نادية هناوي: الاختلافية هي أساس رؤيتي النقدية

الناقدة العراقية قالت إن أكثر من كاتب وصف مشروعها بالانقلابي وهي مقتنعة بذلك

د. نادية هناوي
د. نادية هناوي
TT

نادية هناوي: الاختلافية هي أساس رؤيتي النقدية

د. نادية هناوي
د. نادية هناوي

خلال مسيرتها النقدية التي نيفت على العقدين، وهما عقدان موّاران بالتطورات والتحولات على صعيد الأدب عامة والنقد خاصة، تعددت مساهمات الناقدة نادية هناوي الإبداعية التطبيقية والنظرية؛ كتباً ودراسات ومقالات ومحاضرات، عبر أهم منصات التواصل الثقافي، وآخرها كتابها «علم السرد ما بعد الكلاسيكي» الذي أثار اهتماماً ملحوظاً، في الأوساط النقدية. وبالمناسبة كان لنا معها هذا الحوار عن هذا الكتاب:

> أثار كتابكِ «علم السرد ما بعد الكلاسيكي» بجزأيه اهتماماً ملحوظاً وكُتبت عنه عدة مقالات... ما السبب في رأيك؟ لأنك وقفت فيه عند مسائل شائكة؟ أم لأن مادته جديدة ومغايرة لما هو مألوف في النقد العربي؟
- لا دوافع سابقة وراء أي دراسة أنشرها أو كتاب أنجزه سوى دافعية البحث عما يضيف إلى المعرفة جديداً، ويفتح آفاقاً تحمل على المغايرة والاختلاف. وهذه الدافعية وليدة في داخلي منذ أن وضعت خطواتي على أعتاب البحث العلمي فكان هو نهجي ومنهجي. ومن يطالع دراساتي ومقالاتي منذ 2001، وإلى اليوم، فسيجد أني لا أكرر نفسي أو أتبع غيري أو أكتفي بما يستورد مترجماً من نظريات ومصطلحات ومناهج أو ما يطرح عربياً من تطبيقات وتحليلات. فأنا أجد أن في أدبنا وتجارب أدبائنا خصوصيات تفرض على نقدنا أن يكون ذا بصمة خاصة، يتأهل بها لأن يملك هويته المميّزة. ولعل خاتمة أطروحتي للدكتوراه التي فيها وضعت تصوراتي للخروج من أزمة نظرية في نقدنا العربي هي أول دليل على ذلك، أما أحدث دليل فهو كتابي «علم السرد ما بعد الكلاسيكي». وكما تفضلت في سؤالك، فإن الكتاب أثار اهتماماً ولاقى جزآه الأول والثاني، ترحيباً من لدن كتّاب عراقيين وعرب، وأنا بصدد إنجاز جزئه الثالث، ولعل البحث سيقودني إلى جزء آخر منه ربما.
> ما بين علم السرد البنيوي وعلم السرد ما بعد الكلاسيكي اختلافات والتقاءات وربما تعارضات، كيف تنظرين إلى هذه المسألة؟ وعلى أي مدرسة نقدية تعتمدين في صياغة رؤاك وتشكيل تصوراتك وآرائك؟
- الاختلافية هي أساس رؤيتي النقدية التي تجعلني أرى السرد علماً ذا تراتبيات تكشف وتستقصي وتستقرئ. وقد نظر النقاد الغربيون إلى معرفية هذه التراتبيات، فعدوها تقليدية (كلاسيكية)، وبعضهم الآخر رآها غير تقليدية فسماها «ما بعد كلاسيكية»، لكن ذلك لا يغير من حقيقة أن هذه التراتبيات بمجموعها هي علمية بكل ما فيها من الأصالة والمغايرة، وبغض النظر عما تتصف به من وضوح أو شائكية. ولا أرى نفعاً في الارتكان إلى تراتبية مدرسية معينة في السرد، لأن علم السرد ـ مثل كل العلوم ــ متغير ومتبدل ومن ثم تظل آفاقه قابلة لأن تتجدد فتضيف إلى سابقها تجديداً. وكل تجديد هو استمرار في التطوير بحثاً عما هو مستحدث من مفاهيم أو اتجاهات أو اشتغالات. ولا شك في أن راهنية علم السرد تفرض على المشتغلين أن يبحثوا نظرياً وإجرائياً عما يسد نقصاً مفاهيمياً هنا، أو يعالج قصوراً اصطلاحياً هناك، أو يقوّم عثرات أصابت بعض مساراته أو تعقيدات أشكلت على دارسيه.
