مقهى ثقافي مجاني وصالون أدبي {باذخ» في قلب العاصمة المنكوبة

خيرات الزين ونوال الحوار تعصمان بيروت من التصحر

جانب من الحضور في إحدى الفعاليات
جانب من الحضور في إحدى الفعاليات
TT

مقهى ثقافي مجاني وصالون أدبي {باذخ» في قلب العاصمة المنكوبة

جانب من الحضور في إحدى الفعاليات
جانب من الحضور في إحدى الفعاليات

الذين نظروا إلى المدن بوصفها نساء متنكرات، أو حالة من حالات الأنوثة الكونية، لم يكونوا مخطئين تماماً، ولم يجافوا الحقيقة بشيء، إذا ما اعتبرنا هذه الأخيرة حالة من حالات المجاز؛ ذلك لأن المدن كالنساء، لكلّ روحها ومذاقها وعطرها وطابعها الخاص. كما أن بينها الجميلة والدافئة والمغوية والطافحة بالحيوية، وبينها القبيحة والسقيمة والبليدة والباعثة على الضجر. وكما هو حال النساء أيضاً، فإن لكل مدينة مفاتيحها وشفراتها المتباينة غموضاً ووضوحاً، سهولةً وتمنعاً، بحيث يبدو بعضها متاحاً لكل عابر سبيل، وبعضها الآخر مستتراً وراء طبقات كثيفة من الأحجيات. كما أن بين المدن من تشبهن الحبيبات اللواتي يأسرننا من النظرة الأولى، ولا يطال سحرهن الذبول، وبينهن من تشبهن العشيقات العابرات اللواتي نقع في شباك إغوائهن لفترة قصيرة، قبل أن تؤول أصباغهن الزائفة إلى التحلل، وبينهن اللواتي تحدبن على الزائر والنزيل حدب الأمهات على أطفالهن.
والواقع أن بيروت هي من بين المدن القليلة التي استطاعت أن توائم عبر الزمن بين كل هذه الوجوه مجتمعة، وأن تشكل خليطاً نادر الحدوث من المدينة العشيقة والمدينة الأم، وأن تكون مزيجاً موازياً من المدينة الريفية والمدينة المعولمة. ولعل نظرة متفحصة إلى واقع العاصمة المتوسطية تُظهر أن جانبيها: الريفي والمعولم يتداخلان في غير زاوية من الزوايا، بحيث إن ألفة العيش والحفاظ على التقاليد الموروثة، المتأتيين من مصدر ريفي، وبخاصة في فترات السلم الأهلي، لا يلغيان الجانب المعولم من المدينة، الذي تعكسه رحابتها الإنسانية وتنوعها الثقافي وانفتاحها على الآخر، بقدر ما تعكسه شرفاتها المطلة على الخارج، ومقاهي رصيفها التي تتقاسم مع الشوارع قوة الحياة وبهجتها وديناميتها المتجددة. كما أن هذين الوجهين للمدينة قد أسهما في نشوء ظاهرة الحانات الثقافية ذات المناحي الاستثمارية المتصلة باقتصاد الثقافة من جهة، كما أنتجا الصالونات الأدبية المنزلية و«غير الربحية» من جهة أخرى.
على أن الهدوء والرخاء النسبيين اللذين نعمت بهما المدينة في العقدين التاليين للحرب، ما لبثا أن أخليا مكانيهما للتوترات السياسية والأهلية، كما للانهيار الاقتصادي التدريجي الذي زاد من تفاقمه فساد السلطات المتعاقبة، ووباء الـ«كورونا» والانفجار الزلزالي لمرفأ المدينة.
وفي حين بدأت الحانات الثقافية بالإقفال واحدة تلو الأخرى، إثر عجز مستثمريها من المثقفين عن دفع أكلافها الباهظة، كما كان حال «جدل بيزنطي» و«شبابيك» و«دينامو» و«زوايا» وغيرها، فإن معظم الصالونات الثقافية المنزلية قد آلت بدورها إلى الإقفال، كنتيجة حتمية لانهيار الطبقة الوسطى وعجز أصحابها عن القيام بموجبات الضيافة، كما تقتضي التقاليد اللبنانية. أما ثالثة الأثافي فقد تمثلت بإعلان النادي الثقافي العربي قبل سنوات أربع عن تعذر الاستمرار في إقامة معرض بيروت للكتاب، ليس فقط بفعل الاستشراء المتعاظم لوباء الـ«كورونا»، بل بفعل الانهيار الاقتصادي الكارثي الذي تآكلت بسببه رواتب اللبنانيين ومداخيلهم.
وسط هذا الوضع الخانق للعاصمة اللبنانية، ارتأت الفنانة التشكيلية اللبنانية خيرات الزين أن تحول المبنى الذي تملكه في رأس بيروت إلى مجمع سكني لإقامة العديد من الإعلاميين والكتاب والنخب المثقفة، بعد أن قررت تقاضي بدلات إيجار منخفضة تتناسب مع الوضع المعيشي المتدهور لهذه النخب. وحين بدأت مقاهي الرصيف في شارع الحمراء ترفع أسعارها بشكل تصاعدي، وآثر الكثير من الكتاب النزوح إلى المقاهي ومداخل الحوانيت والزوايا الأقل كلفة الموزعة بين متفرعات الشارع، لم تتوان الزين عن إخلاء الطابق الأرضي من المبنى الذي تملكه، والمقابل لقصر الحريري المقفل، من مستأجريه، وتحويله إلى مقهى مجاني لأصدقائها الكثر من المثقفين والمشتغلين بالكتابة.


