مهرجان آسيا الدولي يجمع دول المنطقة على الشاشة الأميركية

عرض مجموعة كبيرة من أفلام الأوسكار

الحرب السورية في «مفاتيح مكسورة»
الحرب السورية في «مفاتيح مكسورة»
TT

مهرجان آسيا الدولي يجمع دول المنطقة على الشاشة الأميركية

الحرب السورية في «مفاتيح مكسورة»
الحرب السورية في «مفاتيح مكسورة»

مهرجان آسيا وورلد فيلم فستيفال عرض هذا العام مجموعة كبيرة من الأفلام الآسيوية القادمة من أركان هذه القارة، أكثر من 40 فيلماً تم تقديمها ما بين التاسع والرابع عشر من هذا الشهر وبنجاح محلي بعدما سعى المهرجان المقام في مدينة لوس أنجليس سنوياً لتوسيع رقعة عروضه هذا العام أكثر مما فعل في معظم الأعوام السابقة.

أكشن كوري جيد
كانت الدورة الثامنة وكانت البداية مع فيلم كوري من إخراج الممثل - المخرج لي جونغجاي عنوانه «صيد» (Hunt) المستوحى من مسلسل تلفزيوني كوري سابق تم بثّه على «نتفليكس» في العام الماضي.
بسرعة رتّب الإنتاج ليستفيد من نجاح المسلسل واختار حكاية تبدأ بعد أربع سنوات من اغتيال الرئيس الكوري بارك شونغهي (كان موضوع أفلام كورية مختلفة) وتدور حول المخابرات الكورية وهي تُفشل خطة لقتل الرئيس الذي خلف شونغهي. البداية تحمل تلك التفاصيل التقنية واللوجيستية المذهلة التي اشتهرت بها الأفلام الكورية من هذا النوع. تصاميم المعارك والحركة والجهود البدنية لا يقل تأثيراً وسيتكرر مستواه ذاك في مشاهد عدة لاحقاً. فبعد إحباط المؤامرة يلتفت بارك بيونغهو (لي جونغجاي) بعد ذلك للكشف عن الجاسوس المنتمي إلى المنظّمة ويصاحبه في هذه المهمّة، التي لن تكون نزهة، عدو قديم له يشغل إدارة وحدة من وحدات الجهاز اسمه كيم (جونغ ووسونغ) اللذان لا يطيقان بعضهما بعضاً.
هذا محور الفيلم الذي ليس لديه هدف آخر سوى إجادة مشاهد القتال والمعارك.
بعده، باشر مهرجان الفيلم الآسيوي عرض مجموعة كبيرة من الأفلام التي تقدّمت للأوسكار ممثلة لبلدانها. بالنسبة للمهرجان فإن الدورة المذكورة تخصصت بهذا المنوال وقد يعيد الكرّة في الأعوام المقبلة.
أفلام مثل «وطن للبيع» (كريغستان) و«غولياث (كازاخستان) و«فرح» (الأردن) وMy Vietnam (فيتنام) و«استراحة طويلة» (جورجيا) و«المفقودون الثمانية» (الفلبين) وسواها أريد لها تعزيز حضور المهرجان بين المشاهدين من سكان المدينة على صعيدي الانتقاءات الآسيوية عموماً، والاختيارات التي تم عرضها من أفلام آسيوية تم إرسالها إلى الأكاديمية على أمل دخولها القائمة الرسمية لسباق الأوسكار. في حين أن هذه خطوة تجارية توسيعية لمهرجان ليس لديه خيارات تمويل كبيرة تؤدي إلى إثارة فريق من الجمهور إلا أن الخوف هو أن يكون الاعتماد عليها قد أضر بفرص أفلام أخرى غير متنافسة على الأوسكار. الخطر الآخر أن يتم اعتماد هذه الصيغة كل سنة فإذا بالمهرجان الذي عليه أن يكتشف يرتاح لما هو سهل الحصول عليه.

مشهد من «حمى البحر المتوسط»

