كيف تؤثر حياة الإنسان الاجتماعية على أمعائه؟

المساكنة والعلاقات الحميمية تلعبان دوراً مهماً في تكوين الميكروبيوم

كيف تؤثر حياة الإنسان الاجتماعية على أمعائه؟
TT

كيف تؤثر حياة الإنسان الاجتماعية على أمعائه؟

كيف تؤثر حياة الإنسان الاجتماعية على أمعائه؟

إذا كنتم تعيشون في عالمنا خلال السنوات العشر الماضية، فلا شكّ في أنّكم تعرفون أنّ القناة الهضمية Gut تلعب دوراً بارزاً جداً في الصحتين النفسية والجسدية؛ لا لأنها تقوم بتفكيك الأطعمة إلى مكوّنات غذائية تدعم العقل والجسد فقط، بل أيضاً بتجنيد البكتيريا اللازمة التي تسكنه - يُقال إنّ عددها يبلغ 100 تريليون - لتعمل بوصفها أعضاءً إضافية وتشغّل عملياتها الخاصّة في التمثيل الغذائي للتأثير على كلّ وظيفة نقوم بها.

ميكروبات الجسم البشري
أظهرت الدراسات التي نُشرت خلال العقد الماضي أنّ الميكروبات تنتج مواد تحافظ على قوّة الجدار المعوي لمنع تسرّب السموم والبكتيريا، التي إذا ما انفلتت حركتها، فإنها تؤدّي إلى حالات تتراوح بين متلازمة القولون المتهيج والاضطرابات العصبية التنكّسية. علاوةً على ذلك، تنتج الميكروبات ناقلات عصبية - أبرزها السيروتونين، والدوبامين، وحمض غاما - أمينوبيوتيريك - التي تتواصل مع الدماغ مباشرةً.
لا يزال العلم في أولى مراحل فهم أهمية دور القناة الهضمية-الممتدة من الفم الى فتحة الشرج- في الصحة؛ إذ توجد أدلّة مثلاً على أنّ بعض المواد (وتحديداً الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة) التي تنتجها بعض مجموعات البكتيريا، تعزّز فاعلية العلاج المناعي لمرض السرطان. ولذا؛ فإن الحمية الغذائية من الأغذية التي تزيد كثافة هذه المواد - التي تأتي غالباً من النباتات - قد تصبح مستقبلاً جزءاً ثابتاً من أعمال العناية بمرضى السرطان.
ولكنّ ملفّ الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة أكبر بكثير. وتتولد هذه الأحماض من التخمير الجرثومي للألياف في القناة الهضمية السفلية، وتؤثّر على عمل الدماغ، فتنظّم الشهية، واستقرار الطاقة، والحالات المزاجية. ولهذا السبب، تعدّ قلّة الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة سبباً للمعاناة من الاكتئاب والقلق العصبي.