نوال الحوار في صالونها الأدبي - خيرات الزين في المقهى الخاص بها

والواقع أن خيرات الزين منذ مغادرتها الجنوب اللبناني متجهة إلى بيروت قبل عقود من الزمن، لم تتأخر في ترك بصمتها الخاصة على مستويين اثنين؛ المستوى إلا بداعي الذي عبرت عنه من خلال لوحاتها الفنية التي تتأرجح بين الأسلوبين الواقعي والتعبيري، والمستوى الشخصي والإنساني الذي ترفده بالألفة عيناها المشعتان ببريق أمومي وابتسامتها النديّة التي توزعها بالتساوي على الحاضرين. والزين التي أقامت عبر مسيرتها الفنية عدداً من المعارض الفردية والجماعية، ما لبثت أن توجت مسيرتها التشكيلية بكتاب «منام الماء» الذي عملت من خلاله على «تأنيث» الحرف العربي المنحني كالأهلّة على ماضيه الجنيني من جهة، وعلى اجتراح سردياتٍ للحروف مشتقةٍ من ترجيعاتها المحسوسة والمتخيلة، من جهة أخرى.
ومع أن أكثر المترددين إلى «مضافة» خيرات المظللة بالأشجار المعمرة، والغارقة منذ سنوات في هدوئها الدهري، كانوا يحسبون أن بادرتها تلك، لا تعدو كونها حالة مؤقتة، وأن الأمور لن تلبث أن تتغير بعد حين، ليتم إدخال المقهى في دورة الاستثمار التقليدي للأماكن المدينية، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل راح مثقفون جدد يتقاطرون إلى المكان، خاصة أن الفنانة ذات الابتسامة الدائمة، رفعت منسوب الضيافة، لتشمل إلى القهوة والشاي والمشروبات الساخنة، ضروباً متنوعة من الفاكهة والعصائر والحلوى. وفي وقت لاحق تحول المقهى وفناؤه الخارجي، إلى فضاء ثقافي يومي تُعلق اللوحات على جدرانه، وتقام فيه المعارض والندوات وحلقات الحوار، وتناقش الإصدارات الجديدة بمختلف عناوينها وأشكالها. ومن بين الأنشطة التي أطلقتها الزين في مقهاها الثقافي، توقيع الشاعر اللبناني محمد حمود لديوانه «رماد العمر»، ورشيد الضعيف لروايته «الوجه الآخر للظل»، والكاتب يحيى حمود لروايته «رحيل»، وإقامة معرضين تشكيليين لكل من الفنانين عمران القيسي وعبد المولى العويني، إضافة إلى اللقاء الحاشد الذي استضافه المقهى تكريماً للشاعر الراحل حسن عبد الله.
أما نوال الحوار التي وصلت إلى بيروت بهدف الدراسة، قادمة من القامشلي في منتصف تسعينات القرن المنصرم، ومتحدرةً من قبيلة طي الشهيرة، فقد بدت لحظة دخولها مقهى الكافي دو باري في الحمراء، بعباءتها المقصبة وسمرتها الجذابة وشعرها الأسود المنسدل على كتفيها، واحدة من أميرات بادية الشام اللواتي عملت مواطنتها الكاتبة لينا هويان