حكاية ميشال
كانت هناك عدة مشاركات عربية سنتناول بعضها في كتابات لاحقة. أحد هذه الأفلام الخمسة هو الفيلم اللبناني «حرب ميغويل» لإيليان الراهب (حمل عنواناً آخر بالعربية هو «أعنف حب»).
فيلم تسجيلي يستعيد فيه محارب حزبي شارك، على نحو أو آخر، في الحرب الأهلية بعض ما يُسمح به من ذكريات الحرب والكثير من حياته الخاصّة التي قضى جزءاً كبيراً منها في إسبانيا بعد نهاية الحرب اللبنانية.
يقارن المحارب السابق ميشال جليلاتي نفسه بمريم المجدلية التي غسلت قدمي المسيح. صورة ذهنية طالما أثارته منذ أن كان فتى صغيراً. هو في ذروة نشوته عندما يلتقي بمثيل له في ملهى إسباني. ويتذكر مدريد بنشوة واضحة ذاكراً كيف وجد هناك الكثير من الشبان («ألوف»، كما يقول) الذين شاركهم الحفلات المثلية. لا ندم أو أسف هنا ولو أنه في بعض المشاهد يفصح أنه يرغب لو أنه يولد من جديد.
تسأل المخرجة إيليان الراهب عن دوره في الحرب الأهلية فيخبرها أنه لا يتذكر أو ينفي ويتهرب. لكنه يعترف في النهاية أنه كان شريكاً في الحرب من خلال تأمين الذخيرة والوجود مع المحاربين كما حضر جريمة قتل امرأة بدم بارد.
هذا فيلم مقابلة طويلة والمخرجة موجودة في مشاهد كثيرة بكل ما يحمله وجهها من جدّية. يتداخل فن التحريك في سياق الصورة الحية ليؤمن الوجهة التعبيرية ولنقل واقع ما بطريقة إبداعية. هذه الرسوم تثري الفيلم في المعنى و- أكثر - في التشكيل. على ما سبق، هناك مراحل من الفيلم يبدو فيه الحديث استطراداً لما سبق. بعض المشاهد لا تضيف بدورها لما تم ذكره،
فيلم آخر جذب الاهتمام هو الفيلم الفلسطيني «حمى البحر المتوسط» لمها حاج. دراما جيدة في شتّى جوانبها رغم هنّات في الكتابة ونهاية تؤكد على المؤكد. هناك رجل فلسطيني اسمه وليد (عامر هليهل) يعيش في حيفا غير سعيد في حياته. لم يحقق ما صبا إليه ولم يعد يقيم علاقة عاطفية مع زوجته وعاطل عن العمل. يأخذ ولديه للمدرسة كما لو كان مجرد موظف ويعود ليغسل الصحون ويرتب البيت بينما تعتاش العائلة على عمل زوجته كممرضة.

فيلم الافتتاح «صيد»

مفاتيح الحرب
ذات يوم يصل الجار الجديد جلال (أشرف فرح) إلى الشقّة المقابلة ليشغلها هو وزوجته. بينما يطلب وليد الهدوء (محاولاً كتابة رواية بوليسية) يترك جلال صوت المذياع يلعلع عالياً. احتجاج وليد يقوده للتعرف الصعب على جاره الجديد لكن العداوة التي يظهرها وليد تبدأ بالتحوّل بعدما تعددت اللقاءات. ما يكتشفه وليد هو أن جلال لديه علاقات مع عصابات مافياوية. هنا تلمع في باله رغبة كان يكتمها منذ حين وهي الانتحار. لكنه لا يود أن ينتحر بفعل يقوم به هو، بل يطلب من جلال أن ينفّذ له هذه الرغبة.
تصل العلاقة بينهما إلى طريق مسدود. فالطلب صعب على جلال الذي يعرف معدن وليد ولا يستطيع مساعدته في أزمته ولا في رغبته. هذا وصولاً للنهاية التي اختارتها المخرجة والتي تحمل مفاجأة مقبولة تتبعها ذات مغزى لكنا تبقى دخيلة. «حمى البحر المتوسط” فيلم ناضج على أكثر من وجه والخلفية الاجتماعية والسياسية تطل قليلاً لكن التركيز يبقى على الشخصيتين الأساسيّتين والحبكة بحد ذاتها.
فيلم لبناني آخر تم عرضه في المهرجان الآسيوي هو «مفاتيح مكسورة» لجيمي كيروز.
تطل الحرب أيضاً في هذا الفيلم لكنها ليست الحرب اللبنانية، بل تلك السورية.
لا تعوز المخرج جيمي كيروز أي مهارات تقنية ولا يفتقر إلى براعة لتنفيذ المشاهد الصغيرة والكبيرة على نحو متساو من النجاح. لكن إذ تطلّب السيناريو تقسيم الفيلم إلى رزم من الفصول فإن نبرة الفيلم، التي تبدأ جادة تنتهي على شاكلة أفلام البطولات والأكشن.
يبدأ الفيلم في البلدة التي سيطرت عليها قوى إسلامية‪.‬ بطله كريم (طارق يعقوبي) عازف بيانو يأمل بمستقبل باهر. زعيم الميليشيا المحلية ‪(‬عادل كرم) يأمر بإطلاق النار على البيانو فيكسر بعض مفاتيحه. هذا ما يدفع كريم للسفر إلى بلدة أخرى للبحث عن مفاتيح بديلة ثم العودة حيث يشترك في المقاومة موظّفاً موسيقاه للغاية. رحلته إلى ومن المدينة المهدّمة بحثاً عن مفاتيح تصاحبها مخاطر كثيرة وتشاركه فيها مقاتلة كردية. الرحلة تحتوي على عناصر لقصة متكاملة. في العمق يخلق ذلك ثلاثة أقسام ليست متجانسة فعلياً. فبعد تقديم الفيلم لمحنة جماعية في تلك البلدة التي وقعت تحت براثن المتطرفين، ‬‬ينفصل الفيلم في حكاية أخرى فردية في فصل ثانٍ (هو فصل الرحلة) يختلف قصّة وإيقاعاً ويخلق توليفه تشويقاً يماثل مخاطر الوضع الذي يدلف كريم إليه. هذا قبل عودة كريم إلى البلدة والمحنة الجماعية التي تعيشها تحت وطأة الوضع. هذا القسم - الفصل الثالث ضعيف، بالمقارنة، من حيث إنه يبحث عن نهاية ويجدها في معركة مبسّطة.
‫لكن شغل المخرج على العناصر المختلفة التي تُكوّن تفاصيل المشهد وحركة الكاميرا والتوليف جيد وفي بعض الأحيان مبهر. هذا إلى أن تتحدث بعض الشخصيات فإذا باللهجات تختلف وتتباين. نسمع كلمة غدوة التونسية و«ما أريد الدواء» بالفصحى. هناك من ينطق القاف قاف ومن بنطقها كألف. ‬‬
يدين الفيلم جميع القوى (النظام ومعارضيه) وخطف المعارضة الثورة الشعبية. كذلك إجادة الممثلين لأداءاتهم من طارق يعقوبي («فيلم كبير كتير»، 2016) وعادل كرم («القضية 23» سابقاً) إلى باقي الممثلين ولو بتفاوت.

