مقهى ثقافي مجاني وصالون أدبي {باذخ» في قلب العاصمة المنكوبة

خيرات الزين ونوال الحوار تعصمان بيروت من التصحر

جانب من الحضور في إحدى الفعاليات
جانب من الحضور في إحدى الفعاليات
TT

مقهى ثقافي مجاني وصالون أدبي {باذخ» في قلب العاصمة المنكوبة

جانب من الحضور في إحدى الفعاليات
جانب من الحضور في إحدى الفعاليات

الذين نظروا إلى المدن بوصفها نساء متنكرات، أو حالة من حالات الأنوثة الكونية، لم يكونوا مخطئين تماماً، ولم يجافوا الحقيقة بشيء، إذا ما اعتبرنا هذه الأخيرة حالة من حالات المجاز؛ ذلك لأن المدن كالنساء، لكلّ روحها ومذاقها وعطرها وطابعها الخاص. كما أن بينها الجميلة والدافئة والمغوية والطافحة بالحيوية، وبينها القبيحة والسقيمة والبليدة والباعثة على الضجر. وكما هو حال النساء أيضاً، فإن لكل مدينة مفاتيحها وشفراتها المتباينة غموضاً ووضوحاً، سهولةً وتمنعاً، بحيث يبدو بعضها متاحاً لكل عابر سبيل، وبعضها الآخر مستتراً وراء طبقات كثيفة من الأحجيات. كما أن بين المدن من تشبهن الحبيبات اللواتي يأسرننا من النظرة الأولى، ولا يطال سحرهن الذبول، وبينهن من تشبهن العشيقات العابرات اللواتي نقع في شباك إغوائهن لفترة قصيرة، قبل أن تؤول أصباغهن الزائفة إلى التحلل، وبينهن اللواتي تحدبن على الزائر والنزيل حدب الأمهات على أطفالهن.
والواقع أن بيروت هي من بين المدن القليلة التي استطاعت أن توائم عبر الزمن بين كل هذه الوجوه مجتمعة، وأن تشكل خليطاً نادر الحدوث من المدينة العشيقة والمدينة الأم، وأن تكون مزيجاً موازياً من المدينة الريفية والمدينة المعولمة. ولعل نظرة متفحصة إلى واقع العاصمة المتوسطية تُظهر أن جانبيها: الريفي والمعولم يتداخلان في غير زاوية من الزوايا، بحيث إن ألفة العيش والحفاظ على التقاليد الموروثة، المتأتيين من مصدر ريفي، وبخاصة في فترات السلم الأهلي، لا يلغيان الجانب المعولم من المدينة، الذي تعكسه رحابتها الإنسانية وتنوعها الثقافي وانفتاحها على الآخر، بقدر ما تعكسه شرفاتها المطلة على الخارج، ومقاهي رصيفها التي تتقاسم مع الشوارع قوة الحياة وبهجتها وديناميتها المتجددة. كما أن هذين الوجهين للمدينة قد أسهما في نشوء ظاهرة الحانات الثقافية ذات المناحي الاستثمارية المتصلة باقتصاد الثقافة من جهة، كما أنتجا الصالونات الأدبية المنزلية و«غير الربحية» من جهة أخرى.
على أن الهدوء والرخاء النسبيين اللذين نعمت بهما المدينة في العقدين التاليين للحرب، ما لبثا أن أخليا مكانيهما للتوترات السياسية والأهلية، كما للانهيار الاقتصادي التدريجي الذي زاد من تفاقمه فساد السلطات المتعاقبة، ووباء الـ«كورونا» والانفجار الزلزالي لمرفأ المدينة.
وفي حين بدأت الحانات الثقافية بالإقفال واحدة تلو الأخرى، إثر عجز مستثمريها من المثقفين عن دفع أكلافها الباهظة، كما كان حال «جدل بيزنطي» و«شبابيك» و«دينامو» و«زوايا» وغيرها، فإن معظم الصالونات الثقافية المنزلية قد آلت بدورها إلى الإقفال، كنتيجة حتمية لانهيار الطبقة الوسطى وعجز أصحابها عن القيام بموجبات الضيافة، كما تقتضي التقاليد اللبنانية. أما ثالثة الأثافي فقد تمثلت بإعلان النادي الثقافي العربي قبل سنوات أربع عن تعذر الاستمرار في إقامة معرض بيروت للكتاب، ليس فقط بفعل الاستشراء المتعاظم لوباء الـ«كورونا»، بل بفعل الانهيار الاقتصادي الكارثي الذي تآكلت بسببه رواتب اللبنانيين ومداخيلهم.
وسط هذا الوضع الخانق للعاصمة اللبنانية، ارتأت الفنانة التشكيلية اللبنانية خيرات الزين أن تحول المبنى الذي تملكه في رأس بيروت إلى مجمع سكني لإقامة العديد من الإعلاميين والكتاب والنخب المثقفة، بعد أن قررت تقاضي بدلات إيجار منخفضة تتناسب مع الوضع المعيشي المتدهور لهذه النخب. وحين بدأت مقاهي الرصيف في شارع الحمراء ترفع أسعارها بشكل تصاعدي، وآثر الكثير من الكتاب النزوح إلى المقاهي ومداخل الحوانيت والزوايا الأقل كلفة الموزعة بين متفرعات الشارع، لم تتوان الزين عن إخلاء الطابق الأرضي من المبنى الذي تملكه، والمقابل لقصر الحريري المقفل، من مستأجريه، وتحويله إلى مقهى مجاني لأصدقائها الكثر من المثقفين والمشتغلين بالكتابة.


