إعادة الحديث عن «لوكربي» تُعمّق أزمات «الوحدة» الليبية

تباين سياسي حول تراجع شعبيتها... وغياب حلفاء لها في الساحة الداخلية

صورة أرشيفية لطائرة «بان أمريكان» التي سقطت فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطائرة «بان أمريكان» التي سقطت فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988 (أ.ف.ب)
TT

إعادة الحديث عن «لوكربي» تُعمّق أزمات «الوحدة» الليبية

صورة أرشيفية لطائرة «بان أمريكان» التي سقطت فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطائرة «بان أمريكان» التي سقطت فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988 (أ.ف.ب)

(تقرير إخباري)
ينقسم سياسيون ليبيون حول تقييم أداء حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وفي حين رأى البعض أنها باتت محاصَرة بالأزمات، ولا سيما بعد تجدد الحديث حول قضية «لوكربي»، والخلاف مع المجلس الأعلى للدولة، يرى آخرون أنها «لا تزال تعمل على خدمة المواطنين دون أي تأثر».
وقال عضو مجلس النواب الليبي حسن الزرقاء، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، إن الخلاف الأخير بين رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، والدبيبة «أحكم الحصار حول حكومته من الناحية التشريعية»، خصوصاً في ظل قيام مجلس النواب بسحب الثقة منها منذ سبتمبر (أيلول) العام الماضي، مبرزاً أنه «لم يعد لدى هذه الحكومة أي حلفاء في الساحة الداخلية، وهي تعتمد الآن على دعم بعض الدول التي تتحالف معها لتحقيق مصالح وأهداف سياسية خاصة بها، وفي مقدمتها تركيا والمملكة المتحدة، فالأولى تمتلك قوات على الأراضي الليبية، والثانية تستطيع دعمه دولياً، وهناك أيضاً بعض التشكيلات المسلّحة المتمركزة بالعاصمة».
وأضاف الزرقاء أن «هناك أيضاً من يُعرَفون بأنصار المفتي المعزول من مجلس النواب، صادق الغرياني، وهم الأكثر تشدداً في تيارات الإسلام السياسي في ليبيا، وقبل هؤلاء جميعاً يوجد تحالفها مع محافظ المصرف المركزي، الصديق الكبير، وهو تقريباً التحالف الذي يدعم احتفاظ الدبيبة بموقعه حتى الآن».
كما لفت الزرقاء إلى واقعة رفض وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس استقباله من قِبل وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش في مطار معيتيقة الدولي بالعاصمة الليبية، واعتبر ذلك «مؤشراً على تخبط السياسة الخارجية لحكومة الدبيبة، وانحيازها المتواصل لتركيا».
وكان المشري قد اتهم حكومة الدبيبة بتحريض إحدى المجموعات المسلّحة على منع انعقاد جلسة مجلسه في طرابلس، وكانت تستهدف مناقشة ملفي المناصب السيادية وتوحيد السلطة التنفيذية.
وبالرغم من إعلان وزارة العدل بحكومة «الوحدة» أن ملف قضية «لوكربي» أُقفل بالكامل من الناحيتين السياسية والقانونية، بنص الاتفاقية التي أُبرمت بين الدولة الليبية والولايات المتحدة الأميركية عام 2008، فإن ذلك لم يقفل باب التساؤلات والانتقادات اللاذعة التي وجّهها سياسيون ونشطاء لمسؤولية الحكومة ورئيسها عن خطف المواطن أبو عجيلة مسعود، الذي ذُكر اسمه في تحقيقات قضية لوكربي.
واعتبر عضو مجلس النواب محمد العباني أن «التشكيلات المسلّحة هي القوة المساندة لبقاء حكومة الدبيبة في الحكم، وليس الدعم الخارجي»، ورأى أن السلطة الفعلية «ليست في يد حكومة الدبيبة، ولم تكن يوماً بيدها، أو بيد أية حكومة تعاقبت على حكم ليبيا منذ عقد كامل، بل كانت ولا تزال في يد التشكيلات التي تفرض ما تريد بقوة سلاحها».
ويختلف العباني مع من يعتبرون أن الدبيبة فقَد كل حلفائه محلياً، قائلاً إن «العجلة لا تدور عبر حركة ترس واحد أو ترسين، بل عبر حركة كثير من التروس، من رجال الأعمال وأصحاب المصالح، التي ربما شارك أغلبهم في نهب المال العام»، مؤكداً أن «هناك أيضاً حلفاء مستترين لرئيس الحكومة في مجلس النواب، وفي مؤسسات أخرى حتى اللحظة الحالية».
لكن عضو مجلس النواب سالم قنيدي يختلف مع الآراء السابقة، بتأكيد أن حكومة الدبيبة «لا تزال تعمل وتقدم الخدمات للمواطنين دون أي تأثر بما يثار حولها».
وأضاف قنيدي أن «الحديث عن حصار الحكومة بالأزمات مجرد نوع من الدعاية الموجّهة من خصومها، وأنا لستُ في جانب تلك الحكومة، لكنني أرى أنها تعمل بشكل طبيعي، ولديها شعبية واضحة بالشارع بفضل ما تقدمه من خدمات، خصوصاً بالعاصمة. أما قضية أبو عجيلة فهي حتى الآن رهن التحقيق لمعرفة ملابساتها، والصورة لم تتضح بعد».
وتابع قنيدي موضحاً أن «هناك قطاعاً داخل المجلس الأعلى للدولة لا يزال يؤيد حكومة الدبيبة، بل إن هناك استدارة داخل البرلمان نفسه، وهناك من نوابه من عاد لتأييدها، بسبب خيبة أمله في أداء الحكومة التي كلفها البرلمان قبل 9 أشهر برئاسة فتحي باشاغا، والتي لم تستطع فعل أي شيء».
أما المحلل السياسي الليبي أحمد المهدوي فاعتبر أن كل الأجسام الليبية «باتت تواجه أزمة فيما يتعلق بشرعيتها»، ورأى أن حكومة الدبيبة «تواجه أزمات عديدة». وقال، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط» إن النزاع بين الدبيبة والمشري أفقد حكومة الوحدة «بيتها الداخلي وأهم راع سياسي لها في المنطقة الغربية».
ورغم إقراره «بنجاح» خصوم الدبيبة، خصوصاً مجلسي النواب والأعلى للدولة، في استغلال كل أخطاء حكومته، ولا سيما فيما يتعلق بقضية لوكربي، فإن المهدوي اعتبر أن ذلك «ليس كافياً لإنقاذهما من مأزق فقدان الشرعية، أو تنامي الغضب الشعبي تجاههما في ظل إخفاقهما المتكرر عن التوصل لإطار دستوري وقانوي ينظم إجراء الانتخابات، مما يعكس تشبثهما بالسلطة»، مؤكداً أن «الكثير من الشخصيات السياسية الوطنية في الأحزاب والمجتمع المدني بدأت البحث عن مسار جديد، وهو ما ترصده البعثة الأممية بوضوح».