وقوع تدريجي
فيلم الختام كان كورياً أيضاً لكنه مختلف عن فيلم الافتتاح. هو بوليسي لكنه مختلف من حيث إنه ليس فيلم حركة ومطاردات.
بارك تشان - ووك، مخرج مختلف من حيث إتيانه بأفكار ليست مختلقة لكنها خلاّقة. سبق له وأن قدّم «أولدبوي» و«الخادمة» محوّلاً حكايتين تسيران ضمن تصنيف تشويقي إلى عملين يفككان ما هو تشويقي. في الأول يستفيد من فكرة غريبة حول رجل سُجن في منزل لسبب لن يفهمه إلا لاحقاً وفي الثاني سرد لعلاقات كورية - صينية على مستوى فردي لكنها أشبه بنموذج لما هو أكبر حجماً وتأثيراً.
أما في «قرار مغادرة»: فإن الناحية البوليسية أخف وطأة من فيلم «أولدبوي» (الذي لا يمكن وصفه تماماً بالفيلم البوليسي).
في الفيلم الجديد شرطي متزوّج يعيش في مدينة بوسان يشرف على قضية رجل وُجد في قعر الوادي ميّتاً. زوجته حسناء وتقدم شيئاً مثل «مات، أخيراً» نحن وبطل الفيلم نتعجب من هذه العبارة لكنها تفتح باب الشبهات من إنها هي التي ربما دفعته لحتفه عندما اعتليا ذلك الموقع الشامخ. بعد حين سنجد بطل الفيلم يقع تدريجياً تحت تأثيرها العاطفي. هذا كله ليس جديداً (كحبكة) لكن المخرج يعرف طريقه جيداً لصنع مشاهدة بصرية فنية وخاصّة.
هو فيلم حول عاطفة في اتجاه واحد تقابلها ألغاز الجريمة وإذا ما كانت الزوجة هي من ارتكبتها. وإذا كان هذا صحيحاً فما هو موقف ذلك المحقق الذي وقع في حبالها.


مقالات ذات صلة

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

يوميات الشرق حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

للأغنيات قدرة على حفظ ما يتعذَّر الاحتفاظ به في الحياة، من أعمار وأمكنة ووجوه وعواطف...

فاطمة عبد الله (بيروت )
سينما أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته

محمد رُضا (لندن)
خاص المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

خاص بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المعدات الجيدة لا تكفي لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)

مهرجان سينمائي في غزة يناصر قضايا المرأة من بين الركام

بشعار «نساء يصنعن الحياة من الموت» يراهن صناع مهرجان «غزة الدولي لسينما المرأة» على الاستمرار في مقاومة الصعوبات.

أحمد عدلي (القاهرة)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.