تخفيض الميثان... الانتصار السريع في معركة المناخ

نجاحات في «كوب 27» توارت خلف سحابة الكربون

النفط والغاز والفحم يشكلان معا ثلث انبعاثات غاز الميثان العالمية (shutterstock)
النفط والغاز والفحم يشكلان معا ثلث انبعاثات غاز الميثان العالمية (shutterstock)
TT

تخفيض الميثان... الانتصار السريع في معركة المناخ

النفط والغاز والفحم يشكلان معا ثلث انبعاثات غاز الميثان العالمية (shutterstock)
النفط والغاز والفحم يشكلان معا ثلث انبعاثات غاز الميثان العالمية (shutterstock)

في عالم يعاني من أزمة اقتصادية، على خلفية التوترات الجيوسياسية المشتعلة حالياً، لا يبدو أن هناك استعداداً لاتخاذ أي خطوة من شأنها «تعكير صفو الاقتصاد»، بدعوى الحفاظ على البيئة، وهو ما كشف عنه البيان الختامي لقمة «كوب 27»، الذي «لم يتضمن إشارة في اتجاه تخفيض الانبعاثات».
والخطوة المتقدمة، التي كان ينتظرها دعاة حماية البيئة، هي إجراءات من شأنها تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهي رؤية تغفل الميثان، وهو أحد الغازات المهمة، التي تشارك ثاني أكسيد الكربون في المسؤولية عن ظاهرة الاحتباس الحراري، لكن لا يتم التركيز عليه كثيراً، ربما لأنه لا يبقى في الغلاف الجوي لفترة طويلة.
والميثان هو المكون الرئيسي للغاز الطبيعي، ويمكن أن يتسرب في أي مكان على طول سلسلة التوريد، من فوهة البئر ومصنع المعالجة، وعبر خطوط الأنابيب وخطوط التوزيع، وصولاً إلى موقد منزلك.
ويعتبر خبراء أن «تخفيض انبعاثاته»، هي أرخص وأسرع طريقة للحد من تغير المناخ «دون تعكير صفو الاقتصاد». ومع ذلك، فقد توارت خلف سحابة الكربون، التي تلقى الاهتمام الأكبر، خطوات تم اتخاذها في هذا الاتجاه، وتم الإعلان عنها في قمة أطراف الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن المناخ «كوب 27» بمدينة شرم الشيخ.
ويحظى ثاني أكسيد الكربون بالاهتمام الأكبر، ذلك لأنه يبقى في الغلاف الجوي لمدة قرن أو أكثر، ولكن الميثان يظل عالقاً لمدة عشر سنوات فقط، ولكن مع استمرار تجديد مخزونه في الغلاف الجوي، يظل أحد أسباب الاحتباس الحراري، التي لا يتم الالتفات لها كثيراً.
ويقول جيم كرين، زميل دراسات الطاقة بمعهد بيكر للسياسة العامة بجامعة (رايس) الأميركية، في مقال نشره بموقع «ذا كونفرسيشن»، إن «الميثان مسؤول عن ما يقرب من ثلث الـ1.2 درجة مئوية (2.2 درجة فهرنهايت) التي ارتفعت فيها درجات الحرارة العالمية منذ العصر الصناعي، ويشكل النفط والغاز والفحم معاً نحو ثلث انبعاثات غاز الميثان العالمية، لذلك فإن إيقاف تسرب الميثان من هذه الأنشطة يمكن أن يكون له تأثير سريع على خفض درجات الحرارة العالمية».
وخلال قمة أطراف الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن المناخ «كوب 27»، أعلن الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي، خلال افتتاحه «منتدى السعودية الخضراء»، عن تحقيق المملكة إنجازاً مهماً في هذا الإطار.
وقال وزير الطاقة السعودي، إن «شركة (أرامكو) السعودية، حققت أدنى انبعاثات من غاز الميثان في العالم». وخلال المنتدى أيضاً، جددت 150 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة ومعظم منتجي النفط الكبار، باستثناء روسيا، تعهدها بخفض انبعاثات الميثان من النفط والغاز بنسبة 30 في المائة على الأقل.
و«التعهد العالمي بشأن الميثان»، تم إطلاقه في قمة المناخ بغلاسكو الاسكوتلندية (كوب 26)، ودعوة الدول لدعمه، وانضم للتعهد في بدايته مائة دولة، لكن قبل قمة المناخ (كوب 27) التي استضافتها مدينة شرم الشيخ هذا الشهر، ضم 50 دولة جديدة، ليصل عدد أعضائه إلى 150 دولة حتى الآن.
ووفقاً لـ«وكالة الطاقة الدولية»، فإنه إذا تم الوفاء بالتعهد العالمي، فإن النتيجة ستكون مكافئة للقضاء على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من جميع السيارات والشاحنات والحافلات وجميع المركبات ذات العجلات الثنائية والثلاثية في العالم.