> طرحتِ مشروعاً عن الأقلمة السردية في مساهماتك الأخيرة، لا سيما محاضراتك في عدة منصات، وأثرت بها حواراً مع أكثر من ناقد عربي حوله، ما أهمية موضوعة الأقلمة برأيك؟ وكيف يمكنها أن توفق نقدياً بين الرؤية الفكرية والرؤية الجمالية في قراءة سردنا العربي؟
- للسرد العربي تاريخ بعيد هو تاريخ اللغة العربية نفسه، ومثلما تركت اللغات السامية أثراً مهماً في اللغة العربية كذلك تركت الآداب القديمة السومرية والبابلية أثراً في السرد العربي، فضلاً عن أثرها في آداب الأمم المجاورة. وهذا ما ينبغي أخذه بنظر الاعتبار عند دراسة تاريخ سردنا القديم. وما من سبيل لترسيخ هذه الحقيقة والحفر فيها وكشف خفاياها سوى بالأقلمة التي بالعمل عليها سنضع هذا التاريخ في مكانه اللائق بين السرديات العالمية. ولقد فَهم بعضهم الأقلمة السردية - ولأسباب مختلفة - على أنها مفهوم نقدي أو منهج مقارن وتصورها بعضهم الآخر أنها فرضية غير قابلة للتطبيق وتطلع طوباوي مستحيل.
وليس من سبيل لتطوير واقعنا النقدي ما لم نعتمد أولاً على ما في أدبنا من مخزونات إبداعية وأن نثق بما لدينا من طاقات بحثية آخراً. ولن نخسر شيئاً إن نحن جرّبنا وحاولنا، ثم إن مرحلتنا العولمية انفتاحية وفيها تقوّضت الهرمية وتميّعت، وحلّت محلها منظورات اندماجية، تقتضي منا استثمارها، كي نؤكد خصوصيات تاريخنا الأدبي الشعري والسردي ونبني لنقدنا هوية هي مهمة في ظل عالم كوزموبوليتي فيه الحدود متداخلة والمسافات عابرة بين الآداب. والأدب الذي لا يسعى إلى امتلاك هويته ستضيع خصوصيته في ركب العولمة فلا تعرف لغته ولا تراثه ولن يكون له حاضر يؤسس لمستقبل. ويمكننا في ميدان علم السرد أن نتفاعل مع المنظرين الغربيين مفيدين من كشوفاتهم، وفي الوقت نفسه نمضي معهم كتفاً بكتف في بلورة خصوصياتنا وعندها سنقف على الجديد وقد نكشف ما لم يكشفه أولئك المنظرون بدل أن نتقوقع في مدارسة ما درسوه.
من هنا تكون الأقلمة السردية مشروعاً لا فرضية أو نظرية أو مفهوماً أو منهجاً. وهذا المشروع لا يقوم به فرد أو مؤسسة واحدة، بل هو يتطلب جهداً جماعياً مؤسساتياً ننخرط به في مجاراة ما يشهده عالم النقد اليوم من متغيرات، وفي الآن نفسه الاشتغال على حفظ هويتنا من دون كولونيالية مراكز متفوقة وهوامش اتباعية متدنية، وبعيداً عن التعنصر الشوفيني والانغلاق القومي.
وأقول بأسف إن نقدنا الأدبي ومنذ ثمانينات القرن العشرين وإلى اليوم، ترك مركبه لرياح التبعية تسير به كيف تريد من دون أن تكون له قولته وهذا أمر خطير. واتضحت لي هذه الخطورة مع دعوتي إلى «الأقلمة»، فكان أمر استقبالها باهتاً نقدياً؛ كأن ناقدنا العربي لا يريد الخروج من شرنقة التبعية فلا يقول كفى للاتباعية ناظراً بجدية إلى ما عنده من مميزات، متخلصاً من عقدة الخواجة وبانياً ذاته المعرفية. وما ينبغي أن نعمل عليه نحن النقاد هو الاشتراك مع الآخر الغربي في أروقة درسه فنضيف إليه جديداً مثلما هو يشترك معنا ويضيف إلى أروقة درسنا المستجد والحديث. وهو طريق سار فيه النقاد الصينيون والنقاد الروس حتى في المرحلة السوفياتية وبوريس بورسوف مثالاً.
