محمود شوبَّر: أجلس في مرسم عنتر لأتأمل العالم

يرى أننا ما زلنا مأسورين للعقلية الغربية على مختلف الأصعدة ومن بينها الفن التشكيلي

الفنان في مرسمه
الفنان في مرسمه
TT

محمود شوبَّر: أجلس في مرسم عنتر لأتأمل العالم

الفنان في مرسمه
الفنان في مرسمه

من بابل في العراق يتحدر الفنان العراقي محمود شوبر ليخوض تجربة «عنتر وعبلة» في تجلياتهما المعاصرة في معرضه الثامن من مسيرته «عنتر وعبلة الشوبريالزم» في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية حالياً. إنه يركز على رؤيته لهاتين الشخصيتين التاريخيتين الراسختين في الذهن العربي، بثوب معاصر، ويجعلنا نعيش معها في واقعنا الراهن بحيث يقنعنا بأن عنتر يتمكن من اعتلاء صهوة الحصان كما يتمكن من قيادة سيارة فارهة. وفي الوقت نفسه لا يتخلى الفنان عن زخرفية الفن العربي وتقنياته وأصوله وتراثه. هنا حوار معه عن معرضه الحالي وتجربته الفنية.

> ننطلق من معرضك الفني الجديد في جمعية التشكيليين الإماراتيين «عنتر وعبلة»؟ وإلى أي مدى حققت مفهومك النظري «الشوبرباليزم»؟
- عنتر وعبلة تماهيا مع بيان «الشوبرباليزم» في 2020 تناولت مجموعة مفاهيم قصدت منها إيجاد تيار أو حركة تشتغل ضمن جسد التشكيل للفن العربي أو العراقي، لأننا كنا ولفترات طويلة وما زلنا مأسورين للعقلية الغربية وما تنحته من فكر وثقافة على مختلف الأصعدة ومن بينها الفن التشكيلي. باعتقادنا أن الرسم وما تجاوره من بنى إبداعية كانت المفاهيم الغيبية ضاغطة عليها بسبب عدم فهمنا الحقيقي للآراء والأفكار التي قيلت في هذا المجال. ومن هنا غيبت كل الطروحات الجمالية التي تعنى بالثقافة العربية والإسلامية. وغيبت كل ما كان من نتاج أعتبره بشكل شخصي نتاجا مهما فيه اشتغالات مهمة على سبيل المثال لا الحصر. وإذا ما استثنينا أعمال الفنان العباسي يحيى بن محمود الواسطي، فسوف نلامس حقيقة جمالية مختلفة ومغايرة للأنساق التي درجت عليها كافة المدارس الفنية المتعارف عليها، ولربما هناك تأثر واضح بما كان ينجزه الفنان العربي المسلم من قبل بالعقل الأوروبي المغامر في سبر مناطق الجدة والابتكار في عالم الثقافة والفنون. هذا ما دفعني إلى استلهام القصص الخالدة قبل الإسلام من خلال الجمعية العربية والتي يمكن الاستفادة منها للانطلاق في صيغتها المحلية إلى الصيغة العالمية.