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

أحزاب مصرية تكسر صيامها السياسي في رمضان بمبادرات مجتمعية

جانب من توزيع كراتين المساعدات الرمضانية على الأسر في مصر (حزب مستقبل وطن)
جانب من توزيع كراتين المساعدات الرمضانية على الأسر في مصر (حزب مستقبل وطن)
TT

أحزاب مصرية تكسر صيامها السياسي في رمضان بمبادرات مجتمعية

جانب من توزيع كراتين المساعدات الرمضانية على الأسر في مصر (حزب مستقبل وطن)
جانب من توزيع كراتين المساعدات الرمضانية على الأسر في مصر (حزب مستقبل وطن)

تتسابق الأحزاب المصرية، صاحبة الأغلبية في البرلمان (بغرفتيه النواب والشيوخ)، في تقديم مبادرات مجتمعية واسعة تستهدف الأسر الأكثر احتياجاً، وأنشطة رياضية وثقافية خلال شهر رمضان، فيما وصفه مراقبون بـ«كسر الصيام السياسي» في رمضان.

ويرى المراقبون أن هذا الحراك، الذي يتزامن مع هدوء نسبي في وتيرة التنافس السياسي خلال شهر الصيام، يعكس إدراكاً متنامياً لأهمية الحضور الميداني في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة، كما يمنح هذه الأحزاب زخماً مجتمعياً قد يمتد أثره إلى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وفي مقدمتها انتخابات المحليات المرتقبة.

ويصنّف أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، هذا النشاط ضمن ما يُعرف بـ«رأسمال الاجتماعي والسياسي» أي بناء شبكات من العلاقات والثقة والتأثير داخل المجتمع، بما يهيئ الأرضية لجولات سياسية لاحقة، وفق ما صرّح به لـ«الشرق الأوسط».