نوال الحوار في صالونها الأدبي - خيرات الزين في المقهى الخاص بها

والواقع أن خيرات الزين منذ مغادرتها الجنوب اللبناني متجهة إلى بيروت قبل عقود من الزمن، لم تتأخر في ترك بصمتها الخاصة على مستويين اثنين؛ المستوى إلا بداعي الذي عبرت عنه من خلال لوحاتها الفنية التي تتأرجح بين الأسلوبين الواقعي والتعبيري، والمستوى الشخصي والإنساني الذي ترفده بالألفة عيناها المشعتان ببريق أمومي وابتسامتها النديّة التي توزعها بالتساوي على الحاضرين. والزين التي أقامت عبر مسيرتها الفنية عدداً من المعارض الفردية والجماعية، ما لبثت أن توجت مسيرتها التشكيلية بكتاب «منام الماء» الذي عملت من خلاله على «تأنيث» الحرف العربي المنحني كالأهلّة على ماضيه الجنيني من جهة، وعلى اجتراح سردياتٍ للحروف مشتقةٍ من ترجيعاتها المحسوسة والمتخيلة، من جهة أخرى.
ومع أن أكثر المترددين إلى «مضافة» خيرات المظللة بالأشجار المعمرة، والغارقة منذ سنوات في هدوئها الدهري، كانوا يحسبون أن بادرتها تلك، لا تعدو كونها حالة مؤقتة، وأن الأمور لن تلبث أن تتغير بعد حين، ليتم إدخال المقهى في دورة الاستثمار التقليدي للأماكن المدينية، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل راح مثقفون جدد يتقاطرون إلى المكان، خاصة أن الفنانة ذات الابتسامة الدائمة، رفعت منسوب الضيافة، لتشمل إلى القهوة والشاي والمشروبات الساخنة، ضروباً متنوعة من الفاكهة والعصائر والحلوى. وفي وقت لاحق تحول المقهى وفناؤه الخارجي، إلى فضاء ثقافي يومي تُعلق اللوحات على جدرانه، وتقام فيه المعارض والندوات وحلقات الحوار، وتناقش الإصدارات الجديدة بمختلف عناوينها وأشكالها. ومن بين الأنشطة التي أطلقتها الزين في مقهاها الثقافي، توقيع الشاعر اللبناني محمد حمود لديوانه «رماد العمر»، ورشيد الضعيف لروايته «الوجه الآخر للظل»، والكاتب يحيى حمود لروايته «رحيل»، وإقامة معرضين تشكيليين لكل من الفنانين عمران القيسي وعبد المولى العويني، إضافة إلى اللقاء الحاشد الذي استضافه المقهى تكريماً للشاعر الراحل حسن عبد الله.
أما نوال الحوار التي وصلت إلى بيروت بهدف الدراسة، قادمة من القامشلي في منتصف تسعينات القرن المنصرم، ومتحدرةً من قبيلة طي الشهيرة، فقد بدت لحظة دخولها مقهى الكافي دو باري في الحمراء، بعباءتها المقصبة وسمرتها الجذابة وشعرها الأسود المنسدل على كتفيها، واحدة من أميرات بادية الشام اللواتي عملت مواطنتها الكاتبة لينا هويان الحسن على تظهير سيَرهن المشوقة، في رائعتها الروائية «سلطانات الرمل». على أن الحوار لم تكن لترضى بأن يشكل الجمال وحده بطاقة انتسابها إلى المدينة الخارجة للتو من حربها الأهلية الدامية، فحرصت على رفد موهبتها الشعرية بما يلزمها من أسباب التطور والنماء، مصدرة مجموعات شعرية عدة، من بينها «القطا في مهب العطش» و«تغريبة الغزالة»، كما عملت في مجال الإعلام المرئي، مقدمةً العديد من البرامج الثقافية المميزة.
ومنذ عام ونصف عام تقريباً، عقدت الحوار العزم على تحويل المنزل الذي تمتلكه في محلة رأس النبع، إلى صالون ثقافي سمته «صالون 15»، مشيرة بذلك إلى عدد الأشخاص الذين يمكن استيعابهم في ردهة الاستقبال، ومتجنبة الحرج الذي يسببه لها بعض الملحين على الحضور. ومع أن صاحبة «قهوة المساء» لم تكف عن استقبال أعداد إضافية من الكتاب، والكاتبات على نحو خاص، بقدر كبير من الحفاوة والمرح وكرم الضيافة، إلا أن هذه الأعداد لم تكف عن التزايد، خاصة أن الندوات المقامة تكون متبوعة في العادة بأطباق شهية من الأطعمة، وبأخرى مماثلة من الفاكهة والحلوى. كما أن أنشطة الصالون لم تقتصر على المحاضرات والأمسيات التي أحياها عدد من المفكرين والشعراء والكتاب العرب، من أمثال عبد الحسين شعبان وحسن عبد الحميد وسهيل زافارو وفارس حرام وسامي كليب وفيصل جلول ونصري الصايغ وحسان الحديثي وجميلة حسين وليندا نصار ولوركا سبيتي ويسرى بيطار وحنان فرفور وأسيل سقلاوي وخليل حمادة، بل كثيراً ما تخللت الأنشطة المعقودة أو تبعتها فواصل غنائية وموسيقية وترفيهية، وفقاً لمقتضيات السهرات وطبيعتها والمشاركين فيها.
وإذ تنبغي الإشارة أخيراً إلى أن نفحة من الحياة بدأت منذ أشهر بالسريان في أوصال المدينة المنهكة، سواء من خلال عودة معرض بيروت الدولي للكتاب إلى فتح أبوابه بعد أربع سنوات من الإغلاق، أو عبر مزاولة بعض الصالونات والمنتديات الثقافية لأنشطتها السابقة، أو مواظبة «مسرح المدينة» على تقديم عروضه، فإن ما تبذله الرسامة الزين والشاعرة الحوار من جهود شخصية حثيثة لوصل المدينة ببعض وهجها القديم، هو أمر يستحق التقدير والمؤازرة، في زمن الخيبات المتلاحقة والانهيارات الكبرى والتصحر الثقافي والروحي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تقنية جديدة تسرّع علاج التهاب المسالك البولية

الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
TT

تقنية جديدة تسرّع علاج التهاب المسالك البولية

الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)

طوّر باحثون في جامعة ريدينغ البريطانية اختباراً سريعاً للبول، يمكنه تحديد المضاد الحيوي المناسب لعلاج التهابات المسالك البولية خلال ساعات، بدلاً من أيام، كما هي الحال في الطرق التقليدية.

وأوضح الفريق أن هذا التسريع في اختيار العلاج، يقلل بشكل كبير من خطر تطور العدوى إلى مضاعفات خطيرة؛ مثل تعفن الدم، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Journal of Antimicrobial Chemotherapy».

والتهابات المسالك البولية عدوى شائعة تصيب أي جزء من الجهاز البولي، بما في ذلك الكلى والمثانة والحالبان. وتظهر أعراضها عادة على شكل حرقة عند التبول، وكثرة التبول، وأحياناً ألم في أسفل البطن أو الحوض، وتكثر هذه الالتهابات بين النساء. وإذا لم تُعالج بشكل مناسب، يمكن أن تنتشر العدوى لتصل إلى الكلى، وتسبب مضاعفات خطيرة مثل الحمى أو تعفن الدم. وغالباً ما تكون البكتيريا، خصوصاً الإشريكية القولونية، السبب الرئيسي لهذه الالتهابات، ويحتاج المريض في معظم الحالات إلى تناول المضادات الحيوية لعلاج العدوى والسيطرة على الأعراض.

وتعتمد الطرق التقليدية على زراعة البكتيريا في المختبر لليلة كاملة قبل اختبار حساسيتها للمضادات الحيوية، وهي عملية تستغرق من يومين إلى 3 أيام. أما الاختبار الجديد فيتجاوز هذه المرحلة تماماً، حيث تُغمس شريحة تحتوي على أنابيب دقيقة محملة بمضادات حيوية مختلفة مباشرة في عينة البول، ثم تُراقب البكتيريا باستخدام التصوير البصري.