الحسن على تظهير سيَرهن المشوقة، في رائعتها الروائية «سلطانات الرمل». على أن الحوار لم تكن لترضى بأن يشكل الجمال وحده بطاقة انتسابها إلى المدينة الخارجة للتو من حربها الأهلية الدامية، فحرصت على رفد موهبتها الشعرية بما يلزمها من أسباب التطور والنماء، مصدرة مجموعات شعرية عدة، من بينها «القطا في مهب العطش» و«تغريبة الغزالة»، كما عملت في مجال الإعلام المرئي، مقدمةً العديد من البرامج الثقافية المميزة.
ومنذ عام ونصف عام تقريباً، عقدت الحوار العزم على تحويل المنزل الذي تمتلكه في محلة رأس النبع، إلى صالون ثقافي سمته «صالون 15»، مشيرة بذلك إلى عدد الأشخاص الذين يمكن استيعابهم في ردهة الاستقبال، ومتجنبة الحرج الذي يسببه لها بعض الملحين على الحضور. ومع أن صاحبة «قهوة المساء» لم تكف عن استقبال أعداد إضافية من الكتاب، والكاتبات على نحو خاص، بقدر كبير من الحفاوة والمرح وكرم الضيافة، إلا أن هذه الأعداد لم تكف عن التزايد، خاصة أن الندوات المقامة تكون متبوعة في العادة بأطباق شهية من الأطعمة، وبأخرى مماثلة من الفاكهة والحلوى. كما أن أنشطة الصالون لم تقتصر على المحاضرات والأمسيات التي أحياها عدد من المفكرين والشعراء والكتاب العرب، من أمثال عبد الحسين شعبان وحسن عبد الحميد وسهيل زافارو وفارس حرام وسامي كليب وفيصل جلول ونصري الصايغ وحسان الحديثي وجميلة حسين وليندا نصار ولوركا سبيتي ويسرى بيطار وحنان فرفور وأسيل سقلاوي وخليل حمادة، بل كثيراً ما تخللت الأنشطة المعقودة أو تبعتها فواصل غنائية وموسيقية وترفيهية، وفقاً لمقتضيات السهرات وطبيعتها والمشاركين فيها.
وإذ تنبغي الإشارة أخيراً إلى أن نفحة من الحياة بدأت منذ أشهر بالسريان في أوصال المدينة المنهكة، سواء من خلال عودة معرض بيروت الدولي للكتاب إلى فتح أبوابه بعد أربع سنوات من الإغلاق، أو عبر مزاولة بعض الصالونات والمنتديات الثقافية لأنشطتها السابقة، أو مواظبة «مسرح المدينة» على تقديم عروضه، فإن ما تبذله الرسامة الزين والشاعرة الحوار من جهود شخصية حثيثة لوصل المدينة ببعض وهجها القديم، هو أمر يستحق التقدير والمؤازرة، في زمن الخيبات المتلاحقة والانهيارات الكبرى والتصحر الثقافي والروحي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بعد تصرفه بعدوانية... وفاة راكب قُيّد داخل طائرة متجهة إلى بريطانيا

طائرة تستعد للهبوط في أحد المطارات (رويترز)
طائرة تستعد للهبوط في أحد المطارات (رويترز)
TT