توازن واختلال الميكروبيوم
تحتوي القناة الهضمية على مئات أنواع البكتيريا، ولا شكّ في أنّ التنوّع البكتيري أمرٌ جيّد ومساهمٌ بارزٌ في الصحّة الجيّدة ومؤشرٌ عليها. ولكن كيف تبدو القناة الهضمية الصحيحة فعلاً؟ تفيد الدراسات بأنّ تركيبة الأمعاء تتنوّع وفقاً لعوامل عدّة.
وقد تبيّن أنّ العامل الأهمّ هو المحيط والأشخاص الذين تعيشون معهم. وتوصّل إلى هذه النتيجة نفسها باحثون يدرسون عدداً كبيراً من الأفراد من أصولٍ قابلة للتتبّع في مجموعات سكانية مختلفة: فبينما يؤثر النظام الغذائي والعوامل الوراثية على الميكروبيوم (الميكروبيوم microbiome - مجموع الميكروبات داخل الإنسان أو الأحياء الأخرى)، فإن العلاقات الاجتماعية تلعب الدور الأكبر في تكوينه، وتحديداً العلاقات العاطفية القريبة والمستدامة.
وجد مشروع الميكروبيوم الهولندي، الذي حدّد خصائص ميكروبات القناة الهضمية لدى 8208 أشخاص ينتمون إلى 3 أجيال، أنّ معدّل وراثة ميكروبات القناة الهضمية لا يتعدّى 1.9 في المائة.
وتحدّث تقرير أخير نشره المشروع في دورية «نيتشر» عن رصد الفريق البحثي أوجه شبهٍ أكثر بكثير بين ميكروبيومات تعود لأشخاص غير مرتبطين جينياً يتشاركون سكناً واحداً، مقارنةً بأوجه الشبه التي رصدوها بين أقرباء لا يسكنون معاً، ومن بينهم توائم متطابقة.
تتمتّع شريحة صغيرة من الكائنات الحيّة بقابلية وراثية عالية، ومن بينها ما يُعرف بـ«بيفيدو بكتيريوم لونغوم (Bifidobacterium longum)، وهو ميكروب متعدّد الوظائف يستوطن القناة الهضمية في مرحلة مبكّرة من الطفولة لهضم السكريات الموجودة في حليب الأمّ، وتنشيط المناعة. تنطوي السنوات الأولى من حياة الإنسان على أهمية قصوى لنموّ الميكروبيوم، وترتبط الطفولة بشكلٍ وثيق بميكروبيوم البلوغ، وتحديداً المحيط الذي يعيش فيه الإنسان خلال طفولته.
يساعد النمو في البيئة الريفية في زيادة أنواعٍ عدّة من البكتيريا (مثل «بيفيدو بكتيريوم») المرتبطة بالصحّة العامّة، ويقلّل الأجسام الضارّة التي تلعب دور مسبّبات الأمراض الانتهازية. يتمتّع التقدّم في العمر بصحبة الحيوانات الأليفة أيضاً بتأثير إيجابي على الميكروبيوم، بينما يؤدّي التعرّض المبكّر لتلوّث الهواء، خصوصاً عوادم السيارات، والتدخين السلبي، إلى تأثيرات سلبية طويلة الأمد.
يتّسم تكوين الميكروبيوم بفردية بالغة، رغم أنّ نوعين من الكائنات الحيّة؛ هما «العصوانيات (Bacteriodetes)» و«متينات الجدار (Firmicutes)»، يشكّلان أكثر من 90 في المائة من مجمله. تُستخدم نسبة هذين النوعين مؤشّراً عاماً على الصحّة.
ولكنّ «التغيّرات في التوازن»؛ المعروفة بـ«اختلال الميكروبيوم»، تؤثّر سلباً على الصحّة. ترتبط مشكلات التمثيل الغذائي وأمراض القلب والأوعية الدموية، وغيرها من الاضطرابات، بزيادات نسبة «متينات الجدار»، بينما ترتبط أمراض الأمعاء الالتهابية بانخفاضها. بناءً على كلّ ما ورد، يؤكّد الباحثون على أنّ البيئة المحيطة تتفوّق على الموروثات لناحية المساهمة في تحديد شكل الميكروبيوم، والتي تستمرّ طوال حياة الإنسان.