وفي مشهد يتكرر من الإسكندرية شمالاً إلى أسوان جنوباً، دفعت الأحزاب المصرية الثلاثة الكبرى (مستقبل وطن، والجبهة الوطنية، وحماة الوطن) بآلاف المتطوعين لتوزيع «كراتين رمضان» وتنظيم موائد إفطار جماعي، إلى جانب فعاليات رياضية وثقافية، في محاولة لتعزيز حضورها الشعبي خلال شهر يكتسب فيه العمل الخيري زخماً خاصاً.

وأطلق حزب «مستقبل وطن» ما سماه «مبادرة الخير»، متعهداً بتوزيع مليون كرتونة مواد غذائية في مختلف المحافظات، تحتوي على سلع أساسية مثل الأرز والسكر والمكرونة والزيت.

وفي محطة قطار الإسكندرية، المعروفة شعبياً بـ«محطة مصر»، نظمت أمانة «مستقبل وطن» حملة «إفطار مسافر»، حيث جرى توزيع مئات الوجبات الساخنة على الصائمين من المسافرين والمارة قبيل أذان المغرب.

فيما يوزع حزب «حُماة الوطن» آلاف الأطنان من المواد الغذائية على الأسر الأولى بالرعاية وذلك ضمن مبادرة «رمضان أصل الخير»، وذكر الحزب في بيان أن فرقه الميدانية انتشرت في القرى والمراكز والأحياء الشعبية لضمان وصول الدعم «بشكل مباشر ومنظم»، مشيراً إلى توسع المبادرة هذا العام من حيث الكميات وعدد المحافظات المستفيدة.

أما حزب «الجبهة الوطنية» فقد أطلق قافلة رمضانية كبرى لتوزيع مليون كرتونة غذائية، إلى جانب طرح كميات من اللحوم والدواجن بأسعار مخفضة. وقال رئيس الحزب، عاصم الجزار، إن المبادرة تستهدف القرى والنجوع والمناطق الأكثر احتياجاً في جميع أنحاء البلاد، في إطار ما وصفه بـ«الدور المجتمعي» للحزب.

حفل تكريم حفظة القرآن الذي نظمه حزب «حماة الوطن» الخميس في بني سويف (الصفحة الرسمية للحزب)

وامتدت الفعاليات إلى الملاعب والساحات العامة، حيث نظمت أمانات حزبية دورات كروية رمضانية، بينها دورة في محافظة الشرقية بمشاركة 33 فريقاً، وأخرى في طنطا، في محاولة لدمج الأنشطة الرياضية بالشهر الكريم وتعزيز التواصل مع الشباب.

كما أن حزب «حماة الوطن» نظم مسابقة لحفظ القرآن الكريم في بني سويف (جنوب القاهرة) وكرم الفائزين، بالإضافة إلى ندوات توعوية وموائد مستديرة تناقش قضايا مجتمعية خلال رمضان.

نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو هاشم ربيع، قال إن «المبادرات التي تطلقها بعض الأحزاب السياسية لتقديم خدمات اجتماعية وإنسانية للفئات الأكثر احتياجاً، تمثل من حيث المبدأ خطوة إيجابية تسهم في تخفيف الأعباء على محدودي الدخل».

ومع ذلك، فإنها تثير تساؤلات لدى ربيع تتعلق بمصادر تمويلها، ومدى خضوعها لأطر قانونية وتنظيمية واضحة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف القوى السياسية، وفق ما ذكر لـ«الشرق الأوسط».

والملاحظ غياب شبه تام لأحزاب المعارضة في المبادرات الرمضانية، وسط حضور طاغ للأحزاب ذات الأغلبية البرلمانية.

وأشار ربيع إلى أن «الفوارق الكبيرة في الإمكانات المالية بين الأحزاب قد تؤدي إلى تكريس هيمنة أحزاب بعينها على المشهد العام، مستفيدة من ثقلها المالي في توسيع نطاق أنشطتها الخدمية، بما يمنحها أفضلية سياسية غير مباشرة». وشدد على «أهمية وضع ضوابط تضمن الشفافية في التمويل، وتكفل عدم تحول العمل الاجتماعي إلى أداة لتعميق اختلال التوازن بين الأحزاب، بما يحافظ على عدالة المنافسة السياسية ويعزز المسار الديمقراطي».