بعد تصرفه بعدوانية... وفاة راكب قُيّد داخل طائرة متجهة إلى بريطانيا

طائرة تستعد للهبوط في أحد المطارات (رويترز)
طائرة تستعد للهبوط في أحد المطارات (رويترز)

فتحت السلطات البريطانية تحقيقاً في وفاة رجل أُخضع للتقييد على متن رحلة جوية قادمة من قبرص إلى المملكة المتحدة، بعد اتهامه بالتصرف بعدوانية والاعتداء على أحد الركاب وأحد أفراد طاقم الطائرة. وتأتي التحقيقات في وقت تسعى فيه الجهات المختصة إلى تحديد ملابسات الحادث، ودور كل من الركاب والشرطة في التعامل معه، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وقال متحدث باسم شرطة مانشستر الكبرى إن كالوم كير، البالغ من العمر 35 عاماً، كان قد قُيّد من قبل عدد من الركاب وأفراد طاقم الطائرة على متن رحلة متجهة من مدينة لارنكا القبرصية إلى مانشستر.

وأوضحت الشرطة أنها تلقت بلاغاً في نحو الساعة 2:25 من صباح يوم الاثنين، يفيد بأن أحد الركاب كان يتصرف بعدوانية على متن الطائرة، واعتدى على أحد الركاب وأحد أفراد طاقم الضيافة.

وأضاف المتحدث: «صعد الضباط إلى الطائرة فور وصولها، وعثروا على الرجل في مؤخرة الطائرة، حيث كان مقيداً من قبل الركاب وطاقم الطائرة».

وتابع: «قام الضباط باستخدام الأصفاد لتقييده، وسرعان ما تبين أنه فاقد للوعي، فبادروا إلى تقديم الإسعافات الأولية، وبدأوا بإجراء الإنعاش القلبي الرئوي».

وأعلنت الشرطة أن كير توفي في المستشفى يوم الثلاثاء، بعد نقله لتلقي العلاج.

وفي بيان، قالت عائلة كير: «كان كالوم رجلاً محباً لعائلته، وأباً لثلاثة أطفال صغار رائعين، وعاشقاً للرياضة، وصاحب قلب طيب».

وأحالت شرطة مانشستر الكبرى القضية، وفق الإجراءات الإلزامية، إلى المكتب المستقل لسلوك الشرطة (IOPC)، نظراً إلى أن أفراد الشرطة تعاملوا مع كير قبل وفاته.

وفي الوقت ذاته، يواصل محققو شرطة مانشستر الكبرى تحقيقاً منفصلاً للوقوف على ملابسات ما جرى على متن الطائرة قبل وصول الضباط إلى موقع الحادث.

وقال رئيس المفتشين مايك ألين: «أدرك أن العديد من ركاب الطائرة شهدوا أعمال العنف والاضطراب التي سبقت وصول الضباط. ونعلم أن الركاب وطاقم الطائرة عملوا على احتجاز الرجل بهدف إنهاء الحادث. ويواصل محققونا العمل لفهم جميع ملابسات الواقعة بشكل كامل».

من جانبها، قالت مديرة التواصل في المكتب المستقل لسلوك الشرطة، أماندا رو، إن المحققين راجعوا الأدلة المتاحة، بما في ذلك تسجيلات الكاميرات المثبتة على أجساد رجال الشرطة، مؤكدة أن الضباط يُعاملون في هذه المرحلة بوصفهم شهوداً، وليسوا محل تحقيق بشأن سلوكهم.

وأضافت: «سيركز تحقيقنا على تصرفات الشرطة، بينما تُجري شرطة مانشستر الكبرى تحقيقاً منفصلاً بشأن تصرفات أفراد الجمهور الذين شاركوا في احتجاز الرجل. وقد تواصلنا مع عائلة السيد كير لشرح دورنا في التحقيق، وسنواصل إطلاعهم، إلى جانب شرطة مانشستر الكبرى، على آخر مستجدات القضية».