فوائد العلاقات الحميمية
على الرغم من الاختلاف الفردي الكبير في تكوين الميكروبيوم عند البلوغ، فإن الأشخاص الذين يعيشون من قرب يحملون ميكروبات متشابهة. فقد وجد الباحثون الهولنديون أنّ نحو 50 في المائة من الأنواع الميكروبية تأثّرت بشكلٍ كبير بالمساكنة. بشكلٍ عام، يزيد التشابه بين ميكروبيومات الأشخاص الذين يعيشون معاً (الأهل والأولاد والإخوة) مقارنةً بالمشاركين الآخرين في الدراسة الذين يعيشون منفصلين بصرف النظر عن درجة قرابتهم.
ولكنّ التشابه الأكبر برز لدى الأزواج الذين يعيشون حياةً حميمة تسودها المحبّة، وفق ما شرح الباحثون في دورية «نيتشر». ينتج بعض هذا التشابه في الميكروبيوم من النظام الغذائي المشترك والعوامل المحيطة المماثلة التي يتعرّضون لها. ولكنّ الأدلّة على المشاركة الميكروبية، خصوصاً في الأنواع النادرة، ترجّح الاستيطان المتبادل من خلال التفاعلات البشرية؛ الأمر الذي يسلّط الضوء على دور الأفعال الحميمية كتبادل القبل (الميكروبيوم اللعابي يؤثّر على الميكروبيوم المعوي).
ولاحظ الباحثون أيضاً أنّ التشابه لدى الأزواج الذين يعيشون معاً لا يقتصر على شكل الميكروبيوم، بل يشمل أيضاً التنوّع، حيث تبيّن أنّهم يملكون ميكروبيومات غنية بأنواع الميكروبات أكثر من الأفراد غير المتزوجين أو الذين لا يعيشون معاً.
والمساكنة ليست نوعاً من التخصيب الاجتماعي فحسب؛ بل تتعدّاه إلى نوع من التخصيب البيولوجي أيضاً؛ لأنّها تجذب تدفّقاً من الأنواع الميكروبية الجديدة إلى مجموعة ميكروبات أقلّ تنوّعاً يحملها الفرد عادةً عندما يعيش بمفرده.
يدرك الباحثون منذ عقود أنّ العلاقات الاجتماعية، لا سيّما الزواج، تتمتّع بتأثير قويّ جداً على الصحّة. في الحقيقة؛ تؤثّر العزلة الاجتماعية سلباً على الصحّة شأنها شأن التدخين، مما يرفع مخاطر الموت متعدّد الأسباب.
ترجّح عقود الأبحاث التي ركّزت على توثيق فوائد الزواج على الصحّة، وبالإضافة إلى التأثير الإيجابي للعناصر النفسية - الاجتماعية، أن الميكروبيوم يربط بين العلاقات البشرية والصحة.
ومع ذلك؛ على الرغم من التأثير المسيطر الذي تتمتّع به العلاقات القريبة والمساكنة، قد يشهد الميكروبيوم تنوّعاً بفعل النظام الغذائي، خصوصاً الغني بالألياف النباتية. كما أنّه قد يتأثّر بالسلوك، كممارسة الزراعة والبستنة والرياضة. وباختصار؛ يتغيّر الميكروبيوم بفعل المحيط والمساحات الخضراء والملوّثات من حولكم.
علاوةً على ذلك، يشهد الميكروبيوم تعديلات مدفوعة بأنواع محدّدة من البكتيريا التي تدخل الجسم عبر الاستهلاك؛ مثل أطعمة البروبيوتيك، ووسائل الهندسة العكسية؛ عندما تجرى أعمال زرع البراز. تحتوي الأسواق اليوم على تركيبات بروبيوتيك مخصصة للجهاز الهضمي، وأخرى للصحة المناعية وتحسين المزاج.
والآن؛ وقد اتّضح أنّ العلاقات الاجتماعية تلعب الدور الأكبر في تشكيل الميكروبيوم، فهل تكون البروبيوتيك الحلّ للعازبين؟

أطعمة مؤثّرة
* يرتبط تناول أنواع الخبز والبقوليات والسمك والمكسرات بانخفاض كثافة بكتيريا الأمعاء المسبّبة للأمراض والالتهابات.
* يعزّز استهلاك المكسرات والأسماك الدهنية والفواكه، والخضراوات، والحبوب، وعصير العنب الأحمر، البكتيريا التي تخمّر الألياف وتحوّلها إلى أحماض دهنية قصيرة السلسلة.
* يرتبط عصير العنب الأحمر الغني بمتعددات الفينول أيضاً بتنوّع الميكروبات المعوية.
* تعزّز الأطعمة السريعة، واللحوم المصنّعة، والمشروبات السكرية، والسكر، قوة البكتيريا التي تحصد الطاقة من الطعام وتفتح الباب أمام السمنة.
* ترتبط الأطعمة المصنّعة بزيادة عدد بكتيريا الأمعاء التي تتغذّى من بطانة الأمعاء المخاطية، ما يسبّب تآكل حاجز حماية الأمعاء وينشّط الالتهابات المحلية والجهازية.
* تؤثر الملوّثات الهوائية سلباً على الميكروبيوم، وترجّح الأدلّة أنّها تزيد خطر الأمراض المعوية من خلال زيادة خطر اختلال الميكروبيوم.

* «سايكولوجي توداي»
ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه
TT

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

كشفت دراسة جديدة أجرتها مؤسسة غالوب أن الشباب أصبحوا أقل تفاؤلاً وأكثر غضباً تجاه الذكاء الاصطناعي. وإذا كنت تعتقد أن الشباب يندفعون بحماس نحو مستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي... فعليك أن تفكّر مرة أخرى، كما كتبت كالي هولترمان(*).

استخدام شائع

يستخدم أكثر من نصف أبناء جيل زد (الأشخاص المولودون من عام 1997 إلى عام 2012) المقيمين في الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي التوليدي بانتظام، لكن مشاعرهم تجاه هذه التقنية تتجه نحو السلبية، وفقاً لاستطلاع جديد نشرته مؤسسة غالوب، ومؤسسة والتون فاميلي، وشركة GSV Ventures الاستثمارية العاملة في مجال تكنولوجيا التعليم.