> ما هو مفهومك للمحلية والعالمية في الفن وخاصة في عصر العولمة حالياً حيث تتقلص الحدود وتنحسر المسافات؟
- بلا شك هذا المفهوم فضفاض وله أبعاد كثيرة والذي عنيته بما يخص الفن التشكيلي «التداولية» إذ أن من المهم جداً للفنان أن تكون هناك آلية لتداول أعماله على صعيد بيع تلك الأعمال واقتنائها من قبل المتاحف والمزادات العالمية مما يجعل فسحة انتشاره على صعيد النخبة والمهيمن بالأعمال الفنية الواسعة تختلف اختلافا كبيراً على تداولها في البلد الأم للفنان. وهذا يحتاج الكثير من الجهد والمثابرة ومن ترصين العمل الفني ذاته ليكون بالقيمة الاعتبارية التي تتكئ على الجمال والمعرفة لتخلق عالم التشكيل.
> ما هي علاقتك بالتراث، وهل ترى أن الفنان قادر على الاستلهام منه على الدوام؟
- أرى التراث تلك المناطق التي مررنا بها وآباؤنا السابقون، في سعينا المفروض في هذه الحياة الدنيا، وكلما تقدم سيرنا ابتعدت عنا وانطفأت أضواؤها. أحياناً -وهذا يحصل في عالم الفن الذي أراه غير محكوم بمكان أو زمان- نكون قادرين على إضاءة هذه «المناطق» بمصابيح الفن، ونسكنها عبر لوحاتنا حسب رغباتنا وحسب ما تمليه علينا أرواحنا، هو شيء من «النوستالجيا»، ربما نمارسها بهاجس الهروب من تعقيدات الحياة التي تضطرم مراجلها لتحيل الحركة إلى الأسرع، وهذا ما يجعلنا في خطر دائم، فتكون تلك «المناطق» التي أشرت لها هي «ملاذ آمن» لنا. والتراث لربما يمكننا وصفه بالإرث الذي ورثناه من الأولين وعادة الوارث يحافظ على إرثه كي لا يكون واقعه هباءً منثورا، فالذي يشاع من حكمة أن الذي ليس له أول ليس له آخر. من هذا يمكننا أن نستشف أن التراث هو حقل مستكشف ولكن لم ينضب عطاؤه بعد، نعرف مداخله ومخارجه ولكننا في أحيان كثيرة نجهل كيفية استخدامه وتوظيفه بالشكل الذي نقدم أنفسنا من خلاله بالشكل الصحيح وبما ما يتواءم مع روح المعاصرة التي نحياها ونعيش متغيراتها. وأعتقد أن الفضاءات التي يوفرها دائما ما تكون رحبة شريطة أن يفهم الفنان كيفية الولوج إليها. أما موضوع الاستفادة واستلهام مفرداته فذلك يبقى خيار الفنان ومقدرته على التخييل والإزاحة والحذف والإضافة، بمعنى أن هامش المناورة في الاستلهام يرافقه ذكاء الفنان وخبرته التي يقرر من خلالها أي المناطق التي من خلالها يكون قادراً على الحفر «الأركيلوجي» فيها ليصل إلى سبر أغوارها والإمساك بمخزونها من النفيس والثمين الذي يكمن في أقاصي أعماق هذا التراث.