وإذا توقف نمو البكتيريا في أحد الأنابيب، فهذا يدل على فاعلية المضاد الحيوي الموجود فيه، أما استمرار النمو فيشير إلى عدم جدواه، مما يمكّن الطبيب من اختيار العلاج المناسب خلال أقل من 6 ساعات.

وشملت الدراسة تحليل 352 عينة بول مأخوذة من مرضى يشتبه في إصابتهم بالتهابات المسالك البولية. وتمكّن الأطباء من تحديد المضاد الحيوي المناسب خلال متوسط زمن بلغ 5.85 ساعة فقط، مقارنة بالطرق التقليدية التي تستغرق من يومين إلى 3 أيام. وأظهرت النتائج توافقاً بنسبة 96.95 في المائة مع الطرق المرجعية عند اختبار 7 مضادات حيوية تُستخدم بوصفها خطاً أول للعلاج.

كما أظهرت دراسة ثانية على 90 عينة مزدوجة، تم جمعها وتخزينها مع ومن دون مادة حافظة، توافقاً بلغ 98.75 في المائة، ما يؤكد أن استخدام المواد الحافظة لا يؤثر على دقة الاختبار المباشر.

وأشار الباحثون إلى أن الطرق الحالية قد تؤدي أحياناً إلى انتهاء المريض من تناول المضاد الحيوي قبل ظهور النتائج، أو تلقيه علاجاً غير فعّال، ولذلك، يسهم الاختبار السريع في تقليل خطر مقاومة البكتيريا للأدوية، ومنع تطور العدوى إلى حالات خطيرة مثل تعفن الدم، ما يمثل خطوة مهمة في مواجهة التحدي العالمي المتمثل في مقاومة المضادات الحيوية.

وأكد الفريق أن الحصول على العلاج الصحيح من المرة الأولى قد يكون منقذاً للحياة، مشيرين إلى أن الاختبار السريع يعطي نتائج في اليوم نفسه، ما قد يغير طريقة التعامل مع هذه العدوى في الممارسة الطبية، ويُحدث تحولاً ملموساً في تشخيص وعلاج التهابات المسالك البولية خلال السنوات المقبلة.


الذكاء الاصطناعي ينقذ كلبة من الموت بالسرطان

تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)
تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)
TT

الذكاء الاصطناعي ينقذ كلبة من الموت بالسرطان

تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)
تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)

لجأ أسترالي إلى الذكاء الاصطناعي لتصميم علاج تجريبي لكلبته التي تعاني من سرطان في مرحلته النهائية وإنقاذها من موت محتّم.

لأكثر من سنة، لم تلقَ الكلبة «روزي» التشخيص المناسب لمرضها، فتدهورت حالتها. وبعد علاج كيميائي وآخر مناعي وجراحة، بدأت التكاليف تتراكم على بول كانينغهام، فقرّر البحث عن خيارات أخرى.

وأخبر كاننيغهام المتخصّص في الذكاء الاصطناعي في سيدني وكالة الصحافة الفرنسية: «كنت على تواصل مستمرّ مع (تشات جي بي تي) و(جيميناي) و(غروك) للتعمّق في دراسة العلاجات المتوفّرة للسرطان».

وبناءً على إرشادات روبوتات الدردشة، أنفق ثلاثة آلاف دولار لتحليل مجين روزي.

واستخدم الأدوات عينها لتحليل بيانات الحمض النووي قبل اللجوء إلى «آلفا فولد»، وهو نموذج ذكاء اصطناعي علمي. وبناء على توصية من «تشات جي بي تي»، طلب الأسترالي مساعدة فريق من جامعة «نيو ساوث ويلز» وباحثين أستراليين آخرين.

وباتت روزي اليوم في وضع أفضل بكثير وتقلّص ورمها وهي تتعافى منه جزئياً، بعد استخدامها لقاحاً بالحمض النووي الريبي المرسال أعقبه علاج مناعي قوي في ديسمبر (كانون الأول).

وأكّد صاحبها: «باتت أكثر نشاطاً بكثير».

ولفتت حالتها انتباه سام ألتمان، المدير التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» المطوّرة لـ«تشات جي بي تي»، الذي قال إنها «قصّة مذهلة». ولا يدّعي بول كانينغهام أنه عثر على علاج سحري، غير أن نضاله يسلّط الضوء على قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع وتيرة الأبحاث الطبّية، حسب الباحثين.


