تكريمٌ مغربي النكهة لفريدة بنليزيد في «الفيلم الدولي»

منتجة سينمائية رائدة ومخرجة وكاتبة سيناريو متميزة

فريدة بنليزيد في أمسية تكريمها بـ«مهرجان مراكش»
فريدة بنليزيد في أمسية تكريمها بـ«مهرجان مراكش»
TT

تكريمٌ مغربي النكهة لفريدة بنليزيد في «الفيلم الدولي»

فريدة بنليزيد في أمسية تكريمها بـ«مهرجان مراكش»
فريدة بنليزيد في أمسية تكريمها بـ«مهرجان مراكش»

جاء تكريم المخرجة والمنتجة السينمائية المغربية فريدة بنليزيد، مساء أول من أمس، في سادس أيام «مهرجان الفيلم» بمراكش، في دورته الـ19، مغربي الطابع والنكهة، مؤكداً المكانة الريادية والقيمة الفنية للمحتفى بها على مستوى الفن السابع بالمغرب.
ومنح صوت الفنانة الشعبية الراحلة الحاجة الحمداوية، بأغنيتها الشهيرة «هزو بينا لعلام (ارفعوا الأعلام)»، دفئاً خاصاً لحفل التكريم في «قاعة الوزراء» بـ«قصر المؤتمرات»، فيما علت الزغاريد وصفق الحضور طويلاً لـ«سيدة السينما المغربية»، تقديراً لمنجزها واعترافاً بمكانتها.
يمكن القول إن بنليزيد كانت «عروس» اليومين الماضيين من «مهرجان مراكش»، بعد أن احتفى بها عشرات الآلاف في ساحة جامع الفنا (الثلاثاء) بمناسبة عرض فيلها «كيد النسا»، قبل أن تتسلم «النجمة الذهبية» من يد الفنان المغربي يونس ميكري في ليلة تكريمها (الأربعاء).
في كلمتها التقديمية، في أمسية التكريم، رسمت الصحافية فاطمة الوكيلي ما يشبه البورتريه، جمعت فيه بين تميز المسار المهني وعمق الاختيارات الإنسانية والنضالية للمحتفى بها.
وقالت الوكيلي إن بنليزيد «امرأة فريدة بأخلاقها الراقية، جميلة بأحاسيسها الجياشة، قوية بغضبها الهادئ، وفنانة متشبعة بقيم التغيير في سنوات السبعينات؛ سنوات الكتب المحظورة والثورة على المعتقدات الاجتماعية والسياسية والدينية».
وأضافت قائلة إنها «سيدة تمكنت من الانطلاق في سنوات النهوض ضد الاضطهاد؛ إذ تشكلت شخصيتها في طنجة؛ المدينة المنفتحة على العالم وذات الحمولة الثقافية الرفيعة، لذلك تشكل وعيها من مختلف الآفاق، فكانت مبدعة برهانات الفن، هي المرأة التي اقتحمت عالم الصورة وتملكت أدواتها فأبانت عن قدرة فائقة في التقاط المعاناة».