من محمد علي كلاي إلى جيانكارلو إسبوزيتو... مشاهير أجانب اعتنقوا الإسلام

TT

من محمد علي كلاي إلى جيانكارلو إسبوزيتو... مشاهير أجانب اعتنقوا الإسلام

مجموعة من نجوم الفن والرياضة الذين اعتنقوا الإسلام (أ.ف.ب/ نتفليكس/ إنستغرام/ إكس)
مجموعة من نجوم الفن والرياضة الذين اعتنقوا الإسلام (أ.ف.ب/ نتفليكس/ إنستغرام/ إكس)

تأثّر الممثل والمخرج الأميركي جيانكارلو إسبوزيتو بما لاقاه من معاملة إنسانية وأخلاقية خلال تصويره فيلم «7 Dogs» في الرياض. لم يتوقّف أثرُ حُسنِ معاملة زملائه له عند حدود الراحة والامتنان، بل تخطّاه بأشواط. فوفق الفيديو الذي نشره معالي المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه السعودية، صلّى إسبوزيتو (68 سنة) في المسجد ونطق بالشهادتين، «بعد ارتياحه في التعامل مع المسلمين أثناء التصوير في المملكة العربية السعودية».

ليس نجم مسلسل «Breaking Bad» أول مشاهير الغرب الذين يُشهِرون إسلامهم، فالتاريخ حافلٌ بالأسماء اللامعة من ممثلين وموسيقيين ورياضيين، بدءاً بمحمد علي «كلاي» وصولاً إلى إسبوزيتو الذي تلقّى تربية كاثوليكية وفكّر في أحد أيام شبابه بأن يصبح كاهناً.

الممثل والمخرج الأميركي جيانكارلو إسبوزيتو في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (إنستغرام)

ديف شابيل ومياه زمزم

ديف شابيل، الرجل الذي يقف أمامه الآلاف منتظرين نُكاته وحكاياته الطريفة، وقف في سن الـ17 مذهولاً أمام موظف في مطعم بيتزا. عام 2020، وفي لقاءٍ مع الإعلامي الأميركي المخضرم ديفيد ليترمان، أخبر الممثل الكوميدي الأميركي قصة اعتناقه الإسلام.

في المطعم مقابل بيته في واشنطن، كان أحد العمّال مسلماً وشغوفاً بدينِه. بينه وبين شابيل دارت أحاديث عن الأخلاق والإنسان والروحانيات. على أثر تلك الأحاديث التي حفرت عميقاً فيه، اختار شابيل الإسلام ديانةً وهو على مشارف سنّ الرشد.

كبر شابيل ملتزماً الشعائر الدينية الإسلامية، ومن بينها على وجه التحديد علاقة وثيقة مع مياه زمزم. وفي حوار مع مجلة «تايم»، وصف زيارته لبئر زمزم في مكّة المكرّمة، مشيراً إلى أنّ تلك المياه المباركة هي مصدر راحة بالنسبة إليه. يؤمن شابيل (52 سنة) بأنّ ديانته تساعده في عمله، وهو أطلق على أولاده أسماء إبراهيم، وسليمان، وسناء.

يوم صار كات ستيفنز «يوسف إسلام»

وُلد المغنّي كات ستيفنز في لندن عام 1948 لأبٍ قبرصي من الطائفة الأرثوذكسية وأمٍ سويدية معمدانيّة. تلقّى دراسته في مدرسة كاثوليكية، ثم اختار الموسيقى طريقاً.

خلال إجازةٍ له في المغرب في السبعينات، اكتشف ستيفنز صوت الأذان ما أثار فضوله. لكن كان يجب انتظار بضع سنوات، ليتأكّد من النداء. ففي عام 1976 وبينما كان يسبح على أحد شواطئ ماليبو في الولايات المتحدة الأميركية، تعرّض لحادث غرق. يخبر أنه ناجى ربّه في تلك اللحظة قائلاً: «يا الله إذا أنقذتني سوف أعمل من أجلك».