انحسار التفاؤل وتراجع الحماس

انخفضت نسبة المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عاماً والذين أعربوا عن تفاؤلهم بشأن الذكاء الاصطناعي بشكل حاد منذ العام الماضي، من 27 في المائة إلى 18 في المائة. كما تراجع حماس الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي، وأشار ما يقرب من ثلث المشاركين إلى أن هذه التقنية تُشعرهم بالغضب.

وأُجري استطلاع الرأي الذي شمل أكثر من 1500 شخص خلال شهري فبراير (شباط) ومارس(آذار) الماضيين. وتشير نتائجه إلى أن العداء الأميركي تجاه الذكاء الاصطناعي يمتد ليشمل جيلاً أصغر سناً، وهو جيل يكافح حالياً لإيجاد مكانه في سوق العمل.

تأثير سيء على الإبداع والتفكير النقدي

يقول زاك هرينوفسكي، باحث تربوي أول في مؤسسة غالوب، الذي شارك في إعداد الاستطلاع: «في معظم هذه الحالات، أصبح أبناء جيل زد أكثر تشككاً وسلبية، بعد أن كانوا في العام الماضي غير متفائلين بشأنه».

وأضاف أنه فوجئ بالتغير الملحوظ في مواقف الشباب. وأوضح أن العديد من المشاركين أقروا بأن الذكاء الاصطناعي قد يجعلهم أكثر كفاءة في الدراسة والعمل، لكنهم أعربوا عن قلقهم بشأن تأثير هذه التقنية على إبداعهم ومهاراتهم في التفكير النقدي.

في العمل: مخاطره تفوق فوائده

وكان الشباب العاملون أكثر تشككاً، حيث قال ما يقرب من نصف المشاركين إن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده المحتملة في مكان العمل، بزيادة قدرها 11 نقطة عن العام السابق. وقال 15 في المائة فقط إنهم يرون أن الذكاء الاصطناعي... كفائدة صافية.

تأتي هذه النتائج في وقتٍ يتناقش فيه الآباء والطلاب وصناع السياسات حول مدى الدور الذي ينبغي أن تلعبه أنظمة الذكاء الاصطناعي في حياة الشباب.

استخدامات الشباب

ويلجأ أفراد جيل زد إلى برامج الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» للحصول على نصائح في العلاقات والمساعدة في الواجبات المدرسية. ويستخدم البعض هذه الأدوات لتفويضه اتخاذ قرارات معقَّدة وهامة، مثل اختيار الجامعة.

في الدراسة، أفاد نحو نصف الشباب باستخدامهم للذكاء الاصطناعي بشكل يومي أو أسبوعي، وهو ما يُشابه العام الماضي. بينما قال أقل من 20 في المائة إنهم لا يستخدمونه.

وقال هرينوفسكي: «لم نشهد زيادة في استخدام هذه الأدوات خلال العام الماضي، على الرغم من أنني أعتقد أن المزيد من أبناء جيل زد يقولون إنهم يمتلكون هذه الأدوات»، وأضاف أن أصغر أفراد هذا الجيل هم الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي بشكل متكرر.

تهديد الوظائف واستبدال التفاعل البشري

في المقابلات التي أجريت مع الشباب، ذكر شبابٌ بالغون أسباباً عديدةً لتحفظاتهم بشأن الذكاء الاصطناعي، منها تهديده للوظائف المبتدئة، واستبداله للتفاعل البشري، وانتشار المعلومات المضللة التي يغذيها الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي.

تصورات فردية

وقالت سيدني جيل (19 عاماً)، وهي طالبةٌ في السنة الأولى بجامعة رايس في هيوستن، إنها كانت متفائلةً بشأن الذكاء الاصطناعي كأداةٍ تعليميةٍ عندما كانت في المدرسة الثانوية. أما الآن، ومع محاولتها اختيار تخصصها الجامعي، فقد أصبحت نظرتها أقل تفاؤلاً. وقالت: «أشعر أن أي شيءٍ أهتم به مُعرَّضٌ للاستبدال، حتى في السنوات القليلة المقبلة».

من جهتها، قالت أبيجيل هاكيت (27 عاماً)، التي تعمل في قطاع السياحة والضيافة بالقرب من أنكوريج، إنها وجدت بعض أدوات الذكاء الاصطناعي موفرةً للوقت في العمل. غير أنها لا تستخدم الذكاء الاصطناعي كثيراً في حياتها الشخصية، لأنها لا تريد أن تضعف مهاراتها الاجتماعية.