فقرة «حوار» مع المؤلف الموسيقي الفرنسي - اللبناني غبريال يار

وذكرت الوكيلي أن بنليزيد سيدة «تحسن الإصغاء، قدمت أعمالاً يطبعها الوفاء للمبادئ والثبات على المواقف، ودخلت المجال الفني مسلحة بقوة هادئة وقدرة هائلة على المقاومة، فريدة بحضورها الفريد ورزانتها وجرأتها في اقتحام عالم الفن السابع، الذي كان حكراً على الرجال في مغرب سبعينات القرن الماضي، فأنتجت وكتبت السيناريو وأخرجت الأفلام الروائية والوثائقية بسمو ورفعة».
ورأت الوكيلي أن بنليزيد «امرأة من طينة نساء مغربيات فتحن أبواب العلم والفن والسياسة، كفاطمة المرنيسي وإيزة جنيني وعائشة الشنا ومليكة الفاسي، وساهمن في رفع سقف طموحات أجيال من نساء المغرب».
وخلصت الوكيلي إلى القول إن «فريدة ابنة عصرها، قصيدة في ديوان السينما، أغنية حب مغربية رائعة، وطائر حر في سماء الإبداع».
في معرض كلمتها، العميقة والبسيطة، بمناسبة تكريمها، شكرت بنليزيد العاهل المغربي الملك محمد السادس على إطلاقه مهرجان مراكش في ظرفية عالمية حساسة، كما شكرت الأمير مولاي رشيد، ومؤسسة المهرجان. ثم تحدثت عن تجربتها، وسعادة التكريم بادية على محياها، فقالت إنها عملت في أفلامها على إبراز غنى ثقافة نساء المغرب المسلمات، وتكسير الصورة النمطية المتداولة حولهن.
وتطرقت إلى أهمية التنوع على مستوى الثقافة، فعادت إلى طفولتها وعلاقتها بوالدتها حين كانت تصطحبها إلى دور السينما لمشاهدة أفلام من تعبيرات وجغرافيات مختلفة.
وتعد بنليزيد رائدة على مستوى الممارسة السينمائية المغربية، فهي أول منتجة مغربية، كما أنها كاتبة سيناريو، ولدت سنة 1948 في طنجة، حيث ترعرعت وتابعت دراستها بالعربية والفرنسية والإسبانية، ليبدأ شغفها بالقراءة والفن السابع مبكراً، حين كانت تصاحب والدتها؛ عاشقة السينما، الشيء الذي طبع طفولتها ومنحها روحاً متحررة مع انفتاح متأصل على الآخر.
في 1970، سترحل بنليزيد إلى باريس لمتابعة دراسة الأدب والسينما، قبل الالتحاق بالمدرسة العليا للدراسات السينمائية، مع القيام بعدد من التدريبات في مجال السينما، قبل أن تؤسس، مع شقيقتها ليلى ومحمد زيان، أول شركة مغربية للإنتاج السينمائي، وكانت باكورة أعمالها «جرح في الحائط»، أول فيلم طويل يخرجه الجيلالي فرحاتي.
عرف عن بنليزيد امتلاكها أكثر من وتر واحد تعزف عليه، ومن ذلك إخراجها أشرطة وثائقية مثل «هوية امرأة» لفائدة «القناة التلفزيونية العمومية الفرنسية (إف إر 3)»، استعرضت فيه حياة المهاجرات المغاربيات في فرنسا، وكتابتها سيناريو «عرائس من قصب» (1981) للجيلالي فرحاتي.
كانت رغبة بنليزيد قوية جداً في أن تصنع أفلاماً وأن تستمر في الكتابة انطلاقاً من بلدها؛ المغرب، لذلك استقر بها المقام في طنجة، حيث تحب أن تكتب السيناريو، والقصص القصيرة، والمقالات والأعمدة للصحف والمجلات الإسبانية والفرنسية والمغربية، بل وكتبت أيضاً مسرحية، تحت عنوان: «سبّب يا عبدي وأنا نْعينك».

الممثلة المغربية فرح الفاسي على البساط الأحمر لـ«مهرجان مراكش»