بعد نجاته من الغرق، تلقّى ستيفنز نسخة من القرآن هديةً من شقيقه. يخبر أنه انجذب إلى محتواه، وقد شكّلت قراءته الكتاب الكريم نقطة تحوّل قرر على أثرها إشهار إسلامه. اختار ستيفنز اسمَ «يوسف إسلام» تيمّناً بالنبي يوسف، ووضع حداً لمسيرته في مجال موسيقى البوب متّجهاً نحو الأغاني الإنسانية والروحية. أما أرباحُ أعماله فيخصّصها لأنشطة خيرية على رأسها تقديم التعليم المجاني لمئات الأطفال المسلمين غير المَحظيّين.

شنيد أوكونور ارتدت الحجاب

تبقى شنيد أوكونور من بين أشهر المغنّين الذين اختاروا الإسلام ديانةً بعد رحلةٍ روحيةٍ عاصفة أخذتها عام 1999 إلى الكهنوت، حيث اختارت اسم «الأمّ برناديت ماري».

لكن عام 2018، وفي الـ52 من عمرها، أشهرت المغنية الآيرلندية الراحلة إسلامها. ارتدت أوكونور الحجاب خلال مراسم ترأسها عالم الشريعة الشيخ عمر القادري واعتمدت اسم «شهداء صدقات».

الأخ جاكسون عاد من البحرين مسلماً

بعد رحلةٍ قام بها إلى البحرين عام 1989، تأثّر المغنّي الأميركي وشقيق الفنان مايكل جاكسون، جرمين، بما رآه من تقوى لدى أبناء البلد ومدى تعلّقهم بديانتهم. ورغم أنه تربّى في عائلةٍ كلُ أفرادها من أتباع «شهود يهوه»، فإنه قرر على أثر تلك الرحلة أن يعتنق الإسلام تحت اسم محمد عبد العزيز شريف.

واصل جاكسون مشواره الموسيقي مستخدماً اسمَه الأصلي، وهو لطالما كرّر أنّ الإسلام منحه السلام، والتواضع والاهتداء.

جرمين جاكسون اختار الإسلام ديانةً بعد رحلة قام بها إلى البحرين عام 1989 (رويترز)

كاسيوس ماريلوس محمد علي كلاي

في الرياضة كما في الفن، تتعدّد الأمثلة كذلك عن نجومٍ في مجالاتهم اعتنقوا الإسلام. ولعلّ أبرز من انتشرت حكايته في هذا الإطار، هو الملاكم الأسطوري محمد علي المولود كاسيوس مارسيلوس كلاي في الولايات المتحدة الأميركية عام 1942.

خلال طفولته التي كان فيها ضحية للعنصرية، درس كلاي في مدرسةٍ مسيحية معمدانية، ثم جرى تعميدُه في سن الـ12. بعد 5 سنوات تعرّف إلى مجموعة أميركية عُرفت بـ«أمة الإسلام» (Nation of Islam). التزم حضور اجتماعاتها حيث التقى المناضل الحقوقي والوزير المسلم مالكولم إكس، الذي أصبح مُرشدَه الروحي والسياسي، إلى جانب مجموعة أخرى من العلماء المسلمين الذين واكبوه طيلة حياته.

محمد علي كلاي مؤدياً الصلاة في أحد مساجد القاهرة عام 1986 (أ.ف.ب)

لم يتأخر كلاي في اعتناق الإسلام هو الآخر متّخذاً اسم محمد علي. ردّد أنّ أكثر ما جذبه إلى تلك الديانة هي رسالة العدالة والمساواة التي تحملها. وقد كرّس التزامه الديني برحلتَي حجّ قام بهما إلى مكّة المكرّمة عامَي 1972 و1988.

محمد علي مصلياً في السودان عام 1988 (ويكيبيديا)

مايك تايسون مسلمٌ أيضاً

ملاكمٌ آخر سار على خُطى محمد علي هو مايك تايسون، الذي أشهرَ إسلامه عام 1992 في الـ26 من عمره. وفق الرواية المتداولة، فقد حدث ذلك أثناء أدائه عقوبة سجن في ولاية إنديانا، حيث اتّخذ اسم مالك عبد العزيز. أما سبب قراره ذاك فكان تأثّرَه بقراءة مذكّرات مالكولم إكس.