> على هذا الأساس نحتاج إلى مراجعة جديدة للنقد العربي، ما الذي حاولتِ الإتيان به في تأكيد حاجتنا إلى هذه المراجعة؟
- من يراجع مقالاتي سيجدني حريصة على المراجعة والتأشير على سلبيات النقد العربي الراهن وتحديد آفاته حتى لا سبيل لإصلاح هذه الحال سوى أن نؤمن واثقين من قدراتنا النقدية، وندرك أن لنا اجتهاداتنا التي يمكن لنا أن نتفاعل بها مع الآخر من أجل توسيع الآفاق البحثية، لا أن ننكفئ على ذواتنا مكتفين بما لدينا من منطلقات وقد نهشم مجاذف بعضنا خوفاً من أي جديد نعتقد أنه سيضرنا أو يخطف منا مجهوداتنا أو يفقدنا ما لدينا. وما من آفة تواجه نقدنا الراهن سوى آفة تقزيم بعضنا بأن نتجاهل ما في نقادنا العرب من طاقات، بينما نضع ثقتنا كاملة في الغربيين متحيزين لهم ومنحازين إليهم.
> في الجزء الثاني من كتابك «علم السرد ما بعد الكلاسيكي» تناولت نظرية السرد غير الواقعي... فهل ثمة فرق بينه وبين «السرد العجائبي»؟
- لا علاقة للسرد غير الواقعي بأي صورة من صور المذهب الواقعي، ومنها العجائبية التي وضع تودوروف فيها تنظيرات مهمة. وإذا كان السرد العجائبي يتخيّل الواقعي من أجل تصعيد الواقع، فإن السرد غير الواقعي يتخيل ما لا واقع له كي يكون واقعياً، أي أنه لا يريد أن يغير الواقع ولا أن يعيد صنعه، بل هو يصنع واقعاً لا خطوط محددة فيه وما من محاكاة أو انعكاس.
أنا لم أخترع نظرية السرد غير الواقعي أو كان اقتراحها جزافاً، بل هي جاءت على خلفية ما في مروياتنا السردية القديمة من تقاليد عليها تأسست أرضية السرد الواقعي. وبالطبع أفدت كثيراً في ذلك من آخر الأبحاث والدراسات حول السرد ما بعد الكلاسيكي والسرد غير الطبيعي.
> تجربتكِ النقدية شمولية بمعنى أنها تهتم بمختلف الأجناس الادبية سرداً وشعراً وترود ميادين مجاورة كالاجتماع والسياسة والتاريخ والفلسفة، كيف أفاد هذا الشمول مشروع نادية هناوي النقدي؟ وهل لديك اهتمامات أخرى تتعلق بالحياة العربية والقضايا العربية الأساسية فيها؟
- وَصَف أكثر من كاتب مشروعي النقدي بالانقلابي وأنا مقتنعة بهذا الوصف، وأجد أن لا مشروع يوصف بأنه انقلابي إلا إذا كان مختلفاً. ولعل مرد هذا الاختلاف هو في اجتراحاتي النظرية وما دشنته من نظريات وما دخلت فيه من سجالات مع النقاد، فضلاً عن تواصلي البحثي الذي فيه أحرص كثيراً على الاستقلالية والابتعاد عن التكتل والأدلجة والانغلاق. وأرى أن الناقد العربي اليوم يواجه تحديات معرفية كثيرة، وأولها أن تكون له لغة خاصة وبأدوات كافية تعطيه قدرة على مجاورة العلوم والمداخلة بين التخصصات، ومن هنا كانت أبحاثي في مجال النسوية وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة والميثولوجيا وغيرها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended