ميلينا جيسينسكا وفرانز كافكا: حب بالمراسلة أجّجه الغياب والقهر الجسدي

رأى فيها حبل نجاته الأخير ورأت فيه تجسيداً حياً للعبقرية الهالكة

كافكا وفيليس باور  -  ميلينا جيسينسكا
كافكا وفيليس باور - ميلينا جيسينسكا
TT

ميلينا جيسينسكا وفرانز كافكا: حب بالمراسلة أجّجه الغياب والقهر الجسدي

كافكا وفيليس باور  -  ميلينا جيسينسكا
كافكا وفيليس باور - ميلينا جيسينسكا

نادرون هم الكتاب الذين استطاعوا الوقوف على التصدعات العميقة التي تتهدد روح عصرهم في الصميم، كما هي الحال مع فرانز. ومع أن نشأة الكاتب التشيكي الشهير قد ترافقت مع ما يمكن تسميتها «الحقبة الذهبية لصعود الحداثة»؛ حيث أدت التنقيبات المدهشة لسيغموند فرويد في تربة اللاوعي إلى نقل الفن والأدب من طور إلى طور، فإن صاحب «في مستعمرة العقوبات»، كان أحد المبدعين القلائل الذين لم ينخدعوا بحداثة التقنيات المتعاظمة، بل رأوا فيها وأداً حقيقياً لحرية الإنسان وسحقاً لوجوده المستلب تحت سنابك الجشع الرأسمالي وآلياته المعدنية الصماء. وإذا كان مفكرون وكتاب آخرون قد شاطروا كافكا منظوره السوداوي لحضارة الغرب، كما كانت حال غوته وشبنغلر ونيتشه وإيليوت، فإن ثمة عوامل ثلاثة وَسَمَت حياة الكاتب القصيرة، وتركت في الوقت ذاته أثرها البالغ على نتاجه الأدبي ورؤيته إلى العالم الرؤيوي، وهي تتمثل في طفولته الصعبة وصراعه القاسي مع أبيه، كما في تصدعه المرضي، وافتقاره إلى الحب. وإذا أضفنا إلى هذه العوامل الثلاثة اعتقاده الراسخ، في ظل نزوع أوروبي متزايد إلى معاداة الساميّة، بأن شعبه اليهودي هو الصفوة الأخيرة للإنسانية، فإننا نستطيع أن نتبين الأسباب الحقيقية التي جعلت منه شخصية مضطربة ومحكومة بالخوف والهشاشة والتفكك النفسي والعصبي.
وإذا كان ثمة أسباب عديدة لشقاء كافكا، فإن الفقر لم يكن أحدها على وجه التأكيد. ذلك أن والده هيرمان استطاع بكده المتواصل أن يغادر حالة الفقر التي حكمت شبابه الأول ليلتحق بالطبقة الوسطى، موفراً لعائلته قدراً مقبولاً من اليسر والشعور بالأمان. لكن مأزق الطفل كان يتشكل في أماكن أخرى، يتصل بعضها بموت شقيقيه الأكبرين، وبعضها الآخر بتعطشه إلى الحنان إثر ترك أمه له في عهدة المربيات، وبعضها الثالث بالظروف القاسية التي عاشها في مرحلة دراسته المبكرة في براغ؛ الأمر الذي جعله خجولاً وخائفاً ومنزوياً عن أترابه، وعازفاً عن القيام بأي نشاط رياضي. إلا إن أعمق الشروخ التي أصابته، جاءت من جهة أبيه الذي اعتاد تقريعه، وكان دائم الاعتراض على سلوكياته وخياراته الحياتية. وهو ما ظهر جلياً في رسالة لاحقة أرسلها كافكا إلى أبيه، يقول فيها: «كنتُ طفلاً عصبياً ومتجهماً؛ شأن الأطفال جميعاً، ولكن ليس كل طفل يملك الصبر والشجاعة لكي يتمعن في الأمور ويختار الصالح منها. وقد عاملتني كطفل بالشكل الذي خُلقت أنت فيه؛ أي بالعنف والضجيج والطبع الحاد».
ورغم أن كافكا قد اختار لدى دخوله الجامعة، وبتأثير من والده، دراسة القانون، فإن موهبته الأدبية قد بدأت في تلك المدة بالتبلور، إلى حد أن صديقه وزميله في الدراسة ماكس برود، لم يتردد في وصف باكورته الروائية «استعداد لحفلة عرس ريفية» بأنها ليست «ألمعية عادية؛ بل عبقرية تتكلم». ولعل تعيينه كاتباً للتقارير في مؤسسة حكومية للتأمين على الحوادث الخاصة بالعمال، إثر حصوله على دكتوراه في التشريع، قد أسهم هو الآخر في تفاقم نظرته السلبية إلى الواقع، حيث تابع بأم عينه معاناة البشر المطحونين تحت رحى الآلات الجهنمية، أو المتهاوين عن السقالات باتجاه الأرض. وإذ كانت مشاهداته الصادمة، إضافة إلى روتين حياته القاتل، هي الدافع الأقوى لتفكيره خلال تلك المدة في الانتحار، فهي التي شكلت في الوقت ذاته الخلفية المأساوية لكتاباته اللاحقة مثل «تأملات» و«الدينونة»، وصولاً إلى «التحول» و«المحاكمة»، رائعتيه الروائيتين اللتين رسختا حضوره الاستثنائي في عالم السرد، وعُدّتا الأهجيتين الأكثر إقذاعاً لفساد الغرب الرأسمالي وخواء العصور الحديثة.

- العطش إلى الحب
أما في الجانب المتصل بالنساء، فقد بدت علاقة كافكا بهن انعكاساً طبيعياً لتعطشه المفرط إلى الحب والارتواء الجسدي. ومع أن غوستاف يانوش؛ الذي عايشه من كثب، يرسم له في كتابه «كافكا قال لي»، صورة أقرب إلى الوسامة عبر قوله: «كانت له عينان رماديتان كبيرتان، تحت حاجبين أسودين كثيفين، وكان وجهه الأسمر شديد الحيوية، كأنه يتكلم من خلال وجهه»، فإن وسامته الظاهرة لم تكن العنصر الأهم في تحديد علاقته بالمرأة، بل إن تلك العلاقة كانت تخضع لعاملين حاسمين؛ هما تصدعه المرضي والنفسي من جهة؛ وحاجته بصفته مبدعاً إلى كامل حريته ونزقه الشخصي من جهة أخرى. ولعل هذه العوامل مجتمعة هي ما تفسر اندفاعه الغرائزي نحو الحياة في مراهقته ومطالع عشريناته، حيث كان يُمضي معظم أمسياته بصحبة الفتيات الجميلات في البارات والملاهي الليلية.
ولأن روحه اللهفى إلى الحب كانت تتوق إلى ما هو أبعد من الغرائز العابرة، فقد وقع كافكا في غرام فيليس باور التي التقى بها في برلين، والتي بادلته مشاعره بالمثل ووافقت على خطوبته لها بعد إلحاح منه. إلا إن علاقتهما العاطفية ظلت تراوح بين التواصل القلق والانقطاع الطويل التام، قبل أن تخمد تماماً، ليس فقط بسبب مزاج الكاتب الصعب والمتقلب، بل بسبب موقفه السلبي من الزواج وإنجاب الأطفال، وحاجته للإخلاد الكامل إلى الكتابة، كما أسر لها في غير مناسبة. وإذ تضافر اعتلاله الجسدي مع أعطاب روحه، كان يفاتح فيليس بأنه لن ينجب أطفالاً أبداً، كي لا يفسد هؤلاء حياته عليه، وبأنه لا يركن إلى يقين أبداً، بحيث إن ما يريده في لحظة يمقته في اللحظة التالية. ولم يتورع صاحب «القلعة» في تلك المدة عن إقامة علاقة غرامية مشبوبة بماكاغيت بلوخ؛ صديقة خطيبته التي قيل إنها أنجبت منه طفلاً، لم تثبت أبوته له بشكل قاطع. وفي كتابه «محاكمة كافكا الأخرى» يؤكد إلياس كانيتي أن روايته «المسخ» قد خرجت من أحشاء تلك المرحلة التي كان شعر فيها باضمحلاله التام، إلى حد قوله لفيليس: «لن يمكنك العيش معي ولو ليومين يا فيليس. ففي النهاية أنت فتاة، وترغبين رجلاً لا دودة أرض رخوة». وفي عام 1920 عقد كافكا خطوبته على جوليا فويزك، التي كانت تعمل خادمة في أحد الفنادق، ولم تكن متعلمة. لكنه ما لبث أن تخلى عنها بسبب اعتراض أبيه على معتقداتها الصهيونية المتطرفة.

- المترجمة الحسناء
وفي ذلك العام بالذات تعرف إلى المترجمة ميلينا جيسينسكا؛ التي تصغره بثلاثة عشر عاماً، والتي وجدت في عالم الأدب وسيلتها الأكبر نجاعة للكف عن تعاطي المخدرات، ولترويض جموحها الجسدي الذي تسببت فيه علاقتها المضطربة بوالدها الطبيب، المعروف بمزاجه الحاد وتسلطه الذكوري وولعه المرضي بالنساء، وبتهالكه على المقامرة. وهذا الشغف بالأدب هو الذي يقف وراء انضمام الشابة الحسناء إلى عالم الكتاب والمثقفين التشيكيين، وبينهم أيرنس بولاك الذي أغرمت به رغم غضب أبيها العارم، قبل أن تتزوج به وتحمل اسمه في وقت لاحق. وحين أقدمت ميلينا على ترجمة رواية كافكا «الوقاد»، لم يدر في خلدها آنذاك أن ما فعلته لن يكون مجرد حدث عابر في حياتها، بل سيؤسس لعلاقة عاطفية جامحة ستترك ندوبها العميقة لدى الطرفين، خصوصاً لدى كافكا الذي بدأت إصابته بمرض السل تتجه نحو التفاقم التدريجي.
«إنها نار حية لم أرَ في حياتي مثلها قط»؛ يقول كافكا لصديقه ماكس برود، عن مترجمته الحسناء التي سرعان ما وقع في غرامها، رغم أنه لم يلتق بها على الصعيد الجسدي، سوى مرتين اثنتين صيف عام 1920؛ إحداهما في فيينا والأخرى في منطقة غيموند الحدودية. ولكن كافكا وصف ذينك اللقاءين القصيرين، بأنهما أسعد لحظات حياته التي بدت بمثابة «شظايا أيام أربعة انتُزعت من لياليها»، وفق تعبيره الحرفي. ومع أن علاقة كافكا بالنساء لم تكن من النوع الأفلاطوني، فالأرجح أن تفهمه ظروف ميلينا الصعبة وخوفه من فقدانها، كانا يدفعان به إلى كبح شهواته والقبول بالنزر القليل منها، وهو الذي كتب في إحدى يومياته عام 1922: «الجنس يلح علي، يعذبني ليلاً ونهاراً، ويجب علي أن أتغلب على الخوف والخجل والحزن، كي أتمكن من إشباعه». ورغم ندرة اللقاءات بينهما، فإن رسائلهما المتبادلة والعميقة هي التي عصمت علاقتهما من الفتور، وأبقت جذوتها حية لنحو سنوات ثلاث. وإذا كان من حسن حظ قراء كافكا ودارسيه أن تكون رسائله؛ التي عمد صديقه ماكس برود إلى نشرها بعد وفاته بسنوات، قد نجت من الضياع، فإن ما يؤسف له أن تكون رسائل ميلينا إليه قد تعرضت للإتلاف ولم يُعثر لها على أثر.

- الشعور بالخوف
والواقع أن رسائل كافكا إلى ميلينا؛ التي عُثر عليها بعد مرور عشرين عاماً على رحيله، وعدّها ماكس برود أعظم ما كتب من رسائل الحب عبر التاريخ، لم تكن تقتصر على البوح العاطفي وحده؛ بل كانت مزيجاً فريداً من المُسَارَرَة الداخلية والتعبير عن آلام الكاتب الجسدية والنفسية والولوج إلى قضايا العصر ومشكلات الوجود. كما عبرت الرسائل المتلاحقة إلى ميلينا عن تقلبات الكاتب وتصدعات نفسه، حيث يكتب لها تارة: «إنني لا أمتلك القدرة على التفكير في أي شيء أكتبه، لكنني أجول فقط بين الأسطر، تحت ضياء عينيك، وفي الأنفاس المنبعثة من فمك كنسيم جميل في يوم مغمور بالسعادة»، ويكتب تارة أخرى: «لماذا لم أكن خزانة الملابس السعيدة في غرفتك؟»، لكنه لا يلبث أن يعترف بأن الشعور الوحيد الذي يقبض على ناصية روحه هو الخوف. وإذ يتمنى صادقاً لو تستطيع ميلينا منع عالمه من الانهيار؛ يهتف بها قائلاً: «أنا لا أرثي السقوط بصورة منفصلة؛ لأنني كنت في حالة انهيار منذ زمن بعيد، إنما أرثي إعادة البناء؛ أرثي تراجع قوتي، وولادتي، وأرثي نور الشمس».
على أن الوضع الصحي والعصبي المتراجع لكافكا لم يكن على قسوته السبب الوحيد لمعاناة كافكا؛ بل كان ينتابه شعور مزدوج بالذنب، إزاء خطيبته... من جهة، وإزاء... زوج ميلينا الذي كان يشعر بوجود علاقة بين زوجته وبين كافكا، لكنه لم يكن يعلم شيئاً عن طبيعة العلاقة أو عما رافقها من رسائل متبادلة بين الطرفين. وحين كتب كافكا لميلينا: «إنني أخشى من أمر واحد الآن؛ هو حبك لزوجك»، لم تجد الأخيرة حرجاً في القول له، مستخدمة في مخاطبته الحرف الأول من اسمه: «أنت على حق فأنا أحبه فعلاً، لكنني أحبك أنت أيضاً يا (ف)».
كان يمكن لكافكا أن يقبل بتقاسم المرأة التي خفق لها قلبه مع زوجها المغضي هو الآخر على هواجسه، لو لم يتجه وضعه الصحي والعصبي إلى مزيد من التدهور. فقد أشار في رسائله إلى أن مرضه لا يقتصر على داء الرئة؛ بل يتعداه إلى الروح نفسها. وهو إذ عبر بتأثير من طهرانيته الكامنة عن إحساسه الممض بالقذارة، يشير؛ بما يشبه الاستدراك، إلى أن من يسكنون أعماق الجحيم هم القادرون أكثر من سواهم على الغناء بنقاء كلي. لكن اللافت في هذا الصدد هو أن الفتور التدريجي الذي أصاب علاقة كافكا بميلينا، إضافة إلى التدهور المتزايد في وضعه الصحي، لم يمنعاه من الارتباط اللاحق بدورا ديامانت؛ الفتاة العشرينية التي كانت تعمل نادلة في أحد المطاعم اليهودية، والتي قرر من أجلها مغادرة براغ للإقامة معها في برلين.
لم يقدّر لجسد كافكا الممعن في هشاشته أن يصمد طويلاً أمام الأمراض المتنوعة التي فتكت به. وإذا كان قد قُدّر لدورا ديامانت أن تكون رفيقة لحظات حياته الأخيرة عام 1924، إلا إن حب ميلينا... ظل يقبع في المكان الأعمق من قلبه الكسير. وهو إذ دوّن في يومياته، قبيل رحيله بقليل، أنه يغبط المتزوجين على سعادتهم، يستدرك بالقول إن هذا الأمر لم يكن بمقدوره على الاطلاق لأن حياته هي تجسيد نموذجي للتلكؤ السابق على الولادة. ثم يضيف قائلاً: «كل شيء هو من نسج الخيال: العائلة؛ المكتب... الأصدقاء، الشارع، البعيد والقريب، والمرأة أيضاً. أما الحقيقة الأكثر قرباً فهي أنك تضغط برأسك على جدار إحدى النوافذ، وعلى زنزانة بلا أبواب».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الفنون الأدائية... دبلوم جديد يعرِّف الحركة بوصفها هوية

رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
TT

الفنون الأدائية... دبلوم جديد يعرِّف الحركة بوصفها هوية

رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)

في لحظة ثقافية تتقاطع فيها أسئلة الهوية مع رهانات المستقبل، يفتح المعهد الملكي للفنون التقليدية (وِرث) نافذة جديدة على أحد أكثر الفنون حساسية، وتعقيداً: «الأداء الحركي» ليس مجرد رقصة، أو استعراض، بل يعد خطاباً بصرياً يحمل في طياته تاريخ المكان، وإيقاع الإنسان، وذاكرة الجماعة. ومن هذا الأفق يأتي إعلان «دبلوم متوسط في تصميم الأداء الحركي»، والذي يُقدِّم لأول مرة في المملكة مشروعاً ثقافياً متكاملاً يعيد تعريف العلاقة بين الجسد والتراث، وبين الحركة والمعنى.

من الفنون الشعبية إلى المختبرات الإبداعية

في المملكة لم تكن الفنون الأدائية يوماً مجرد ترف جمالي، بل كانت، كما تكشف التجارب التاريخية، أداةً للتعبير عن التحولات الاجتماعية، ومرآةً للبيئات المختلفة، من السواحل إلى الجبال. وهذه الفنون، التي توارثتها الأجيال شفهياً وحركياً، تحمل شفرات ثقافية دقيقة تتجلَّى في الإيقاع، واللباس، وحتى في ترتيب الصفوف أثناء الأداء.

رقصة شعبية على إيقاع الطبول تعكس تنوع الفنون الأدائية في السعودية (ورث)

من «العرضة» التي وُلدت من رحم المعارك، إلى «السامري» الذي يهمس بقصص الغزل، ومن «الخطوة» الجنوبية إلى «الدحة» الشمالية، يتشكل أرشيف حي من الحركات التي لا تُقرأ بالكلمات، بل تُفهم عبر الجسد نفسه. وهنا تحديداً يأتي الدبلوم الجديد ليحوِّل هذا الإرث من حالة التلقي إلى فضاء التحليل والإبداع.

برنامج يعيد صياغة العلاقة بين التراث والحداثة

يمتد البرنامج لعامين دراسيين (أربعة فصول)، ويُقدَّم حضورياً في مقر المعهد بحي الفوطة في الرياض، ضمن جدول صباحي، وبشكل مجاني للمواطنين السعوديين، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو دعم الثقافة، وإتاحتها.

لكن الأهم ليس في المدة، أو الشكل، بل في الفلسفة التي يقوم عليها البرنامج؛ إذ يهدف إلى صقل مخيلة الطلاب ليصبحوا مصممين حركيين قادرين على إنتاج أعمال أدائية معاصرة، دون أن يفقدوا صلتهم بالجذور.

المقررات لا تكتفي بتعليم تقنيات الحركة، بل تتجاوز ذلك إلى: تحليل الأساليب التقليدية والمعاصرة، وفهم الخصائص الثقافية للفنون الأدائية السعودية، والدمج بين الارتجال والتجريب والبناء الحركي المدروس، وإنتاج عروض مسرحية متكاملة ضمن فرق فنية.

وهي مقاربة تعليمية تجمع بين النظرية والتطبيق، وبين المختبر والركح، والتراث بوصفه مادةً، والفن بوصفه ممارسةً.

الجسد بوصفه أرشيفاً حياً

رقصة شعبية تعكس تراث المناطق الساحلية في السعودية (ورث)

ما يميز هذا التوجه أنه يتعامل مع الجسد بوصفه وعاء للذاكرة، لا أداة فقط. فكل حركة، كما يشير الباحثون في الفنون الأدائية، تحمل دلالة اجتماعية وثقافية، ويمكن قراءتها بوصفها وثيقة غير مكتوبة عن المجتمع.

في الفنون التقليدية السعودية، تتجسد هذه الفكرة بوضوح؛ إذ تعكس طريقة الاصطفاف في العرضة قيم التلاحم، في حين تكشف الإيقاعات البحرية عن علاقة الإنسان بالبحر، وتحكي الأزياء تفاصيل البيئة، والاقتصاد، وأنماط الحياة.

من هنا، يصبح «تصميم الأداء الحركي» عملية إعادة قراءة لهذا الأرشيف، ثم إعادة كتابته بلغة معاصرة.

صناعة جيل جديد من المصممين الحركيين

لا يقتصر طموح البرنامج على التعليم، بل يتجاوزه إلى بناء جيل جديد من «المصممين الحركيين»، وهو تخصص لا يزال في طور التشكل محلياً، يكونون قادرين على ابتكار عروض أدائية حديثة، وتوظيف التراث في سياقات معاصرة، ودعم المشهد الثقافي بعروض تجمع بين الأصالة والابتكار. وهي أهداف تتقاطع مع التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع الثقافي في المملكة، حيث تتزايد الحاجة إلى كوادر قادرة على إنتاج محتوى فني يعكس الهوية، ويواكب في الوقت نفسه المعايير العالمية.

ما بين الذاكرة والمستقبل

في النهاية، لا يمكن قراءة هذا الدبلوم بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المملكة ثقافياً؛ إذ لم يعد التراث مجرد مادة للحفظ، بل أصبح مادة للإنتاج، ومصدراً للإلهام، ومنطلقاً لصناعات إبداعية جديدة.

وبينما كانت الفنون الأدائية في الماضي تُنقل من ساحة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل، ها هي اليوم تدخل قاعات الدرس، لتُدرَّس، وتُحلَّل، وتُعاد صياغتها.

إنه انتقال من «الأداء بوصفه ممارسة» إلى «الأداء بوصفه معرفة»، ومن الحركة بوصفها عادةً، إلى الحركة بوصفها علماً وفناً في آنٍ واحد.


مصريون يواجهون «الإغلاق المبكر» بـ«تدوينات ساخرة»

محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)
محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)
TT

مصريون يواجهون «الإغلاق المبكر» بـ«تدوينات ساخرة»

محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)
محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)

«أندرتيكر داخل ولا إيه؟»... من وحي تميز المصارع الأميركي المعتزل بظاهرة إطفاء الأنوار وحلول الظلام الدامس مع دخوله صالة المنافسات، شبّه مصريون في سخرية حال شوارعهم بمشهد عالم «WWE» المُرعب.

ومع بدء إظلام القاهرة «التي لا تنام» مع دقات التاسعة، لم يُفوت سكانها وجيرانهم من مختلف المحافظات الفرصة ومارسوا هوايتهم في تأليف النكات، التي حوّلت قرار «الإغلاق المبكر» إلى مصدر للتندر.