نشاط بدني بسيط يومياً للوقاية من 8 أمراض

الركض من الأنشطة المكثفة المفيدة للصحة (جامعة أوريغون)
الركض من الأنشطة المكثفة المفيدة للصحة (جامعة أوريغون)
TT

نشاط بدني بسيط يومياً للوقاية من 8 أمراض

الركض من الأنشطة المكثفة المفيدة للصحة (جامعة أوريغون)
الركض من الأنشطة المكثفة المفيدة للصحة (جامعة أوريغون)

وجدت دراسة دولية أن ممارسة نشاط بدني قصير وبسيط، لكنه مكثف، يومياً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بثمانية أمراض رئيسية، بما في ذلك التهاب المفاصل وأمراض القلب والخرف.

وأوضح الباحثون، بقيادة جامعة وسط الصين وبالتعاون مع باحثين من بريطانيا وأستراليا والبرازيل، أن جودة النشاط البدني وكثافته قد تكون أكثر أهمية من مقدار النشاط وحده، ونُشرت النتائج، الاثنين بالمجلة الأوروبية لأمراض القلب.

وشارك في الدراسة أكثر من 96 ألف شخص من المملكة المتحدة، ارتدوا أجهزة قياس الحركة على معصمهم لمدة أسبوع لرصد جميع الحركات، بما في ذلك الفترات القصيرة من النشاط المكثف التي غالباً ما يتم تجاهلها. وقام الباحثون بحساب إجمالي النشاط البدني ونسبة النشاط المكثف الذي يرفع معدل التنفس ويجعل الشخص يلهث، ثم تابعوا خطر الإصابة بالأمراض على مدى سبع سنوات.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يمارسون نشاطاً مكثفاً لفترات قصيرة يومياً كانوا أقل عُرضة للإصابة بالثمانية أمراض الرئيسية، التي تشمل: الأمراض القلبية الوعائية (النوبات القلبية والسكتة الدماغية)، واضطرابات نظم القلب، والسكري من النوع الثاني، والأمراض الالتهابية المناعية مثل التهاب المفاصل والصدفية، وأمراض الكبد المزمنة، والأمراض التنفسية المزمنة، وأمراض الكلى المزمنة، والخرف.

وأشارت الدراسة إلى أنه حتى فترات قصيرة من النشاط المكثف، مثل الركض للوصول إلى الحافلة أو صعود السلالم بسرعة، خفّضت بشكل ملحوظ خطر الإصابة بالأمراض والوفاة، خصوصاً الأمراض الالتهابية والقلبية والدماغية.

ولفت الباحثون إلى أن الأشخاص الذين قضوا نسبة أكبر من نشاطهم الكلي في نشاط مكثف سجلوا انخفاضاً كبيراً في خطر الإصابة بالأمراض. على سبيل المثال، مقارنة بمن لم يمارسوا أي نشاط مكثف، انخفض خطر الإصابة بالخرف بنسبة 63 في المائة، وخطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني بنسبة 60 في المائة، وخطر الوفاة بنسبة 46 في المائة. واستمرت هذه الفوائد حتى عندما كان وقت النشاط محدوداً.

كما تبين أن كثافة النشاط كانت أكثر أهمية لبعض الأمراض مقارنة بأخرى؛ ففي الأمراض الالتهابية مثل التهاب المفاصل والصدفية، كانت كثافة النشاط العامل الأساسي لتقليل الخطر، بينما بالنسبة للسكري وأمراض الكبد المزمنة، كان كل من مقدار النشاط وكثافته مهمين.

وأوضح الباحثون أن النشاط المكثف يحفز استجابات محددة في الجسم لا يمكن للنشاط منخفض الكثافة تحقيقها بالكامل. وأثناء النشاط المكثف، يصبح القلب أكثر كفاءة، وتزداد مرونة الأوعية الدموية، كما تتحسن قدرة الجسم على استخدام الأكسجين. ويقلل النشاط المكثف الالتهابات، ما يفسر الفوائد الكبيرة للأمراض الالتهابية، كما يحفز مواد كيميائية في الدماغ تساعد على الحفاظ على صحة الخلايا العصبية، ما يقلل خطر الخرف.

وأشار الفريق إلى أن النشاط المكثف لا يتطلب الذهاب إلى الصالات الرياضية، بل يمكن دمجه بسهولة في الحياة اليومية، عبر صعود السلالم بسرعة، أو المشي السريع بين المهمات، أو اللعب النشط مع الأطفال. وحتى 15 إلى 20 دقيقة أسبوعياً، أي بضع دقائق يومياً، كانت مرتبطة بفوائد صحية ملموسة.

وأكد الباحثون أن النشاط المكثف قد لا يكون آمناً للجميع، خصوصاً كبار السن أو الأشخاص المصابين بحالات طبية معينة، لكن أي زيادة في الحركة مفيدة، ويجب تكييف النشاط البدني وفقاً للقدرات والظروف الفردية.