لم يقرّ تايسون يوماً بتلك الرواية مصرّاً على أنّ إشهاره الإسلام جاء قبل السجن، إلّا أنه أرجَعَ الفضل إلى تعاليم الإسلام في منحه السلام والنظام والبوصلة الأخلاقية التي كان يحتاجها من أجل تغيير حياته.

الملاكم مايك تايسون مؤدياً مناسك العمرة عام 2022 برفقة دي جاي خالد (إنستغرام)

عبد الجبّار وأنيلكا

من بين الرياضيين الذين اعتنقوا الإسلام كذلك، نجم كرة السلة في السبعينات كريم عبد الجبّار المولود فرديناند لويس ألسيندور. عام 1968، في الـ24 من عمره، نطق عبد الجبار بالشهادتَين هو الذي تربّى في المدرسة والكنيسة الكاثوليكيتَين.

مثلُه فعل لاعب كرة القدم الفرنسي نيكولا أنيلكا الذي اعتمد اسم عبد السلام بلال عام 2004، مبقياً على اسمه الأصلي في المهنة. ومنذ الطفولة، تأثّر أنيلكا بالديانة الإسلامية التي تعرّف عليها من خلال صديقَي الطفولة في باريس الممثلَين عمر سي وجمال دبوز.


لماذا يُعد شادي عبد السلام أحد رموز السينما المصرية رغم قلة أعماله؟

المخرج المصري الراحل شادي عبد السلام (وزارة الثقافة المصرية)
المخرج المصري الراحل شادي عبد السلام (وزارة الثقافة المصرية)
TT

لماذا يُعد شادي عبد السلام أحد رموز السينما المصرية رغم قلة أعماله؟

المخرج المصري الراحل شادي عبد السلام (وزارة الثقافة المصرية)
المخرج المصري الراحل شادي عبد السلام (وزارة الثقافة المصرية)

بعد 40 عاماً من رحيل المخرج المصري شادي عبد السلام، لا تزال أفلامه رغم قلة عددها تثير اهتماماً لافتاً في مصر، ودول العالم، فقد حازت أعماله قيمة كبيرة كسينمائي جمع بين مواهب عدة في تصميم الملابس، والديكور، والرسم، وكمخرج يعد أحد رموز السينما المصرية، وقد عكست أعماله شغفه بالحضارة المصرية القديمة، وتصدر فيلمه الروائي الطويل «المومياء» قائمة أفضل 10 أفلام عربية بمهرجان دبي السينمائي، كما اختاره الناقد الفرنسي جورج سادول ضمن أفضل 10 أفلام عالمية.

وشهد المسرح الصغير بدار الأوبرا مساء الأربعاء عرض ثلاثية شادي عبد السلام «الطريق إلى الله» التي تُعد آخر أعماله، وقد توفي قبل استكمالها، وبعدما صور نحو 75 دقيقة منها، وقام صديقه المخرج والباحث السينمائي د.مجدي عبد الرحمن باستكمالها، مستنداً إلى مرافقته له، ومستعيناً بأوراق خطها المخرج الراحل ضمت 129 صفحة لأفكار أولية، ومعالجات، ومسودات تفصيلية لمشاهد الأفلام، وامتلأ المسرح الصغير عن آخره بحضور جماهيري واسع إلى جانب عدد كبير من صناع الأفلام، وتلاميذ المخرج الراحل، ومن بينهم المونتيرة رحمة منتصر التي نفذت مونتاج أغلب أعمال شادي عبد السلام.