ودخل قرار الحكومة بـ«الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي ودور العرض السينمائي عند التاسعة مساء يومياً (عدا الخميس والجمعة في العاشرة مساءً) حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، ومن المقرر أن يستمر لمدة شهر واحد، في إطار خطة لترشيد استهلاك الطاقة، في ظل الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار النفط عالمياً.

الشوارع والمحال التجارية بعد قرار ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)

وبينما تداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي صوراً لأحياء القاهرة وعواصم المحافظات في حالة ظلام تام، مبدين استياءهم ورفضهم للقرار الحكومي، قرر آخرون مواجهة «الإغلاق المبكر» بتدوينات «ساخرة»، والإبداع في «الكوميكس» المستلهمة من الأفلام الكوميدية، وابتكار «الميمز» والمنشورات الفكاهية.

وتصدرت المشهد الساخر منشورات عديدة عن حال الرجال المصريين بعد غلق المقاهي، واضطرارهم إلى تركها مع دقات التاسعة. منها توظيف مشهد سينمائي يظهر وجود «ناضورجي» بالمقهى، وهو شخص مهمته مراقبة المكان ورصد التحركات الأمنية في محيطه، الذي يحذر رواد المقهى من بدء التفتيش بكلمة «كبسة»، ما يجعلهم يسارعون بالمغادرة.

بينما استخدم البعض مشهد «الشيخ حسني» ورفقائه في الفيلم الشهير «الكيت كات»، للإشارة إلى تحايل بعض المقاهي بغلق أبوابها على روادها مع إظلامها.

أما تعليق «لف لي الحجر ده تيك أواي بعد إذنك»، فيسخر من طلب مدخني «الشيشة» من «القهوجي» أخذ «حجر الشيشة» بنظام الوجبات السريعة.

«القهوجي» ظهر أيضاً بطلاً للعديد من التعليقات، فعلى غرار مُراقبي لجان الامتحانات المدرسية جاء تعليق: «القهوجي الساعة 9 إلا 5 قالنا 5 دقايق وهلم المشاريب».

مغردون حوّلوا قرار «الإغلاق المبكر» إلى مصدر للتندر (فيسبوك)

بينما تبرز «الفهلوة» المصرية في إيجاد مبررات لعدم الغلق، عبر ذكر أحد المغردين: «من ساعة واخدين القهوجي اللي تحت البيت بيقولهم الساعة عندي مش مظبوطة».

ونال حال الزوج مع زوجته بالمنزل مع العودة مبكراً من العمل نصيباً من السخرية، منها تشبيه الزوج بحال شخصية «سي السيد» السينمائية الشهيرة، بطلباته المتكررة من زوجته.

كما أشارت تعليقات عديدة إلى كثرة الشجارات المنزلية بوجود الزوج طويلاً، وأجمع كثيرون على أن نتيجة الجلوس بالمنزل ستؤدي إلى كثرة حالات الطلاق، أو إلى الزيادة السكانية.

بينما تندر آخرون من المتزوجين بغير علم زوجاتهم، عبر تساؤل: «اللي متجوز على مراته وكان بيقولها رايح القهوة دلوقتي هيقول إيه؟».

الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي في مصر، محمد فتحي، يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن قطاعاً واسعاً من المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي اتجه إلى توظيف السخرية أداةً للتفاعل مع قرار الإغلاق المبكر، وظهرت هذه الممارسة في إنتاج محتوى ساخر يستند إلى مواقف حياتية يومية، ولجأ بعض المستخدمين إلى المقارنة بين هذا القرار وفترات سابقة، مثل إجراءات الإغلاق خلال جائحة «كورونا»، فضلاً عن استحضار مشاهد من أعمال درامية وسينمائية وإعادة توظيفها بشكل كوميدي.

ويشير فتحي إلى ظهور عدة أنماط رئيسية في التفاعل الرقمي، من أهمها «الميمز» ذات التعليق الساخر المختصر، ما ساهم في سرعة انتشارها وسهولة فهمها، ومقاطع الفيديو القصيرة التي تعتمد على تمثيل مواقف يومية بأسلوب كوميدي، كما تحوّلت التعليقات المصاحبة للمنشورات إلى مساحة إبداعية بحد ذاتها، يتنافس فيها المستخدمون على تقديم صياغات ساخرة لافتة، ويرجع التركيز على هذه الأدوات إلى عدة عوامل؛ من أبرزها «سرعة إنتاجها واستهلاكها، وقدرتها العالية على الانتشار، وتوافقها أيضاً مع خوارزميات المنصات، التي تعزز المحتوى القصير والتفاعلي»، على حد تعبيره.