بعد كتابتها عدداً من سيناريوهات الأفلام لسينمائيين مغاربة، بينها «باديس» (1989) و«البحث عن زوج امرأتي» (1995) لمحمد عبد الرحمن التازي، ستبدأ بنليزيد مسيرتها في الإخراج، بداية مع «باب السما مفتوح» (1988)، الذي يعكس صورتها؛ إذ بقدر ما نهل من الأدب الفرنسي والثقافة العربية المكتوبة والشفاهية، تشبع من النصوص الروحية للإسلام. كما أنتجت بنليزيد أفلاماً وثائقية قصيرة، في مالي (أميناتا تراوري... امرأة من منطقة الساحل) عام 1993، ويتحدث عن عولمة بديلة، والمغرب، حيث أنتجت أفلاماً تلفزيونية وأفلاماً سينمائية قصيرة ووثائقية للقنوات المغربية، كما أخرجت فيلم «على الشرفة» (1995)، احتفاء بمئوية السينما، وهو فيلم قصير يتحدث عن فتاة صغيرة من شمال المغرب تكتشف سحر السينما.
في 1999، أنتجت بنليزيد «كيد النسا»؛ فيلمها الروائي الطويل الثاني، المستوحى من موروث الحكايات الشعبية، ثم «الدار البيضاء يا الدار البيضاء» (2002)، قبل أن تقتبس رواية لأنخيل فاسكيرز في فيلمها «خوانيتا بنت طنجة» (2006).
بعد فيلمها التلفزيوني «سْتر ما سْتر الله» (2020) للقناة المغربية الثانية، وقبله الفيلم الوثائقي «كازا نايضة» (2007) عن ثقافة الـ«هيب هوب» في أوساط الشباب المغربي، أخرجت بنليزيد أفلاماً وثائقية أخرى، منها «حدود وحدود» (2013)، و«تامي التازي... إبداعات على مر الزمن» (2013)، وسلسلة من 10 أفلام وثائقية عن الرقص والموسيقى الأمازيغية في القرى النائية لجبال الأطلس (2014 - 2015)، والفيلم الوثائقي «عرس أمازيغي على نهر أنيرغي» (2016)، ثم كتابة سيناريو فيلم/ سيرة ذاتية «فاطمة المرنيسي... السلطانة التي لا تنسى» (2022) لمحمد عبد الرحمن التازي، بعد كتابة سيناريو فيلم وثائقي عن فاطمة المرنيسي عنوانه: «على خطى فاطمة المرنيسي».
في وقت لاحق تم تعيينها عضواً في «اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد (2019 - 2021)»، التي عهد إليها اقتراح رؤية تستهدف تحقيق تنمية مبتكرة في المغرب، وتمنح مكانة خاصة للمساواة بين الجنسين ولأهمية ودور الثقافة في المجتمع.
ويعرض المهرجان لبنليزيد، بمناسبة تكريمها، 4 أفلام، هي: «باب السما مفتوح» (1988)، و«كيد النسا» (1999) و«خْوانيتا بنت طنجة» (2005) و«حدود وحدود» (2013).
وتختتم فعاليات مهرجان مراكش غداً السبت؛ ويتميز، في دورة هذه السنة بعرض 76 فيلماً من 33 دولة، ضمن فقرات «المسابقة الرسمية»، و«العروض الاحتفالية»، و«العروض الخاصة»، و«القارة الحادية عشرة»، و«بانوراما السينما المغربية»، و«سينما الجمهور الناشئ»، و«عروض ساحة جامع الفنا»، و«التكريمات»، فضلاً عن فقرة خاصة بالحوارات، مع أسماء معروفة في السينما العالمية: نجم بوليوود رانفير سينغ، والممثلة الفرنسية مارينا فويس، والمخرج الفرنسي ليوس كاراكس، والممثلة والمخرجة الفرنسية جولي ديلبي، والمخرجة الفرنسية جوليا دوكورنو، والمخرج والشاعر الأميركي جيم جارموش، والمؤلف الموسيقي الفرنسي - اللبناني غبريال يار، والممثل البريطاني جيريمي أيرونز، والمخرج الإيراني أصغر فرهادي، والمخرج السويدي روبن أوستلوند.


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» في جوائز الأوسكار (4)... مَن سيفوز ومَن سيخسر؟

يوميات الشرق بول توماس أندرسون يدير ليوناردو دي كابريو في «معركة تلو الأخرى» (وورنر)

«الشرق الأوسط» في جوائز الأوسكار (4)... مَن سيفوز ومَن سيخسر؟

حفل الأوسكار يُقام على إيقاع الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ومن المتوقَّع أن تُلقى كلمات حول هذا الموضوع.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق أحمد حلمي انتهى من تصوير فيلم «أضعف خلقه» (حسابه على فيسبوك)

أحمد حلمي يُراهن على «أضعف خلقه» لاستعادة تألقه

انتهى الفنان أحمد حلمي من تصوير أحدث أفلامه «أضعف خلقُه» الذي يُعيده للسينما بعد غياب 4 سنوات.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

قال المخرج النمساوي سيباستيان براميشوبر إن فكرة فيلمه «لندن» لم تبدأ من قصة تقليدية بقدر ما نشأت من ملاحظة بسيطة عاشها بنفسه خلال رحلات طويلة بالسيارة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب) p-circle 02:00

ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

عشية حفل «الأوسكار»، عودة بالزمن إلى أبرز الإنجازات العربية في تاريخ جوائز السينما العالمية. وهل يحقق «صوت هند رجب» إنجازاً رابعاً؟

كريستين حبيب (بيروت)
سينما «خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة.