ويقول جيم كرين إن «تسرب غاز الميثان في قطاع النفط والغاز له أسباب عديدة، حيث يمكن أن تتدفق التسريبات غير المقصودة من الأجهزة الهوائية والصمامات والضواغط وخزانات التخزين، التي غالباً ما تكون مصمَّمة لتنفيس غاز الميثان عندما تتراكم الضغوط، كما أن بعض الشركات تقوم بشكل روتيني بحرق الغازات الزائدة التي لا يمكنها التقاطها بسهولة».
ويمكن إيقاف جميع هذه الانبعاثات تقريباً بلوائح جديدة، ويمكن أن تؤتي هذه الإصلاحات ثمارها، حيث أدت عمليات النفط والغاز العالمية إلى انبعاث غاز الميثان في عام 2021 أكثر مما استهلكته كندا في ذلك العام بأكمله، وفقاً لتقديرات «وكالة الطاقة الدولية».
وتشير الوكالة إلى أنه إذا تم إيقاف تسرب هذا الغاز، فإن هذا الميثان الضائع سيحقق نحو 17 مليار دولار، وذلك وفقاً للأسعار الأميركية الحالية (4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية).
وتقول الوكالة إن «استثماراً لمرة واحدة بقيمة 11 مليار دولار، سيحقق 17 مليار دولار، ويقضي على ما يقرب من 75 في المائة من تسرب الميثان في جميع أنحاء العالم».
ووفقاً لذلك، فإن الإصلاحات والاستثمارات في البنية التحتية، بقطاع النفط والغاز لتقليل انبعاثات الميثان، يمكن أن تؤدي إلى نتائج سريعة في اتجاه تقليل الاحتباس الحراري من ناحية، كما أنها ستدر أيضا أرباحاً للمنتجين وتوفر الغاز الطبيعي الذي تشتد الحاجة إليه في الأسواق التي تعاني من نقص حاد بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، كما يقول جيم كرين.
وإضافة إلى قطاع النفط والغاز، أطلق «التعهد العالمي للميثان»، خلال قمة شرم الشيخ، مساراً جديداً خاصاً بالزراعة، لتخفيض الميثان في هذا القطاع.
وأعلن «مركز الميثان العالمي»، وهو أحد الكيانات المنبثقة عن «التعهد العالمي للميثان»، عن جمع 70 مليون دولار لدعم بحث جديد حول الميثان المعوي، بهدف الحد من انبعاثات الميثان، الناتجة عن التخمر المعوي في الماشية، وهو أكبر مصدر منفرد لانبعاثات الميثان من الزراعة.
ويسبب التخمر المعوي، تجشؤ الأبقار، الذي يطلق غاز الميثان، وهذه الظاهرة مسؤولة عن 27 في المائة من انبعاثات الغاز التي لها علاقة بالنشاط البشري.
وخلال دراسة نشرتها دورية «PNAS»، في مايو (أيار) الماضي، وضع باحثون ينتمون لشبكة عالمية من خبراء الثروة الحيوانية، استراتيجية يمكن أن تساعد المزارعين على تقليل انبعاثات غاز الميثان المعوي، وذلك استنادا إلى تحليل 430 ورقة بحثية تمت مراجعتها من قبل الأقران حول هذا الموضوع.
وتشمل هذه الاستراتيجية استخدام أعلاف أصغر حجماً وأقل أليافاً، بما يساعد بشكل ملحوظ على تخفيض الانبعاثات دون المساس بأداء الحيوان، وقال الباحثون إن «هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى انخفاض بنسبة 12 في المائة بالمتوسط في الميثان المعوي».
والمفارقة ألا يتم التطرق لإنجازات تحققت في اتجاه تخفيض الميثان، وتحركات حدثت خلال «قمة المناخ» نحو مزيد من التخفيض، ويتم حصر كل إنجازاتها في «صندوق الخسائر والأضرار»، الذي لم يتم الاتفاق بعد على تفاصيله، وانتقاد عدم نجاحها في إقرار توجهات بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.
ويقول إبراهيم العجمي بن أحمد العجمي، المشرف على أعمال الشؤون المناخية بهيئة البيئة بسلطنة عمان، لـ«الشرق الأوسط»: «في تقديري، فإن مثل هذه التحركات هي الحل العملي والواقعي، فلنجعل قضيتنا هي تخفيض الانبعاثات، سواء انبعاثات الميثان أو الكربون، وليس التخلُّص من الوقود الأحفوري، لأن العالم لن يستطيع التخلص منه، حتى مع التوسع في تقنيات الطاقة المتجددة».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.