مصر: تطمينات حكومية متجددة بعدم «قطع الكهرباء» صيفاً وزيادة أسعارها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس الوزراء ووزير الكهرباء منتصف فبراير الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس الوزراء ووزير الكهرباء منتصف فبراير الحالي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر: تطمينات حكومية متجددة بعدم «قطع الكهرباء» صيفاً وزيادة أسعارها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس الوزراء ووزير الكهرباء منتصف فبراير الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس الوزراء ووزير الكهرباء منتصف فبراير الحالي (الرئاسة المصرية)

تطمينات حكومية متجدِّدة في مصر بعدم «قطع التيار الكهربائي» خلال أشهر الصيف المقبل، وكذا عدم إقرار أي زيادة على أسعار شرائح استهلاك الكهرباء، رغم حديث رسمي عن «أعباء مالية على قطاع الكهرباء تُقدَّر بنحو 70 مليار جنيه»، (الدولار يساوي 47.9 جنيه).

فقد شدَّد وزير الكهرباء والطاقة المتجدِّدة، محمود عصمت، مساء الخميس، على «عدم وجود أي خطط لانقطاع التيار الكهربائي خلال صيف 2026، في ظل استعدادات مبكرة وتأمين احتياجات الشبكة من الوقود والطاقة».

ومنتصف فبراير (شباط) الحالي، اطَّلع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على خطة وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة لتأمين التغذية الكهربائية للمواطنين خلال أشهر الصيف المقبل؛ لمجابهة الارتفاع في معدلات الاستهلاك المتزايد على الشبكة القومية للكهرباء.

وأكد السيسي حينها «ضرورة استيعاب ارتفاع الأحمال، والزيادة غير المسبوقة في الاستهلاك، مع استمرار العمل لضمان استقرار الشبكة واستمرارية التيار الكهربائي ومواجهة التعديات، وإضافة قدرات من الطاقات المتجددة إلى مزيج الطاقة، وتطبيق معايير الجودة والتشغيل الاقتصادي».

وبحسب أمين سر «لجنة الطاقة والبيئة» بمجلس النواب المصري (البرلمان)، محمد الحداد، فإن «وزارة الكهرباء أخذت خلال الفترة الماضية التدابير كافة لاستقرار التيار من صيانة للمحطات، وتوفير مصادر الطاقة سواء المازوت أو الغاز أو السولار».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «العام الماضي لم يشهد أي (تخفيف لأحمال الكهرباء)»، ويعتقد أن «الوزارة تسير على النهج نفسه في 2026 بعدم قطع الكهرباء، وهذه كانت رسالة طمأنينة من وزير الكهرباء للمصريين».

وتابع: «هناك توجيهات صارمة من الرئيس السيسي بعدم تكرار أي أعطال في الكهرباء، فضلاً عن خطة وزارة الكهرباء لتفادي أي انقطاع، حتى حال حدوث طارئ في أي محطة يكون هناك بديل».

ولجأت الحكومة المصرية خلال عامَي 2023 و2024 إلى خطة «تخفيف الأحمال» بالتناوب في غالبية المحافظات. وتراوحت فترات انقطاع الكهرباء حينها من ساعة إلى 3 ساعات يومياً مع استثناء المناطق السياحية، وهو الأمر الذي لاقى ردود فعل سلبية تجاه الحكومة حينها.

اجتماع مجلس الوزراء برئاسة مصطفى مدبولي قبل أيام (مجلس الوزراء المصري)

تأكيد آخر تحدَّث عنه وزير الكهرباء، مساء الخميس، قائلاً: «إن الوزارة لا تفكر في تحريك أسعار الكهرباء خلال الفترة الحالية». لكنه أشار في الصدد نفسه إلى أن «قطاع الكهرباء يتحمَّل أعباء مالية تُقدَّر بنحو 70 مليار جنيه؛ نتيجة تثبيت أسعار بيع الكهرباء للمشتركين، في مقابل ارتفاع تكلفة الإنتاج، وعدم التزام وزارة المالية بسداد فروق التكلفة على مدار 3 سنوات».

وهنا يلفت النائب الحداد إلى أن «لجنة الطاقة والبيئة» في «النواب» تتابع هذا الملف مع وزارة الكهرباء، والأحد المقبل سوف يكون هناك اجتماعٌ مع وزير الكهرباء لعرض خطة العمل، وسيكون من ضمن المحاور التي ستتم مناقشتها ضمان عدم انقطاع الكهرباء، وعدم رفع أسعار الفواتير.

ووفق الحداد فإن «أسعار الكهرباء لن تشهد أي زيادة خلال الفترة المقبلة؛ بسبب استقرار أسعار الوقود عالمياً». لكنه تخوَّف من «تطور الأحداث بين أميركا وإيران، وقتها سوف تتأثر الأسعار العالمية في الوقود والطاقة».