محمد رُضا (لندن)

في 70 ثانية... لصوص يسرقون مجوهرات بـ1.7 مليون دولار من متجر أميركي (فيديو)

صورة من فيديو يظهر عملية سرقة متجر في شمال كاليفورنيا (وزارة العدل الأميركية)
صورة من فيديو يظهر عملية سرقة متجر في شمال كاليفورنيا (وزارة العدل الأميركية)
TT

في 70 ثانية... لصوص يسرقون مجوهرات بـ1.7 مليون دولار من متجر أميركي (فيديو)

صورة من فيديو يظهر عملية سرقة متجر في شمال كاليفورنيا (وزارة العدل الأميركية)
صورة من فيديو يظهر عملية سرقة متجر في شمال كاليفورنيا (وزارة العدل الأميركية)

قامت عصابة من اللصوص بسرقة مجوهرات بقيمة تقارب 1.7 مليون دولار في غضون 70 ثانية فقط من متجر في شمال كاليفورنيا.

وفي عملية وصفتها السلطات بأنها «سطو مسلح»، اقتحمت مجموعة من السيارات موقف السيارات أمام متجر «كومار للمجوهرات» في فريمونت، قبل أن يقتحم نحو 20 مشتبهاً ملثماً المتجر في هجوم منسق.

نشرت وزارة العدل الأميركية لقطات كاميرات المراقبة التي أظهرت اللصوص مسلحين بفؤوس ومطارق. وسُرق الذهب والماس ومجوهرات أخرى، حيث بلغت قيمة المسروقات أكثر من 3 أرباع معروضات المتجر. واحتجز مسلحان حارس أمن رهينة حتى غادر آخر شخص المتجر، وفق ما أفادت وسائل إعلام أميركية.

ولاذ اللصوص بالفرار إلى سياراتهم، التي انطلقت في اتجاهات مختلفة، مما أجبر رجال الشرطة على اختيار سيارة واحدة وترك الباقي للهرب. ووقع الحادث في يونيو (حزيران) من العام الماضي، ولكن لم يُنشر التسجيل المُصوَّر إلا مؤخراً.

في ملفات المحكمة التي حصلت عليها صحيفة «إيست باي تايمز»، كتب المدعون الفيدراليون: «اضطر الضباط إلى اختيار السيارة التي سيلاحقونها، فواصلوا ملاحقة سيارة أكورا سوداء؛ مما أدى إلى مطاردة عبر مناطق سكنية عدة في فريمونت».

وأضافوا: «خلال المطاردة، تجاوزت سيارة الأكورا السوداء سيارات أخرى من الجانب الخطأ من الطريق، وتجاوزت إشارات التوقف عند تقاطعات عدة، ووصلت سرعتها إلى نحو 130 كيلومتراً في الساعة خلال انحرافها بين المسارات».

بعد حادث تصادم ومطاردة قصيرة سيراً على الأقدام، أُلقي القبض على 4 رجال تتراوح أعمارهم بين 19 و20 عاماً. ولم تحتجز الشرطة أي شخص آخر يُشتبه في تورطه في عملية السطو.

ويعتقد المدعون أن هناك صلة بين عملية السطو في فريمونت وعملية أخرى وقعت بعد 3 أشهر في سان رامون بولاية كاليفورنيا.


نيران حرب إيران تجمّد الفائدة الأميركية... وتنسف مسار التيسير النقدي

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
TT

نيران حرب إيران تجمّد الفائدة الأميركية... وتنسف مسار التيسير النقدي

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

تتأهب الأسواق العالمية لقرار «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء المقبل، في اجتماع يوصف بأنه من بين الأكثر ترقباً منذ سنوات. ففي ظلِّ الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) الماضي، وما نتج عنها من إغلاق فعلي لمضيق هرمز، واضطراب إمدادات الطاقة العالمية، يجد صانعو السياسة النقدية أنفسهم أمام واقع جديد أربك الحسابات السابقة كافة. ومن المتوقع بنسبة تقارب اليقين بـ99 في المائة، أن يبقي البنك المركزي الأميركي على أسعار الفائدة دون تغيير في نطاق 3.5 في المائة إلى 3.75 في المائة، وهي المرة الثانية التي يثبّت فيها الفائدة بعد 3 عمليات خفض متتالية في عام 2025.