بالتوازي مع «الإغلاق المبكر» تُطبِّق الحكومة المصرية «خطة ترشيد» تشمل «خفض إضاءة الأعمدة في الشوارع، وإيقاف إنارة الإعلانات على الطرق العامة، وغلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية (شرق القاهرة) بالكامل في تمام الساعة السادسة مساءً».

وفرض إغلاق قاعات الأفراح والمناسبات عند التاسعة نفسه «كوميديا» على المشهد «السوشيالي»، خاصة «تيك توك»، عبر مساحة إبداعية بتمثيل مشاهد تدور حول تبكير الأفراح، وتصرف العروسين بطريقة غير متوقعة مع حلول التاسعة.

«هي الناس بتجري في الشارع ليه؟.. ده ميعاد قفل المحلات مش حظر تجول»... تعجب ساخر عن حالة الارتباك الاجتماعي خلال الساعات الأولى لتطبيق القرار، استدعته ذاكرة بعض المغردين من وحي فترات سابقة من «الحظر»، سواء السياسي، خلال «أحداث 25 يناير 2011» أو الصحي أثناء «كورونا».

ومع استثناء القرار الحكومي بـ«الإغلاق المبكر» محال المواد الغذائية والصيدليات والمطاعم المصنفة بوصفها منشآت سياحية، مع السماح باستمرار خدمة التوصيل على مدار 24 ساعة، ظهرت الصيدليات «سوشيالياً» وهي تستضيف موائد المقاهي وروادها.

وبينما تضرر كثيرون من أن الغلق سيسبب لهم خسائر مادية كبيرة، عدد آخرون بشكل تهكمي المستفيدين من القرار، أبرزهم محال بيع التسالي (المقلة).

ويلفت باحث الإعلام الرقمي إلى أنه «يمكن تفسير اللجوء إلى السخرية بوصفه إحدى آليات التكيف مع الضغوط، عبر تحويل المواقف المزعجة إلى مادة قابلة للكوميديا، كذلك أيضاً تعزيز الشعور بالمشاركة الجماعية، والتعبير غير المباشر عن الرأي بشكل ساخر».

ويتابع: «تعكس هذه الحالة تحول السخرية الرقمية إلى أداة تواصل جماهيري فعّالة، تُسهم في تشكيل الرأي العام والتفاعل مع القرارات اليومية، كما تؤكد أن المحتوى الساخر، خصوصاً في صيغته المختصرة، بات يمثل لغة رقمية سائدة، قادرة على نقل الرسائل المعقدة في قالب بسيط وسريع الانتشار».


«الأقصر للسينما الأفريقية» يحتفي بمسيرة ريهام عبد الغفور الفنية

ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)
ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)
TT

«الأقصر للسينما الأفريقية» يحتفي بمسيرة ريهام عبد الغفور الفنية

ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)
ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)

شهدت فعاليات الدورة الـ15 من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» احتفاء بمسيرة الفنانة ريهام عبد الغفور التي كرمها المهرجان في حفل الافتتاح، الأحد، وأقيمت ندوة للاحتفاء بمسيرتها أدارها الكاتب والناقد جمال عبد الناصر في اليوم الأول للفعاليات، وسط اهتمام بالممثلة المصرية التي جذبت الأنظار بمسلسل «حكاية نرجس» في رمضان، وتصدر فيلمها «برشامة» شباك التذاكر في موسم عيد الفطر.

واختار المهرجان الذي يستمر حتى 4 أبريل (نيسان) المقبل في نسخته الجديدة دولة «جنوب أفريقيا» ضيفة شرف في الفعاليات المختلفة، مع عرض عدد من الأفلام السينمائية التي تمثل مراحل مختلفة في تاريخ السينما بها، بالإضافة إلى تخصيص ندوة لاستعراض تاريخ السينما بجنوب أفريقيا، فيما جرى تكريم المخرج الجنوب أفريقي تشافيني وا لورولي إلى جانب المخرج والسيناريست المغربي جمال سويس، والفنانين خالد الصاوي وريهام عبد الغفور والمخرج محمد أمين.

وخلال ندوة تكريمها في المهرجان وصفت ريهام عبد الغفور دورها في مسلسل «حكاية نرجس» بأنه «دور العمر» الذي عملت عليه لفترة طويلة مع إعجابها بالشخصيات البعيدة عنها بشكل كامل وحماسها لتقديمها، وعملها مع المخرج سامح علاء على السيناريو لفترة طويلة من أجل تقديمها بطريقة تجعل الجمهور يتعاطف معها، في ظل الضغوط المجتمعية التي يمكن أن تدفع الإنسان للتغير بشكل كامل.

