاً للناس والمجتمعات في جميع أنحاء العالم».
وتُشجع اليونيسكو الجميع على المشاركة من خلال أنشطة مختلفة، مثل المناقشات والمؤتمرات وورش العمل، والفعاليات الثقافية والعروض التقديمية أو المعارض.
وبينما تشجع اليونيسكو على تلك الأنشطة الثقافية، يشجع حسني الشيخ، الأستاذ بكلية الزراعة في جامعة أسيوط (جنوب مصر) شوكت وأقرانه من المزارعين، على الاستمرار في نهجهم بعدم إهمال تلك الشجرة ومقاومة تغيرات المناخ.
ويقول الشيخ لـ«الشرق الأوسط»، إن «أحد أسباب تلك المشكلة (إهمال زراعة الزيتون بمصر)، هو التوسع في استخدام الأصناف الأجنبية التي تحتاج إلى ساعات برودة أكثر من الأصناف المحلية».
ويكمل: «إضافة إلى إجراءات التقليم والتسميد المختلفة التي تتناسب مع تغيرات المناخ، والتي يجب أن يعرفها المزارعون جيداً، نشجعهم على العودة إلى إنتاج الأصناف المحلية».


مقالات ذات صلة

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

يوميات الشرق زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

جاء الربيع بعد شتاء معتدل وماطر، حاملاً أجواء دافئة هيأت ظروفاً مثالية لعرضٍ رائعٍ لأزهار الربيع في بعض المناطق، هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

نفوق مئات الأطنان من الأسماك في العراق بسبب تلوث المياه

أدّى تلوث المياه إلى نفوق أكثر من ألف طن من الأسماك مؤخراً في العراق.

«الشرق الأوسط» (الزبيدية (العراق))
يوميات الشرق عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)

مصر: خيارات التنزه المجاني تتضاءل مع تراجع المساحات الخضراء

في حين خرج ملايين المصريين إلى الحدائق والمساحات الخضراء في يوم «شم النسيم»، كان الأمر صعباً في إيجاد هذه المساحة أمام مجدي عاشور، الموظف الحكومي.

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

أكّد المركز السعودي للأرصاد عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

خاص الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

بعد سنوات من النزاع المُسلح الذي خلّف دماراً كبيراً بالسودان، لم يتأثر به سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم، بل امتد التأثير إلى البيئة بشكل مخيف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.