هذا التجميد الاضطراري ليس مجرد استراحة تقنية، بل هو انعكاس لمأزق اقتصادي عميق يُعرف بـ«صدمة العرض»، حيث تؤدي الحرب إلى رفع التضخم عبر أسعار الطاقة، وفي الوقت ذاته كبح الإنتاج والنمو، مما يجعل أدوات «الفيدرالي» التقليدية في حالة شلل مؤقت.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يتحدث في مؤتمر صحافي بعد اجتماع لجنة السياسة النقدية (أ.ف.ب)

بين ضغوط الأسعار واهتزاز سوق العمل

يعيش «الاحتياطي الفيدرالي» حالياً حالةً من الحصار بين فكَي «التفويض المزدوج»: الحفاظ على استقرار الأسعار، وضمان أقصى قدر من التوظيف. فبعد أن تراجع التضخم من ذروته البالغة 9.1 في المائة إبان الجائحة، تسببت الحرب في قفزة مفاجئة لأسعار خام برنت لتلامس 120 دولاراً للبرميل، مما يهدِّد برفع التضخم مجدداً. فبينما سجَّل التضخم السنوي 2.4 في المائة في بيانات فبراير، فإن الأسواق تترقَّب انعكاس صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في بيانات مارس (آذار)، مع تحذيرات من أن تؤدي ضغوط أسعار الوقود إلى دفع التضخم مجدداً نحو مستويات تتجاوز مستهدف «الفيدرالي»، البالغ 2 في المائة.

وفي المقابل، أظهرت بيانات فبراير صدمةً في سوق العمل، حيث فقد الاقتصاد الأميركي، بشكل غير متوقع، 92 ألف وظيفة في فبراير الماضي، وارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة. وما يزيد المشهد تعقيداً هو أنَّ البطالة لم ترتفع بشكل حاد حتى الآن فقط بسبب نقص العرض الناتج عن حملة ترمب ضد الهجرة، وليس لقوة الطلب؛ إذ إنَّ معدل التوظيف الفعلي وصل لأدنى مستوياته منذ عقد، مع بدء الشركات في تجميد التوظيف؛ نتيجة «ضريبة اليقين» التي تفرضها الحرب.

ضغوط البيت الأبيض

لا تقتصر الضغوط التي يواجهها جيروم باول على تعقيدات سوق العمل أو قفزات التضخم الناتجة عن الحرب، بل وصلت إلى ذروتها مع اندلاع مواجهة علنية وحادة مع البيت الأبيض. فقد جدَّد الرئيس دونالد ترمب ضغوطه العنيفة هذا الأسبوع، مطالباً «الاحتياطي الفيدرالي» بخفض «حار وحاد» لأسعار الفائدة، وهو ما يقابَل بمقاومة شرسة من قبل مسؤولي البنك المركزي الذين يخشون أن يؤدي التسرع في التيسير النقدي، وسط اشتعال أسعار الطاقة، إلى صب الزيت على نيران التضخم وخروجها عن السيطرة تماماً.

وفي تدوينة نارية على منصته «تروث سوشيال»، شنَّ ترمب هجوماً شخصياً لاذعاً على باول، متسائلاً بسخرية: «أين رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم المتأخر دائماً باول، اليوم؟»، مضيفاً بلهجة حازمة: «يجب عليه خفض أسعار الفائدة فوراً، وليس الانتظار حتى الاجتماع المقبل!».

هذا الهجوم لا يمثل مجرد انتقاد عابر، بل يعكس توتراً بنيوياً يهدد استقلالية «الفيدرالي»، خصوصاً مع اقتراب نهاية ولاية باول في مايو (أيار) المقبل، وتلويح وزارة العدل بملاحقات قانونية ضده، مما يجعل الأسواق في حالة ترقب شديد لكيفية صمود البنك المركزي أمام هذه الإرادة السياسية التي تريد خفض التكاليف بأي ثمن.

مرشح ترمب لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وورش يتحدث في مؤتمر بجامعة ستانفورد (رويترز)

تحول القيادة المرتقب

وسط هذه العواصف السياسية والاقتصادية، تتجه أنظار «وول ستريت» والعواصم المالية العالمية نحو كيفن وورش، البديل الذي اختاره ترمب لخلافة باول بعد انتهاء ولايته في مايو. ويُعرف وورش بميوله الحمائمية وانتقاده العلني لسياسة التشدُّد النقدي، حيث دعا في تصريحاته الأخيرة إلى ضرورة البدء فوراً في خفض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي المتعثر.