صورة تذكارية خلال حفل الافتتاح (إدارة المهرجان)

وتحدثت ريهام عبد الغفور عن دعم والدها الفنان الراحل أشرف عبد الغفور لها في بدايتها الفنية وخوف والدتها عليها باعتبار أن التمثيل مهنة صعبة ومليئة بالإحباط، وطلبت من الحضور قراءة الفاتحة على روح والدها الراحل، معتبرة أنها تشعر بأنها حققت جزءاً كبيراً مما تحلم به في التجارب الفنية التي قدمتها.

وأكدت أنها تسعى دائماً إلى الخروج من المنطقة الآمنة، وهو ما عملت عليه في اختياراتها الفنية بشكل أكبر، خصوصاً بعد مشاركتها في مسلسل «الريان» الذي عرض قبل 15 عاماً، لكن الأمر لم يحدث بشكل سريع واستغرق وقتاً حتى جاءت إليها الفرص المغايرة التي وجدت بها تحدياً لنفسها ولم تتردد في تقديمها.

وعبرت ريهام عبد الغفور عن سعادتها بردود الفعل على فيلمها «برشامة» المعروض بالصالات السينمائية، مؤكدة أنها «محظوظة بالوجود وسط فريق قوي من الممثلين مع المخرج خالد دياب».

وشهدت فعاليات حفل افتتاح المهرجان الذي أقيم في معبد الأقصر حضور عدد كبير من الفنانين منهم يسرا، ومحمود حميدة، ومحسن منصور، وكريم قاسم، وأحمد فتحي، وشهد احتفاء بمئوية المخرج الراحل يوسف شاهين، مع عرض فيلم تسجيلي يستعرض مسيرته الفنية تضمن شهادات عدد من النجوم الذين عاصروه، فيما يقدم المهرجان عروضاً خاصة لأعماله المرممة ضمن الفعاليات.

ويقدم الفنان خالد الصاوي خلال الفعاليات «ماستر كلاس» عن تجربته الفنية يتحدث فيه عن خبرته بالتمثيل وتجربته بين الكتابة المسرحية والسينمائية والإخراجية، مع التطرق لأهم المحطات التي شكلت مسيرته في جلسة تفاعلية هدفها نقل خبرته الفنية للأجيال الجديدة.

خالد الصاوي على السجادة الحمراء (إدارة المهرجان)

وبينما استحدث المهرجان جائزة باسم المخرج الراحل داود عبد السيد لدعم سينما المؤلف وتشجيع المواهب الجديدة مع تكريم اسمه ضمن مكرمي الدورة الجديدة، فإن زميله ورفيق رحلته السينمائية مصمم المناظر أنسي أبو سيف سيقدم «ماستر كلاس» بعنوان «سينما داود عبد السيد».

وعبّر أبو سيف لـ«الشرق الأوسط» عن سعادته بتكريم المهرجان لاسم المخرج الراحل لكونه يعد من أهم المخرجين الذين قدموا أعمالاً متميزة في السينما المصرية، لافتاً إلى أن «الماستر كلاس» سيركز بشكل أساسي على أعماله التي تركت بصمة وسيتحدث عن اهتمامه بالتفاصيل بحكم عملهما المشترك سوياً.

ويعرض المهرجان 11 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام الطويلة، من بينها فيلم «ملكة القطن» للمخرجة السودانية سوزانا ميرغني والحائز على جائزة الجمهور في النسخة الماضية من مهرجان «الدوحة» وسبق عرضه في مهرجان «البندقية السينمائي»، وهو العمل الذي تدور أحداثه في قرية سودانية حيث تجد «نافيسة» المراهقة نفسها في قلب صراع لتحديد مستقبل الأرض. مع وصول رجل أعمال يروّج للقطن المعدل وراثياً، تقرر «نافيسة» الدفاع عن الحقول وعن مصيرها.

كما يعرض الفيلم الجزائري «رقية» الذي كتبه وأخرجه ينيس كوسيم، وتتناول أحداثه الأوقات الصعبة في فترة «العشرية السوداء»، التي مرَّت بها الجزائر خلال تسعينات القرن الماضي، إلى جانب الفيلم الجنوب أفريقي «قضاء العرب» في عرضه الأول عربياً، وهو الفيلم الذي تدور أحداثه في مدينة بجنوب أفريقيا داخل مبنى متهالك يوفر ملاذاً هشاً لمجموعة من الرجال بلا مأوى يعيشون على هامش المجتمع.