وأضافت هاكيت، التي شاركت في استطلاع «غالوب»: «ما زلت أشعر بالتردد في استخدامه لصياغة رسائلي للآخرين، لأنني أعتقد أن بعض هذه الأمور إنسانية للغاية، وأود أن تبقى كذلك».

ومن بين المشاركين الآخرين في الاستطلاع، ريان غوكيان (30 عاماً) المتخصص في اختبار البرمجيات في ديترويت. وكان أكثر حماساً لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وقال إنه يستخدم «جي بي تي» يومياً لمهام البحث.

أهمية إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي

على الرغم من مشاعرهم المُختلطة، يعتقد العديد من الشباب أن إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي، ولو بدرجة معينة، سيكون أمراً بالغ الأهمية مع نضوجهم. وتوقع ما يقرب من نصف المشاركين الذين لم يتخرجوا في المدرسة الثانوية بعد، أنهم سيحتاجون إلى معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مساراتهم المهنية المستقبلية.

وقد يكون هناك مجال لتطور مواقف الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي. ومن بين جميع ردود الفعل العاطفية التي رصدها الاستطلاع، كان الفضول وحب الاستطلاع... الأكثر شيوعاً بين المشاركين.

* خدمة «نيويورك تايمز».


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض

في العادة، ننظر إلى الوجه بوصفه مرآة للمشاعر: ابتسامة عابرة، قلق خفي، أو دهشة مفاجئة.

الوجه... لغة لا ننتبه لها

لكن ما لا نراه في هذا المشهد اليومي، أن الوجه يحمل طبقات أعمق من المعنى... إشارات دقيقة لا يدركها الإنسان، لكنها تعكس تغيرات بيولوجية وصحية تجري في صمت داخل الجسد. فحركة عضلات الوجه، وتبدّل لون الجلد، واتساع حدقة العين، وحتى الاختلال الطفيف في التناسق بين جانبي الوجه... ليست مجرد تعابير عابرة، بل قد تكون انعكاساً دقيقاً لما يحدث في الدماغ أو الجهاز العصبي، بل وحتى في أعماق الحالة النفسية.

وهنا يبدأ الذكاء الاصطناعي في قراءة ما لا نقرأه نحن.

الوجه بين القياس والفهم

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «الذكاء الاصطناعي الطبي الرقمي» (JMIR AI)، قادها الباحث شينغو يوشيهارا من معهد أبحاث الصحة الرقمية في طوكيو باليابان، ظهر أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل تعابير الوجه بدقة عالية، مع توافق لافت مع التقييم البشري، ما يعزز إمكانية استخدامها كأداة مساعدة في التقييم النفسي والسريري، لا سيما في الحالات التي تعتمد على قراءة الإشارات الدقيقة غير المرئية.

ولا تقف أهمية هذه النتائج عند حدود الدقة التقنية، بل تمتد لتعيد تعريف دور الوجه نفسه؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتعبير... بل قد يتحول إلى مصدر بيانات تشخيصية صامتة، تحمل في ملامحه ما لا تقوله الكلمات.

كيف يقرأ الذكاء الاصطناعي الوجه؟

على عكس الإنسان، الذي يرى الوجه كوحدة متكاملة ويُدركه كصورة واحدة، يقوم الذكاء الاصطناعي بتفكيكه إلى شبكة معقدة من النقاط والقياسات. ففي أنظمة الرؤية الحاسوبية، يُعاد بناء الوجه رقمياً عبر ما يُعرف بـ«المعالم الوجهية» (Facial Landmarks)، وهي عشرات — وأحياناً مئات — النقاط الدقيقة التي تحدد مواقع العينين، وحواف الشفاه، وانحناءات الحاجبين، وتفاصيل العضلات الدقيقة.

لكن القراءة لا تقف عند حدود الشكل. فالخوارزميات الحديثة تحلل أيضاً التغيرات الديناميكية في الوجه: سرعة الحركة، وزمن الاستجابة العضلية، والتناسق بين جانبي الوجه، وحتى التغيرات الدقيقة في تدفق الدم تحت الجلد، والتي لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُستدل من تغيرات طفيفة في اللون باستخدام تقنيات تصوير دقيقة.

التصوير الضوئي الحيوي

وفي هذا السياق، تعتمد بعض النماذج على ما يُعرف بالتصوير الضوئي الحيوي عن بُعد (Remote Photoplethysmography)، حيث يتم استخراج مؤشرات فسيولوجية مثل معدل نبض القلب أو مستوى الإجهاد من تغيرات لونية شبه غير مرئية في الوجه أثناء الفيديو.

ومن خلال تدريب هذه الأنظمة على قواعد بيانات ضخمة تضم آلاف — بل ملايين — الوجوه، وفي ظروف وإضاءة وثقافات مختلفة، تصبح قادرة على التعرف إلى أنماط دقيقة ومعقدة لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها، مثل بطء التفاعل العضلي، أو اختلال التناسق الحركي، أو تغيرات طفيفة في الإيقاع التعبيري قد ترتبط باضطرابات عصبية أو نفسية.

وبهذا، لا يعود الوجه مجرد صورة نراها، بل يتحول إلى إشارة فسيولوجية متعددة الطبقات، تُقرأ وتُحلَّل، وتكشف ما يخفيه الجسد في صمت.

حين تصبح الكاميرا طبيباً والوجه إشارة إنذار مبكرة

هل يصبح الوجه أداة تشخيص؟

مع هذا التطور، لم يعد السؤال ما إذا كان يمكن استخدام الوجه في الطب، بل متى سيصبح ذلك جزءاً من الممارسة اليومية. فالتقنيات التي كانت حتى وقت قريب محصورة في المختبرات البحثية، بدأت تقترب تدريجياً من الاستخدام العملي في الحياة اليومية.

قد يأتي وقت تصبح فيه كاميرا الهاتف أو الحاسوب قادرة على تحليل وجه المستخدم بشكل غير ملحوظ، لرصد تغيرات دقيقة في التعبير أو اللون أو الإيقاع الحركي، قد تشير إلى إرهاق عصبي، أو بداية اضطراب نفسي، أو حتى مؤشرات مبكرة لخلل فسيولوجي لم تظهر أعراضه بعد.

وفي هذا النموذج الجديد، لا يعود التشخيص حدثاً مرتبطاً بزيارة الطبيب فقط، بل يتحول إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، تراقب الإشارات الصامتة التي يصدرها الجسد، وتحوّلها إلى تنبيهات مبكرة قد تُعيد تعريف مفهوم الوقاية نفسه.

هل يفهم الذكاء الاصطناعي ما يعنيه الوجه؟

رغم هذا التقدم، يظل هناك سؤال جوهري: هل قراءة الوجه تعني فهم الإنسان؟

فالوجه لا يعكس المرض فقط، بل يعكس أيضاً الثقافة التي تشكّله، والبيئة التي يعيش فيها، والتجارب التي مرّ بها. قد تحمل الإشارة نفسها معاني مختلفة بين شخص وآخر؛ فما يبدو توتراً في وجهٍ ما، قد يكون سمةً طبيعية في وجهٍ آخر، وما يُقرأ كحزنٍ في سياق، قد يكون مجرد تأمل في سياقٍ مختلف.

وهنا تتضح حدود الذكاء الاصطناعي: فهو قادر على القياس... لكنه لا يملك دائماً القدرة على الفهم. يلتقط الإشارة، لكنه لا يدرك معناها الكامل خارج سياقها الإنساني.

الطب بين الرؤية والفهم

في النهاية، قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من قراءة الوجه بدقة مذهلة.

لكن هذه القراءة تظل ناقصة دون السياق الإنساني الذي يمنحها معناها الحقيقي. فالبيانات قد تكشف ما يحدث... لكنها لا تفسّر دائماً لماذا يحدث. ترصد الإشارة، لكنها لا تدرك التجربة التي تقف خلفها.

وهنا يظل دور الطبيب مختلفاً: لا يكتفي بأن يرى، بل يحاول أن يفهم... ولا يقرأ الوجه فقط، بل يقرأ الإنسان الذي يحمله.

ما الذي يتغير؟

ربما لا يكون السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقرأ وجوهنا، بل ما إذا كنا مستعدين لأن تتحول ملامحنا إلى بيانات تُحلَّل وتُفسَّر خارج وعينا. وفي هذا التحول، قد يصبح الوجه أحد أهم المؤشرات الحيوية في الطب الحديث.

إن هذا التحول ليس بديلاً عن الطبيب، بل نافذة جديدة تمنحه قدرة أوسع على الرؤية، وفرصة أعمق للفهم. لكن ما سيحسم مستقبل هذا التحول، ليس ما تستطيع الخوارزميات أن تراه... بل ما يستطيع الإنسان أن يفهمه منها.


اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
TT

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشراً على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة ​​«ماركاريان 501»، يدوران حول بعضهما في مدارات متقاربة جداً. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يُكتشف فيها زوجٌ من الثقوب السوداء على وشك الاندماج، مما يتيح فرصة فريدة لفهم عملية محورية في تطور المجرات.

وتشير النتائج المنشورة في «مجلة الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، تحت قيادة العالم الفلكي، سيلكه بريتزن، إلى وجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركز كل مجرة كبيرة تقريباً، بكتلة تفوق كتلة شمسنا بملايين أو حتى مليارات المرات. ولا يزال من غير الواضح تماماً كيف يمكنها الوصول إلى هذه الكتل الهائلة. لذا، من المرجح أن تندمج الثقوب السوداء فائقة الكتلة الموجودة في مراكز هذه المجرات المتصادمة؛ حيث تدور حول بعضها متقاربة أكثر فأكثر، ثم تندمج في النهاية لتشكل مجرة ​​واحدة.

وتُعدّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مراكز المجرات من أكثر مجالات البحث نشاطاً في علم الفلك؛ إذ لا تستطيع النماذج النظرية وصف هذه المرحلة النهائية بدقة حتى الآن.

رصد عالي الدقة

ومما يزيد الأمر تعقيداً أنه لم يتم رصد أي زوج متقارب من الثقوب السوداء الضخمة بشكل موثوق، على الرغم من شيوع تصادمات المجرات على نطاق زمني كوني. وقد غيرت الدراسة الجديدة لـ«مجرة ماركاريان 501 (Mrk 501)» في كوكبة هرقل هذا الواقع.

ويقذف الثقب الأسود في مركز «مجرة ​​ماركاريان 501»، نفثات (دفعات) قوية من الجسيمات تتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء إلى الفضاء. ولإجراء هذه الدراسة، حلل الفريق عمليات رصد عالية الدقة. وكشفت بيانات رصدية طويلة الأمد عن أول صورة مباشرة لمثل هذا النظام في مركز مجرة، وعلى الدليل القاطع على وجود ثقب أسود فائق الكتلة ثانٍ مجاور. يقول بريتزن في بيان الثلاثاء: «بحثنا عن هذا النظام طويلاً، والآن نستطيع تتبع حركته أيضاً».

رقصة الثقوب السوداء

ووفق نتائج الدراسة، تتجه نفاثة الثقب الأول نحو الأرض، ولهذا تبدو ساطعة بشكل خاص لنا، وهي معروفة منذ زمن طويل. أما النفاثة الثانية، فهي موجهة بشكل مختلف، ولذلك كان رصدها أكثر صعوبة.

ويوضح بريتزن: «كان نظام النفاثات بأكمله في حركة دائمة، وهو ما يفسر بوجود نظام من ثقبين أسودين، حيث يتأرجح مستوى المدار».

ويضيف: «في أحد أيام الرصد في يونيو (حزيران) 2022، وصل إلينا الإشعاع المنبعث من النظام عبر مسار متعرج للغاية؛ حيث ظهر على شكل حلقة - وهو ما يُعرف بحلقة أينشتاين».

ومن خلال تحليل تطور سطوع النفاثات بمرور الوقت وأنماطه المتكررة، استنتج الباحثون أن الثقبين الأسودين يدوران حول بعضهما، وتبلغ المسافة بينهما ما بين 250 و540 ضعف المسافة بين الأرض والشمس - وهي مسافة ضئيلة جداً بالنسبة لأجسام بالغة الضخامة كهذه، بكتل تتراوح بين 100 مليون ومليار ضعف كتلة الشمس. وبناءً على كتلتيهما الفعليتين، قد تتقلص المسافة بينهما بسرعة كبيرة لدرجة أنهما قد يندمجان في غضون 100 عام فقط.

ويشير المؤلف المشارك بالدراسة هيكتور أوليفاريس إلى أنه «عندما يتم رصد موجات الجاذبية، فقد نشهد ارتفاعاً مطرداً في ترددها مع اقتراب هذين العملاقين من الاصطدام، مما يتيح فرصة نادرة لمشاهدة اندماج ثقبين أسودين فائقَي الكتلة».