وفي أغسطس (آب) الماضي، تردَّدت أنباء بقوة عن إقرار زيادة على أسعار شرائح استهلاك الكهرباء، لكن لم تحدث هذه الزيادة، وسط تحرك لنواب في البرلمان حينها.

مصر تسعى لتعزيز الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية في مجال استكشافات البترول والغاز (وزارة البترول المصرية)

أستاذ هندسة الطاقة والبترول، جمال القليوبي، قال: «إن الحكومة لديها خطة للتعامل مع ملف الكهرباء، وهناك التزامات في 2026 و2027، ووزير البترول المصري كريم بدوي أكد أخيراً أن هناك التزاماً بالحفاظ على (ثلاث سفن للتغييز) بقدرات تصل لنحو 2.750 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً، وهناك عقودٌ طويلة الأجل يتم تجديدها لاستيراد الغاز المسال بقدرات تصل لمليارَي».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تنسيق واضح بين وزارتَي الكهرباء والبترول في المواسم التي يكون فيها احتياج أكثر للغاز». ويلفت إلى أن «90 في المائة من استدامة الكهرباء نتيجة التزام وزارة البترول».

وبحسب القليوبي فإن «الحكومة كانت لديها التزامات تجاه قطاع البترول والكهرباء، ووفرت التدابير المالية لاستيراد الغاز الطبيعي، وهناك التزام حكومي واضح أمام المصريين تمت تجربته في عام 2025، وأيضاً سيكون في 2026 و2027 بعدم انقطاع الكهرباء، فضلاً عن سعي الحكومة لزيادة محطات الطاقة المتجددة في 2027».

وتسعى مصر إلى تنفيذ خطة لتعزيز الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية الكبرى في مجال «استكشافات» البترول والغاز بشكل موسع، خشية تعرُّضها لمشكلات نقص الوقود، مع التحسب لأي توترات خارجية قد تؤثر على معدلات الاستيراد.

ووفق إفادة للرئاسة المصرية، خلال الشهر الحالي، فإن خطة وزارة الكهرباء تشمل إضافة 3 آلاف ميغاواط من الطاقة الشمسية خلال العام الحالي، وتعزيز قدرات جديدة لنظام بطاريات التخزين قبل الصيف بإجمالي 600 ميغاواط، ليصبح إجمالي القدرات المتاحة على الشبكة بهذه التكنولوجيا 1100 ميغاواط.


«العاصمة الجديدة»... تباينات مصرية بشأنها وطلب سوداني للاستعانة بخبراتها

الحي الحكومة في العاصمة الجديدة المصرية (شركة العاصمة)
الحي الحكومة في العاصمة الجديدة المصرية (شركة العاصمة)
TT

«العاصمة الجديدة»... تباينات مصرية بشأنها وطلب سوداني للاستعانة بخبراتها

الحي الحكومة في العاصمة الجديدة المصرية (شركة العاصمة)
الحي الحكومة في العاصمة الجديدة المصرية (شركة العاصمة)

بينما لا تزال هناك تباينات مصرية بشأن «العاصمة الجديدة» وجدواها، إلى جانب الجدل المثار أخيراً حول وضعها بوصفها مدينة تتبع العاصمة القاهرة، أم «مقاطعة»، طلب السودان الاستعانة بالخبرات المصرية لإنشاء «عاصمة إدارية» على غرار التجربة المصرية.

وأكد مراقبون مصريون وسودانيون لـ«الشرق الأوسط»، أن «إقامة عاصمة إدارية خطوة ضرورية في مسار التنمية وإعادة الإعمار»، ولكنهم أشاروا في الوقت نفسه إلى «ضرورة وضع الأعباء الاقتصادية لإقامة المدينة في الحسبان».

ودشنت الحكومة المصرية «العاصمة الجديدة» (شرق مدينة القاهرة)، التي أعلنت عنها في مؤتمر اقتصادي عُقد في مارس (آذار) 2015، لتكون مقراً سياسياً وإدارياً للدولة، ونقلت الوزارات والمؤسسات الحكومية مقارها إلى المدينة الجديدة، بما في ذلك رئاسة الجمهورية والبرلمان ومجلس الوزراء. كما تضم المدينة «حياً دبلوماسياً» لنقل مقار السفارات الأجنبية.