لوحة «عنتر وعبلة»

> نلاحظ أنك تقدم فهماً جديداً للتراث، وتبتعد عن السردية القديمة والتقليدية إذ نرى شخوصك «عنتر وعبلة» في خضم حياتنا المعاصرة.
- إن السرد التوثيقي على الصيغة الحكواتية التي كان يعتمدها  الرسام الشعبي والتي نراها ضمن الموروث الشعبي العربي تعتبر الوسيلة الوحيدة للتقريب ما بين فكرة المحكي والمرئي على صعيد الخطاب، إذا ما سلمنا أن الخطاب يكون ضمن هذين الصيغتين، فبالتالي تكون تلك «الرسومات» خلفية متراصفة مع الواقعة الأولى التي تمثلها الحكاية، وهذا ليس بجديد على عالم الرسم فنرى أن الرسام عكف على توثيق القصص والأساطير والملاحم منذ الكهوف وصولاً إلى وقتنا الحاضر، وهذا ما يشي به تاريخ الفن. المغايرة أو الاختلاف الذي تعمدته في معرضي الأخير المقام في «جمعية الإمارات للفنون التشكيلية» والذي أسميته  بقصدية واعية «عنتر & عبلة»، إذ رفعت حرف العطف (الواو) واستعرت &)) لأتمكن من تهيئة  ذهن المشاهد أو المتلقي إلى التوقع  بأن ما سوف يراه من طروحات غير معنية بالتوثيق أو السرد الخاص بالشخصيتين الرئيسيتين، وإنما وجودهما يمثل المدخل الرئيسي في استنباط وتوظيف «حكايانا» المعاصرة التي ترافقنا في حياتنا اليومية. وكانت الاستعارات في بعض الأحيان واضحة وصريحة بيني وبين شخصية «عنتر»، حيث قمت برسم شخصي لي وعبلة جالسة أمامي في جلسة رسم ولكن في مرسم عنترة وأسميت هذه اللوحة «أتيليه عنترة»، واستخدمت التعبير الفرنسي بتسمية المرسم. أجلس في مرسم عنتر لأتأمل العالم.
> ما هو مفهوم (الشوبرباليزم) ومن أين استمددت جذوره الفنية؟
- الشوبرباليزم هو  اتجاه أو تيار أو مدرسة فنية قمت بوضع أسسها الجمالية والنقدية عبر بيان أصدرته في عام 2020. وقد وضعت به بعض الأسس المعرفية والفلسفية التي تحدد صيغة الاشتغال بهذا المفهوم. ومراعاة لجانب الترصين الأكاديمي، قمت بدعوة بعض الأساتذة في مجال الفلسفة والفنون وعكفنا على مناقشة حيثياته والدوافع والنتائج المتوخاة وما فيه من أصالة وجدة. وهم د. زيد الكبيسي. أستاذ مادة الفلسفة جامعة الكوفة، ود. منذر الدليمي  مساعد جامعة المستقبل، ود. علي شاكر نعمة أستاذ مادة علم الجمال/ جامعة بابل، وتم التوقيع من قبلهم على نسخة البيان للإعلان عن ولادة تيار فني عراقي عربي. ومن أهم ما يؤكد عليه هذا البيان هو إمكانية تسييل الزمان في المكان الواحد داخل السطح التصويري وربط المثابات التاريخية عبر آصرة المكان التي تتيح للفنان أو للأديب المساحة الواسعة بالتعبير دون محددات وبما يتماهى مع روح العصر ومتطلباته واشتراطاته الفكرية.
> هناك مزج ما بين التجريدي والواقعي في أعمالك الفنية، هل هذا منهج في سيرتك الفنية؟
- ابتداءً، علينا توضيح مفهوم «التجريد» أو «المدرسة التجريدية» التي أرسى أسسها اثنان من كبار التشكيليين العالميين  الأول ويسلي كاندنسكي والثاني الفنان الهولندي موندريان. حيث عمد الأول إلى الاتكاء بشكل صريح على الروح والثاني كان أداؤه يرتكز بشكل كبير على العقل. وفي كلا الاتجاهين كانا يناديان بـ«الإطاحة بالمضمون لصالح الشكل» أي بمعنى أن التجريد بلا معنى يعتمد عليه محاولين من ذلك ملاحقة أو مسايرة الموسيقى التي لا تفهم أحرف نوتاتها ولكن تكون فاعلة ومؤثرة بنا نفسياً أو عاطفياً. وهذا ما لا يتطابق مع طريقة اشتغالي أو بنائي للإنشاء التصويري على سطح الخامة أو السطح التصويري، فأنا أضمن العمل الكثير من «الشيفرات» أو «العلامات» التي تكون واضحة للمتلقي  بشكل صريح أو تكون ثانوية ضمن بنية الفكرة. وهناك خطاب فكري وجمالي مزدوج أحاول من خلاله إثارة الأسئلة أو الافتراضات التي أمسك بعوامل الدهشة لدى هذا المتلقي. ولذا يمكنني الإجابة على أن التجريد ليس مفهوماً يكون حاضراً في لوحتي إنما بصيغة أخرى يمكن تعريفها بالاختزال أو التبسيط وأحياناً «التسطيح» في الشكل واستخدام منظور «عين الطائر» وتلك التضمينات الجمالية إنما مستوحاة من مفردات الفن الإسلامي. بالتالي تكون خاضعة لقوانين أو أسس لا علاقة لها بالتجريد بقدر ما تكون سابحة في عملية البحث عن الصدمة أو التساؤل أو خلق آصرة ما بين اللوحة والذي يقف أمامها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».