مناقشة ثلاثية شادي عبد السلام بدار الأوبرا المصرية (وزارة الثقافة المصرية)

تضم ثلاثية شادي عبد السلام الأخيرة 3 أفلام تسجيلية قصيرة، الأول بعنوان «الحصن»، والثاني بعنوان «الدندراوية»، وكانا ضمن مشروع بدأه المخرج الراحل منتصف السبعينات لوصف مصر القديمة سينمائياً، وتدور فكرتهما حول سعي الإنسان المصري لفهم الحياة بشكل صحيح من خلال صلته الدائمة بالله، وقد تم تصوير «الحصن» بمعبد إدفو بمحافظة أسوان (جنوب مصر)، وفي «الدندراوية» صور شادي حلقات الذكر، والمديح، رابطاً بين طقوس المصري القديم -التي تعكسها المخطوطات، والآثار- والإنسان المعاصر، فيما جاء الفيلم القصير الثالث بعنوان «مأساة البيت الكبير» متضمناً مشاهد قام المخرج الراحل بتصويرها تتعلق بمشروع فيلمه «إخناتون» الذي رحل قبل أن ينجزه.

وعَد الناقد أحمد سعد الدين المخرج شادي عبد السلام من أهم المواهب التي ظهرت في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «شادي كان فناناً متكاملاً، فهو مهندس ديكور، ومصمم أزياء، ومخرج، وقد آمن بموهبته وزير الثقافة في عهده د.ثروت عكاشة، وأقام المركز التجريبي للأفلام السينمائية، وعهد إلى شادي برئاسته، ويلفت سعد الدين إلى أنه رغم قلة أفلام شادي، لكنها حققت بصمة قوية، ومهمة كأحد حراس التاريخ المصري».

الملصق الدعائي لفيلم «المومياء» (وزارة الثقافة المصرية)

ورحل شادي عبد السلام في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 1986 عن 56 عاماً، ورغم قلة أعماله، حيث أخرج فيلماً روائياً طويلاً «المومياء... يوم أن تحصى السنين» 1969 من بطولة أحمد مرعي، ونادية لطفي، كما أخرج 6 أفلام قصيرة من بينها «شكاوى الفلاح الفصيح» 1970، «جيوش الشمس» 1974، «كرسي توت عنخ آمون الذهبي» 1982، «الأهرامات، وما قبلها» 1984، «رع... مسيس الثاني».

ورأى المخرج سعد هنداوي أن شادي عبد السلام يظل حالة متفردة في تاريخ السينما، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن عبد السلام عمل في كل شيء بالسينما، كما أن ثقافته بالتاريخ والحضارة المصرية القديمة جعلته يتجه طول الوقت إليها لينهل منها في أفلامه، مشيراً إلى أن «فيلم (المومياء) الذي أنتجته الدولة هو الفيلم الوحيد الذي لا يزال يحقق دخلاً، حيث تعرضه مهرجانات عالمية، كما أنه الفيلم الوحيد الذي طلب المخرج مارتن سكورسيزي ترميمه من خلال مؤسسته الخاصة، وقد تم اختيار (المومياء) أيضاً بإجماع نقاد مصريين وعرب وأجانب ليكون الفيلم رقم 1 في قائمة أفضل 10 أفلام عربية في استفتاء أقامه مهرجان دبي السينمائي قبل سنوات».

ولفت هنداوي إلى أنه سعى لترميم فيلم المخرج الراحل «كرسي توت عنخ آمون» خلال رئاسته للدورة الـ23 بمهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية، وقد تم تحويله لنسخة رقمية في باريس بمساهمة وزارة السياحة والآثار المصرية.

ملصق عرض ثلاثية أفلام «الطريق إلى الله» (وزارة الثقافة المصرية)

ووصفت الناقدة صفاء الليثي المخرج شادي عبد السلام بأنه كان مخرجاً استثنائياً، لأن لديه مشروعاً متكاملاً في أفلامه -سواء الروائية أو الوثائقية- وأنه قدم أفلاماً قليلة، لكنها كانت شديدة التأثير محلياً وعالمياً، مشيرة إلى أن فيلمه «شكاوى الفلاح الفصيح» يعد عملاً نادراً في تاريخ مصر وثقافتها، فقد كان يبحث دائماً في أفلامه عن شكل له علاقة بهوية مصر القديمة، وأفكار تتعلق بأهمية تحقيق العدل، وقد جمع بين الشكل الفني المتميز والمضمون الهادف.