ورغم انتقال الوزارات الحكومية كافة والعديد من الهيئات القضائية والإدارية والاستثمارية، إلى «العاصمة الجديدة» منذ يناير (كانون الثاني) 2024 داخل «الحي الحكومي»، فإن مشروع المدينة أثار نقاشاً أخيراً في مصر، بشأن وضعية «العاصمة الجديدة»، على وقع مقترح برلماني يدعو إلى «تخصيص وضع تشريعي لها بعدّها (مقاطعة) وتحويل اسمها إلى (ممفيس)».

وقبل أيام أحال مجلس النواب المصري (البرلمان)، مقترح لمشروع قانون «الإدارة المحلية» قدمه وكيل لجنة «الإدارة المحلية» النائب محمد عطية الفيومي، طالب فيه بـ«جعل العاصمة الإدارية الجديدة (مقاطعة) يترأسها رئيس يُعينه رئيس الجمهورية بدرجة وزير، ويتولى إدارة المدينة مع مجلس أمناء مع تغيير اسمها إلى ممفيس».

وأثار المقترح البرلماني تباينات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سواء ما يتعلق بالفكرة نفسها أو الاسم المقترح، ورفض البعض تمييز «العاصمة الإدارية» بوضع قانوني خاص، ومنحها استقلالية، باعتبار أن ذلك يحمل تهديداً لـ«وحدة الدولة» ويفتح باباً للتفرقة، في حين رحب آخرون بالفكرة باعتبار أن «العاصمة الإدارية» تحتاج إلى وضع تشريعي يناسب طبيعة دورها.

رئيسا وزراء مصر والسودان في محادثات مشتركة بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وبموازاة ذلك طلب السودان الاستعانة بالخبرة المصرية في إقامة «عاصمة إدارية جديدة» له، وقال رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، عقب محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، إنه «بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية»، مشيراً في منشور عبر حسابه على منصة (إكس)، إلى أنه «ناقش تحسين أوضاع السودانيين المقيمين في مصر وإنشاء مدينة إدارية جديدة في السودان».

وبحسب البيان المشترك الصادر عقب جلسة محادثات جمعت رئيسي الوزراء المصري مصطفى مدبولي والسوداني كامل إدريس، الخميس، فقد «رحب الجانب المصري بطلب الجانب السوداني الاستفادة من الخبرات المصرية في إنشاء مدينة إدارية جديدة، وذلك على غرار التجربة المصرية المتميزة في هذا المجال، ودعماً لجهود إعادة الإعمار في جمهورية السودان الشقيقة».

ويرى نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، أن «الحكومة المصرية كانت في حاجة للتنمية العمرانية لتخفيف الزحام عن العاصمة المصرية»، وأشار إلى أن «مقترح مدينة العاصمة يستهدف نقل الوزارات والهيئات الحكومية إليها من مقراتها السابقة في وسط القاهرة».

ورغم فوائد «العاصمة الجديدة» فإن ربيع دعا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى ضرورة «وضع الأعباء الاقتصادية التي تكلفتها الحكومة المصرية من جراء إقامة المدينة في الحسبان»، مشيراً إلى ضرورة «مقارنة العائد من إقامة العاصمة الجديدة بالأعباء التي تحملها الشعب المصري لتأسيسها».

وفي أكثر من مناسبة، تحدث رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، عن أن «فكرة إنشاء العاصمة الجديدة جاءت لتخفيف الضغط على إقليم القاهرة الكبرى»، القاهرة التي تعد أكثر العواصم ازدحاماً، وأشار أيضا إلى أن «تكلفة إقامة المدينة لم تكن من خزينة الدولة المصرية».

رئيسا وزراء مصر والسودان في محادثات مشتركة بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

ومع الترحيب المصري بنقل تجربة «العاصمة الجديدة» للسودان، يعتقد ربيع، أن «الأولوية الأهم وقف الحرب الدائرة في السودان، قبل البدء في إعادة الإعمار وإنشاء مدن جديدة».

وستكون مصر لها النصيب الأكبر في خطة إعادة الإعمار بالسودان، وفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، وقال إن «الاستفادة من الخبرات المصرية في عملية إعادة الإعمار أمر طبيعي بحكم الروابط التاريخية، والتجربة التنموية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة».

ويرى جبارة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة دائماً ما تساند السودان في أي تحرك يعود بالنفع على البلدين»، وأشار إلى أن «مشروع العاصمة الجديدة في السودان سيشكل خطوة فارقة وضرورية في مرحلة تحول السودان من حالة الحرب إلى السلام والتنمية».