ويمثل صعود وورش المحتمل نقطة تحول جوهرية في فلسفة «الاحتياطي الفيدرالي»؛ فبينما يصرُّ الفريق الحالي بقيادة باول على «الحذر والانتظار» حتى التأكد من كبح جماح التضخم، يُنظَر إلى وورش بوصفه قائداً لمرحلة جديدة من التيسير النقدي السريع، تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المقترضين وتحفيز الاستثمار في ظلِّ تراجع أرقام الوظائف الأميركية.

السيناتور الجمهوري توم تيليس يتحدث خلال جلسة استماع في الكابيتول (أ.ب)

ومع ذلك، فإنَّ طريقه نحو المنصب يواجه عقبةً سياسيةً كؤود؛ إذ يقود السيناتور الجمهوري النافذ توم تيليس حراكاً داخل مجلس الشيوخ لعرقلة هذا التعيين. ولا ينطلق اعتراض تيليس من تحفظات تقنية فحسب، بل يأتي احتجاجاً صارخاً على ما وصفه بـ«تسييس» وزارة العدل في ملاحقتها باول، عادّاً أن المساس باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» في هذا التوقيت الحرج يمثل خطراً على الثقة في النظام المالي الأميركي بأكمله.

حقائق

3.5 % - 3.75 %

نطاق سعر الفائدة الأميركية حالياً


مقتل 4 أفراد من عائلة واحدة في الضفة الغربية بنيران الجيش الإسرائيلي

سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز)
سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 4 أفراد من عائلة واحدة في الضفة الغربية بنيران الجيش الإسرائيلي

سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز)
سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز)

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن رجلاً فلسطينياً وزوجته وطفليهما الصغيرين قُتلوا، اليوم (الأحد)، بنيران الجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية المحتلة.

كما ذكر الهلال الأحمر الفلسطيني أن فرقه انتشلت جثث شخصَين بالغين وطفلين من سيارة تعرَّضت لإطلاق نار من القوات الإسرائيلية في بلدة طمون جنوب طوباس.

وقال الجيش الإسرائيلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه يحقِّق في التقارير المرتبطة بالحادثة.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، التي تتخذ في رام الله مقراً في بيان، «وصول 4 شهداء من عائلة واحدة إلى المستشفى التركي الحكومي في طوباس، بعد إطلاق النار عليهم في طمون».

وأضافت أن المستشفى استقبل جثث الرجل البالغ 37 عاماً، والمرأة البالغة 35 عاماً، وطفلين يبلغان 5 و7 أعوام، موضحة أن جميعهم مصابون بأعيرة نارية.

وأفادت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» بأن طفلي الزوجين الآخرين، البالغين 8 و11 عاماً أُصيبا بشظايا الرصاص، مضيفة أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على سيارتهم في وقت مبكر من صباح اليوم (الأحد).

وتحتلُّ إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967. وتَصاعَدَ العنفُ في المنطقة منذ بداية حرب غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

كما تَصَاعَدَ عنف المستوطنين، خصوصاً بعدما سرّعت الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهي من الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، وتيرة التوسُّع الاستيطاني بموافقتها على بناء 54 مستوطنة في عام 2025، وهو رقم قياسي، وفقاً لمنظمة «السلام الآن» الإسرائيلية غير الحكومية المعارِضة للاستيطان، ووفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم يتراجع منسوب العنف رغم اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة منذ العاشر من أكتوبر.

منذ بدء حرب غزة، قُتل أكثر من 1045 فلسطينياً، بعضهم من المقاتلين، في الضفة الغربية على أيدي جنود أو مستوطنين إسرائيليين، وفقاً لإحصاءات «وكالة الصحافة الفرنسية» المستندة إلى بيانات من السلطة الفلسطينية.

وفي الفترة نفسها، قُتل ما لا يقل عن 45 إسرائيلياً، بينهم مدنيون وجنود، في هجمات فلسطينية أو خلال عمليات عسكرية إسرائيلية، وفقاً للبيانات الإسرائيلية الرسمية.